الفصل 317 عبقري الدردشة
بعد إتمام جميع الفحوص، انتظر شانغ جيانياو بعض الوقت في غرفة الاستراحة، ثم رأى الباحث الذي يُدعى ليو شييان يدفع الباب ويدخل.
قال ليو شييان: «يريد مديرنا مي أن يتحدث معك.» توقف لحظة ثم أضاف: «بعد انتهاء الحديث، نكون قد انتهينا تقريبًا.»
تفاجأ شانغ جيانياو. «بهذه السرعة؟»
ماذا تقصد بهذه السرعة؟ ألا يريد جميع الخاضعين للتجارب المغادرة بأسرع ما يمكن؟ لم يستطع ليو شييان مجاراة أفكار شانغ جيانياو، ولم يجد إلا أن ينظر إليه بحيرة.
نهض شانغ جيانياو وقال بأسف: «ظننت أنكم ستتكفلون بالغداء. لم آكل في مطعم معهد أبحاثكم من قبل، وأتساءل كيف يكون.»
«…» قرر ليو شييان أخيرًا ألّا يرد.
نظر شانغ جيانياو حوله وقال: «سأذهب إلى الحمّام أولًا.»
كان في غرفة الاستراحة حمّام.
كان هذا طلبًا طبيعيًا، ولن يستغرق وقتًا طويلًا.
أومأ ليو شييان بإيجاز وقال: «سأنتظرك عند الباب.»
سرعان ما خرج شانغ جيانياو من الحمّام، وسار إلى جانب ليو شييان.
قاده ليو شييان عبر الأبواب المغلقة بإحكام، حتى وصلا إلى مكتب مضاء جيدًا، تغلب عليه ألوان دافئة.
جلس في المكتب رجل في منتصف العمر يرتدي نظارة بإطار ذهبي. كان شعره الأسود الكثيف أشعث قليلًا، وارتدى معطفًا أبيض، بالذوق نفسه الذي يرتدي به الباحثون هنا ملابسهم.
أشار الرجل إلى الكرسي المقابل للطاولة. «اجلس. أنا مي شوآن، المسؤول عن مشروع C-14.»
أجاب شانغ جيانياو بأدب: «مرحبًا.»
بعد أن جلس، أسند مي شوآن مرفقيه إلى حافة الطاولة وشبك يديه. «دعني أقدم لك شرحًا بسيطًا: يرتبط مشروع C-14 أساسًا بالمستيقظين. لقد مررت بالكثير على السطح، لذا يُفترض أنك تعرف ما هو المستيقظ.»
رأى مي شوآن أن شانغ جيانياو يكتفي بالابتسام إليه، من دون أن يهز رأسه نافيًا أو يومئ موافقًا، فواصل: «نعتقد أن الاستيقاظ في الحقيقة طفرة خاصة في جسم الإنسان. ولا بد أنه يسبب قدرًا معينًا من التغير في جزء ما من الجسم، وينبغي أن يكون من الممكن اكتشاف هذا بالوسائل العلمية. هل تفهم قصدي؟»
ابتسم شانغ جيانياو ونظر إليه، من دون أن يُظهر أي نية للتراجع. لكنه ظل لا يقول شيئًا.
حافظ مي شوآن على جلسته وابتسم. «لا تشعر بالضغط. موقف الشركة من الطفرات والاستيقاظ إيجابي ومتسامح. فهي لا تشبه الكثير من القوى في أماكن عديدة، التي ترى أن هذا يخالف الطبيعة، وأنه من بقايا الكارثة التي يجب القضاء عليها بالكامل لاستقبال قدوم العالم الجديد.»
«لطالما منحت الشركة المستيقظين معاملة أفضل، ورتبت لهم وظائف أفضل وأكثر أهمية. وكل ما يُطلب منهم هو التعاون معنا بانتظام في بعض التجارب. تُصمم هذه التجارب بعناية، بحيث لا يشعر المستيقظون بالإهانة أو يتعرضوا للأذى.»
عندما انتهى من الكلام، قطب شانغ جيانياو حاجبيه. «لا أفهم تمامًا ما تقوله. ما الغرض من إخباري بهذا؟»
من خلف النظارة، نظرت عينا مي شوآن البنيتان الداكنتان إلى شانغ جيانياو بصمت، وحدقتا فيه قرابة عشر ثوانٍ. وأخيرًا ابتسم وقال: «هذا كل شيء في متابعة اليوم، لكن ستكون هناك متابعة أخرى بعد ستة أشهر.»
أشار شانغ جيانياو إلى نفسه. «إذن هل أستطيع المغادرة؟»
أومأ مي شوآن. «نعم.»
نهض شانغ جيانياو ولوّح بيده مبتسمًا. «إلى اللقاء.»
