الفصل المئة وواحد: دولة الشعب
كان جي تسونغيون قد غادر، لكن الصمت المطبق ظل يخيم على المنصة.
شيا العظمى أحقًا ارتقت إلى مصاف إمبراطوريات الدرجة الثامنة بهذه السرعة؟
راود الجميع إحساس بأنهم في حلم؛ خفة غريبة، كأنهم قد يخطون في أي لحظة فلا تطأ أقدامهم أرضًا.
ظل شيا يو يحدق في فانغ تشين مذهولًا. فمنذ أن عقد العزم على اعتلاء العرش، كان يطمح إلى قيادة شيا العظمى لتكسر حاجز الدرجة التاسعة، وتبلغ الدرجة الثامنة فتقف في مصاف مملكة هانشوي. كان ذلك طموحًا عظيمًا، لكنه تحقق على يد شخص آخر قبل أن يصبح هو إمبراطورًا!
كان مسؤولو البلاط، من مدنيين وعسكريين، في غاية الحماسة، لكنهم كتموا انفعالهم متظاهرين برباطة جأش تليق بدولة كبرى. وكانوا يرمقون مبعوثي الممالك الثلاث من غوهي ولونغدو ويي تشو بين حين وآخر.
أما المبعوثون الثلاثة، فلم يجدوا موطئًا للراحة. اختلفت تعابير وجوههم، وكانت أعينهم تتجه خلسةً نحو فانغ تشين، وفيها مزيج من الفزع والتحسّب والخوف.
وعلى خلاف الهدوء الذي خيّم على المنصة، كان عامة الناس في الأسفل في غاية الحماسة.
قبل خمس سنوات، تكبدت شيا العظمى هزيمة ساحقة، ومنذ ذلك الحين تراجعت إلى ذيل القائمة بين الممالك. حتى غوهي، التي يعتمد اقتصادها أساسًا على التعدين، كانت تجد الفرصة بين حين وآخر للتسلط على شيا العظمى، وكان مثقفو غوهي ومقاتلوها يتعاملون مع أبناء شيا العظمى بتعالٍ واضح.
لكن شيا العظمى تبدل حالها تبدلًا جذريًا في يوم واحد فحسب!
لم يكتفِ فانغ تشين بأن قاد رجاله إلى هزيمة فرسان الكابوس التابعين لمملكة هانشوي هزيمةً نكراء، بل أظهر أيضًا قدرات قتالية خارقة، ثم أعلن أمام كبار شخصيات هانشوي أن شيا العظمى ارتقت إلى مرتبة إمبراطورية من الدرجة الثامنة، وأن الممالك الثلاث من غوهي ولونغدو ويي تشو أصبحت دولًا تابعة لها!
حتى في أوج ازدهار شيا العظمى، لم تحقق مثل هذا الإنجاز قط!
فكيف لا يطير أبناء شيا العظمى فرحًا؟ فمنذ اليوم، يستطيعون أن يواجهوا أبناء غوهي وغيرها من الممالك بوصفهم أبناء مملكة عليا، من دون أن يضطروا إلى مراعاة أهوائهم أو الخضوع لنظراتهم المتعالية!
وفي أرجاء الحشد، انصبت على فانغ تشين نظرات الإعجاب والتبجيل.
كان بعضهم من عامة الناس، وبعضهم من مقاتلي عالم القتال، وبعضهم من طلاب المعاهد الكونفوشيوسية، وبعضهم من الحرس السري لشيا العظمى الذين رافقوا فانغ تشين سنوات طويلة.
قال أحدهم بإعجاب:
«إنه لمن حسن حظ شيا العظمى أن يكون فيها رجل كالجنرال فانغ!»
كان إمبراطور شيا العظمى يبتسم ابتسامة عريضة.
«أيها الجنرال فانغ، أمنحك اليوم لقب دوق دولة شيا من المرتبة الفائقة، على أن ينتقل لقبك إلى ذريتك بالوراثة من دون انقطاع! وسأمنحك أيضًا عشرة آلاف تايل من الذهب وألفي قطعة من اليشم واللآلئ!»
دوق دولة شيا من المرتبة الفائقة!
اهتز كبار المسؤولين دهشةً، وارتسم الذهول على وجوههم جميعًا. فهذا لقب استثنائي لم يسبق أن مُنح رسميًا منذ تأسيس شيا العظمى!
