في مدينة يو.
كانت المعارك عبر السهول المحيطة قد احتدمت سنين بلا نهاية. وقد دُفعت هاوية الخطيئة أكثر من مرة على يد أعداء أقوياء إلى بوابات مدينة يو نفسها. وفي كل مرة، كانت تقاتل بيأس والمدينة خلف ظهرها، تصدّ العدو.
ومنذ القدم، كانت مدينة يو حصنًا حيويًّا لهاوية الخطيئة، تحرس بوابتها الشمالية.
وبعد أن قررت هاوية الخطيئة الانسحاب والدفاع عن مدينة يو، كانت قد أتمّت استعداداتها الشاملة منذ زمن طويل. وكانت الترتيبات داخل المدينة متينة كحصن حديدي.
لكن في هذه اللحظة، كان المزارعون في الداخل مفعمين بالقلق. وبدت الحيرة على وجوههم وهم ينفذون الأوامر، لكن الخوف وعدم اليقين كانا عالقين في أعماق عيونهم.
فقبل عدة أشهر، حين شنّ تحالف النطاقين هجومه المضاد، أُجبرت هاوية الخطيئة على تراجع مطّرد. ومع ذلك لم تكن خائفة.
فقد اعتقدوا أنه ما دام الخبراء الثلاثة الكبار باقين، فإن تحالف النطاقين لا يملك سوى اليد العليا. وفي أسوأ الأحوال، سيتخلون عما استولوا عليه سابقًا، لكن موطن هاوية الخطيئة سيبقى آمنًا.
وعلى مرّ السنين، كانت هاوية الخطيئة قد احتلت ما يقرب من نصف مرتفعات تيانشينغ.
أما الذين نجوا من ساحة المعركة فقد جمعوا ثروات تفوق الخيال. وكان الوقت مثاليًّا للعودة والراحة وتوطيد المكاسب. لكن الآن، تغيّر كل شيء!
وبعد أشهر من الانسحاب الواسع، انتهى أخيرًا في صباح ذلك اليوم نفسه. فقد انسحبت كل قوات هاوية الخطيئة بنجاح وتجمّعت في مدينة يو.
ومع أنهم فقدوا السهول وتكبدوا خسائر فادحة، فإن قوتهم الأساسية لم تتضرر جوهريًّا.
وفوق ذلك، كانت هاوية الخطيئة قد توصلت إلى مصالحة مع قوى الصحراء. وقد أسرع المزارعون الذين كانوا مقيَّدين على الجبهة الغربية إلى مدينة يو لإعادة التجمع، استعدادًا لمواجهة جيش تحالف النطاقين القادم.
وكان مزارعو هاوية الخطيئة يفيضون ثقة، واثقين من قدرتهم على إبقاء العدو خارج المدينة.
ولم يتوقع أحد أنه قبل أن يصل العدو حتى، ستندلع الفوضى في صفوفهم هم، وبين الأسلاف العظام من مرحلة الرضيع الروحي تحديدًا!
وفي ذلك الوقت، كان المزارعون ينفذون الأوامر وينشرون الدفاعات بانتظام. وكان كل شيء طبيعيًّا. وبصفتهم محاربين قدامى خاضوا معارك لا تُحصى، فقد اعتادوا منذ زمن بعيد على مثل هذه المهام.
ثم فجأة، ارتجّت مدينة يو بعنف! وبعد ذلك مباشرة، شهدوا مشهدًا مروّعًا.
فمن قاعة المدينة الداخلية حيث يقيم الأسلاف العظام من مرحلة الرضيع الروحي، انطلقت تيارات من الضوء إلى السماء. وفي الوقت نفسه، دوّت صرخات معذَّبة وصيحات غاضبة.
ولم تكن الصرخة واحدة. بل ارتفعت وانخفضت تباعًا، كلٌّ منها مفعمة بألم لا يُحتمل، كالعواء اليائس قبل الموت، مثقلة بكراهية عميقة محفورة في العظام.
