الفصل السابع عشر، ثمن المساندة.
الفصل السابع عشر
حلّ الليل، وكان اجتماع الشيوخ قد انتهى منذ بعض الوقت.
لم يصل إلى يين لين يان ما يحسم أمر طلبه.
جلس في مطعم أحد النزل، قرب نافذة خشبية أغلقت معظم مصراعيها اتقاءً للبرد. ارتفع البخار من الطعام الموضوع أمامه، فيما تعالت من الطاولات الأخرى أحاديث متفرقة، تتداخل مع وقع الأواني وخطوات العاملين.
أدخل يده في كيس النقود عند حزامه.
حرّك ما بقي فيه بأصابعه، ثم أخرجه ووضعه قرب الصحن.
لم يكن يحتاج إلى عده مرة أخرى.
ما أخذه من البطولة تناقص بين نفقات معيشته وحاجته إلى الإمدادات. ومع الأسعار التي صارت تُفرض عليه، لم يعد المال الذي ظنه منفذًا يمنحه سوى مهلة قصيرة.
نظر إلى الطعام.
«هذا آخر ما أستطيع دفعه.»
أخذ لقمة، ومضغها ببطء.
إذا رفضوا طلبه، فلن يحصل على مخصصات شيخ، ولن تُفتح له الأبواب التي جاء يطالب بها. وسيعود إلى انتظار ما تقرر العشيرة أن تتركه في يده.
لم يعد ذلك كافيًا.
«أذهب إلى أقرب عشيرة أخرى، وأبيع نهج الحرباء.»
مرر إبهامه فوق راحة يده.
كان النهج مستقرًا داخل جسده، وكانت هناك ورقة تحمل توقيعه، يتعهد فيها بإعادته إلى هان. لم يكن ملكه، ولم يكن البيع أمرًا يستطيع أن يصفه بغير حقيقته.
لكنه فكر فيه.
كان يحتاج إلى مال، وإلى موارد، وإلى وسيلة تتيح له مواصلة الطريق.
وإن لم يستطع بيعه، بقيت السرقة.
لم تكن أمامه خطة يعرف كيف ينفذها. كانت احتمالات يتنقل بينها وهو يأكل، يبحث في كل واحد منها عما قد ينقذه، وعما قد يوقعه في يد أشخاص أشد قدرة على إخضاعه.
ارتفع صوت قريب:
— هل تسمح لي بالجلوس؟
رفع لين يان رأسه.
كان يين مو تشي واقفًا إلى جانب الطاولة.
توقفت يده لحظة فوق الصحن.
نظر إلى الشيخ، ثم إلى المقعد المقابل. لم يكن يتوقع أن يأتي والد الرجل الذي كسر ذراعه ليطلب الجلوس معه بهذه النبرة.
قال:
— تفضل.
سحب مو تشي المقعد وجلس.
لم يبدُ مستعجلًا، ولم يبدأ باللوم. ألقى نظرة على الطعام، ثم قال:
— أكمل. لا أحب أن أقطع على أحد وجبته.
راقبه لين يان لحظة، ثم عاد إلى صحنه.
سأل الشيخ عن الطعام، وعن إقامته في النزل، وتحدث قليلًا عن البرد. كانت أسئلته عادية، ونبرته لينة إلى حد جعل لين يان يزداد انتباهًا.
كان هذا الرجل قد وقف أمامه في الساحة غاضبًا.
أما الآن، فكان يجلس قريبًا منه، ويترك له الوقت ليأكل.
حين اقترب العامل من الطاولة، أشار إليه مو تشي.
— حساب هذه الطاولة عليّ.
رفع لين يان نظره.
— أستطيع دفعه.
— أعرف. هذه ضيافتي.
أخرج الشيخ النقود، وسلّم العامل ثمن ما طُلب كله، ثم عاد إلى حديثه كأن شيئًا يستحق التوقف لم يحدث.
بقي كيس لين يان قرب صحنه.
بعد أن انتهى من الطعام، قال مو تشي:
— ما رأيك أن تأتي معي إلى قصري؟ المكان هنا لا يصلح لحديث طويل.
استقر نظر لين يان عليه.
لم يكن من الصعب أن يفهم أن الشيخ يريد منه شيئًا. رجل مثله لا يحتاج إلى دفع ثمن وجبته ليجد من يجالسه.
