الفصل 322. العائلة (1)
“زفير…” هدأ سانغهيون روعه واستجمع رباطة جأشه بأنفاس عميقة.
لم تغفل الدكتورة سونغ هانا وميض المشاعر الخاطف الذي لمع في عينيه.
‘لقد تشبث بالأمل.’
أدركت الطبيبة بعمق مشاعر المرضى الذين عجزوا عن استخدام أطرافهم لسنوات طوال؛ فأدنى بصيص أمل في عقولهم يتحول إلى ألعاب نارية متوهجة؛ ويظلون يتشبثون بأي قشة رجاء حتى العام الخامس، ثم ينقلب ذلك الرجاء إلى يأس مرير من حقيقة استحالة الشفاء؛ ويقضي أولئك المرضى نهارهم في بكاء ونحيب…
عقب تلك المرحلة، يطرأ عليهم تبدل جذري؛ فإذا حدثهم أحد عن الأمل، تفاعلوا بريبة وسلبية حادة؛ إذ تحول ذلك إلى آلية دفاع نفسي لحماية أنفسهم من تجرع مرارة الخيبة مجددًا؛ فقد لقنتهم السنوات الخمس الماضية درسًا قاسيًا بأن أطرافهم لن تعود لسابق عهدها.
لذا اعتادوا رفض كل كلمة معسولة تبشرهم بالشفاء؛ وكانت تشوي سارانغ على تلك الشاكلة حتى استمعت لتفاصيل القصة كاملة؛ وها هو سانغهيون يظهر رد الفعل ذاته.
حين حدقت سونغ هانا في عينيه، بدت نظرته كمن يراقب محتالًا دجالًا لا طبيبة معالجة.
‘رغم ذلك، راوده الأمل للحظة خاطفة.’
لمست سونغ هانا بذرة الأمل فيه؛ إذ رأتها تعبر عينيه لبرهة وجيزة.
‘طالما احتفظ المريض بنظرة إيجابية، غدا كل علاج أيسر بكثير.’
تؤثر الحالة النفسية للمريض على جسده بصورة حاسمة، سواء عبر إفراز الهرمونات أم بتأثيرات حيوية أخرى؛ فثمة علاقة سببية حتمية لا ينكرها أي طبيب.
إن استسلم المريض لليأس، انعدمت سبل التقدم مهما بلغ تطور العلاج؛ وفي المقابل، يبقى الأمل حيًّا ما دام المريض متشبثًا به.
“احم…”
تنحنحت سونغ هانا لتنقية حلقها، وأضاءت شاشة الهولوجرام؛ ثم تحدثت بنبرة مرحة كمعلمة تخاطب أطفال الروضة.
“بدايةً، رأيت أنه من المفيد لكما، بوصفكما الحالتين الوحيدتين المسجلتين في بلادنا، أن تطلعا على تفاصيل حالتكما المتبادلة؛ وقد شرحت هذا الأمر سابقًا، أليس كذلك؟”
أومأ سانغهيون برأسه مؤكدًا.
“أجل.”
وافق الطرفان مسبقًا على تبادل البيانات لأغراض البحث والعلاج.
“وتعلم أنني أتلقى بيانات كبسولتك بانتظام، صحيح؟”
“نعم.”
اتفقا على ذلك أيضًا لخدمة البحث الطبي؛ فكان سانغهيون يرسل بيانات كبسولته إلى سونغ هانا يوميًّا.
“استنادًا إلى تلك المعطيات، ابتكرت معادلات رياضية دقيقة؛ ويصعب شرحها بتعقيداتها، لذا صممتها لقياس التطور بدقة؛ وتلك المعادلات تخصصي الأصيل، حتى إن نظام التوافق العصبي طوره أستاذي سابقًا.”
عرضت سونغ هانا حروف ‘SKED’ على لوحة الهولوجرام؛ ولأنها لم تفسر الحرف الأول، خمن سانغهيون أنه يرمز لاسم عائلتها ‘سونغ’.
“اعتبروه مؤشرًا للتوافق العصبي؛ وبتعبير أبسط، يوضح بالأرقام مدى تدهور أو تحسن أداء أطرافكما؛ فالقيمة الموجبة تعني تحسنًا بالضرورة، والقيمة السالبة تشير إلى تراجع؛ فهل نلقي نظرة على النتائج؟”
ظهرت بيانات تشوي سارانغ أولًا على اللوحة.
[تشوي سارانغ]
[سالب 1.7]
انخفض مؤشر التوافق العصبي لدى تشوي سارانغ بمقدار 1.7 خلال هذا الشهر.
‘تراجع؟’
اتسعت عينا سانغهيون دهشة واستغرابًا.
