وبعد لحظة، هبطت المجموعة من الجبل بأقصى سرعة.
وهذه المرة، بدت الثقة والحماس على وجوههم. واستخدم كلٌّ منهم أساليبه الخاصة لإخفاء هالته وهيئته وهم ينطلقون نحو مدينة يو.
بدا مسارهم كفوضى متشابكة، بلا أي نمط على الإطلاق، لكنهم سافروا بسلاسة طوال الطريق. وحتى بعد بلوغ ضواحي مدينة يو، لم ينبهوا روحًا واحدة.
وخارج مدينة يو، كشف تشين سانغ والآخرون عن أنفسهم من الظلال وراقبوا المدينة العظيمة. وفي اللحظة التي رأوا فيها الفوضى في الداخل، لم يعودوا يكترثون بالإخفاء واندفعوا مباشرة إلى مصفوفة اللوتس.
***
كان من بين مزارعي الرضيع الروحي الثلاثة الذين تُركوا لحراسة مدينة يو رجل يحمل لقب تشي. وكانت له صلات بكل من تسانغهونغ وتيانتشنغ، وهما شخصيتان شامختان من المسار الصالح، وكانا يثقان به ثقة عميقة.
وقف فوق سور المدينة، يشرف بنفسه على الدفاع ويوجّه المعركة.
لم يكن جيش العدو قد وصل بالكامل بعد، لكن تقريبًا كل مزارعي الرضيع الروحي في تحالف النطاقين كانوا قد تجمعوا بالفعل. وحتى مع قوة المصفوفة العظمى الحامية للمدينة، ظل الوضع محفوفًا بالخطر.
وقلقًا من المعركة، بقي جبينا الداوي تشي مقطبين بشدة.
لم يتوقع قط أن تتحقق كلماته السابقة. فقد فاقت شبكة استخبارات تحالف النطاقين توقعاتهم بكثير. وضربوا بسرعة، ونزلوا كجنود سماويين، وباغتوهم تمامًا.
حدّق بثبات في الهيئات خارج المدينة، لا يجرؤ على الاسترخاء لحظة واحدة.
ولحسن الحظ، كان جنود هاوية الخطيئة محاربين قدامى خاضوا معارك لا تُحصى وتنسّق بينهم تنسيقًا لا تشوبه شائبة. وبأمر واحد، اندفعت موجة تلو موجة من الهجمات كالفيضان وانصبّت في المصفوفة العظمى.
ومع أن تشين سانغ والآخرين كانوا جميعًا من مزارعي الرضيع الروحي، فقد كانوا داخل أرض العدو وواجهوا نيرانًا مركّزة من عشرات الآلاف. ولم يجرؤ أحد على الإهمال. فراوغوا وتحولوا جانبًا مرارًا، فتباطأ تقدمهم في كسر المصفوفة نتيجة لذلك.
ومع ذلك، لم يجلب هذا المشهد فرحًا يُذكر لوجه الداوي تشي.
فقد لحق تسانغهونغ بالشيطان العجوز يي ولم يعد بعد، تاركًا مدينة يو في أضعف حالاتها.
ولافتقارهم إلى خبراء أقوياء، لم يكن بوسعهم سوى الدفاع والمماطلة. ولم تكن لديهم القدرة على الاندفاع خارجًا ومواجهة العدو مباشرة، ولا أي وسيلة قادرة على تهديد حياة الأعداء. ونتيجة لذلك، لم يكن لدى المهاجمين ما يخشونه، فعاثوا في المصفوفة بتهور.
وإن استمر الأمر هكذا، فإن سقوط المصفوفة العظمى الحامية للمدينة مسألة وقت.
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت عاجل من بعيد. “أيها الداوي تشي، الوضع حرج! لقد بُنيت مصفوفة حراسة المدينة السابقة لتعمل بالتزامن مع برج بلّور العالم السفلي. والآن وقد دُمّر البرج، تأثرت المصفوفة أيضًا، وظهرت فيها عيوب. لقد جاؤوا بسرعة أكثر من اللازم. ولم يكن هناك وقت لإصلاح المصفوفة! لم يبقَ في المدينة سوى ثلاثة منا، ولا نملك القدرة على سدّ كل نقطة ضعف. وما إن يكتشفوا العيوب، ستهلك مدينة يو!”