لكن معرفة ذلك لم تخبره بما ينبغي أن يفعله.
كان بحاجة إلى أن يسمع، ولم تكن لديه في تلك الليلة وجهة أخرى يرى فيها فرصة أفضل.
أعاد الكيس إلى حزامه، ثم نهض.
— لا بأس.
خرج الاثنان إلى الطريق.
تحركا بين المباني الخشبية، والثلج متراكم على جانبي الممر. سار مو تشي بجواره، يسأله أحيانًا، ويترك الصمت بينهما أحيانًا أخرى. لم يرفع صوته عليه، ولم يتعامل معه كما كان العاملون في المخازن والأسواق يفعلون منذ ضُيّق عليه.
قال أثناء سيرهما:
— ما فعلته بابني في البطولة كان خطأ.
نظر إليه لين يان.
تابع الشيخ:
— كنت قادرًا على مواصلة القتال، ومحاولة إخراجه من الدائرة. أما ذراعه، فقد جعلت الأمر أثقل مما ينبغي.
لم يُجب لين يان مباشرة.
أكمل مو تشي:
— لكنني رأيت فيك ما يستحق النظر أيضًا. بلوغك هذه القوة احتاج إلى مثابرة. لا أظن أن رجلًا قضى أيامه منتظرًا ما يعطيه الآخرون كان سيصل إلى ما وصلت إليه.
كان يعرف أين يضع الكلام.
بدأ بما يلزم لين يان أن يسمعه عن خطئه، ثم أعطاه ما لم يعتد سماعه من أحد الشيوخ: اعترافًا بجهده، لا اعتراضًا على حقه في الانتفاع به.
قال لين يان:
— وما الذي تريد التحدث فيه معي؟
ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة.
— مستقبلك.
—
كانت الدار التي يسميها مو تشي قصره تمتد خلف بوابة عريضة، تتوزع في داخلها ساحات وممرات مسقوفة. بدت الأخشاب مصقولة، وأُبعد الثلج عن طريق الداخلين، فيما تسرب الضوء الدافئ من نوافذ القاعة.
دخل لين يان، وتبعه الشيخ.
أفسح له موضعًا قريبًا من المدفأة، وأمر بإحضار الشاي.
جلس لين يان، ومرّ بنظره على الأثاث، والأقمشة، والأبواب التي تفضي إلى بقية الدار.
كان في المكان من السعة والراحة ما يكفي ليذكّره بأن ضيق موارد العشيرة لا يصل إلى الجميع بالطريقة نفسها.
لم تكن خزينة العشيرة هي أموال شيوخها كلها.
خلف كل واحد منهم أراضٍ، وأعمال، واسم يفتح لأهله أبوابًا لا تُفتح لغيرهم. وكانت لتلك البيوت موارد تكفي لحاجاتها، حتى حين يعجز المجلس عن جمع ما تحتاج إليه العشيرة كلها.
ولم يكن ذلك خافيًا على يين لينغ.
كان يعرف ما يملكه شيوخه، كما يعرف الحد الذي يقفون عنده حين يُطلب منهم أن يبذلوا ما جمعوه.
قد يخرج أحدهم إلى المعركة، ويضع حياته أمام وحش صقيع، لكنه يتردد طويلًا قبل أن يتخلى عن الأرض والثروة اللتين أمضى عمره في جمعهما. إن مات، بقيت الأرض، وبقي الاسم، ووجد ابنه ما يسنده حتى يأخذ مكانه بين رجال العشيرة.
كانوا يقبلون أن تنتهي حياتهم، ما دام ما صنعوه سيستمر في أبنائهم.
أما أن يبقوا أحياء ويتركوا ذلك كله، فكان ثمنًا آخر.
وضع خادم الشاي أمامهما، ثم ابتعد.
دفع مو تشي أحد القدحين نحو لين يان.
— إذا كنت تريد أن تصبح شيخًا، فهناك أمور ينبغي أن تتعلمها.
أمسك لين يان بالقدح.
— مثل ماذا؟
— كيف تتعامل مع من يجلسون حولك. وكيف تعرف ما الذي ينتظرونه منك قبل أن تعرض عليهم ما تريده.
أخذ الشيخ رشفة، ثم أنزل قدحه.
