الفصل المئة وثلاثة: النبع الروحي في الأقاليم الجنوبية
في القصر الإمبراطوري، ناولت الإمبراطورة إمبراطور شيا العظمى رسالة، وقالت بصوت خفيض:
«يقول تشين إير إنه أصبح الآن دوق دولة شيا، ومن واجبه أن يفعل المزيد من أجل شيا العظمى. لذلك قرر اصطحاب أفراد عائلته إلى الأقاليم الجنوبية، لمعالجة المشكلات التي تراكمت هناك على مدى مئات السنين.»
تأمل إمبراطور شيا العظمى الرسالة. كانت حروفها مرسومة بقوة وأناقة، تنساب فيها ضربات القلم بانسياب التنين والأفعى، وتبدو خطوطها دقيقة وصلبة كأنها محفورة بالحديد ومصاغة بالفضة. وانبعثت منها هالة غامضة يصعب وصفها.
«لا عجب إذن أن فانغ كانغهاي أراد الاستقالة من منصبه قبل مدة.»
قال الإمبراطور بهدوء:
«إذن، كان يخطط للانتقال إلى الأقاليم الجنوبية. ومع ذلك، أشعر بشيء من الأسف لرحيلهم.»
ابتسمت الإمبراطورة وسألته:
«مولاي، ما دام لا أحد من أفراد عائلة فانغ يشغل منصبًا في البلاط الآن، فلا بد أنك مطمئن، أليس كذلك؟»
ابتسم إمبراطور شيا العظمى وقال:
«أيتها الإمبراطورة، أبهذه الصورة ترينني؟ متى خشيت عائلة فانغ؟ لكن ما دام فانغ تشين مستعدًّا لمعالجة مشكلات الأقاليم الجنوبية، فمن الإنصاف أن أقدّر له ذلك.»
شعر الإمبراطور براحة لم يعهدها من قبل. فلو واصلت عائلة فانغ بسط نفوذها في العاصمة، لغطّت هيبتها على هيبة الأسرة الإمبراطورية، ولكان وجودها أشبه بسيف معلّق فوق رأسه، لا يستطيع الاطمئنان ما دامت هناك.
ثم أضاف:
«ومع ذلك، يجب أن يبقى هذا الخبر سرًّا في الوقت الراهن. فحتى هيبة عائلة فانغ لن تكفي لجعل بعض الناس يتراجعون عن مصالحهم الضخمة ويتخلون عنها.»
أومأت الإمبراطورة برأسها. فقد فهمت منطقه بطبيعة الحال.
في قصر ولي العهد، عقد شيا يو حاجبيه، ونظر إلى تاو يو ثم إلى لي هوافنغ.
«ما الذي تنوي دار عائلة فانغ فعله؟»
فكّر لي هوافنغ قليلًا قبل أن يجيب:
«يبدو أنهم يعتزمون معالجة المشكلات المتراكمة في الأقاليم الجنوبية. لكن حتى لو بلغ فانغ تشين عالم الغموض الأرضي، فإن هذه المشكلات تراكمت على مدى مئات السنين، وقد تشابكت المصالح في المنطقة من أعلاها إلى أدناها. أخشى أن يجد صعوبة في التعامل معها.»
قال شيا يو بملامح غريبة:
«لقد أصبح فانغ تشين دوق دولة شيا. فلماذا يريد التدخل في فوضى الأقاليم الجنوبية؟ أليس البقاء في العاصمة أفضل له؟ حتى أنا، ولي العهد، ينبغي لي أن أحيّيه إن التقيته!»
كان الجميع في العاصمة يعلمون أن التدخل في شؤون الأقاليم الجنوبية عمل شاق لا يجلب لصاحبه أي منفعة تُذكر. بل إنه سيغضب المقاتلين المحليين، ويوقعه في خصومة مع عدد كبير من القادة العسكريين.
لكن الخطر الأكبر لم يكن في إغضاب كبار القادة وحدهم، بل في خسارة ضباط الجيش من الرتب المتوسطة والدنيا. فإذا فقدت الدولة ولاء جنودها، فقد تقع في أزمة خطيرة.
لهذا، ما دامت الأقاليم الجنوبية لا تتمرد على الدولة، كانت العاصمة تتركها تدير شؤونها بنفسها، حتى لو اضطر عامة الناس هناك إلى عيش حياة أشد بؤسًا.