وكل من سمعها شعر بقشعريرة تسري في ظهره. والأشد رعبًا أن هذه الأصوات كانت كلها مألوفة. فكلها دون استثناء تعود لأسلافهم العظام من مرحلة الرضيع الروحي.
وفي اللحظة التالية، تصادمت تيارات الضوء تلك وتشابكت في منتصف الهواء، مشكّلةً كتلة متعددة الألوان مبهرة، جميلة بقدر ما كانت مفعمة بنية قتل مميتة.
ولاحظ ذوو الأعين الحادة أن داخل الأضواء هيئات متشابكة في قتال ضارٍ. كانت الأسلاف العظام من مرحلة الرضيع الروحي يقاتلون في فوضى.
هدير… كان مزارعو الرضيع الروحي من هاوية الخطيئة يتقاتلون فوق مدينة يو.
وسرعان ما اتضح أنه ليس قتالًا فوضويًّا. بل كانوا يحاصرون شخصًا واحدًا ويهاجمونه!
وأكدت الأصوات التي تلت شكوكهم.
“أيها الشيطان العجوز يي! هل جننت؟!”
“أتجرؤ على ذبح هذا العدد من الرفاق الداويين!”
“اقتلوه!”
زأر مزارعو الرضيع الروحي غضبًا.
وعند سماع هذه الصيحات، شحب مزارعو هاوية الخطيئة في الأسفل، وركّبوا بشكل غامض ما حدث.
كان الشيطان العجوز يي يذبح مزارعي الرضيع الروحي، مثيرًا سخطًا عامًّا! كيف يمكن هذا؟
ففي الماضي، كان سلوك الشيطان العجوز يي جديرًا حقًّا بلقب “الشيطان العجوز”. فقد كان متقلبًا قاسيًا، لا يقبله المسار الصالح.
لكن منذ التحالف بين الفصائل الصالحة والشيطانية، كبح نفسه كبحًا كبيرًا، بل صار يُعدّ كبيرًا موقّرًا.
لقد قاد من الأمام مرة بعد مرة، وازدهرت هاوية الخطيئة تحت قيادته. وحتى المسار الصالح بدأ يغيّر نظرته إليه.
أكان كل ذلك تمثيلًا؟ وأنه الآن فقط، ولم يعد لديه ما يخفيه، كشف عن نواياه الحقيقية؟
وبينما انتشرت الحيرة بين الجمع، تواصلت الصرخات من المدينة الداخلية، كل واحدة منها تعلن سقوط سلف أعظم من مرحلة الرضيع الروحي.
وأكثر ما أرعبهم أن هؤلاء الأسلاف العظام بدا أنهم عاجزون حتى عن الهرب برضعانهم الروحية. وانقطعت صرخاتهم فجأة، ثم تبعها صمت تام.
كان الشيطان العجوز يي مشهورًا بأنه الأقوى في عالم بيتشن، ومع ذلك لم يكن حتى مزارعًا عظيمًا. ومع هذا كانت قوته من الرعب بحيث يستطيع ذبح مزارعي الرضيع الروحي بسهولة أمام أعين الجميع.
اهتزت المدينة كلها. وسرى الذعر، وانهارت المعنويات. وأخيرًا، سكتت الصرخات.
وإذ كان الشيطان العجوز يي أقل عددًا، لم يستطع مواصلة القتال. فتحوّل إلى خط من ضوء أحمر دموي وانطلق نحو بوابات المدينة، على وشك الإفلات من مدينة يو.
حاول تسانغهونغ والآخرون إيقافه بيأس. لكن على غير المتوقع، كان الشيطان العجوز يي قد دمّر برج بلّور العالم السفلي، فلم يستطيعوا سوى مشاهدته وهو يهرب سالمًا.