— قوتك تمنحك حق التقدم إلى المجلس. لكنك ستجد داخله رجالًا لكل واحد منهم فصيل، واحتياجات، وأشخاص يعتمدون عليه. ما يفيد أحدهم قد يضر الآخر. ولن تكفيك القوة وحدها لتفهم لماذا يؤخر رجل طلبًا بسيطًا، أو يساند رجل آخر أمرًا لم يكن يهتم به من قبل.
استمع لين يان.
كان الكلام قريبًا مما شاهده، لكنه لم يكن يعرف كيف يجمع أجزاءه في صورة يستطيع التصرف على أساسها.
قال مو تشي:
— فصيلك ضعيف، وأنت تعرف ذلك. لا يوجد خلفك من يهيئ لك الطريق، أو يدافع عن نصيبك إذا اختلف عليه المجلس.
بقي لين يان صامتًا.
— ولهذا تحتاج إلى مساندة. رجل يستطيع أن يرشدك حين تدخل موضعًا لم تدخله من قبل.
رفع الشيخ نظره إليه.
— لماذا لا تكون يدي اليمنى؟
توقف لين يان عن تحريك القدح.
كان العرض واضحًا بما يكفي.
— ولماذا لا تجعل ابنك يدك اليمنى؟
لم تتغير نبرة مو تشي.
— ابني له مكانه عندي، وله ما عليه أن يبلغه. وجوده إلى جانبي لا يمنع أن يكون لك مكان أيضًا.
مال قليلًا إلى الأمام.
— أنت تملك قوة نحتاج إليها. وأنا أستطيع أن أساعدك في أمور ستضيع وقتك إذا حاولت أن تواجهها وحدك. إن كان في تعاوننا ما ينفعنا معًا، فما الذي يمنعنا منه؟
نظر لين يان إلى وجهه.
رجل في الخمسين، يتحدث بهدوء، ويعرف متى يترك له فرصة للاعتراض، ومتى يجيب بما يجعل اعتراضه أصغر.
لم يطلب منه أن ينسى ما جرى، ولم يطلب ولاءه بصوت مرتفع. دفع حساب طعامه، وأجلسه في مكان دافئ، ثم عرض عليه أن يخفف بعض ما أثقل حياته.
كان يريد ضمه إلى جانبه.
قوة في الثلاثين تستطيع أن ترجح كفة فصيل، وإذا بلغت الأربعين، صار وجودها إلى جانب أحد الشيوخ أمرًا يحسب له بقية المجلس حسابًا مختلفًا.
كانت لكل فصيلة خطتها، ولكل شيخ ما يريد الاحتفاظ به أو توسيعه.
أما لين يان، فلم يكن قد عرف من ذلك إلا ما وقع عليه أثره.
أدرك أن مو تشي يريد الانتفاع به. لكنه لم يدرك مقدار ما يستطيع رجل بخبرة الشيخ أن يفعله بهذه الرغبة، ولا كيف يمكن أن تُرتب خطواته بحيث يظن أنه يختار، فيما تضيق حوله الخيارات شيئًا فشيئًا.
كان ذكيًا بما يكفي ليرى مصلحة الشيخ.
وكان قليل الخبرة بما يكفي ليظن أن رؤيتها وحدها ستحميه.
مع ذلك، لم ينفر من كل ما سمعه. بعض النصائح أصاب موضعًا يحتاج إلى من يشرحه له، وبعض الاحترام خفف، للحظات، شعوره بأنه مضطر إلى الدفاع عن حقه في كل شيء.
تذكر عبارة كان يقنع بها نفسه:
«إن لم تتقبل كونك بيدقًا، فكيف ستصبح وزيرًا في النهاية؟»
الموضع الذي يبدأ منه لا يحكم على ما يستطيع بلوغه.
يمكنه أن ينتفع بالمساندة، وأن يتحرك، وأن يتعلم أثناء الطريق. هذا ما أراد تصديقه.
لكن البيدق الذي يعرف أن هناك من يحركه، لا يعرف بالضرورة ما أُعد له على بقية الرقعة.
واصل مو تشي حديثه، يشرح له ما يحتاج إليه الرجل حين يصبح اسمه مرتبطًا بفصيل، وكيف تمنحه المساندة وقتًا لبناء قوته بدل إهداره في الخصومات.
سمعه لين يان باهتمام.