قال تاو يو بصوت عميق:
«لست متأكدًا من ذلك. لو أرادت دار عائلة فانغ التدخل في شؤون الجنوب، لفعل فانغ زيتيان ذلك منذ زمن، ولم يكن لينتظر حتى الآن. ربما كان رحيل العائلة مرتبطًا بلقب دوق دولة شيا؛ لعلهم يخشون أن يبدأ جلالة الإمبراطور بالتوجس منهم، فاختاروا مغادرة العاصمة.»
أومأ شيا يو برأسه قليلًا.
«هذا احتمال وارد أيضًا.»
وكان يميل إلى هذا التفسير؛ فبما أن أحدًا من أفراد عائلة فانغ لم يعد يشغل منصبًا في البلاط، فلن تجني العائلة منفعة واضحة من تطهير الأقاليم الجنوبية.
قال يي تشينغهي فجأة:
«إذا انتقلت عائلة فانغ فعلًا إلى الأقاليم الجنوبية، فهل يمكن أن تصبح أقوى عشيرة قتالية هناك؟ بل قد تتجاوز الطوائف الأربع الكبرى مكانةً ونفوذًا. ألن يكون ذلك أفضل لها من تولّي المناصب في العاصمة؟»
ابتسم شيا يو ابتسامة عريضة وقال:
«ستظل الأقاليم الجنوبية أقاليم جنوبية. وإن أرادت عائلة فانغ فعل ذلك، فلتفعل. لن يؤثر الأمر في سياسة شيا العظمى، بل قد يكون خيرًا لنا.»
فقد مات شيا جي، وإذا غادر فانغ تشين العاصمة أيضًا، فستكون تلك بداية مثالية لشيا يو!
راح الناس في مختلف الجهات يتكهنون بأسباب رحيل عائلة فانغ. بل إن بعضهم كتب الرسائل على عجل، وأرسلها ليلًا إلى الأقاليم الجنوبية.
لكن كل ذلك لم يكن يعني فانغ تشين في شيء.
مهما تكهن الآخرون، ومهما دبروا في الخفاء، فلن يغير ذلك شيئًا مما ينوي فعله. فلم يكن أحد منهم قادرًا على تخمين خططه الحقيقية.
وبينما هم كذلك، وصل موكب العائلة إلى مقاطعة شياننان.
كانت الشمس الحارقة تتوسط السماء، والهواء الساخن يضرب الوجوه كأنه موجة من اللهيب. وبدأ عدد من شباب عائلة فانغ يعانون من أعراض الإجهاد الحراري، إذ لم يعتادوا مثل هذا المناخ.
لم يدركوا إلا عندئذٍ سبب تسمية الأقاليم الجنوبية بأرض القفر. كان الحر شديدًا إلى درجة تجعل زراعة المحاصيل صعبة، ومن ثم كان من الطبيعي أن يجد عامة الناس مشقة في تأمين ما يكفيهم من الطعام.
نظر فانغ كانغيو إلى أخيه الأكبر بملامح غريبة، وقال:
«أخي الأكبر، هل يعني كلام تشين إير أننا سنعيش هنا من الآن فصاعدًا؟»
كان قد تخلّص منذ زمن من البطانية المصنوعة من الفرو التي كان يضعها على ركبتيه، ومع ذلك، حتى وهو في مرحلة انفجار تشي، شعر بأنه بالكاد يستطيع تحمل هذا الحر الخانق.
ابتسم فانغ كانغهاي وقال:
«في مقاطعة شياننان، يستمر الصيف ستة أشهر والشتاء ستة أشهر، ولا يكاد يكون للربيع والخريف وجود. ومع ذلك، فهي تُعد مكانًا جيدًا مقارنة بالأقاليم الثمانية الأخرى. لو ذهبت إلى بعض تلك المناطق، لما استطعت البقاء فيها شهرًا واحدًا.»
تمتم فانغ كانغيو:
«لا عجب أن جلالة الإمبراطور لا يتدخل في شؤون الأقاليم الجنوبية. لو كنت مكانه، لوجدت هذه المنطقة أشبه بشيء لا يُجدي الاحتفاظ به، ولا يسهل التخلي عنه.»
لم يرَ فانغ كانغهاي بأسًا في هذا الكلام، رغم أنه يقترب من التجرؤ على الحديث عن الإمبراطور. فقد اعتادت عائلة فانغ أن تضع مصالح الشعب فوق مكانة العرش، ولم تكن تولي بعض مظاهر الهيبة الشكلية اهتمامًا كبيرًا.