كان مؤسس شيا العظمى قد قال ذات يوم إنه سيمنح لقب دوق دولة شيا لمن ينجح في الارتقاء بالمملكة إلى مرتبة الدرجة الثامنة. وعلى الرغم من أن صاحب هذا اللقب لا يتولى قيادة الجيوش، فإن مكانته تضاهي مكانة الإمبراطور!
على مدى مئات السنين، بذل عدد لا يحصى من الشخصيات البارزة جهودًا عظيمة من أجل شيا العظمى، وأسهموا بطرق شتى في تعزيز قوتها ورفع حظوظها، لكن أحدًا منهم لم ينجح في إيصالها إلى مرتبة الدرجة الثامنة.
كان ذلك بالغ الصعوبة.
أما اليوم، فقد حقق فانغ تشين هذا الإنجاز، ووفّى إمبراطور شيا العظمى بوعد مؤسس الدولة، فمنحه اللقب الاستثنائي وجعله وراثيًا لا ينقطع!
وبعد هذا اليوم، ستصبح دار عائلة فانغ أرفع بيوت عاصمة شيا العظمى مكانةً بعد الأسرة الإمبراطورية!
حافظ تاو مينغ شنغ، وزير الطقوس، على ابتسامته. بل إنه انضم إلى سائر المسؤولين في تهنئة فانغ تشين، وقد خالطت ابتسامته مسحة من التواضع.
لكن في أعماق عينيه، كان القلق والفزع يشتعلان بقوة.
أما شيا يو، فقد صدمه قرار أبيه أيضًا.
قبل خمس سنوات، كان فانغ تشين أصغر قائد عسكري من الدرجة الأولى في شيا العظمى، وكانت مكانته تضاهي مكانة لي غوتشو، رئيس الوزراء، وتعلو مكانة وزراء الوزارات الست، الذين كانوا جميعًا من أصحاب الرتبة الأولى. وحتى في ذلك الوقت، كان شباب العاصمة يعجزون عن مجاراته، ويظنون أنهم لن يتمكنوا طوال حياتهم من تجاوز إنجازاته.
لكن بعد الهزيمة في جبل الممالك الثلاث، عُزل فانغ تشين من منصبه، وأمره الإمبراطور بلزوم منزله ومراجعة أخطائه أما الفصيل الذي تشكّل حوله من المسؤولين الذين سعوا إلى التقرب منه، فقد تفتت وانقسم.
ظن الجميع أن حياته انتهت عند ذلك الحد: فقد منصبه الرسمي، وفقد بصره، ودُمّر بحر التشي لديه.
لكن، بعد خمس سنوات كاملة من الصمت، عاد فانغ تشين ليدوي صوته في العاصمة. أخذ ذلك الصوت يعلو شيئًا فشيئًا، حتى تحول أخيرًا إلى رعد متدحرج يدوّخ السامعين ويذهلهم!
دوق دولة شيا من المرتبة الفائقة!
يا له من مقام رفيع! حتى ولي العهد شيا يو، إذا قابله، فعليه أن يحييه بصفته الأصغر سنًا والأدنى مقامًا!
«آنستي لقد أصبح الجنرال فانغ دوقًا لدولة شيا! بل إن لقبه يحمل اسم شيا نفسه!»
كانت وصيفة فانغ تشينغياو في غاية الحماسة، وقد احمر وجهها من شدة الانفعال.
«أجل!»
أومأت فانغ تشينغياو برأسها، وكانت هي الأخرى شديدة الحماسة. ووقف إلى جوارها عدد من كبار التجار المعروفين في العاصمة، وكان لي ماو تساي من بينهم.
كان هو الآخر في غاية السعادة. فقد أصبح فانغ تشين دوق دولة شيا، أما هو، التاجر الذي سبق أن زوّده بالأسلحة، فسيجني نصيبه من المكاسب بطبيعة الحال!
قال أحد التجار:
«بوجود الدوق فانغ، ستصبح تجارتنا أكثر أمانًا من الآن فصاعدًا!»