بعد أن راقبه يغادر، كتب مي شوآن في نهاية إحدى الوثائق: «يُوصى بنقله إلى قائمة المراقبة السرية.»
بعد كتابة التعليق، شغّل مي شوآن حاسوبه، وسجّل الدخول إلى الحساب المناسب. واستعد لإرسال الملف، إذ سيحتاج في النهاية إلى تعاون الأقسام الأخرى مستقبلًا.
في هذه اللحظة، لاحظ رسالة في بريده الوارد. كانت من شخصية ذات سلطة، لا يجرؤ على الاستخفاف بها.
فتح مي شوآن الرسالة، فوجد فيها جملة بسيطة واحدة: «أوقفوا تتبّع المتطوع 32 في مشروع C-14 بجميع أشكاله.»
هذا… قطّب مي شوآن حاجبيه، ونظر بحيرة إلى الوثيقة الموجودة بجانبه.
…
بعد أن غادر شانغ جيانياو منطقة الأبحاث في الطابق الثالث من المبنى تحت الأرض، رفع يديه وعبث بأذنيه. وبعد قليل، أخرج كتلة قطن من كل أذن.
تمتم شانغ جيانياو لنفسه وهو يدخل المصعد: «للأسف، لا أعرف قراءة الشفاه. لا أعرف حتى ما الذي قاله…»
أعاد كرتي القطن إلى جيبه.
صعد المصعد بعض الوقت قبل أن يصل أخيرًا إلى الطابق 647. كانت جيانغ بايميان ولونغ يوهونغ وباي تشين ينتظرون في الغرفة 14، وهم يتصفحون بعض الملفات.
استخدمت جيانغ بايميان، التي كانت مسترخية في كرسيها، قوة خصرها ونهضت فجأة. «كيف جرى الأمر؟ ما الفحوص التي أُجريت، وما الأسئلة التي طُرحت؟»
بينما كان شانغ جيانياو يغلق باب غرفة فرقة المهام، وصف ما مر به.
بعد أن أخذت جيانغ بايميان فكرة عن حديثه مع ليو شييان، ضحكت من دون أن تتمالك نفسها. «ستتعرض للضرب إذا تصرفت هكذا!»
لم تكن إجابة شانغ جيانياو في محلها، لكنه قالها بثقة: «لا يستطيع أن يهزمني.»
أطلقت جيانغ بايميان صوت استنكار. «ثم كيف تعرف أن ما لديك مختلف عما لدى الآخرين؟ هل لديك شخص تقارن نفسك به؟»
بوصفها موظفة في قسم الأمن خرجت في مهمات ميدانية مرات كثيرة، أصبحت جريئة منذ زمن، رغم افتقارها إلى الخبرة في هذا الجانب. كانت من النوع القادر على تبادل المزاح مع الجنود القدامى الذين يكثرون من النكات البذيئة.
وبالطبع، حين تواجه باي تشين ذات الخبرة، كانت كثيرًا ما تعجز عن الرد على كلامها، أو تصاب في نقطة ضعفها، فلا تجد إلا تغيير الموضوع.
ما إن قالت عبارة «تقارن نفسك به»، حتى خفق قلب جيانغ بايميان فجأة.
وكما توقعت، وجّه شانغ جيانياو نظره إلى لونغ يوهونغ.
لم يعرف لونغ يوهونغ هل يرد أم يغضب.
لحسن الحظ، أوقفت جيانغ بايميان كلام شانغ جيانياو التالي في الوقت المناسب. «هل رأيت مي شوآن؟»
أومأ شانغ جيانياو. «نعم، تحدثت معه بعد الفحص.»
سألت جيانغ بايميان: «عمّ تحدثتما؟»
هز شانغ جيانياو رأسه بصراحة. «لا أعرف.»
؟
حيّرت هذه الإجابة لونغ يوهونغ وباي تشين.
سألت جيانغ بايميان بغيظ وتسلية: «ألم تقل إنكما تحدثتما بعض الوقت؟»
أخرج شانغ جيانياو كرتي القطن. «قبل أن أذهب للقائه، وجدت فرصة لسد أذنيّ. لم أسمع ما قاله على الإطلاق.»
عجز لونغ يوهونغ عن الكلام، ثم سأل بفضول: «لـ… لماذا سددت أذنيك؟»
شرح شانغ جيانياو بجدية: «بما أنه عالم يدرس أسرار جسم الإنسان، ويشرف على مشروع C-14، فمن المعقول أن أشتبه في أنه مستيقظ أيضًا. إذا سددت أذنيّ، فلن أضطر إلى الخوف من الإستنتاج التهريجي. ولن أصبح صديقه بسهولة ثم أخبره بكل شيء.»
أومأت جيانغ بايميان ببطء. «هذا صحيح.»
كان عليها الاعتراف بأن تصرفات شانغ جيانياو، رغم غرابتها قليلًا، تحمل معنى معينًا بالفعل.
في هذه اللحظة، سألت باي تشين بفضول: «كيف تواصلت معه وأذناك مسدودتان؟ ألم يلاحظ؟»
أظهر شانغ جيانياو ابتسامة مشرقة. «في معظم الوقت، اكتفيت بالاستماع ولم أقل شيئًا. وعندما شعرت بأنه انتهى، قلت: لا أعرف ما الذي تقصده بإخباري بهذا. وحين ظهرت عليه ملامح مناسبة، سألت: هل أستطيع المغادرة؟»
تخيلت جيانغ بايميان المشهد آنذاك، ووجدته مضحكًا لسبب لا تعرفه. «أنت حقًا عبقري في الدردشة!»
كانت وسائل الترفيه من العالم القديم، والوثائق المتعلقة بجيانغ شياو يويه، قد أثرت مفرداتها.
ضحك لونغ يوهونغ.
«ألم تخشَ أن تفوتك معلومات مهمة؟ ربما كان سيقول شيئًا ذا قيمة لو واصلت الحديث.»
فكر شانغ جيانياو لحظة ثم قال: «بصفته عالمًا يشرف على مشروع C-14، لا أظنه سيرتكب خطأ كهذا.»
صحيح… هذه المرة عرفت كيف تتحدث على نحو سليم… كانت جيانغ بايميان قد تنهدت للتو متأثرة، حين سمعت شانغ جيانياو يضيف: «لا يمكنك أن تقيس الآخرين على نفسك دائمًا.»
قال هذا للونغ يوهونغ.
شعر لونغ يوهونغ بالإهانة. ثم رأى شانغ جيانياو يسأله بحماس: «هل تحاول أن تقول: يمكنك إهانة شخصيتي، لكن لا يمكنك إهانة ذكائي؟ هل نذهب لنتقاتل واحدًا لواحد؟»
وازن لونغ يوهونغ بين المكاسب والخسائر، وقرر أن يبقي فمه مغلقًا.
تحركت عينا جيانغ بايميان وهي تسير ذهابًا وإيابًا. «أعتقد أن الشركة قد بدأت تشتبه بالفعل في أنك مستيقظ، وهذا احتمال كبير جدًا. ففي النهاية، أنجزنا أمورًا كثيرة تتجاوز مستوى فريق عادي من أربعة أفراد. وفوق ذلك، ظهرت عليك مشكلات نفسية تتطابق مع خصائص دفع الثمن. من الممكن جدًا أن يراقبوك سرًا لاحقًا. عليك أن تكون حذرًا.»
«لكنني أظن أنك تستطيع تمامًا أن تغتنم هذه الفرصة لكشف هويتك كمستيقظ أمام الشركة. لقد مررت بالكثير في الخارج، لذا يُفترض أنك تعرف جيدًا أن القوى الكبرى المختلفة ترعى مستيقظين في العلن والخفاء. لن تعاملك الشركة على أنك فأر تجارب. نعم، فقط احرص على إبقاء بعض الأمور سرية.»
قال شانغ جيانياو، الذي بدا غير مكترث بمعرفة الشركة بهويته كمستيقظ: «سنرى حينها.»
عاد إلى مقعده، وتصفح المعلومات التي لم ينتهِ من قراءتها.
قرب الظهر، شغّلت جيانغ بايميان حاسوبها، وتفقدت بريدها الإلكتروني كعادتها. ثم صاحت: «أرسلت لنا نائبة الرئيس زيني رسالة.»
ما إن قالت ذلك حتى فتحت جيانغ بايميان الرسالة وقرأتها. «سُمح لنا بالاطلاع على جزء من المعلومات المتعلقة بالمستيقظين، وفق مستوى صلاحياتنا الحالي.»
عند سماع هذا، نهض شانغ جيانياو ولونغ يوهونغ وباي تشين. وهرعوا إلى خلف جيانغ بايميان، ونظروا معًا إلى شاشة حاسوبها.
كان المحتوى المعروض: «وفق جميع المعلومات التي جمعناها، يمكن تقسيم المستيقظين بصورة عامة إلى أربعة مستويات: الأول قاعة التجمع النجمي، والثاني بحر الأصول، والثالث ممر العقل، والرابع العالم الجديد…»
«مستوى العالم الجديد ليس سوى تخمين معقول من جانبنا. حتى الآن، لم يرَ أحد فعلًا مستيقظًا دخل العالم الجديد. لكن الخبراء في مستوى ممر العقل يؤمنون بوجود باب في ممر العقل يؤدي إلى العالم الجديد. وتزعم ديانات كثيرة أن قادتها دخلوا العالم الجديد، وأنهم يخدمون إله التقويم الذي يتبعونه…»
ترجمة: NO_NAME_J7
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.