‘الحفاظ على استقرار المؤشر بحد ذاته إنجاز شاق، فكيف تراجع لديها؟ ماذا كانت تفعل طوال تلك الفترة؟ ألم تعتزل جونجابا اللعب نهائيًّا؟’
غير أن الوقت لم يسمح بالقلق على شؤون الآخرين.
“فلنطالع نتائج سانغهيون الآن، ما رأيكما؟”
“…!؟”
[يو سانغهيون]
[سالب 3.2]
هبطت قيمة سانغهيون بمقدار 3.2؛ ولحسن حظه أنه لم يعلق آمالًا عريضة منذ البداية.
طمأن نفسه في قرارة سره: ‘يبدو أنها أنباء غير سارة.’
شعر بالحماقة لتشبثه بذرة أمل واهية.
‘ما الممتع والمشوق في هذا الأمر إذن؟ أترى جونجابا تستعذب الألم والمعاناة؟’
تلاطمت الأفكار في ذهنه واجتاحته موجة ساخنة؛ ورغم ندرة تعرضه للاضطراب العاطفي، اهتزت مشاعره بصورة غير معتادة رغم إدراكه أن الحديث في بدايته فقط.
عجز عقله عن مجاراة الموقف، بينما خفق قلبه بوجيب متسارع ونفاد صبر.
“لا تجزع كثيرًا.”
فطنت سونغ هانا لارتباكه، فربتت على يده برفق مهدئة من روعه.
“هذه القيمة تتناقص طبيعيًّا مع التقدم في العمر، شأنها شأن المفاصل التي لا تستعيد شبابها؛ وثبات هذا المؤشر دون انخفاض يعادل توقف الشيخوخة ذاتها.”
‘أوه… هكذا تسير الأمور إذن؟’
“فهمت الآن…”
شعر سانغهيون بارتياح نسبي؛ فالقيم الموجبة مستحيلة بيولوجيًّا، والقيم السالبة أمر طبيعي يماثل التقدم في السن؛ وتلاشت الحرارة الخانقة من حلقه تدريجيًّا.
“هدفنا الأساسي يكمن في إبطاء وتيرة هذا التدهور قدر الإمكان؛ لكننا لا نستطيع تمضية حياتنا متمددين كالجثث الهامدة، أليس كذلك؟”
أومأت سونغ هانا نحو الاثنين سائلة تأكيدهما.
“كم يمكننا إبطاء التراجع مع الاستمتاع بحياة حافلة بالنشاط؟ هذا هو التوازن الفعال الذي ننشده.”
بمعنى آخر: عيش الحياة بملئها مع إبطاء وتيرة الفناء قدر المستطاع؛ وتلك غاية مشتركة يسعى إليها الجميع.
“منذ أن غيرت كبسولتك السابقة، انخفض معدل تدهور أطرافك مقارنة بساعات لعبك الطويلة بصورة ملحوظة.”
بدت تلك بشرى ممتازة؛ فتبديل الكبسولة لم يقتصر على نتائج سطحية كتقليل التعرق، بل أحدث فارقًا جوهريًّا في بنيته العصبية.
“أبدت سارانغ اهتمامًا بتلك الكبسولة وطلبت واحدة لنفسها بالفعل.”
أومأت تشوي سارانغ برأسها مؤكدة حديث الطبيبة.
“سانغهيون، إن واصلت اللعب بهذه الوتيرة، ستفقد ذراعك اليمنى القدرة على أداء الأنشطة اليومية المعتادة حين تبلغ الستينيات من عمرك.”
“…؟”
‘في الستينيات؟ أسمعت ذلك بوضوح؟ سأعجز عن استخدام يدي في شؤوني اليومية عند الستين؟’
“أخبرتك سلفًا أن التراجع مستمر حتمًا؛ وهذا عارض طبيعي قد يصيب أي شخص يبلغ الستين حين يضعف جسده.”
بدا الأمر منطقيًّا في تلك السن المتقدمة؛ فالمرء قد يحتاج لمفاصل صناعية آنذاك، وتتآكل غضاريفه؛ غير أن سماع التقدير الطبي المباشر أحدث وقعًا مغايرًا في نفسه.
استرسلت سونغ هانا قائلة: “لكن! إن امتنعت عن استخدام الكبسولة بصورة متواصلة، فبتقديري يمكنك الاحتفاظ بقدرة ذراعك حتى سن الثمانين.”
فارق يبلغ عشرين عامًا… على سانغهيون التضحية بعشرين عامًا من سلامة طرفه في سبيل شغفه بالبث والألعاب.