اقترب الصوت أكثر فأكثر. وفي اللحظة التالية، طارت هيئة إلى أعلى سور المدينة. كان مزارع رضيع روحي آخر ممن تُركوا للدفاع عن مدينة يو، يحمل اسم تشيو هوان.
ولما رأى تشيو هوان مدى حرج المعركة، أسرع للتشاور مع الداوي تشي.
وبعد أن هبط بجانبه، ألقى تشيو هوان نظرة على أطلال برج بلّور العالم السفلي القريبة وأطلق تنهيدة خافتة.
كان أساس البرج سليمًا، لكن جسده قد تحطّم إلى حد لا يُعرف. فبعض أجزائه مغطاة بالشقوق، وبعضها انهار تمامًا إلى أكوام من الركام. أما الكرة البلّورية فوق القمة فقد اختفت منذ زمن، وأخذها الشيطان العجوز يي بالفعل.
قطّب الداوي تشي جبينه بشدة. فقد فهم المشكلة بطبيعة الحال، لكن لم يخطر بباله حل جيد. ولم يكن بوسعه سوى الصمود. وعندما رأى أن تشيو هوان يبدو أن لديه فكرة، سأل بسرعة: “أيها الداوي تشيو، ما خطتك؟”
“تخلَّ عن المدينة الخارجية!” أجاب تشيو هوان بحزم. “ففي اللحظات الحرجة، لا بد من التضحيات. وإن انتظرنا حتى تُخترق المدينة الخارجية، فسيكون قد فات الأوان لسحب قواتنا. أرجوك احسم الأمر سريعًا! فالمدينة الداخلية هي موقع مدينة يو الأصلي. ومصفوفتها الدفاعية العظمى تركها أسلافنا وصمدت أمام اختبار العصور. وحتى لو نشر تحالف النطاقين كامل قوته، فلن يخترقوها في وقت قصير. وستصمد حتى يعود الآخرون.”
صار تعبير الداوي تشي جادًّا، ومضى في عينيه تردد. فالتخلي عن المدينة الخارجية يعني ما هو أكثر بكثير من خسارة أراضٍ فحسب.
فخزائن الكنوز في أرجاء المدينة الخارجية كانت مكتظة بالموارد المعدّة للحرب الكبرى. وكلها ستقع في يد العدو.
وكانت هناك أيضًا مصفوفة حراسة المدينة، التي بنتها هاوية الخطيئة بتكلفة هائلة. وما إن يفقدوا المدينة الخارجية بوصفها حاجزًا، فلن يبقى لهم مكان يتراجعون إليه!
“أيها الداوي تشيو…” وبعد تردد لحظة، فتح الداوي تشي فمه ليتكلم.
وفجأة، اجتاحه إنذار عنيف في قلبه. ومضت نقطة من ضوء بارد إلى الوجود وانطلقت مباشرة نحو وجهه. وخزه ألم حاد بين حاجبيه.
“إنه أنت!” تغيّر تعبير الداوي تشي تغيرًا جذريًّا. وبزئير غاضب، تراجع بسرعة عالية، وانفجر ضوء أزرق سماوي مبهر من جسده كله.
وفي داخل ذلك الوهج الأزرق السماوي، ظهر طيف درع.
كان الدرع يبدو قديمًا باليًا. وبصراحة، كان عتيقًا رثًّا، كأنه رُكّب بخشونة من قطع لحاء شجر قديم.
ومع ذلك، ورغم مظهره الرث، دار الدرع بسرعة حول الداوي تشي. وومضت عليه نقوش لا تُحصى، عجيبة إلى حد لا يوصف، تطلق وهجًا أزرق سماويًّا كثيفًا ثقيلًا.
رنّ! اخترق سيف طائر ذهبي داكن بحجم الإبهام الضوء الأزرق السماوي وضرب الدرع، مُحدثًا رنين اصطدام المعدن بالمعدن الحاد.
