الفصل 315. المخ ضد الجوزة (2)
امتلك آلموند خبرة اجتماعية تفيد بأن التعلل بدخول الحمام لا يصمد لأكثر من ثلاثين دقيقة؛ فبالنظر لوقت الذهاب والإياب، يُعد تجاوز النصف ساعة أمرًا مريبًا في العادة.
بطبيعة الحال، لن يهرعوا للبحث عن جانغ سونغسو فورًا لمجرد استغرابهم.
علاوة على ذلك، استطاع آلموند المماطلة باستخدام هاتف جانغ سونغسو؛ فقدر أن لديه مهلة تقارب الساعة.
“أمامي ساعة واحدة تقريبًا.” تمتم آلموند وانتقل للمرحلة التالية من خطته.
“أحضرا الصناديق المليئة بالخبز.”
سحبت هيونا العربة المحملة بالصناديق؛ ولم تكن الصناديق ثقيلة لأن معظم محتواها كان من الخبز.
“نحو الدرج الغربي.”
وجهت هيونا العربة صوب الدرج الغربي الأقرب إلى المتجر.
وقف الثلاثة أمام درجات السلم الغربي، واستجمعوا شجاعتهم لبرهة.
“فلنفتحه بهدوء.”
أومأ الجميع برؤوسهم صامتين لكلمات آلموند، وبدا التوتر جليًّا عليهم.
صرير.
فتحوا باب الحريق المؤدي للطابق الأول لأول مرة؛ وكانت أول خطوة تطأ فيها أقدامهم أرضية الطابق الأول منذ اندلاع الكارثة.
←↓↑→
ضم ملحق الطابق الأول مكاتب المعلمين وعيادة التمريض والمكاتب الإدارية.
تمثلت النقطة الأهم في عيادة التمريض بما تحويه من مضارب غولف وأسِرة ومؤن ومستلزمات طبية؛ فقد حوت كل ما يلزم للنجاة، غير أن المشكلة كمنت في عصابة بايك جونسو.
عجز كيم جوهيوك عن مواجهة بايك جونسو؛ فلو التقاه مباشرة، لتجمد رعبًا وعجز عن الحركة، وتوجب عليهم السيطرة على العيادة دون الاصطدام به.
صرير.
صعد الثلاثة بحذر نحو الطابق الأول بحثًا عن منفذ آمن.
نقل آلموند وهيونا وسوهيون صناديق الخبز بتوتر بالغ لنقلها للطابق الثاني؛ واجهتهم معضلة رفع العربة عبر السلم، لكنهم حسموها سريعًا.
“مهلًا، يا سوهيون.”
“أنا جاهز.”
بإشارة من هيونا، جلب سوهيون لوحًا كرتونيًّا متينًا أعده جانبًا من طبقات ورق مقوى متراصة.
وضعته هيونا على حافة الدرجات صانعة منحدرًا مائلًا.
طق… طق.
ثبتوه قطعة تلو الأخرى حتى شيدوا مسارًا يكفي لعبور العربة بأمان.
وضع سوهيون يديه على الصناديق وساعد في جر العربة للأعلى.
“كن حذرًا للغاية.”
رغم إحكام ربط الصناديق بالحبال، ظل توازنها مهددًا بالاهتزاز.
دفعت هيونا العربة لأعلى بأقصى درجات الحيطة تفاديًا لانقلابها؛ فدفعت من الخلف بينما تولى سوهيون السحب من الأمام.
تمثل دور آلموند في تأمين الطريق؛ فتقدم بمفرده أولًا للتحقق من خلو الممر.
حين بلغت هيونا منتصف الدرج صاعدة بالعربة، تفقد آلموند جانبي الرواق في الطابق الأول بنظرات فاحصة.
‘المكان آمن وخالٍ.’
غابت أي آثار للزومبي في الطابق الأول، فنشاط عصابة بايك جونسو جعل بقاء أي زومبي مستحيلًا؛ لذا اكتفت العصابة بحارس منفرد لتأمين المدخل.
استخف بايك جونسو بالأمر ظانًّا أن خصومه هم الزومبي فقط؛ فتراخى، وسيرتد تراخيه وبالًا عليه.
أشار آلموند إليهما بالصعود.
“اصعدا الآن.”
قرقرة.