‘عشرون عامًا؟’
ابتلع ريقه بجفاف؛ عشرون عامًا من العيش كالموتى دون بث، أم عشرون عامًا من الاستمتاع بالحياة مع بلوغ حد التحمل مبكرًا؟
حسم سانغهيون خياره في الحال؛ وتذكر كم تطلب منه الأمر من سنوات قاسية ليتعافى خلال فترة عزلته الخانقة.
عشرون عامًا تفصل بين الستين والثمانين لا تقارن بعشرين عامًا بين الثلاثين والخمسين؛ حتى الهرمونات التي يفرزها الجسد تختلف قيمتها وأثرها كليًّا.
“أنا سأختار…”
تهيأ سانغهيون للإفصاح عن قراره؛ فرأى أن المسألة لا تحتمل ترددًا، بيد أن سونغ هانا لم تكن تنتظر جوابه في الواقع.
“لكن ثمة ظاهرة استثنائية ومثيرة للدهشة ظهرت مؤخرًا.”
هنا تجلت ذروة المفاجأة.
حفيف.
تبدلت معطيات الهولوجرام بإشارة خاطفة من يد سونغ هانا.
“قد تبدو المسألة هامشية مقارنة بالبيانات الشهرية، لكن الغريب حقًّا…”
أظهرت الشاشة معطيات ثلاثة أيام محددة فقط.
“طوال هذه الأيام الثلاثة، لم يتراجع مؤشر التوافق العصبي لديك قيد أنملة أثناء استخدامك للكبسولة!”
“عفوًا؟”
“لتدرك مدى إعجاز الأمر، سأصوغه لك بأسلوب مبسط.” أشارت سونغ هانا نحو الساعة واستطردت: “سانغهيون، تجمد زمنك البيولوجي ليومين كاملين أثناء مكوثك في الكبسولة؛ فلم تتقدم في العمر مطلقًا خلالهما! هذا اكتشاف علمي هائل.”
ثم أردفت وهي تنقر على لوحة المفاتيح: “ربما نجد هنا الخيط السحري لعلاج ذراعك وساقيك بالكامل.”
“أرسلت تلك البيانات إلى معهد أبحاث متخصص في الولايات المتحدة؛ وأبدوا حماسًا بالغًا وتعهدوا ببدء التجارب فورًا.”
توالت المراسلات والرسوم البيانية على الشاشة، غير أن سانغهيون عجز عن تمييز تفاصيلها لغشاوة مفاجئة اعترت بصره؛ وتدفقت الدماء الساخنة في أذنيه حتى عجز عن استيعاب بقية الشرح.
“فلنفكر في الأمر بإيجابية؛ أرى أن هذا ممكن حقًّا.”
ترددت تلك الجملة الأخيرة في حنايا عقله كصدى لا ينقطع.
‘بإيجابية…’
كانت تلك أول عبارة مفعمة بالأمل يسمعها بشأن ذراعه المصابة منذ سنوات.
‘أحقًّا ما أسمع؟ أيحدث هذا بالفعل؟ أيصح لي أن أصدق ذلك؟’
اختلف الإحساس هذه المرة كليًّا؛ فنبهه حدسه الداخلي إلى صدق الأمر؛ فهذا يختلف تمامًا عن الآمال الزائفة التي تعلقت بها نفسه سابقًا.
ارتعشت ذراعه اليمنى؛ بل سرت الرعدة في أوصال جسده بأكمله.
تفرست تشوي سارانغ في ملامحه وسألته برقة: “… أتبكي؟”
“بل تثاءبت فقط.”
سارع سانغهيون بالنفي وهز رأسه مداريًا تأثره.
←↓↑→
خضع سانغهيون وسارانغ لفحوصات دورية استمرت بضع ساعات، لاحتساب هامش الخطأ بين قياسات الكبسولة والأرقام الفعلية.
“نفحص الفارق الدقيق بين قراءات الكبسولة والقياسات الحية.”
تابعت سونغ هانا فحص المؤشرات وأردفت: “كما توقعت، لا توجد انحرافات تتجاوز الهامش الطبيعي؛ سانغهيون، تبدو في صحة ممتازة بفضل التزامك اليومي بالرياضة.”
شملت الفحوصات مسحًا صحيًّا شاملًا.
“مستويات الهرمونات لديك مثالية؛ وكذلك الأمر بالنسبة لسارانغ، غير أن وزنك مؤخرًا…”
صمتت سونغ هانا فجأة إثر رمقة حادة كالخنجر سددتها سارانغ نحوها.
“ههههه، أنصحك ببدء نهارك بوجبة إفطار خفيفة لتنشيط عملية الأيض اليومية.”
أدرك سانغهيون مغزى الحديث كرياضي سابق وتظاهر بالجهل التام.