ولما رأى تشيو هوان أنه لا يستطيع اختراق الدرع، استدعى السيف الذهبي، وومضت الدهشة على وجهه. فلم يتوقع أن يصدّ الداوي تشي هجومه الخاطف بهذه السهولة.
“أيها الوغد عديم الحياء! هل نسيت فضل تربية طائفتك لك؟ لقد خنت هاوية الخطيئة فعلًا وصرت طواعية كلبًا تابعًا لتحالف تيانشينغ!” كان الداوي تشي غاضبًا، وعدم التصديق مكتوب على وجهه كله.
كان تشيو هوان قد جاء من طائفة صالحة كبرى في هاوية الخطيئة، هي مقر هاوتيان. وكانت مكانته الحالية تأتي بعد زعيم الطائفة الأعلى مباشرة، فوق عشرة آلاف آخرين، ومستقبله أمامه بلا حدود. ومع ذلك كان جاسوسًا.
“أي كلب تابع؟ لقد وُلدت في تحالف تيانشينغ. وقبل هذا، كنت مجرد أجاري وأحافظ على المظاهر. ففي شبابي، كانت موهبتي ضعيفة وكنت منسيًّا. والسبب الوحيد في أنني حققت ما حققته اليوم هو أن تحالف تيانشينغ دعمني سرًّا، إضافةً إلى جهدي الخاص. أما مقر هاوتيان فلم يزد على أن أضاف الزهور إلى الديباج. ولم يعطني الكثير حقًّا،” قال تشيو هوان بهدوء، دون أدنى أثر من الخجل.
“ماذا؟ هل زرعك تحالف تيانشينغ في مقر هاوتيان؟” ذُهل الداوي تشي.
كان كل من تحالف تيانشينغ وهاوية الخطيئة يعلمان جيدًا بوجود جواسيس في صفوفهما. لكن أن يرتقي جاسوس إلى ما ارتقى إليه تشيو هوان كان نادرًا للغاية.
“مستحيل! لو كنت تحت سيطرة تحالف تيانشينغ منذ البداية، فلا سبيل لأن تكون قد بقيت مخفيًّا حتى الآن دون أن تترك أثرًا!”
سخر تشيو هوان. “سيطرة؟ لقد حاول السيد الداوي تشنيي استخدام أساليب للسيطرة عليّ، لكنني تحررت منها خلسة. وقبل اليوم، وحتى حين حُشدت القوات لمهاجمة تحالف تيانشينغ، لم أمرر لهم قطعة معلومات واحدة، ولم أفعل قط أي شيء يخون هاوية الخطيئة. وبالطبع لم تجد شيئًا يشير إليّ!
“وأي جانب أقف فيه كان يتوقف كليًّا على مزاجي. وبطبيعة الحال، كان عليّ أن أراهن على الجانبين. والآن وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد، فالوضع واضح. لقد قدّرتُ الأوقات واخترت المقامرة.
“لكنني لم أتوقع أن تكون بهذه القدرة. لقد أصابك سمّي اللاشكلي، ومع ذلك بقي جوهرك الحقيقي غير متأثر تمامًا، وصدَدتَ حتى سيف سقوط الغبار. وبهاتين الطريقتين وحدهما، قتلتُ يومًا شيطانًا عظيمًا من عالم التحوّل.”
وعند سماع ذلك، لم يعد الداوي تشي يخفي شيئًا وقال ببرود: “وهل ظننت حقًّا أنك لا تُضاهى في الدهاء، وأن الجميع لا يملكون سوى الرقص في كفك؟ أنت والوحش العجوز فنغ تطوعتما للبقاء ومساعدتي في الدفاع عن المدينة. وبطبيعة الحال، بقيت متيقظًا تحسّبًا لوقوع شيء.
“ومهما بلغت قوة سمّك اللاشكلي، فإن لم يستطع دخول جسدي، فلا فائدة منه. والحقيقة أنني كنت أحذر الوحش العجوز فنغ أكثر. فقد شككت في أنه تنكّر عمدًا بتلك الهيئة. ولم أتوقع قط أن يكون صاحب المشكلة هو أنت!”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.