بداية الأخبار السيئة والجيدة
الفصل الأول — بداية الأخبار السيئة والجيدة
كان الثلج يهطل بعنف فوق جبال الشمال.
لم يكن تساقطًا هادئًا يمكن تجاهله، بل عاصفة كاملة تهز أشجار الخيزران وتضرب أسقف المباني القديمة بلا توقف. الرياح تعبر الممرات الجبلية بصوت حاد، والبياض يبتلع الطريق شيئًا فشيئًا حتى يكاد يخفي كل أثر لمن مر قبله.
وسط تلك العاصفة، تحرك شخصان بصمت.
في المقدمة كان هان سول، بشعره الأبيض الطويل الذي تعبث به الرياح، وثيابه الفاتحة التي تحمل طابع عشيرة هان. خطواته ظلت ثابتة رغم الطريق القاسي، ونظرته بقيت هادئة كأن البرد المحيط به شيء اعتاد عليه منذ طفولته.
خلفه كان هان جين، بشعره الأسود الطويل وثيابه الداكنة التي تتخللها درجات الأبيض والأزرق. كان يحاول مجاراة رفيقه دون شكوى، لكن التعب بدأ يظهر في تنفسه وخطواته.
لاحظ هان سول ذلك.
التفت إليه قليلًا وقال:
«لقد وصلنا.»
رفع هان جين عينيه نحو المباني التي بدأت تظهر من خلف ستار الثلج.
«أنا بخير.»
لم يجادله هان سول.
واصلا السير حتى ظهرت بوابة عشيرة هان أمامهما. مبانٍ خشبية وخيزرانية ذات طابع صيني قديم امتدت بين الجبال، وقد غطى الثلج أسقفها المنحنية ومساراتها.
ما إن لمح أحد الحراس القادمين حتى استقام في مكانه، ثم صاح بصوت وصل إلى داخل العشيرة:
«لقد عاد الوريث!»
فُتحت البوابة.
دخل الاثنان إلى أراضي العشيرة، وبعد مسافة قصيرة توقف هان سول والتفت إلى رفيقه.
«يمكنك أن ترتاح الآن. غدًا عليك الاستعداد… المهمة لم تنتهِ بعد.»
أومأ هان جين.
«حسنًا. انتبه على نفسك… وتصبح على خير.»
افترق الاثنان.
واصل هان سول طريقه وحده بين المباني المغطاة بالثلج. وبعد خطوات، توقف فجأة.
رفع رأسه نحو السماء وأغمض عينيه.
استرخت يداه إلى جانبيه، وانخفض كتفاه، ثم أخذ نفسًا عميقًا ملأ به صدره قبل أن يطلق زفيرًا طويلًا.
وسط العاصفة والبرد، بدت على وجهه راحة لم تظهر منذ وصوله.
تمتم:
«ما من مكانٍ يشبه الوطن… ففيه تفتح عينيك على الحياة، وبين طرقاته تمضي عمرك، وإلى ترابه تعود حين ينتهي كل شيء.»
فتح عينيه مجددًا.
كانت هناك مسألة أهم من الراحة.
اتجه إلى أحد المباني الداخلية الكبيرة للعشيرة. وعند المدخل، وقف عدة رجال يرتدون زيًا أبيض موحدًا. لم تكن هيئاتهم كالحراس الموجودين عند البوابات؛ وقفتهم وحدها كانت كافية لتدل على أن مستواهم مختلف.
توقف هان سول أمامهم.
«هل هو موجود؟»
أجابه أحد الرجال مباشرة، وكأنه يعرف تمامًا عمن يسأل:
«نعم. إنه في الداخل.»
قال هان سول:
«هل يمكنني مقابلته الليلة؟ لدي أمر عاجل… ولا أظن أنه يحتمل الانتظار حتى الغد.»
تحرك الرجل جانبًا.
«يمكنك الدخول.»
في عمق المبنى، امتدت قاعة واسعة ذات طابع صيني قديم. الأعمدة الخشبية ارتفعت نحو السقف، بينما وصل صوت العاصفة من الخارج مكتومًا خلف الجدران.
في نهاية القاعة جلس رجل مسن.
هان يانغ، زعيم عشيرة هان.
كان ذا شعر أبيض طويل ولحية كثيفة تمتد نحو صدره، ويرتدي رداءً أبيض واسعًا تتخلله نقوش زرقاء رمادية دقيقة. إلى جواره استندت عصا طويلة مزينة بزخارف قديمة.
ورغم عمره، لم يكن في جلسته شيء يوحي بالضعف.
وصل صوت خطوات إلى خلف الباب.
لم يحتج هان يانغ إلى السؤال عن هوية القادم.
«يمكنك الدخول.»
انفتح الباب.
دخل هان سول وتقدم إلى الداخل، ثم أدى تحية تقليدية أمام معلمه.
تأمله هان يانغ للحظات.
«لقد مرت ثلاثة أشهر، يا تلميذي.»
أجاب هان سول:
«ليس لدي عذرٌ يبرر غيابي كل هذه المدة، أيها المعلم.»
ساد الصمت للحظة.
ثم رفع هان سول رأسه.
«عندما ذهبنا في المهمة، كان كل شيء طبيعيًا… كما يحدث في كل سنة.»
تغيرت نظرته.
«لكن ما رأيته هناك… صدمني.»
رفع هان يانغ عينيه إليه.
«إذن أخبرني.»
قال هان سول:
«هذه السنة قد تكون أصعب سنة تمر علينا… بسبب الشيء الذي سيأتي إلينا.»
ثم بدأ يشرح ما رآه.
ذئاب.
نمور.
وحيوانات مفترسة أخرى بأعداد هائلة تتحرك من الشمال.
لم تكن تسير بلا وجهة؛ كان مسارها يقودها نحو الأراضي المأهولة، نحو المملكة، وعشيرة يين، وأراضي عشيرة هان.
قال هان سول:
«أعدادها مختلفة تمامًا هذه المرة. ما رأيته في السنوات الماضية لا يقارن بهذا.»