وكان هذا أحد الأسباب التي جعلت الأباطرة ينظرون إلى العائلة بقدر من التحفظ.
قال فانغ كانغيو:
«أخي الأكبر، هل رتّب تشين إير أمور ممتلكات دار عائلة فانغ كلها؟ لا ينبغي لنا أن نهملها لمجرد انتقالنا إلى الأقاليم الجنوبية. فهناك الكثيرون الذين يعتمدون عليها في معيشتهم.»
ابتسم فانغ كانغهاي وقال:
«سيتولى تشين إير ترتيب كل شيء.»
أومأ فانغ كانغيو بارتياح.
«هذا جيد.»
ثم لمعت عيناه فجأة، وأشار إلى مكان غير بعيد.
«انظر! هناك بيت للشاي.»
هز فانغ كانغهاي رأسه.
«عددنا كبير جدًا. إذا دخلنا المكان، فسنسبب إزعاجًا لأصحابه.»
في تلك اللحظة، تقدّم فانغ تشين على صهوة جواده، وأشار إلى اتجاه معين.
«أبي، عمي الثاني، إذا واصلنا السير عشرات الأميال، فسنصل إلى نبع جليدي. وهو أيضًا وجهتنا هذه المرة.»
لمعت عينا الرجلين.
في بيت الشاي، أخذ الناس يتطلعون بفضول إلى الموكب الضخم الذي مرّ أمامهم. ومن ملابس أفراده، بدا أنهم قدموا من الشمال.
«أترى أن هؤلاء من الأثرياء القادمين من الشمال للتنزه في الأقاليم الجنوبية؟»
«أي ثري عاقل سيأتي إلى الأقاليم الجنوبية للسياحة؟ ألا يخشى أن تجففه الشمس حتى يصير كسمكة يابسة؟»
«لعل أحد كبار المسؤولين جاء لتولّي منصب هنا.»
«قد يكون الأمر كذلك.»
راح الحاضرون يتبادلون الهمسات ويتفحصون أفراد الموكب بفضول. لكن بعض الأشخاص، ما إن وقعت أعينهم على هذه المجموعة، حتى لمعت في نظراتهم ريبة عابرة، ثم انسحبوا في هدوء.
سرعان ما ابتعد الموكب عن الطريق الرسمي، واتجه نحو النبع الجليدي.
وبعد مسافة قصيرة، بدأ الهواء يزداد انتعاشًا وبرودة، حتى ظهر النبع أمامهم في البعيد.
كان بعض القرويين يأتون إلى المكان لجلب الماء. وحين رأوا الموكب الضخم، لم يبدُ عليهم الاستغراب، وكأنهم اعتادوا مرور الغرباء. ملؤوا أوعيتهم بالماء، ثم غادروا.
نظر فانغ كانغهاي إلى المكان بملامح غريبة، ثم سأل فانغ تشين:
«يا بني، من المفترض أن يكون مكان كهذا كنزًا ثمينًا في الأقاليم الجنوبية. فالجو هنا بارد ومنعش للغاية، ومع ذلك لا أرى أي مساكن في الجوار. لماذا؟»
كان فانغ تشين قد أرسل من يستطلع الأمر في المرة السابقة، وعرف الأسباب بالفعل.
ابتسم وقال:
«لأن ماء النبع غير عادي، فقد ظهرت في المنطقة وحوش ضخمة تختلف عن الحيوانات المألوفة، وتأتي للشرب منه بين حين وآخر. ولو أقام الناس هنا، لتحولوا إلى فريسة لها. بل إن بعض من يأتون لجلب الماء تختطفهم الوحوش أحيانًا. وهذا هو السبب الأول.»
ثم تابع:
«أما السبب الثاني، فهو أن المكان يصبح في الشتاء أشد برودة من المناطق المحيطة، إلى درجة يعجز معها الناس العاديون عن تحمّل البرد. لذلك لا يصلح للاستقرار البشري.»
لو لم يكن هذان السببان، لظهرت هنا منذ زمن بلدة صغيرة، أو لاستولت على المكان إحدى العشائر الكبرى في الأقاليم الجنوبية. فما كان ليبقى أرضًا بلا مالك لو كان آمنًا ومناسبًا للسكن.
اشتد قلق فانغ كانغهاي قليلًا.