دفعت هيونا وسوهيون العربة؛ فأصدرت العجلات صريرًا خافتًا، فالصناديق ضخمة لكنها خفيفة بفعل الخبز.
— هذا مخزن خبز حقيقي متنقل.
— كم رغيف خبز تنوي تهريبه يا رجل؟! هههههه.
— ألا يشبه هذا مهمة توصيل الخبز المدرسية؟ هههههه.
— حمولة خبز فائقة للحد المسموح.
— ابتعدوا عن طريقي! أنا عبد الخبز الحقيقي الآن!
انفجر المشاهدون في نافذة البث بالضحك من انشغال آلموند بنقل الخبز.
لكن الموقف داخل اللعبة ظل مشحونًا بالتوتر؛ فماذا لو صعد أحدهم للحمام وصادف آلموند؟ ستنهار الخطة برمتها؛ لهذا واصل آلموند مراقبة المحادثة الجماعية بدقة.
اعتاد أفراد العصابة الإبلاغ عن تحركاتهم في المحادثة، وراقب آلموند تلك الرسائل لتفادي أي مصادفة؛ وفجأة رفع يده مشيرًا للأعلى.
“فلننطلق للأعلى فورًا.”
حان الآن توجيه أنظارهم بالكامل نحو الطابق الثاني.
←↓↑→
مثَّل الطابق الثاني منطقة مجهولة لم تطأها أقدام العصابة قط؛ واحتوى فصولًا دراسية ومختبرات علمية.
لم تشكل كائنات الزومبي أي قلق لآلموند؛ فطبيعة كيم جوهيوك تجفل أمام بايك جونسو حصرًا، أما أمام الزومبي فلا يرتعد.
فكر آلموند بنقيض ما فكر به رفيقاه تمامًا.
‘الأماكن التي يعج فيها الزومبي تمنحني أفضلية تكتيكية كبرى.’
كلما زاد عدد الزومبي، تحولت البيئة لصالح كيم جوهيوك؛ فخطتهم تتطلب التمركز في نقطة حصينة هناك تمهيدًا للإطباق على الخصوم.
“سأتقدم أولًا لتأمين الدرج.”
صعد آلموند مشهرًا سلاحه ومتحفزًا لأي طارئ.
جلب سوهيون الألواح الكرتونية وبدأ يرصفها على درجات السلم المؤدية للطابق الثاني لتمهيد صعود العربة.
طرق… طرق.
تردد في السكون صدى رصف الألواح؛ وأثار احتكاك الكرتون بالرخام قلق سوهيون مخافة لفت الأنظار.
رغم ذلك، توجب إكمال الخطة، وراقب سوهيون ظهر آلموند المتقدم بثبات.
توقف آلموند فجأة، فظن سوهيون أنه توقف بدافع الحيطة، غير أن الحقيقة كانت مغايرة.
“باب الحريق…”
انسد المسار نحو الطابق الثاني بباب حريق مغلق بإحكام، وعجزوا عن مواصلة السير.
— سحقًا، هل الباب مغلق بإحكام؟
— وما العمل في هذه الورطة الآن؟
— خطة أخرى مهددة بالانهيار…
جربوا هز المقبض بأمل، لكن لسان القفل كان ثابتًا في مكانه.
في المعتاد، تفتح أبواب الحريق من الطوابق العليا نحو الأسفل لتسهيل الإخلاء، ويستحيل فتحها عكسيًّا من الأسفل صونًا للسلامة عند الحرائق.
مع ذلك، توجد طرق لفتحه بالقوة كطرق المقبض كما فعل كيم ووجونغ سابقًا، وهي ميزة لرجال الإطفاء.
لم تكمن المعضلة في مجرد كسر القفل، بل في التبعات…
‘لو ضربت الباب لخلعه، سأحدث جلبة معدنية مدوية.’
سيرتد صدى ارتطام الحديد بالحديد في المبنى الساكن، والعيادة قريبة؛ وحينها سيتنبه بايك جونسو ورجاله فورًا.
“ماذا عسانا أن نفعل الآن…؟” همس سوهيون بحيرة.
فجأة، مد سوهيون يده نحو خصلات شعر هيونا.
“مهلًا، ما الذي تفعله برأسي!؟”
كتمت هيونا صرختها وأطلقت استنكارًا هامسًا.
ثبتها سوهيون وسحب دبوس شعر معدنيًّا من بين خصلاتها.