أجابه آخر:
«بالتأكيد! أضف إلى ذلك أن الممالك الثلاث، غوهي ولونغدو ويي تشو، أصبحت دولًا تابعة لشيا العظمى. أتجرؤ بعد الآن على الإضرار بتجارنا؟»
تردد أحدهم وقال:
«لـ-لكن ماذا لو رفضوا الانصياع؟»
رد عليه الآخر من دون تردد:
«سيبيدهم الدوق فانغ!»
وجّه فانغ تشين وجهه نحو المكان الذي يقف فيه إمبراطور شيا العظمى، ثم شبك يديه وانحنى قليلًا بعد لحظات.
«أشكرك يا جلالة الإمبراطور على منحي هذا اللقب.»
أهذا كل شيء؟
توقف المسؤولون الذين كانوا يهنئونه بحماسة، وارتسمت على وجوههم حيرة خفيفة حين رأوا مدى هدوئه.
تكلف إمبراطور شيا العظمى ابتسامة باهتة.
«أيها الدوق فانغ، لا داعي إلى الشكر. سأصدر أمرًا بإرسال الزي الرسمي الجديد إلى دار عائلة فانغ. وأرجو منك أن…»
قاطعه فانغ تشين مبتسمًا:
«لا داعي إلى الزي الرسمي. يكفيني أن أكون دوقًا متفرغًا لشؤوني. أما حضور جلسات البلاط فلا يناسبني.»
توقف الإمبراطور لحظةً في دهشة، وتبادل لي غوتشو وآخرون النظرات الغريبة.
كانوا يتذكرون فانغ تشين قبل خمس سنوات، حين لم يكن أحد يعلو صوته في البلاط على صوته. كان يتحدث بجرأة حتى إن الإمبراطور نفسه كان مضطرًا إلى التفكير مليًا قبل أن يجيبه.
أما الآن، فهل أصبح فانغ تشين زاهدًا في السلطة والمجد؟
أكان يتراجع خطوة ليتقدم خطوتين، أم يتظاهر بالرفض وهو ينتظر أن يُلحّ عليه؟
تضاربت الأفكار في أذهان الحاضرين.
«بالمناسبة…»
ابتسم فانغ تشين وهو يتجه بكلامه إلى الإمبراطور.
«أرى أن شياو شنسي لم يعد مناسبًا لتولي منصب قائد حرس السيف الشجاع. ما رأي جلالتك؟»
ارتبك الحاضرون قليلًا. لم يستطيعوا مجاراة الانتقال المفاجئ في حديث فانغ تشين. لماذا بدأ فجأة باستهداف شياو شنسي؟ أليس هذا الرجل من المقربين إلى الإمبراطور؟
حتى لي غوتشو وغيره من المسؤولين، على الرغم من كثرة انتقاداتهم لشياو شنسي واستيائهم منه، لم يكونوا يجرؤون على القول صراحةً إنه غير مؤهل لقيادة حرس السيف الشجاع.
فالرجل من خاصّة الإمبراطور. فما الذي يعنيه أن يطالب فانغ تشين بعزله علنًا؟ هل يريد التمرد؟
لكن فانغ تشين قالها بالفعل، فتحول الجو فوق المنصة في لحظة إلى توتر شديد.
تغيرت تعابير شياو شنسي مرارًا. وقبل أن يفتح الإمبراطور فمه، شبك يديه أمام فانغ تشين وقال:
«أيها الدوق فانغ، عندما قدت رجالي إلى دار عائلة فانغ، فإن ما حدث آنذاك كان…»
قاطعه فانغ تشين:
«تواطأ ليو تيان مع الخادم تشين وألحق الأذى بعدد لا يُحصى من أبناء شيا العظمى، وكل ذلك حدث تحت أنظار القائد شياو. وقد فرّ ليو تيان الآن، لكن هذا لا يعفي القائد شياو من المسؤولية عن تقصيره. ما رأي جلالة الإمبراطور؟»
تجمد الجميع في أماكنهم.
أكان الأمر متعلقًا بهذه القضية؟
ألم يكن السبب هو أن شياو شنسي قاد رجاله لاعتقال أفراد دار عائلة فانغ؟
بدأت الابتسامة تتلاشى عن وجه إمبراطور شيا العظمى تدريجيًا.
«أيها الدوق فانغ، من ترى أنه الأنسب لتولي منصب قائد الحرس بعد عزل شياو شنسي؟»
شحُب وجه شياو شنسي قليلًا.