وبحسب تقديره، لم يكن الخطر قريبًا بعد.
«بسرعة تحركها الحالية… قد تصل إلينا بعد أربعة أشهر تقريبًا.»
لكن الأعداد لم تكن أكثر ما أقلقه.
وسط تلك الجموع كانت تتحرك ثلاثة وحوش صقيع.
ذئب ثلجي ضخم، ذو فراء أبيض خشن وأنياب وحشية.
ونمر صقيعي هائل، تبرز من فمه أنياب طويلة بينما يتصاعد البرد مع أنفاسه.
وفي السماء، نسر صقيعي ضخم يشق العاصفة بجناحين هائلين.
استمع هان يانغ حتى النهاية.
«فهمت ما يقلقك… لكن يمكننا التصدي لهم. الأمر بسيط.»
لم يبدُ هان سول مقتنعًا.
«يمكننا ذلك، لكننا سنخسر بعض رجال العشيرة… وقد نخسر أشياء أهم من ذلك.»
صمت هان يانغ قليلًا.
«وما الذي تقترحه؟»
رفع هان سول نظره بثبات.
«أن نواجه هذه المحنة مع عشيرة يين… أو المملكة.»
تغيرت نظرة هان يانغ.
«ألا كبرياء لك؟ أتريد مساعدة خارجية لمواجهة مشكلة عشيرتك؟»
ظهر الغضب قليلًا على وجه هان سول.
«وهل علينا أن نرى بعضنا يُقتل من أجل كبريائك؟ ما المشكلة في قبول مساعدتهم؟ هذه المرة فقط.»
ساد توتر ثقيل في القاعة.
لكن هان سول لم يتراجع.
«يمكنك الحديث عن الكبرياء والعظمة والتضحية كما تشاء… لكنك ستبقى جالسًا على كرسيك، بينما يضحي الآخرون من أجل بقائك عليه.»
كانت كلماته كافية لتغيير الجو بالكامل.
نظر إليه هان يانغ بصمت.
ثم قال:
«هان سول… انصرف.»
خرج هان سول من المبنى دون كلمة أخرى.
ظهر الغضب على وجهه، لكن شيئًا من الحيرة اختلط به. لم يكن واضحًا حتى بالنسبة إليه إن كان قد تجاوز حدوده مع معلمه، أم أنه قال شيئًا كان يجب أن يُقال منذ البداية.
لم يبتعد كثيرًا.
وصل إلى مبنى متواضع قريب من مقر العشيرة ودخل.
ما إن رآه صاحب المكان حتى ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه.
«هان سول! أخيرًا عدت!»
تراجعت حدة ملامح هان سول قليلًا.
«كالعادة… لو سمحت.»
ابتسم الرجل.
«بالطبع! خذ راحتك، لن يزعجك أحد.»
ثم أضاف وكأن بينهما اتفاقًا قديمًا:
«وأنت لم تكن هنا أصلًا.»
صعد هان سول إلى غرفته.
كانت غرفة صينية بسيطة ومريحة؛ أرضية خشبية، فراش هادئ، طاولة منخفضة ونوافذ ورقية يتسلل عبرها الضوء الأبيض القادم من الثلج.
أغلق الباب.
ولأول مرة منذ عودته، أصبح وحده تمامًا.
استلقى محاولًا النوم، لكن الكلمات التي دارت بينه وبين معلمه ظلت تتردد في رأسه.
أغمض عينيه.
«لا بأس…»
سكت للحظة.
«لكل شيء حل.»
حل الصباح، لكن الشمس لم تظهر.
كانت السماء مغطاة بغيوم رمادية ثقيلة، واستمر الثلج في الهطول، وإن أصبحت العاصفة أهدأ من الليلة السابقة.
منذ الصباح، امتلأت إحدى ساحات عشيرة هان بالمقاتلين.
ارتدى معظمهم الزي القتالي للعشيرة؛ ملابس عملية يغلب عليها الأسود، تتداخل معها طبقات زرقاء وبيضاء تحمل طابع العشيرة.
وفي وسط الساحة، وقفت لوحة خشبية كبيرة عُلقت عليها عشرات المهام.
كان نظام العشيرة واضحًا:
كل من بلغ العشرين من أفرادها أصبح ملزمًا بأداء مهام العشيرة.
مرافقة القوافل، مراقبة الطرق، الحراسة، الاستطلاع، صيد الحيوانات الخطرة وغيرها.
ومع مرور الوقت، بدأت الأوراق تختفي واحدة تلو الأخرى.
عندما وصل هان سول، كان هان جين واقفًا أمام اللوحة منذ مدة، يتفحص ما تبقى.
نظر إلى الأوراق القليلة بانزعاج.
«يبدو أن الجميع أخذوا المهام السهلة…»
تنهد.
«ولم يتركوا لنا إلا الأصعب… بحقكم.»
اقترب هان سول.
«ما الذي بقي من المهام؟»
التفت إليه هان جين.
«شيء لن يعجبك إطلاقًا.»
اقترب هان سول من اللوحة وقرأ الورقة.
سرعان ما ظهر الانزعاج على وجهه.
«أين بقية المهام؟»
أجابه هان جين:
«أُخذت كلها. الجميع غادر منذ فترة… وأنت كنت لا تزال نائمًا بينما أنا واقف هنا أنتظرك.»
نظر هان سول مجددًا إلى الورقة.
تبادل الموارد مع عشيرة يين.
أخذها من اللوحة.
«هيا، لنتحرك. علينا إنهاؤها.»
رمقه هان جين باستغراب.
«لن تعترض على هذه المهمة؟»
أجابه هان سول:
«مع أنني أكره تلك العشيرة… لكن المهام تبقى مهامًا.»
تنهد هان جين.
«يا للحظ…»
بدأت الاستعدادات.
جُهزت قافلة وحُمّلت عرباتها بعدة جرار كبيرة محكمة الإغلاق، وثُبتت الحمولة جيدًا استعدادًا للطريق الطويل.
وبعد اكتمال كل شيء، انطلقت القافلة خارج أراضي عشيرة هان.