«يا بني، أتظن أن تلك الوحوش قد اكتسبت قوى روحية؟»
في الحقيقة، ما دام المزارعون موجودين في هذا العالم، فمن الطبيعي أن توجد الوحوش الروحية أيضًا. ولم يكن فانغ كانغهاي يخشى خوض المعارك في ساحة القتال، لكنه ظل يشعر بشيء من التوجس تجاه هذه الكائنات.
ابتسم فانغ تشين وهز رأسه.
«لن تبلغ مبلغًا خطيرًا. دع الجميع يشربون من النبع حتى يرتووا، ثم نبدأ بإقامة المعسكر. وبعد ذلك، أرسل بعض الرجال لشراء مواد البناء واستقدام البنّائين لتشييد دارنا.»
أومأ فانغ كانغهاي موافقًا.
سرعان ما أخذ أفراد العائلة يشربون من ماء النبع. أزالت الرشفة الأولى وطأة الحر عن أجسادهم، ومع الثانية شعروا ببرودة تنفذ إلى أعماقهم، فانتعشت أرواحهم وتحسنت حالتهم.
بعد ذلك، شرعوا في إقامة المعسكر.
كان حراس دار عائلة فانغ جميعًا من المحاربين القدامى، كما تلقّى أفراد العائلة الشباب تدريبات عسكرية من قبل. لذلك كانوا على دراية تامة بكيفية إقامة المعسكرات. ولم يمض نصف يوم حتى ظهرت ملامح معسكر بسيط.
رأى بعض القرويين الذين جاءوا لجلب الماء ما يجري، فبدت الدهشة على وجوههم. وتقدّم أحدهم بشجاعة، محاولًا تحذيرهم:
«لا يصلح هذا المكان للسكن! قد يكون الوضع مقبولًا في النهار، لكن الوحوش تظهر بكثرة ليلًا، وهي تلتهم البشر!»
ضحك شو جي وقال:
«وحوش! نحن بهذا العدد، ولن نخاف منها.»
هز القروي رأسه.
«قد يكون عددكم كبيرًا، لكن ذلك لن ينفعكم.»
وحين أدرك أن إقناعهم مستحيل، انصرف من تلقاء نفسه.
«عجبًا، من أين أتيتم؟ أتنوون الإقامة هنا؟»
فجأة، ظهرت مجموعة من الشباب يمتطون الخيول. كانوا يمرون بالمكان لشرب ماء النبع، لكنهم حين رأوا أعمال البناء الجارية والمعسكر الذي بدأ يتخذ شكله، بدت الدهشة على وجوههم.
بل إن بعضهم أظهر سخرية واضحة، وكأنهم يشاهدون أمرًا مضحكًا.
قال أحدهم:
«أيتها الأخت الكبرى، دعيهم وشأنهم. لا ندري من أين أتى هؤلاء الأثرياء، ويبدو أنهم يظنون أن مجرد الإقامة هنا سيمنحهم حق الاستيلاء على النبع.»
وأضاف آخر:
«صحيح! لنشرب قليلًا من الماء ثم نغادر. أوشك الليل أن يحل، وإذا استدعينا تلك الوحوش الروحية، فلن نستطيع مواجهتها.»
ثم قال ثالث:
«لقد وصل أساتذتنا بالفعل إلى طائفة النصل الغامض. ينبغي لنا ألا نتأخر عنهم، فلنسرع في اللحاق بهم.»
هزّت الفتاة ذات الزي القتالي رأسها قليلًا.
«يبدو أنهم لا يعرفون طبيعة هذا المكان جيدًا. وبما أننا التقينا بهم، فمن الأفضل أن نحذّر صاحب الدار.»
ثم وجّهت جوادها نحو أفراد عائلة فانغ.
لكن أحد الحراس تقدّم وأوقفها.
«أيها السادة، لقد أقمنا معسكرنا في هذا المكان بالفعل. يُرجى اختيار مكان آخر.»
هزّت الفتاة رأسها.
«لا أنوي الإقامة هنا. جئت فقط لتحذير صاحب الدار؛ فهذا المكان لا يصلح للسكن.»
تحرّكت عينا شو جي قليلًا.
لقد جاء القرويون لتحذيرهم، والآن جاء هؤلاء الشباب لتحذيرهم أيضًا. أكان المكان خطرًا إلى هذه الدرجة حقًّا؟
شعر بالفضول، فأشار إلى الحراس بالسماح لها بالمرور.
تمتم أحد تلاميذ الطائفة، مستاءً من منعهم من التقدم:
«يا لهم من متعجرفين!»