وثبّت كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين أنظارهم على فانغ تشين، بينما راحت الأفكار تتضارب في أذهانهم.
ابتسم فانغ تشين وقال:
«ما رأيك في هوانغ سيهاي يا جلالة الإمبراطور؟»
هوانغ سيهاي!
أليس أحد القادة الأربعة من تنانين فانغ تشين الذين خدموا تحت إمرته في الماضي؟
ازدادت غرابة تعابير الحاضرين.
قال لي غوتشو ببطء:
«أيها الدوق فانغ، أخشى أن هذا ليس مناسبًا تمامًا. إن اختيار جلالة الإمبراطور لرجاله شأن يخصه، ومن غير اللائق أن تتدخل فيه على هذا النحو، حتى وإن كنت دوقًا.»
كان لي غوتشو رئيس وزراء شيا العظمى. وعلى الرغم من أن مكانته باتت دون مكانة فانغ تشين، فإنه ظل صاحب نفوذ كبير بفضل سنوات طويلة من العمل السياسي. وما إن تكلم حتى شعر عدد من المسؤولين بالارتياح، وتحسن لون وجه شياو شنسي قليلًا.
في نظرهم، بدأ فانغ تشين يتجاوز الحدود، بل يكاد يتمرد على السلطة!
فهو يطالب الإمبراطور بعزل أحد رجاله المقربين واستبداله برجل من خاصّة فانغ تشين نفسه، وكل ذلك على مرأى الجميع. فما الفرق بين هذا وبين التمرد؟
لم يكن يفصلهم عن اتهامه صراحةً سوى حاجز رقيق من الكلمات، لكن إن تجاوزوه، فقد يصبح مستقبل شيا العظمى كله موضع شك.
ابتسم فانغ تشين ابتسامة خفيفة.
«أيها المستشار لي، ثمة أمر لا تعرفه. إن ما أفعله سيعود بالنفع على شيا العظمى. وما دام في وسعه أن يخدمها، فسأصر على فعله، شيا العظمى دولة الشعب، وليست دولة الإمبراطور وحده. وأحيانًا، لا بد من أن يتحمل جلالة الإمبراطور بعض المشقة.»
«هذا خروج على الأصول! بل إنه خروج على كل الأصول!»
لم يعد بعض المسؤولين المسنين قادرين على ضبط أنفسهم، فراحوا يشيرون إلى فانغ تشين بأذرع مرتجفة وهم يصيحون احتجاجًا.
أما القادة العسكريون الحاضرون، فظلوا صامتين، واكتفى بعضهم بتبادل النظرات.
واكفهرّ وجه إمبراطور شيا العظمى. ومهما بلغت قدرته على ضبط نفسه، فقد كان من الصعب عليه أن يتظاهر بالهدوء بعد سماع كلام كهذا.
أما شيا يو، فقد احمر وجهه من شدة الغضب.
ماذا يريد فانغ تشين أن يفعل بالضبط؟!
إن شيا العظمى هي دولة أسرة شيا!
هذه حقيقة أبدية لا تتغير، وقد تقررت منذ قيام الدولة نفسها!
«حسنًا.»
تكلم إمبراطور شيا العظمى ببطء.
«لقد قصّر شياو شنسي بالفعل في أداء واجبه. ومن اليوم فصاعدًا، يُعزل من منصب قائد حرس السيوف الشجعان، ويتولى هوانغ سيهاي المنصب خلفًا له.»
ما إن نطق الإمبراطور بهذه الكلمات حتى عمّ الصمت المكان.
كان جسد تاو مينغ شنغ قد بدأ يرتجف. فشياو شنسي لم يحسن ضبط مرؤوسيه، وهو أيضًا في الموقف نفسه؛ إذ إن تشين دونغ، نائب وزير الطقوس، أحد مرؤوسيه.
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه الإمبراطور.
«أيها الدوق فانغ، هل لديك اقتراح آخر؟»
«متى سيُقام مأتم الأمير الثالث يا جلالة الإمبراطور؟»
الأمير الثالث!