خلال الطريق، نظر هان جين إلى المسارات الممتدة بين الجبال.
«هل سنسلك طريق المملكة؟»
أجاب هان سول دون تردد:
«لا. طريق المملكة سيسبب لنا متاعب نحن في غنى عنها.»
اختارت القافلة طريقًا أكثر عزلة.
واستمرت الرحلة.
كان الليل قد حل عندما اقتربوا أخيرًا من أراضي عشيرة يين.
تغيرت البيئة من حولهم.
بقي البرد شديدًا، لكنه لم يعد مصحوبًا بالثلوج والجليد اللذين يميزان موطن عشيرة هان. الأرض كانت جافة، والسماء صافية نسبيًا، بينما غمر ضوء القمر الجبال المحيطة.
ومن بعيد، ظهرت عشيرة يين.
امتدت مبانيها الصينية الكلاسيكية الراقية بين الجبال، مبنية من الخشب والخيزران الداكن، بأسقف منحنية وتصاميم غريبة تميزها عن مباني عشيرة هان. انتشرت الفوانيس بين الطرق والمباني، واختلط ضوؤها الدافئ بضوء القمر البارد.
وصلت القافلة إلى البوابة.
وما إن دخلوا حتى بدأ سبب كراهية هان سول للمكان يظهر شيئًا فشيئًا.
كانت العشيرة صاخبة حتى في الليل.
الحانات ممتلئة، وأوعية الشراب في أيدي الكثيرين. بعض أفراد العشيرة يتجادلون وسط الطرقات، وبعضهم يضحك بصوت مرتفع، بينما يعود آخرون من رحلات بعيدة حاملين أسلحتهم وأمتعتهم.
كان السفر والترحال واضحين في أسلوب حياتهم، وكذلك حب الشراب والفوضى.
لم يهتم معظمهم بوصول قافلة من عشيرة أخرى.
لا استقبال، ولا تقدير يذكر.
مر هان سول بينهم وقد بدأ الضيق يظهر على وجهه.
التفت إلى هان جين.
«تولَّ أنت الأمور… لا أظن أنني سأتحمل هؤلاء الجهلاء طويلًا.»
وضع هان جين كفه على جبينه.
«أقسم أن هذه آخر مرة أقبل فيها مهمة كهذه معك.»
وصلت القافلة في النهاية إلى منطقة تبادل الموارد.
كان المكان ضخمًا؛ مخازن خشبية كبيرة، صفوف من الجرار والصناديق والأكياس، وعمال يتحركون باستمرار بين القوافل.
بدأ رجال الطرفين عملية التبادل.
أُنزلت الموارد التي جاءت بها عشيرة هان، وفي المقابل أُخرجت موارد عشيرة يين وحُمّلت على العربات.
وقف هان سول بعيدًا قليلًا عن حركة العمال.
أخرج ورقة المهمة.
نظر إليها للحظات، ثم مزقها إلى نصفين.
بالنسبة إليه، انتهت المهمة.
لكن قبل المغادرة، توقف فجأة.
تذكر شيئًا.
نظر إلى هان جين.
«لنستأجر ثلاث غرف لهذه الليلة.»
استغرب هان جين.
«ثلاث غرف؟ لماذا؟ من المفترض أن نعود إلى العشيرة غدًا صباحًا، نسلّم الموارد وتنتهي المهمة.»
ثم أضاف:
«وبعدها نستطيع أخيرًا أن نأخذ استراحة لفترة.»
نظر هان سول نحو المباني العميقة لعشيرة يين.
«لا أستطيع المغادرة بعد. هناك أمر ضروري.»
سكت قليلًا.
«يجب أن أقابل زعيم عشيرة يين.»
غادر الاثنان منطقة تبادل الموارد بحثًا عن مكان للإقامة. وكان الشخص الذي قاد القافلة يتبعهما ليستريح معهما، دون أن يظهر وسطهما أو يشارك في الحديث.
وأثناء سيرهما في أحد طرق العشيرة، ظهر شاب قادم من الجهة المقابلة.
شاب بملامح رجولية حادة وعينين ضيقتين بلون أزرق رمادي. شعره أسود طويل ومنسدل، تميل أطرافه إلى الأزرق الداكن، وتتوزع خصل منه أمام وجهه، حيث تظهر خدوش خفيفة على خده. يرتدي زيًا أسود مائلًا إلى النيلي، بنقوش زرقاء خافتة وحزام ملفوف حول خصره. ملامحه هادئة وقليلة التعبير، ونظرته توحي بعدم الاهتمام.
كان اسمه يين لين يان.
اقترب منهم بهدوء.
ومر مباشرة بجانب هان سول.
لم يتوقف أي منهما.
لا تحية.
لا نظرة.
ولا حتى إشارة تدل على أن أحدهما وجد الآخر جديرًا بالاهتمام.
استمر يين لين يان في طريقه، واستمر هان سول في طريقه كذلك.
بعد عدة خطوات، التفت هان جين قليلًا نحو الشاب الذي ابتعد عنهم، ثم عاد بنظره إلى هان سول.
«يبدو انك تعرفه؟»
لم ينظر هان سول خلفه.
واصل السير، وأجاب باقتضاب:
«نوعًا ما.»