“أنا أجيد فتح الأقفال بمثل هذه الأدوات.”
اقترب سوهيون من باب الحريق حاملًا دبوس الشعر بتركيز.
رمشت هيونا بذهول وخصلات شعرها مبعثرة.
“هل كنت لصًّا في ماضيك أم ماذا؟”
لم تشاهد فتح الأقفال بالدبابيس إلا في القصص المصورة والأفلام، فمن يشهد هذا واقعيًّا؟
“عشت في ماضيَّ حياة معقدة ومليئة بالمفارقات.”
وضع سوهيون الدبوس في فمه وأرجع شعره الطويل خلف أذنيه، ثم انحنى يتفحص ثقب القفل بدقة.
“ممتاز؛ هذا القفل من طراز قديم للغاية، وسينجح الأمر معه بسهولة.”
كما ذكر تمامًا، اتسم المبنى بقدم طرازه؛ ولهذا نفعت معه تلك الحيل القديمة.
طق… طقطقة.
تلاعب سوهيون برأس الدبوس محركًا المسامير الداخلية للقفل.
“ها هو ذا قد استجاب!”
كلاك!
— مهارات شوارع احترافية حقًّا.
— هل تدرب على هذا في مابل ستوري؟ ههههههه.
— كيف يعقل إتقان هذا واقعيًّا؟ ههههه.
أثمرت براعة سوهيون عن فتح باب الحريق دون إحداث أي جلبة تثير الشبهات.
بيد أنهم غفلوا عن حقيقة بارزة: الطابق الثاني مثل منطقة مجهولة لم يسبق لأحد سبر أغوارها.
“لكن تُرى من أوصد باب الحريق هذا بالمفتاح؟” تساءل سوهيون مستشعرًا ريبة غامضة.
الأرجح أنها صنيعة عصابة بايك جونسو.
“بايك جونسو دون شك؟ يا خبز البيتزا، ساعدني فقط في دفع العربة ودعك من التساؤلات.”
“كلا… فكر في الأمر قليلًا؛ لمَ قد تعمد عصابة بايك جونسو لإقفاله؟ لو أغلقوه بالمفتاح، لعجزوا عن الصعود بأنفسهم.”
“…؟”
ساد صمت ثقيل لبرهة.
إغلاق الباب عمدًا يعني وجود زومبي بالداخل؛ غير أن الأعداد المعتدلة لا تعجز عصابة مسلحة، فحتى حين بوغتوا سابقًا، لم يفقدوا سوى فردين وسحقوا البقية.
“هل يحوي الداخل أعدادًا هائلة تفوق قدرتهم على مجابهتها؟” تمتم آلموند ثم خطا للأمام دون تردد.
لم يجد سوهيون لحظة واحدة لثنيه.
— ههههههههه.
— لمَ يتقدم هكذا بكل أريحية؟
— أوه، هل يظن المكان فائق الخطورة؟ (بينما يخطو نحوه بهدوء تام).
— هاهاهاها.
— ؟؟؟ على أية حال، لا قبل لهم بمنافستي.
أذهلت تلك الجرأة سوهيون وهيونا معًا؛ ففي ذهن آلموند، لا يشكل الزومبي أي خطر مهما بلغت أعدادهم.
‘سارت الأمور تمامًا وفق توقعاتي.’
تعمد آلموند التوجه صوب مكان مكتظ بالزومبي؛ فالخطر الحقيقي الذي يهدده تمثل في بايك جونسو ويون سوهي تحديدًا.
توخى آلموند أقصى الحيطة عند ولوجه الطابق الأول خشية مباغتة أفراد العصابة، وليس خوفًا من موتى الأحياء.
كلاك.
خطا آلموند بثبات نحو الطابق الثاني، ثم جفل متفاجئًا في موضعه.
بدا المكان موحشًا وخاويًا بالكامل، دون أي أثر للحياة.
‘ما الذي يجري هنا؟’
لم يجد أثرًا لأي كائن زومبي يتجول في الأرجاء.
“لا وجود لأحد هنا؛ اصعدا بسرعة.”
“أحقًّا ما تقول؟”
أومأ آلموند برأسه مؤكدًا خلو المكان.
خلا الطابق تمامًا؛ فلو وجد زومبي واحد لتردد زمجيره المألوف. بدا الأمر مريبًا للغاية.