أكانت الشائعات صحيحة إذن؟
ساد الذهول وجوه الحاضرين. هل كان مقاتلو ساحة تشينج سونغ العليا قد تسببوا في مقتل الأمير الثالث، الرهينة لدى شيا العظمى، انتقامًا لما فعله فانغ تشين بمقاتليهم؟
تحركت نظرات شيا يو، وثبت عينيه على فانغ تشين، وكأنه يحاول أن يستشف من ملامحه أي شيء يكشف الحقيقة.
سأل الإمبراطور ببطء، وقد ازدادت ملامحه جدية:
«أيها الدوق فانغ، هل هذا الخبر صحيح؟»
أومأ فانغ تشين برأسه.
«نعم. لقد ضحى الأمير الثالث بنفسه من أجل شيا العظمى.»
وفجأة، تدخل شيا يو قائلًا:
«أيها الدوق فانغ، لولاك لما مات أخي الثالث بهذه الصورة المأساوية.»
كان فانغ تشين قد كشف للتو عن قوة تفوق المألوف، كما أن حراس دار عائلة فانغ قضوا بسهولة على أكثر من مئة من فرسان الكابوس، بل إنهم استطاعوا قتل مزارع من عائلة جي.
وفي مثل هذه اللحظة، تجرأ شيا يو على توجيه اللوم إلى فانغ تشين!
شعر عدد من المسؤولين المسنين بالارتياح.
أخيرًا، ظهر ولي عهد يجرؤ على الكلام!
ابتسم فانغ تشين.
«أجل، لو كنت أعلم ذلك من قبل، لاقترحت أن تذهب أنت رهينةً مكانه. أما الأمير الثالث، فبراعته في إدارة الدولة تفوقني، ومن المؤسف أنه مات.»
التزم شيا يو الصمت.
شعر وكأنه ابتلع شيئًا مقززًا، حتى إن وجهه كاد يخضرّ من شدة الغيظ.
أما الحاضرون، فقد اعتادوا بالفعل أسلوب فانغ تشين في الكلام. أو لعل الأدق أن يقال إنه كان، حتى قبل خمس سنوات، كثيرًا ما يترك كبار المسؤولين عاجزين عن الرد.
وحين رأى فانغ تشين أن شيا يو قد التزم الصمت، نقل نظره إلى مبعوثي الممالك الثلاث من غوهي ولونغدو ويي تشو.
«ما أسماؤكم؟ لا بأس، لا داعي إلى ذكرها. عودوا إلى ملوككم وأخبروهم بأن ممالككم الثلاث أصبحت من الآن فصاعدًا دولًا تابعة لشيا العظمى، وإن لم تقبلوا بذلك، فأرسلوا إليّ رسالة، وسآتي بنفسي لأقنعكم.»
كان المبعوثون الثلاثة على وشك التعريف بأنفسهم، لكنهم فوجئوا بأنه لم يعد مهتمًا حتى بمعرفة أسمائهم. فتقلبت ألوان وجوههم بين الشحوب والاحمرار.
واصل فانغ تشين حديثه:
«وهناك أمر آخر. كانت ممالككم تدفع من قبل جزيةً لمملكة هانشوي؛ ومن الآن فصاعدًا، ستدفعون لشيا العظمى ضعف ذلك المقدار. إن نقصت وحدة واحدة، انتزعت منكم مدينة؛ وإن نقصت ثلاث وحدات، أزلت مملكتكم من الوجود.»
شهق المبعوثون الثلاثة من شدة الصدمة.
الضعف! وإن نقصت وحدة واحدة خسروا مدينة، وإن نقصت ثلاث وحدات دُمّرت مملكة بأكملها!
لقد تجاوز هذا كل حد!
اشتعلت وجوههم غضبًا، لكنهم، أمام ما أظهره فانغ تشين من قوة، لم يجرؤوا إلا على خفض رؤوسهم والصمت. بل إنهم خشوا أن يمنحوه بمجرد النظر إليه ذريعةً يقتلهم بسببها.
ابتسم فانغ تشين ولوّح بيده.
«أظن أن الوقت قد تأخر. عودوا بسرعة وأبلغوا ملوككم، ولا تنسوا إحضار جزية هذا العام.»
وهكذا، طُرد مبعوثو الممالك الثلاث.