وحين وصلت الفتاة إلى شو جي، تعمّد بعض رفاقها التحدث بنبرة ساخرة.
نظر شو جي إليهم، ثم فكّر في نفسه:
«حقًّا، يكثر المقاتلون في الأقاليم الجنوبية. هؤلاء الشباب لم يبلغوا سنًّا كبيرة، ومع ذلك فإن أضعفهم في ذروة مرحلة تكثيف تشي، أما الفتاة فتبلغ مرحلة انفجار تشي. ويبدو أنها لا تكبر الآنسة فانغ تشيشيو إلا بعام أو عامين.»
ثم ابتسم وسألها:
«أيتها الفتاة الصغيرة، تقولين إن هذا المكان لا يصلح للإقامة. ما السبب؟»
أجابته الفتاة:
«تظهر الوحوش الروحية في هذه المنطقة من حين إلى آخر.»
ضحك شو جي.
«وحوش روحية! أهناك حقًّا مثل هذه الكائنات في العالم؟ وحتى لو وُجدت، فلا أظن أنها ستجرؤ على إزعاجنا.»
ضحك أحد الشباب بسخرية وقال:
«يا لك من واسع الثقة! أأنت كبير الحراس في هذه الدار؟ أيّ نوع من الرجال هو سيدكم، حتى يختار الإقامة في هذا المكان دون غيره؟ أمره مثير للسخرية حقًّا.»
ابتسم شو جي وسألهم:
«يبدو أنكم من أبناء عالم القتال أيضًا. فمن أي طائفة أنتم؟»
رفع الشاب ذقنه بفخر وقال:
«نحن تلاميذ طائفة سيف ديانكانغ. أسمعت بها من قبل؟»
أومأ شو جي برأسه.
«إذن، أنتم من طائفة سيف ديانكانغ.»
كان قد سمع بهذا الاسم من قبل. فلم تكن الطوائف القتالية في الأقاليم الجنوبية التي تضم ممارسين بلغوا مرحلة تشي الإمبراطوري كثيرة؛ إذ اقتصر الأمر على الطوائف الأربع الكبرى، إلى جانب بعض الطوائف والعشائر من الصف الأول.
وكانت طائفة سيف ديانكانغ واحدة منها.
«الأخ الأكبر شو، لماذا تقف هنا وتتحدث مع هؤلاء؟ ألا ينبغي لك أن تساعد البقية؟»
جاءت فانغ تشيشيو مسرعة.
وما إن وقعت أعين عدد من تلاميذ طائفة سيف ديانكانغ على الفتاة ذات الهيئة الرشيقة والحضور المميز، حتى لمعت عيونهم إعجابًا.
ابتسم شو جي وقال:
«آنستي، هؤلاء تلاميذ طائفة سيف ديانكانغ.»
«طائفة سيف ديانكانغ!»
بدت الدهشة على فانغ تشيشيو، وأخذت تتفحصهم.
«ذكر أخي أنكم من أبرز الطوائف في الأقاليم الجنوبية بعد الطوائف الأربع الكبرى. أليست مقاركم في مقاطعة هنغشوي؟ ما الذي جاء بكم إلى مقاطعة شياننان؟»
تبادل التلاميذ الهمسات.
«إنها تعرف طائفة سيف ديانكانغ!»
«يبدو أن أخاها صاحب نظر ثاقب. فهو يعلم أن طائفتنا تأتي في المرتبة الأولى بين الطوائف، بعد الطوائف الأربع الكبرى. والآن، بعد زوال قصر السيف السماوي، ربما نصبح نحن إحدى الطوائف الأربع الكبرى!»
لم يستطيعوا إخفاء اعتزازهم بأنفسهم.
ابتسمت الفتاة ذات الزي القتالي وقالت:
«جئنا إلى مقاطعة شياننان لأمر مهم. أنتِ الآنسة الشابة في هذه العائلة، أليس كذلك؟ أنصحكم بمغادرة المكان قبل حلول الظلام. لا ينبغي لكم البقاء هنا طويلًا.»
وما إن أنهت كلامها، حتى انطلقت صرخة من مكان غير بعيد.
ظهر عدد من القرويين يركضون نحوهم في حالة من الذعر، وقد تخلوا عن دلائهم الخشبية التي كانوا يستخدمونها لجلب الماء.
ثم دوّى عواء حاد!