فالجلوس الدائم على كرسي متحرك يسبب زيادة الوزن حتمًا، فضلًا عن إحاطتها بأصناف الطعام الشهية؛ وتذكر وجبتهما المشتركة السابقة، حيث أقبلت سارانغ على الأكل بشهية وافرة رغم أناقتها ووقارها المعتاد.
“أحسنتما صنعًا اليوم! شكرًا لتعاونكما الجميل!”
بهذا اختتمت الاستشارات الطبية بالكامل.
انتظرت سيارة سيدان فاخرة ومهيبة خارج المركز الطبي؛ وحتى سانغهيون، الزاهد في عالم السيارات، ميز طرازها من مقاطع يوتيوب حول ‘أغلى سيارات العالم’؛ ولم تكن حافلة النقل الكبيرة التي أقلتها في المرة السابقة.
“شكرًا لك.”
أعربت سارانغ عن امتنانها لسانغهيون لدفع كرسيها المتحرك؛ فاليوم لم يرافقها حراسها في الداخل، واستغنت عنهم بفضل كرسيها الكهربائي المتطور.
تطوع سانغهيون لدفع الكرسي تهذيبًا، فبدت سعيدة بتلك اللفتة وذكرت أن مرافقة شخص لها يمنحها إحساسًا بالأمان والاستقرار يفوق حركتها المنفردة.
انفتح باب السائق وسارع أحد المرافقين نحوها بلهفة.
“آنستي، لِمَ لم تتصلي بنا لنصعد إليكِ؟”
بدا أنه كان يفترض بهم استقبالها في الداخل.
“أستطيع التحرك بمفردي.” أجابت سارانغ وهي تقترب من السيارة بخفة.
‘عجبًا؟’
حك سانغهيون رأسه حيرة أمام هذا التناقض البسيط، لكنه سرعان ما تجاوز الأمر.
“سارانغ!” انطلق صوت جهوري لرجل مهيب في منتصف العمر.
ترجل رجل مفتول البنية قوي الملامح من المقعد الخلفي.
“آه… أبي، أخبرتك ألا تأتي.”
تبخرت هالة الوقار والرزانة التي ميزت المرأة الناضجة، وحلت محلها ملامح فتاة مراهقة تعاتب والدها بحرج.
“عن أي شيء تتحدثين؟ جئت لرؤية ابنتي الغالية!”
حضر والدها بنفسه إذن.
“صوتك مرتفع للغاية يا أبي؛ ولماذا أحضرت هذه السيارة الاستعراضية الصاخبة…”
“ما الاستعراضي فيها؟ إنها مجرد سيارة سيدان سوداء عادية؛ حتى أنني لم أجرِ عليها أي تعديلات! هل أغيرها برأيك؟ كرجل، أردت فقط…”
“كفى أرجوك يا أبي.”
“آه، لا بد أنك آلموند!” هدر صوت والدها بحرارة وهو يقترب بخطوات واثقة.
“نعم، تشرفت بلقائك يا سيدي.” حياه آلموند باحترام.
“أشكرك على دفع كرسي ابنتي المتحرك اليوم.”
أبدى امتنانه بالكلمات، غير أن عينيه بدتا كأنهما تقولان: ‘كرسي ابنتي لا يدفعه أي شخص عابر.’
تراجع آلموند خطوة إلى الوراء.
“أبي.”
التفت الرجل المهيب بسرعة إثر نبرة ابنته الحازمة؛ واختفت تلك النظرة الحادة التي رآها سانغهيون منه لتحل محلها ابتسامة مرتبكة.
“هاهاها، حسنًا، حسنًا.”
مسح شعره إلى الخلف ومد يده لمصافحته.
“على الرجال أن يتصافحوا دومًا عند الافتراق.”
“شرف لي مصافحتك يا سيدي.”
صافحه سانغهيون بأدب جم؛ وتخوف من قبضة يد ساحقة، غير أن الرجل خفف من ضغطه احترامًا لنظرات ابنته المراقبة.
“أبي…!” هتفت سارانغ محذرة من نافذة السيارة.
“هاهاها! أراك في المرة القادمة يا آلموند.”
بدا كرجل فاحش الثراء وناجح لدرجة تعجز العقول عن تصورها؛ غير أن مشهد ارتباكه وتراجعه أمام ابنته رسم ابتسامة دافئة على شفتي سانغهيون.
غبطهم سانغهيون في قرارة نفسه على دفء العائلة…
“وها قد وصل من يقلك أنت أيضًا.”
اقتربت سيارة مألوفة، وأطل رفيقاه منها ملوحين بحماس.
“آلموند!”
“يا جوزة!”
بدت السعادة غامرة على محياهما بعد موعد غرامي ناجح.
لوح سانغهيون لهما بابتسامة عريضة، وشعر ببهجة غامرة تماثل فرحتهما.
————————
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.