حفيف.
دفعت هيونا وسوهيون العربة للأعلى حتى استقرت في الطابق.
أحدثت عجلات العربة صوتًا أعلى قليلًا من السابق؛ وظل آلموند يتفقد الرواق بعينيه، غير أنه لم يستشعر أدنى أثر للزومبي.
“ها قد وصلنا أخيرًا.”
“أوووف، يا للراحة.”
استقرت العربة في ممر الطابق الثاني؛ واكتملت تحضيراتهم الأساسية لانطلاق خطتهم.
“بهذه الإمدادات، سنصمد أسبوعًا بأكمله دون عناء.” قالت هيونا مستحضرة خبرتها في المقصف المدرسي.
“حسنًا، فلنتحرك نحو الفصل الأقرب إلى موقع ورشة البناء.” قال آلموند وهو يرد باب الحريق مكانه ويغلقه خلفهم.
طاخ.
“إغلاقه يحقق مصلحتنا؛ فلن يتنبهوا لغيابنا لفترة طويلة.” تمتم سوهيون متأملًا الباب الموصد بارتياح.
“لكن يظل السؤال: لمَ كان مغلقًا في الأساس؟ لا أثر لأي زومبي هنا إطلاقًا.”
لم يروا أي زومبي، ومع ذلك هُجر هذا الطابق الفسيح وأوصد بابه بالمفتاح؛ وحتى لو خلت الفصول من النفائس، فالكتب تصلح وقودًا وأزياء الرياضة تصلح كسوة بديلة.
“فصل 1-8 هو الفصل الأقرب للموقع.”
تقدم آلموند الطريق متفحصًا الخريطة المصغرة في واجهة شاشته.
طنين… طنين.
في غضون ذلك، بدأ الهاتفان المحمولان اللذان استولى عليهما بالاهتزاز المتواصل داخل جيبه.
←↓↑→
“لماذا لا يجيب على اتصالاتي؟” تساءلت يون سوهي وهي تزم شفتيها بضيق.
“ألم تذكري أنه أرسل رسائل نصية؟”
“بلى… أرسل رسائل، ولكن…”
[لأنني في دورة المياه.]
تواصل تدفق الرسائل المقتضبة حتى تلك اللحظة.
خطفت يون سوهي الهاتف من يد رفيقها بنفاد صبر.
“هل فقد هذا الفتى صوابه؟”
[مهلًا، كم ستمكث في دورة المياه؟ أنا يون سوهي. لمَ لا ترد على الاتصال؟]
[اتصال؟ لم يصلني أي اتصال على الإطلاق…]
[ماذا تعني؟]
ترددت يون سوهي مفكرة في احتمال تعطل شبكة الاتصال الصوتي في ظل الكارثة؛ وتذكرت إبان زلزال سابق أن تطبيقات التراسل بقيت تعمل بينما انهارت المكالمات الصوتية تمامًا.
[متى ستنتهي من هناك إذن؟]
[لا أعلم تحديدًا، أعاني من إمساك مؤلم. ما خطبكِ تلحين هكذا؟ هل تحتاجينني في أمر طارئ الآن؟]
‘ليس في الحقيقة.’
[تعجبت فقط كيف يقضي إنسان ساعة كاملة في دورة المياه، لذا أردت الاطمئنان والاتصال بك.]
[حسنًا، اذهبي للنوم. ألم نتفق على شن الهجوم مع بزوغ الفجر؟]
[حسنًا.]
ألقت يون سوهي بالهاتف على الطاولة المجاورة وجلست فوق حافة السرير.
ساور صدرها شعور ثقيل بعدم الاطمئنان.
“ما سر هذا المزاج العكر؟” سأل بايك جونسو وهو مستلقٍ على فراشه.
“لا شيء.”
أنكرت ذلك، غير أن تلك الريبة الغامضة ظلت تتنامى في عقلها.
“لحظة واحدة…”
فتحت المحادثة الجماعية على هاتفها مجددًا، وشرعت في التمرير ببطء نحو الأعلى متفحصة السجلات القديمة.
“هل كان هذا الفتى يتحدث بهذا الأسلوب دومًا؟”
انتبهت بحدة إلى أن نبرة حديث جانغ سونغسو وطريقة صياغته قد تغيرت على نحو غريب ومريب.
————————
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.