اندفع قرد شيطاني ضخم يبلغ ارتفاعه نحو تشانغ واحد، أي قرابة ثلاثة أمتار، نحو النبع. وما إن رأى الحشد الكبير حتى بدا مسرورًا بدلًا من أن ينفر منهم، وأخذ يضرب صدره بقبضتيه ويطلق زئيرًا متتابعًا.
لم يسبق لكثير من أفراد عائلة فانغ أن رأوا قردًا بهذا الحجم، فظهرت الدهشة في عيونهم. لكنهم كانوا أصحاب خبرة، فلم يذعروا أو يتدافعوا، بل حافظوا على هدوئهم.
صرخت الفتاة ذات الزي القتالي:
«القرد الشيطاني ذو العينين الذهبيتين! لقد مضت سنوات منذ آخر مرة نزل فيها من الجبل! بل إن بعض الناس زعموا أنه مات منذ زمن.»
ارتجف أحد تلاميذ طائفة سيف ديانكانغ وقال:
«أيتها الأخت الكبرى، ألن نكون بهذا السوء من الحظ؟ لم نأتِ إلا لزيارة المكان، فإذا بنا نواجه واحدًا من أخطر الوحوش الروحية فيه!»
كان القرد الشيطاني ذو العينين الذهبيتين ضخمًا إلى حد أن الإنسان العادي يبدو بجواره كطفل في الثالثة من عمره. وحتى مع بقاء عشرات الأمتار بينه وبين الحشد، كان حضوره يفرض ضغطًا خانقًا يكاد يسلب المرء القدرة على التنفس.
راح شباب عائلة فانغ يتبادلون التعليقات، وقد غلبت عليهم الدهشة.
«إذن، هذه هي الأقاليم الجنوبية! يقولون إنها أرض قاحلة فقيرة بالموارد، لكنني لم أتوقع أن تنمو فيها القرود إلى هذا الحجم!»
«الآن فهمت لماذا لا يرغب أولئك الموجودون في العاصمة في المجيء إلى هنا. أيمكن لهذا القرد الضخم أن يسحق مقاتلًا في مرحلة تشي الإمبراطوري بلكمة واحدة؟»
«لقد رأيت الآن شيئًا من غرائب الأقاليم الجنوبية. لولا أنني جئت إلى هنا بنفسي، لما صدقت أن في العالم قرودًا بهذا الحجم!»
راحوا يشيرون إلى القرد ويتحدثون عنه بلا اكتراث، مرددين كلمة «قرد» مرة بعد أخرى.
بدا وكأن القرد الشيطاني يستطيع فهم كلام البشر. فقد استشاط غضبًا، ثم اندفع نحوهم بكل قوته.
صاحت الفتاة ذات الزي القتالي:
«اصمتوا! هذا القرد الشيطاني يفهم البشر جيدًا. إهانته تعني أنكم تطلبون الموت!»
قال تلاميذ طائفة سيف ديانكانغ، وقد تراجعوا خائفين:
«أيتها الأخت الكبرى، فلننسحب!»
لكن الفتاة لم تتحرك. نظرت إلى الحشد خلفها، ومرّ في عينيها شيء من التردد والشفقة.
«لا يمكننا الرحيل هكذا. ماذا سيحدث لهؤلاء إن تركناهم؟»
ثم عضّت على أسنانها، وواجهت القرد الشيطاني قائلة:
«نحن تلاميذ طائفة سيف ديانكانغ. نرجو منك، أيها السيد الموقر، أن تتكرم بالعفو عنا وأن تعود إلى الغابة!»
توقّف القرد الشيطاني ذو العينين الذهبيتين لحظة، وكادت نظرة احتقار تظهر في عينيه.
لكن ما إن التقت عيناه بتلك النظرة الرمادية المائلة إلى البياض، حتى استدار وفرّ هاربًا!
تجمّد تلاميذ طائفة سيف ديانكانغ في أماكنهم. وظلوا مذهولين عدة لحظات قبل أن يهتف أحدهم بفرح:
«يبدو أن سمعة طائفتنا بلغت حدًّا حتى إن الوحوش الروحية في هذه المنطقة باتت تهابنا!»
أما القرويون، فقد بدت عليهم علامات الإعجاب، وراحوا ينحنون ويضمّون قبضاتهم تعبيرًا عن امتنانهم.
وقفت الفتاة ذات الزي القتالي بملامح غريبة، وبدأت تشك في نفسها.
متى أصبحت سمعة طائفة سيف ديانكانغ عظيمة إلى هذا الحد؟!
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.