غير أن ما عرضه الشيخ لم يغيّر الغاية التي جاء يفكر فيها منذ وقت طويل.
لم يكن يريد أن يقضي ما بقي من عمره في تكبير اسم فصيله، أو في انتظار مقعد يخليه له رجل آخر. كان يعرف أن وقته قصير، وأن عليه الخروج من حدود المملكة، ورؤية ما وراء البحر، والبحث عما لا يستطيع العثور عليه وهو محصور هنا.
لم تكن له صورة مكتملة للحياة التي يريدها.
ولم يكن الخلود غايته.
أراد أن يعرف إن كان يستطيع كسر الحد البشري للنسبة المئوية، ولو استطاع تجاوزه لحظة واحدة، ثم مات بعدها.
ثانية واحدة يثبت فيها أن ذلك الحد لم يكن نهاية ما يستطيع فعله.
كان يستطيع تقبل موته، حتى لو جاء أقرب مما توقع. ما لم يستطع تقبله أن يترك المحاولة قبل أن يعرف إلى أين يمكن أن تقوده.
أنزل القدح عن فمه.
لم يكن يرى نفسه قاتلًا، ولم يكن يسعى إلى أن يصير مجرمًا. ومع ذلك، كان قد جلس قبل قليل يفكر في السرقة، وفي بيع نهج تعهد بإعادته إلى صاحبه.
كانت الأخلاق مهمة في نظره، لكنه بدأ يعرف كم يصعب الاحتفاظ بها حين يضيق الطريق، وحين تصبح الضرورة هي أول ما يواجهه كل صباح.
لم يجد جوابًا يستريح إليه.
رفع عينيه إلى مو تشي، الذي كان ينتظر أن يسمع رأيه في العرض.
قال لين يان، وهو ينظر إلى مو تشي:
— أوافق على عرضك، لكن لي شروط.
أنزل الشيخ قدحه، وأشار إليه أن يتابع.
— أريد ألف قطعة من نهج ينبوع الحياة، ومئة قطعة فضية، وسكنًا خاصًا أقيم فيه، يكون باسمك.
صمت لين يان، منتظرًا جوابه.
لم يكن يريد أن يخرج من هذا الحديث بوعد بالمساندة فحسب. كان يحتاج إلى إمدادات يستطيع استخدامها، ومال يتصرف فيه، ومكان يستقر فيه دون أن يظل يفكر في نفقات اليوم التالي.
أومأ مو تشي.
— حسنًا، لك ما تريد يا فتى. نحن موافقون.
نظر إليه لين يان لحظة. لم يناقشه في العدد، ولم يطلب منه تخفيف شروطه.
تابع الشيخ:
— سأجهز لك ما طلبته صباحًا.
انحنى لين يان برأسه قليلًا.
— أشكرك، أيها الشيخ.
استمر حديثهما بعض الوقت. وعندما انتهيا، استدعى مو تشي أحد خدمه، وأمره أن يرافق لين يان إلى النزل التابع له، وأن تُعد له غرفة يقضي فيها الليل.
غادر لين يان الدار مع الخادم.
وفي النزل، أُدخل إلى غرفة هادئة، وأُحضر له بعض الخمر. جلس يشرب قليلًا، ثم استلقى على الفراش، ونام حتى الصباح.
—
في اليوم التالي، عاد لين يان إلى دار مو تشي.
كان الشيخ قد جهز ما وعده به.
وُضعت أمامه صناديق تضم ألف قطعة من نهج ينبوع الحياة، وإلى جانبها كيس يحتوي على مئة قطعة فضية.
فتح لين يان أحد الصناديق. ظهرت داخله الكرات البيضاء، ينبعث منها ضوء خافت. مرّ بنظره عليها، ثم أغلق الغطاء وأمسك بكيس النقود.
قال مو تشي:
— هذه الإمدادات، وهذا المال.
ثم وضع مفتاحًا أمامه.
— والسكن جاهز أيضًا. هو باسمي، وقد خُصص لإقامتك وحدك.
رفع لين يان عينيه إليه.
— يمكنني الانتقال إليه اليوم؟
— نعم.
أخذ لين يان المفتاح، ووضع كيس النقود إلى جانبه، ثم أعاد نظره إلى الصناديق.
كل ما اشترطه كان أمامه.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.