وبعد حادثة كهذه، لم يكن هناك سبيل لتركه يمضي. فقاد تسانغهونغ مجموعة في المطاردة، وإن كان لديهم من الحضور الذهني ما جعلهم يتركون آخرين خلفهم لتثبيت الوضع. وإلا لسقطت مدينة يو بالفعل في فوضى تامة.
أُغلقت بوابات مدينة يو بإحكام. وفُعّلت مصفوفة حماية المدينة، متخذةً هيئة لوتس ضخم يشعّ بوهج أزرق سماوي، يغلّف المدينة كلها.
وطفت في السماء ثلاث هيئات. كانوا الأسلاف العظام من مرحلة الرضيع الروحي الذين تُركوا للحفاظ على النظام.
وواصل مزارعو هاوية الخطيئة طاعة الأوامر، لكن تعابيرهم كانت باهتة بلا حياة.
ولولا هؤلاء الثلاثة الذين يراقبونهم، لفرّ كثيرون من المدينة بالفعل. فبعد أحداث كهذه، كيف يمكنهم الدفاع عنها؟ كان الجميع مثقلين بالقلق. وكانت إرادة القتال لديهم قد تلاشت تقريبًا.
وفوق مدينة يو، بقي مزارعو الرضيع الروحي الثلاثة المتبقون علنًا في السماء، يثبّتون المعنويات.
وكان أحدهم رجلًا عجوزًا يبدو في غاية الهرم، ووجهه مغطى بتجاعيد عميقة. وأحاط به جو ثقيل من الانحطاط وهو جالس متربعًا في الهواء، بلا حراك.
بدا في حالة تأمل، لكن هالته كانت غير مستقرة، كأنه عانى إصابات داخلية بالغة. والغريب أنه لم تكن هناك جروح ظاهرة على جسده.
ووقف الاثنان الآخران على جانبيه، يعملان حارسين له.
وبينما كانا يصدران الأوامر، كانا أيضًا يتواصلان بالنقل الصوتي، والصدمة والغضب ما زالا ظاهرين على وجهيهما.
وأخيرًا، استقر وضع مدينة يو مؤقتًا.
ألقى الاثنان نظرة إلى الرجل العجوز في الأسفل، فتغيّر تعبيرهما تغيرًا جذريًّا.
ففي وقت قصير، ازدادت التجاعيد على وجهه عمقًا، وضعفت هالته ضعفًا كبيرًا، كأن حيويته تتسرب مع كل لحظة تمرّ.
كان سلفًا أعظم مؤسسًا، مهيبًا وقورًا في ما مضى. أما الآن، ففي لحظات معدودة، ابيضّ شعره تمامًا، وصار رجلًا عجوزًا هزيلًا على شفا الموت.
ولحسن الحظ، استقرت هالته. ومع أنه لم تكن هناك علامة تعافٍ، فلم يبدُ أنها ستتدهور أكثر.
تبادل الاثنان النظرات، ثم نظرا نحو الاتجاه الذي فرّ فيه الشيطان العجوز يي، وعيونهما مليئة بقلق عميق.
“ماذا يحاول الشيطان العجوز يي أن يفعل بالضبط؟”
“لا أحد يستطيع الآن أن يرى نواياه. كل شيء يتوقف على ما إذا كان الآخرون قادرين على اللحاق به.”
“لم يعودوا بعد! ومع أننا تصرفنا بسرعة وأغلقنا بوابات المدينة، فلا نستطيع ضمان أن جواسيس تحالف النطاقين لم يرسلوا الخبر بالفعل. وإن كانوا—”
وقبل أن ينهي كلامه، ارتجفت مصفوفة اللوتس خارج مدينة يو فجأة بعنف.
***
قال تشنيي بهدوء ألا يستعجلوا. ونظر حوله كأنه يبحث عن شيء. وبعد لحظة، قال: “اتبعوني.”
ومضت هيئات المجموعة وهي تتحرك، تتبع تشنيي بصمت نحو قمة جبل قريبة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.