الفصل الأول — بداية الأخبار السيئة والجيدة كان الثلج يهطل بعنف فوق جبال الشمال. لم يكن تساقطًا هادئًا يمكن تجاهله، بل عاصفة كاملة تهز أشجار الخيزران وتضرب أسقف المباني القديمة بلا توقف. الرياح تعبر الممرات الجبلية بصوت حاد، والبياض يبتلع الطريق شيئًا فشيئًا حتى يكاد يخفي كل أثر لمن مر قبله. وسط تلك العاصفة، تحرك شخصان بصمت. في المقدمة كان هان سول، بشعره الأبيض الطويل الذي تعبث به الرياح، وثيابه الفاتحة التي تحمل طابع عشيرة هان. خطواته ظلت ثابتة رغم الطريق القاسي، ونظرته بقيت هادئة كأن البرد المحيط به شيء اعتاد عليه منذ طفولته. خلفه كان هان جين، بشعره الأسود الطويل وثيابه الداكنة التي تتخللها درجات الأبيض والأزرق. كان يحاول مجاراة رفيقه دون شكوى، لكن التعب بدأ يظهر في تنفسه وخطواته. لاحظ هان سول ذلك. التفت إليه قليلًا وقال: «لقد وصلنا.» رفع هان جين عينيه نحو المباني التي بدأت تظهر من خلف ستار الثلج. «أنا بخير.» لم يجادله هان سول. واصلا السير حتى ظهرت بوابة عشيرة هان أمامهما. مبانٍ خشبية وخيزرانية ذات طابع صيني قديم امتدت بين الجبال، وقد غطى الثلج أسقفها المنحنية ومساراتها. ما إن لمح أحد الحراس القادمين حتى استقام في مكانه، ثم صاح بصوت وصل إلى داخل العشيرة: «لقد عاد الوريث!» فُتحت البوابة. دخل الاثنان إلى أراضي العشيرة، وبعد مسافة قصيرة توقف هان سول والتفت إلى رفيقه. «يمكنك أن ترتاح الآن. غدًا عليك الاستعداد… المهمة لم تنتهِ بعد.» أومأ هان جين. «حسنًا. انتبه على نفسك… وتصبح على خير.» افترق الاثنان. واصل هان سول طريقه وحده بين المباني المغطاة بالثلج. وبعد خطوات، توقف فجأة. رفع رأسه نحو السماء وأغمض عينيه. استرخت يداه إلى جانبيه، وانخفض كتفاه، ثم أخذ نفسًا عميقًا ملأ به صدره قبل أن يطلق زفيرًا طويلًا. وسط العاصفة والبرد، بدت على وجهه راحة لم تظهر منذ وصوله. تمتم: «ما من مكانٍ يشبه الوطن… ففيه تفتح عينيك على الحياة، وبين طرقاته تمضي عمرك، وإلى ترابه تعود حين ينتهي كل شيء.» فتح عينيه مجددًا. كانت هناك مسألة أهم من الراحة. اتجه إلى أحد المباني الداخلية الكبيرة للعشيرة. وعند المدخل، وقف عدة رجال يرتدون زيًا أبيض موحدًا. لم تكن هيئاتهم كالحراس الموجودين عند البوابات؛ وقفتهم وحدها كانت كافية لتدل على أن مستواهم مختلف. توقف هان سول أمامهم. «هل هو موجود؟» أجابه أحد الرجال مباشرة، وكأنه يعرف تمامًا عمن يسأل: «نعم. إنه في الداخل.» قال هان سول: «هل يمكنني مقابلته الليلة؟ لدي أمر عاجل… ولا أظن أنه يحتمل الانتظار حتى الغد.» تحرك الرجل جانبًا. «يمكنك الدخول.» في عمق المبنى، امتدت قاعة واسعة ذات طابع صيني قديم. الأعمدة الخشبية ارتفعت نحو السقف، بينما وصل صوت العاصفة من الخارج مكتومًا خلف الجدران. في نهاية القاعة جلس رجل مسن. هان يانغ، زعيم عشيرة هان. كان ذا شعر أبيض طويل ولحية كثيفة تمتد نحو صدره، ويرتدي رداءً أبيض واسعًا تتخلله نقوش زرقاء رمادية دقيقة. إلى جواره استندت عصا طويلة مزينة بزخارف قديمة. ورغم عمره، لم يكن في جلسته شيء يوحي بالضعف. وصل صوت خطوات إلى خلف الباب. لم يحتج هان يانغ إلى السؤال عن هوية القادم. «يمكنك الدخول.» انفتح الباب. دخل هان سول وتقدم إلى الداخل، ثم أدى تحية تقليدية أمام معلمه. تأمله هان يانغ للحظات. «لقد مرت ثلاثة أشهر، يا تلميذي.» أجاب هان سول: «ليس لدي عذرٌ يبرر غيابي كل هذه المدة، أيها المعلم.» ساد الصمت للحظة. ثم رفع هان سول رأسه. «عندما ذهبنا في المهمة، كان كل شيء طبيعيًا… كما يحدث في كل سنة.» تغيرت نظرته. «لكن ما رأيته هناك… صدمني.» رفع هان يانغ عينيه إليه. «إذن أخبرني.» قال هان سول: «هذه السنة قد تكون أصعب سنة تمر علينا… بسبب الشيء الذي سيأتي إلينا.» ثم بدأ يشرح ما رآه. ذئاب. نمور. وحيوانات مفترسة أخرى بأعداد هائلة تتحرك من الشمال. لم تكن تسير بلا وجهة؛ كان مسارها يقودها نحو الأراضي المأهولة، نحو المملكة، وعشيرة يين، وأراضي عشيرة هان. قال هان سول: «أعدادها مختلفة تمامًا هذه المرة. ما رأيته في السنوات الماضية لا يقارن بهذا.» وبحسب تقديره، لم يكن الخطر قريبًا بعد. «بسرعة تحركها الحالية… قد تصل إلينا بعد أربعة أشهر تقريبًا.» لكن الأعداد لم تكن أكثر ما أقلقه. وسط تلك الجموع كانت تتحرك ثلاثة وحوش صقيع. ذئب ثلجي ضخم، ذو فراء أبيض خشن وأنياب وحشية. ونمر صقيعي هائل، تبرز من فمه أنياب طويلة بينما يتصاعد البرد مع أنفاسه. وفي السماء، نسر صقيعي ضخم يشق العاصفة بجناحين هائلين. استمع هان يانغ حتى النهاية. «فهمت ما يقلقك… لكن يمكننا التصدي لهم. الأمر بسيط.» لم يبدُ هان سول مقتنعًا. «يمكننا ذلك، لكننا سنخسر بعض رجال العشيرة… وقد نخسر أشياء أهم من ذلك.» صمت هان يانغ قليلًا. «وما الذي تقترحه؟» رفع هان سول نظره بثبات. «أن نواجه هذه المحنة مع عشيرة يين… أو المملكة.» تغيرت نظرة هان يانغ. «ألا كبرياء لك؟ أتريد مساعدة خارجية لمواجهة مشكلة عشيرتك؟» ظهر الغضب قليلًا على وجه هان سول. «وهل علينا أن نرى بعضنا يُقتل من أجل كبريائك؟ ما المشكلة في قبول مساعدتهم؟ هذه المرة فقط.» ساد توتر ثقيل في القاعة. لكن هان سول لم يتراجع. «يمكنك الحديث عن الكبرياء والعظمة والتضحية كما تشاء… لكنك ستبقى جالسًا على كرسيك، بينما يضحي الآخرون من أجل بقائك عليه.» كانت كلماته كافية لتغيير الجو بالكامل. نظر إليه هان يانغ بصمت. ثم قال: «هان سول… انصرف.» خرج هان سول من المبنى دون كلمة أخرى. ظهر الغضب على وجهه، لكن شيئًا من الحيرة اختلط به. لم يكن واضحًا حتى بالنسبة إليه إن كان قد تجاوز حدوده مع معلمه، أم أنه قال شيئًا كان يجب أن يُقال منذ البداية. لم يبتعد كثيرًا. وصل إلى مبنى متواضع قريب من مقر العشيرة ودخل. ما إن رآه صاحب المكان حتى ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه. «هان سول! أخيرًا عدت!» تراجعت حدة ملامح هان سول قليلًا. «كالعادة… لو سمحت.» ابتسم الرجل. «بالطبع! خذ راحتك، لن يزعجك أحد.» ثم أضاف وكأن بينهما اتفاقًا قديمًا: «وأنت لم تكن هنا أصلًا.» صعد هان سول إلى غرفته. كانت غرفة صينية بسيطة ومريحة؛ أرضية خشبية، فراش هادئ، طاولة منخفضة ونوافذ ورقية يتسلل عبرها الضوء الأبيض القادم من الثلج. أغلق الباب. ولأول مرة منذ عودته، أصبح وحده تمامًا. استلقى محاولًا النوم، لكن الكلمات التي دارت بينه وبين معلمه ظلت تتردد في رأسه. أغمض عينيه. «لا بأس…» سكت للحظة. «لكل شيء حل.» حل الصباح، لكن الشمس لم تظهر. كانت السماء مغطاة بغيوم رمادية ثقيلة، واستمر الثلج في الهطول، وإن أصبحت العاصفة أهدأ من الليلة السابقة. منذ الصباح، امتلأت إحدى ساحات عشيرة هان بالمقاتلين. ارتدى معظمهم الزي القتالي للعشيرة؛ ملابس عملية يغلب عليها الأسود، تتداخل معها طبقات زرقاء وبيضاء تحمل طابع العشيرة. وفي وسط الساحة، وقفت لوحة خشبية كبيرة عُلقت عليها عشرات المهام. كان نظام العشيرة واضحًا: كل من بلغ العشرين من أفرادها أصبح ملزمًا بأداء مهام العشيرة. مرافقة القوافل، مراقبة الطرق، الحراسة، الاستطلاع، صيد الحيوانات الخطرة وغيرها. ومع مرور الوقت، بدأت الأوراق تختفي واحدة تلو الأخرى. عندما وصل هان سول، كان هان جين واقفًا أمام اللوحة منذ مدة، يتفحص ما تبقى. نظر إلى الأوراق القليلة بانزعاج. «يبدو أن الجميع أخذوا المهام السهلة…» تنهد. «ولم يتركوا لنا إلا الأصعب… بحقكم.» اقترب هان سول. «ما الذي بقي من المهام؟» التفت إليه هان جين. «شيء لن يعجبك إطلاقًا.» اقترب هان سول من اللوحة وقرأ الورقة. سرعان ما ظهر الانزعاج على وجهه. «أين بقية المهام؟» أجابه هان جين: «أُخذت كلها. الجميع غادر منذ فترة… وأنت كنت لا تزال نائمًا بينما أنا واقف هنا أنتظرك.» نظر هان سول مجددًا إلى الورقة. تبادل الموارد مع عشيرة يين. أخذها من اللوحة. «هيا، لنتحرك. علينا إنهاؤها.» رمقه هان جين باستغراب. «لن تعترض على هذه المهمة؟» أجابه هان سول: «مع أنني أكره تلك العشيرة… لكن المهام تبقى مهامًا.» تنهد هان جين. «يا للحظ…» بدأت الاستعدادات. جُهزت قافلة وحُمّلت عرباتها بعدة جرار كبيرة محكمة الإغلاق، وثُبتت الحمولة جيدًا استعدادًا للطريق الطويل. وبعد اكتمال كل شيء، انطلقت القافلة خارج أراضي عشيرة هان. خلال الطريق، نظر هان جين إلى المسارات الممتدة بين الجبال. «هل سنسلك طريق المملكة؟» أجاب هان سول دون تردد: «لا. طريق المملكة سيسبب لنا متاعب نحن في غنى عنها.» اختارت القافلة طريقًا أكثر عزلة. واستمرت الرحلة. كان الليل قد حل عندما اقتربوا أخيرًا من أراضي عشيرة يين. تغيرت البيئة من حولهم. بقي البرد شديدًا، لكنه لم يعد مصحوبًا بالثلوج والجليد اللذين يميزان موطن عشيرة هان. الأرض كانت جافة، والسماء صافية نسبيًا، بينما غمر ضوء القمر الجبال المحيطة. ومن بعيد، ظهرت عشيرة يين. امتدت مبانيها الصينية