غادروا المكان في حالة من الذل، كأنهم ذباب طُرد من أمام صاحبه. ولم يجرؤوا حتى على إطلاق تهديد واحد، بل انصرفوا مذعنين مع نخبة جنودهم.
تمتم لي غوتشو:
«ثلاث ممالك تابعة، والجزية مضاعفة.»
ثم أضاءت عيناه فجأة.
«هذا يعني أن خزينة شيا العظمى ستجني سنويًا بضعة ملايين من التايلات الإضافية على الأقل!»
بضعة ملايين من التايلات!
استعاد الحاضرون حماستهم فورًا، ونسوا مؤقتًا أمر عزل شياو شنسي، وقد أشرقت عيونهم طمعًا في المكاسب.
فإيرادات شيا العظمى السنوية من الضرائب لا تتجاوز بضعة ملايين من التايلات أصلًا!
وبفضل هذه الممالك الثلاث، ستتمكن شيا العظمى من تعويض ما فقدته من قوتها خلال السنوات الخمس الماضية، ولن يستغرق الأمر سنوات كثيرة حتى تستعيد مجدها السابق!
بل ستكون أعظم مما كانت عليه! فقد أصبحت الآن إمبراطورية من الدرجة الثامنة!
وفجأة، تكلم إمبراطور شيا العظمى:
«أيها الدوق فانغ، ثمة أمر أود أن أسألك عنه.»
تحركت نظرات الحاضرين، والتفتوا إليه بسرعة.
قال فانغ تشين:
«تفضل يا جلالة الإمبراطور.»
قال الإمبراطور:
«بحسب ما أعلم، فإن ارتقاء مملكة من الدرجة التاسعة إلى الدرجة الثامنة لا يتوقف على موافقة مملكة هانشوي وحدها. فإذا لم توافق الممالك العليا الأخرى، فقد تذهب كل هذه الجهود سدى.»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«وما الذي قد يدفعهم إلى الرفض؟ وكيف يجرؤون على الرفض أصلًا؟»
تبادل الحاضرون نظرات غريبة.
يا لها من ثقة متناهية!
«كيف يجرؤون على الرفض؟!»
كان كلام فانغ تشين دليلًا على ثقته المطلقة بقدرته على ضمان هذا الأمر.
أومأ الإمبراطور برأسه.
«حسنًا، ما دام الأمر كذلك، فهناك أمور أخرى أود مناقشتها معك. لنعد إلى القصر.»
غادر الجميع المكان وسط حراسة الجنود. أما العامة الذين شهدوا الحدث، فظلوا يتحدثون عنه بحماسة في طريق عودتهم إلى المدينة.
ولم يُنسَ جي لينغيوي، الذي كان قد أُصيب بجروح بالغة. فقد ألقاه أفراد حرس السيف الشجاع في عربة، واقتادوه إلى مقر حرس المدينة الداخلية.
القصر الإمبراطوري — غرفة الدراسة الإمبراطورية
حدق إمبراطور شيا العظمى في فانغ تشين، ثم تغير وجهه فجأة، وصاح بغضب:
«فانغ تشين، أتريد أن تتمرد؟!»
في الخارج، تغيرت وجوه الخصيان والوصيفات دفعة واحدة حين سمعوا صوته. أما يان بيهان، قائد الحرس الواقف عند الباب، فقد أصابه الذهول وكاد يندفع إلى غرفة الدراسة، لكنه تمالك نفسه في اللحظة الأخيرة.
ابتسم فانغ تشين بهدوء.
«ما الذي تعنيه يا جلالة الإمبراطور؟ لو أردت التمرد، لفعلت ذلك منذ زمن. فلماذا أنتظر حتى اليوم؟»
نهض إمبراطور شيا العظمى وأخذ يتمشى جيئةً وذهابًا، وقد بدا الاضطراب واضحًا على وجهه. ثم توقف أخيرًا أمام فانغ تشين، وحدق فيه بشدة، وكأنه يحاول التأكد بنفسه مما إذا كان قد فقد بصره حقًا.
«إن لم تكن تريد التمرد، فلماذا أصررت على أن أعزل شياو شنسي؟ أنت تعرف أنه من رجالي المقربين! ولماذا تعمدت إحراجي أمام كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، وجعلتني عاجزًا عن الرد؟ فانغ تشين! أتنسى أنني زوج عمتك.»
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.