الكلاسيكية الراقية بين الجبال، مبنية من الخشب والخيزران الداكن، بأسقف منحنية وتصاميم غريبة تميزها عن مباني عشيرة هان. انتشرت الفوانيس بين الطرق والمباني، واختلط ضوؤها الدافئ بضوء القمر البارد. وصلت القافلة إلى البوابة. وما إن دخلوا حتى بدأ سبب كراهية هان سول للمكان يظهر شيئًا فشيئًا. كانت العشيرة صاخبة حتى في الليل. الحانات ممتلئة، وأوعية الشراب في أيدي الكثيرين. بعض أفراد العشيرة يتجادلون وسط الطرقات، وبعضهم يضحك بصوت مرتفع، بينما يعود آخرون من رحلات بعيدة حاملين أسلحتهم وأمتعتهم. كان السفر والترحال واضحين في أسلوب حياتهم، وكذلك حب الشراب والفوضى. لم يهتم معظمهم بوصول قافلة من عشيرة أخرى. لا استقبال، ولا تقدير يذكر. مر هان سول بينهم وقد بدأ الضيق يظهر على وجهه. التفت إلى هان جين. «تولَّ أنت الأمور… لا أظن أنني سأتحمل هؤلاء الجهلاء طويلًا.» وضع هان جين كفه على جبينه. «أقسم أن هذه آخر مرة أقبل فيها مهمة كهذه معك.» وصلت القافلة في النهاية إلى منطقة تبادل الموارد. كان المكان ضخمًا؛ مخازن خشبية كبيرة، صفوف من الجرار والصناديق والأكياس، وعمال يتحركون باستمرار بين القوافل. بدأ رجال الطرفين عملية التبادل. أُنزلت الموارد التي جاءت بها عشيرة هان، وفي المقابل أُخرجت موارد عشيرة يين وحُمّلت على العربات. وقف هان سول بعيدًا قليلًا عن حركة العمال. أخرج ورقة المهمة. نظر إليها للحظات، ثم مزقها إلى نصفين. بالنسبة إليه، انتهت المهمة. لكن قبل المغادرة، توقف فجأة. تذكر شيئًا. نظر إلى هان جين. «لنستأجر ثلاث غرف لهذه الليلة.» استغرب هان جين. «ثلاث غرف؟ لماذا؟ من المفترض أن نعود إلى العشيرة غدًا صباحًا، نسلّم الموارد وتنتهي المهمة.» ثم أضاف: «وبعدها نستطيع أخيرًا أن نأخذ استراحة لفترة.» نظر هان سول نحو المباني العميقة لعشيرة يين. «لا أستطيع المغادرة بعد. هناك أمر ضروري.» سكت قليلًا. «يجب أن أقابل زعيم عشيرة يين.» غادر الاثنان منطقة تبادل الموارد بحثًا عن مكان للإقامة. وكان الشخص الذي قاد القافلة يتبعهما ليستريح معهما، دون أن يظهر وسطهما أو يشارك في الحديث. وأثناء سيرهما في أحد طرق العشيرة، ظهر شاب قادم من الجهة المقابلة.
الفصل الأول — بداية الأخبار السيئة والجيدة كان الثلج يهطل بعنف فوق جبال الشمال. لم يكن تساقطًا هادئًا يمكن تجاهله، بل عاصفة كاملة تهز أشجار الخيزران وتضرب أسقف المباني القديمة بلا توقف. الرياح تعبر الممرات الجبلية بصوت حاد، والبياض يبتلع الطريق شيئًا فشيئًا حتى يكاد يخفي كل أثر لمن مر قبله. وسط تلك العاصفة، تحرك شخصان بصمت. في المقدمة كان هان سول، بشعره الأبيض الطويل الذي تعبث به الرياح، وثيابه الفاتحة التي تحمل طابع عشيرة هان. خطواته ظلت ثابتة رغم الطريق القاسي، ونظرته بقيت هادئة كأن البرد المحيط به شيء اعتاد عليه منذ طفولته. خلفه كان هان جين، بشعره الأسود الطويل وثيابه الداكنة التي تتخللها درجات الأبيض والأزرق. كان يحاول مجاراة رفيقه دون شكوى، لكن التعب بدأ يظهر في تنفسه وخطواته. لاحظ هان سول ذلك. التفت إليه قليلًا وقال: «لقد وصلنا.» رفع هان جين عينيه نحو المباني التي بدأت تظهر من خلف ستار الثلج. «أنا بخير.» لم يجادله هان سول. واصلا السير حتى ظهرت بوابة عشيرة هان أمامهما. مبانٍ خشبية وخيزرانية ذات طابع صيني قديم امتدت بين الجبال، وقد غطى الثلج أسقفها المنحنية ومساراتها. ما إن لمح أحد الحراس القادمين حتى استقام في مكانه، ثم صاح بصوت وصل إلى داخل العشيرة: «لقد عاد الوريث!» فُتحت البوابة. دخل الاثنان إلى أراضي العشيرة، وبعد مسافة قصيرة توقف هان سول والتفت إلى رفيقه. «يمكنك أن ترتاح الآن. غدًا عليك الاستعداد… المهمة لم تنتهِ بعد.» أومأ هان جين. «حسنًا. انتبه على نفسك… وتصبح على خير.» افترق الاثنان. واصل هان سول طريقه وحده بين المباني المغطاة بالثلج. وبعد خطوات، توقف فجأة. رفع رأسه نحو السماء وأغمض عينيه. استرخت يداه إلى جانبيه، وانخفض كتفاه، ثم أخذ نفسًا عميقًا ملأ به صدره قبل أن يطلق زفيرًا طويلًا. وسط العاصفة والبرد، بدت على وجهه راحة لم تظهر منذ وصوله. تمتم: «ما من مكانٍ يشبه الوطن… ففيه تفتح عينيك على الحياة، وبين طرقاته تمضي عمرك، وإلى ترابه تعود حين ينتهي كل شيء.» فتح عينيه مجددًا. كانت هناك مسألة أهم من الراحة. اتجه إلى أحد المباني الداخلية الكبيرة للعشيرة. وعند المدخل، وقف عدة رجال يرتدون زيًا أبيض موحدًا. لم تكن هيئاتهم كالحراس الموجودين عند البوابات؛ وقفتهم وحدها كانت كافية لتدل على أن مستواهم مختلف. توقف هان سول أمامهم. «هل هو موجود؟» أجابه أحد الرجال مباشرة، وكأنه يعرف تمامًا عمن يسأل: «نعم. إنه في الداخل.» قال هان سول: «هل يمكنني مقابلته الليلة؟ لدي أمر عاجل… ولا أظن أنه يحتمل الانتظار حتى الغد.» تحرك الرجل جانبًا. «يمكنك الدخول.» في عمق المبنى، امتدت قاعة واسعة ذات طابع صيني قديم. الأعمدة الخشبية ارتفعت نحو السقف، بينما وصل صوت العاصفة من الخارج مكتومًا خلف الجدران. في نهاية القاعة جلس رجل مسن. هان يانغ، زعيم عشيرة هان. كان ذا شعر أبيض طويل ولحية كثيفة تمتد نحو صدره، ويرتدي رداءً أبيض واسعًا تتخلله نقوش زرقاء رمادية دقيقة. إلى جواره استندت عصا طويلة مزينة بزخارف قديمة. ورغم عمره، لم يكن في جلسته شيء يوحي بالضعف. وصل صوت خطوات إلى خلف الباب. لم يحتج هان يانغ إلى السؤال عن هوية القادم. «يمكنك الدخول.» انفتح الباب. دخل هان سول وتقدم إلى الداخل، ثم أدى تحية تقليدية أمام معلمه. تأمله هان يانغ للحظات. «لقد مرت ثلاثة أشهر، يا تلميذي.» أجاب هان سول: «ليس لدي عذرٌ يبرر غيابي كل هذه المدة، أيها المعلم.» ساد الصمت للحظة. ثم رفع هان سول رأسه. «عندما ذهبنا في المهمة، كان كل شيء طبيعيًا… كما يحدث في كل سنة.» تغيرت نظرته. «لكن ما رأيته هناك… صدمني.» رفع هان يانغ عينيه إليه. «إذن أخبرني.» قال هان سول: «هذه السنة قد تكون أصعب سنة تمر علينا… بسبب الشيء الذي سيأتي إلينا.» ثم بدأ يشرح ما رآه. ذئاب. نمور. وحيوانات مفترسة أخرى بأعداد هائلة تتحرك من الشمال. لم تكن تسير بلا وجهة؛ كان مسارها يقودها نحو الأراضي المأهولة، نحو المملكة، وعشيرة يين، وأراضي عشيرة هان. قال هان سول: «أعدادها مختلفة تمامًا هذه المرة. ما رأيته في السنوات الماضية لا يقارن بهذا.» وبحسب تقديره، لم يكن الخطر قريبًا بعد. «بسرعة تحركها الحالية… قد تصل إلينا بعد أربعة أشهر تقريبًا.» لكن الأعداد لم تكن أكثر ما أقلقه. وسط تلك الجموع كانت تتحرك ثلاثة وحوش صقيع. ذئب ثلجي ضخم، ذو فراء أبيض خشن وأنياب وحشية. ونمر صقيعي هائل، تبرز من فمه أنياب طويلة بينما يتصاعد البرد مع أنفاسه. وفي السماء، نسر صقيعي ضخم يشق العاصفة بجناحين هائلين. استمع هان يانغ حتى النهاية. «فهمت ما يقلقك… لكن يمكننا التصدي لهم. الأمر بسيط.» لم يبدُ هان سول مقتنعًا. «يمكننا ذلك، لكننا سنخسر بعض رجال العشيرة… وقد نخسر أشياء أهم من ذلك.» صمت هان يانغ قليلًا. «وما الذي تقترحه؟» رفع هان سول نظره بثبات. «أن نواجه هذه المحنة مع عشيرة يين… أو المملكة.» تغيرت نظرة هان يانغ. «ألا كبرياء لك؟ أتريد مساعدة خارجية لمواجهة مشكلة عشيرتك؟» ظهر الغضب قليلًا على وجه هان سول. «وهل علينا أن نرى بعضنا يُقتل من أجل كبريائك؟ ما المشكلة في قبول مساعدتهم؟ هذه المرة فقط.» ساد توتر ثقيل في القاعة. لكن هان سول لم يتراجع. «يمكنك الحديث عن الكبرياء والعظمة والتضحية كما تشاء… لكنك ستبقى جالسًا على كرسيك، بينما يضحي الآخرون من أجل بقائك عليه.» كانت كلماته كافية لتغيير الجو بالكامل. نظر إليه هان يانغ بصمت. ثم قال: «هان سول… انصرف.» خرج هان سول من المبنى دون كلمة أخرى. ظهر الغضب على وجهه، لكن شيئًا من الحيرة اختلط به. لم يكن واضحًا حتى بالنسبة إليه إن كان قد تجاوز حدوده مع معلمه، أم أنه قال شيئًا كان يجب أن يُقال منذ البداية. لم يبتعد كثيرًا. وصل إلى مبنى متواضع قريب من مقر العشيرة ودخل. ما إن رآه صاحب المكان حتى ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه. «هان سول! أخيرًا عدت!» تراجعت حدة ملامح هان سول قليلًا. «كالعادة… لو سمحت.» ابتسم الرجل. «بالطبع! خذ راحتك، لن يزعجك أحد.» ثم أضاف وكأن بينهما اتفاقًا قديمًا: «وأنت لم تكن هنا أصلًا.» صعد هان سول إلى غرفته. كانت غرفة صينية بسيطة ومريحة؛ أرضية خشبية، فراش هادئ، طاولة منخفضة ونوافذ ورقية يتسلل عبرها الضوء الأبيض القادم من الثلج. أغلق الباب. ولأول مرة منذ عودته، أصبح وحده تمامًا. استلقى محاولًا النوم، لكن الكلمات التي دارت بينه وبين معلمه ظلت تتردد في رأسه. أغمض عينيه. «لا بأس…» سكت للحظة. «لكل شيء حل.» حل الصباح، لكن الشمس لم تظهر. كانت السماء مغطاة بغيوم رمادية ثقيلة، واستمر الثلج في الهطول، وإن أصبحت العاصفة أهدأ من الليلة السابقة. منذ الصباح، امتلأت إحدى ساحات عشيرة هان بالمقاتلين. ارتدى معظمهم الزي القتالي للعشيرة؛ ملابس عملية يغلب عليها الأسود، تتداخل معها طبقات زرقاء وبيضاء تحمل طابع العشيرة. وفي وسط الساحة، وقفت لوحة خشبية كبيرة عُلقت عليها عشرات المهام. كان نظام العشيرة واضحًا: كل من بلغ العشرين من أفرادها أصبح ملزمًا بأداء مهام العشيرة. مرافقة القوافل، مراقبة الطرق، الحراسة، الاستطلاع، صيد الحيوانات الخطرة وغيرها. ومع مرور الوقت، بدأت الأوراق تختفي واحدة تلو الأخرى. عندما وصل هان سول، كان هان جين واقفًا أمام اللوحة منذ مدة، يتفحص ما تبقى. نظر إلى الأوراق القليلة بانزعاج. «يبدو أن الجميع أخذوا المهام السهلة…» تنهد. «ولم يتركوا لنا إلا الأصعب… بحقكم.» اقترب هان سول. «ما الذي بقي من المهام؟» التفت إليه هان جين. «شيء لن يعجبك إطلاقًا.» اقترب هان سول من اللوحة وقرأ الورقة. سرعان ما ظهر الانزعاج على وجهه. «أين بقية المهام؟» أجابه هان جين: «أُخذت كلها. الجميع غادر منذ فترة… وأنت كنت لا تزال نائمًا بينما أنا واقف هنا أنتظرك.» نظر هان سول مجددًا إلى الورقة. تبادل الموارد مع عشيرة يين. أخذها من اللوحة. «هيا، لنتحرك. علينا إنهاؤها.» رمقه هان جين باستغراب. «لن تعترض على هذه المهمة؟» أجابه هان سول: «مع أنني أكره تلك العشيرة… لكن المهام تبقى مهامًا.» تنهد هان جين. «يا للحظ…» بدأت الاستعدادات. جُهزت قافلة وحُمّلت عرباتها بعدة جرار كبيرة محكمة الإغلاق، وثُبتت الحمولة جيدًا استعدادًا للطريق الطويل. وبعد اكتمال كل شيء، انطلقت القافلة خارج أراضي عشيرة هان. خلال الطريق، نظر هان جين إلى المسارات الممتدة بين الجبال. «هل سنسلك طريق المملكة؟» أجاب هان سول دون تردد: «لا. طريق المملكة سيسبب لنا متاعب نحن في غنى عنها.» اختارت القافلة طريقًا أكثر عزلة. واستمرت الرحلة. كان الليل قد حل عندما اقتربوا أخيرًا من أراضي عشيرة يين. تغيرت البيئة من حولهم. بقي البرد شديدًا، لكنه لم يعد مصحوبًا بالثلوج والجليد اللذين يميزان موطن عشيرة هان. الأرض كانت جافة، والسماء صافية نسبيًا، بينما غمر ضوء القمر الجبال المحيطة. ومن بعيد، ظهرت عشيرة يين. امتدت مبانيها الصينية الكلاسيكية الراقية بين الجبال، مبنية من الخشب والخيزران الداكن، بأسقف منحنية وتصاميم غريبة تميزها عن مباني عشيرة هان. انتشرت الفوانيس بين الطرق والمباني، واختلط ضوؤها الدافئ بضوء القمر البارد. وصلت القافلة إلى البوابة. وما إن دخلوا حتى بدأ سبب كراهية هان سول للمكان يظهر شيئًا فشيئًا. كانت العشيرة صاخبة حتى في الليل. الحانات ممتلئة، وأوعية الشراب في أيدي الكثيرين. بعض أفراد العشيرة يتجادلون وسط الطرقات، وبعضهم يضحك بصوت مرتفع، بينما يعود آخرون من رحلات بعيدة حاملين أسلحتهم وأمتعتهم. كان السفر والترحال واضحين في أسلوب حياتهم، وكذلك حب الشراب والفوضى. لم يهتم معظمهم بوصول قافلة من عشيرة أخرى. لا استقبال، ولا تقدير يذكر. مر هان سول بينهم وقد بدأ الضيق يظهر على وجهه. التفت إلى هان جين. «تولَّ أنت الأمور… لا أظن أنني سأتحمل هؤلاء الجهلاء طويلًا.» وضع هان جين كفه على جبينه. «أقسم أن هذه آخر مرة أقبل فيها مهمة كهذه معك.» وصلت القافلة في النهاية إلى منطقة تبادل الموارد. كان المكان ضخمًا؛ مخازن خشبية كبيرة، صفوف من الجرار والصناديق والأكياس، وعمال يتحركون باستمرار بين القوافل. بدأ رجال الطرفين عملية التبادل. أُنزلت الموارد التي جاءت بها عشيرة هان، وفي المقابل أُخرجت موارد عشيرة يين وحُمّلت على العربات. وقف هان سول بعيدًا قليلًا عن حركة العمال. أخرج ورقة المهمة. نظر إليها للحظات، ثم مزقها إلى نصفين. بالنسبة إليه، انتهت المهمة. لكن قبل المغادرة، توقف فجأة. تذكر شيئًا. نظر إلى هان جين. «لنستأجر ثلاث غرف لهذه الليلة.» استغرب هان جين. «ثلاث غرف؟ لماذا؟ من المفترض أن نعود إلى العشيرة غدًا صباحًا، نسلّم الموارد وتنتهي المهمة.» ثم أضاف: «وبعدها نستطيع أخيرًا أن نأخذ استراحة لفترة.» نظر هان سول نحو المباني العميقة لعشيرة يين. «لا أستطيع المغادرة بعد. هناك أمر ضروري.» سكت قليلًا. «يجب أن أقابل زعيم عشيرة يين.» غادر الاثنان منطقة تبادل الموارد بحثًا عن مكان للإقامة. وكان الشخص الذي قاد القافلة يتبعهما ليستريح معهما، دون أن يظهر وسطهما أو يشارك في الحديث. وأثناء سيرهما في أحد طرق العشيرة، ظهر شاب قادم من الجهة المقابلة.
