الفصل المئة واثنا عشر: النخاع الروحي في القصر الإمبراطوري
«جد جد إمبراطور شيا العظمى!»
استعاد فانغ تشين معلومة من ذاكرته. يبدو أن الأسرة الملكية لشيا العظمى تضم بالفعل سلفًا يُدعى شيا يو، واسمه قريب في النطق من اسم ولي العهد الحالي، شيا يو.
ابتسم شيا يو، ثم التفت إلى الداوي لي وسأله:
«سمعت أن الرفيق الداوي ينحدر من مملكة اللهب المشتعل.»
«هذا صحيح.»
أومأ الداوي لي برأسه.
«وهل تعرف طائفة تياننان في مملكة اللهب المشتعل؟»
عاود شيا يو السؤال.
«أعرفها… انتظر، أيمكن أن تكون أنت…؟»
ومضت الدهشة في عيني الداوي لي. أيمكن أن يكون الرجل الذي أمامه مزارعًا من طائفة تياننان؟
«صحيح. غادرت شيا العظمى، وقطعت آلاف الأميال وعشرات الآلاف منها، حتى وصلت إلى مملكة اللهب المشتعل، وحظيت بشرف الالتحاق بطائفة تياننان.»
قال شيا يو بابتسامة خفيفة:
«قبل فترة، تلقيت رسالة من خادمي القديم في شيا العظمى يخبرني فيها أن مزارعًا من مملكة اللهب المشتعل قد وصل إلى هنا، فعُدت خصيصًا لألقي نظرة عليه.»
ضمّ الداوي لي قبضتيه تحيةً وقال:
«لم أكن أعلم أن الرفيق الداوي ينتمي إلى طائفة عريقة كهذه. أرجو أن تقبل اعتذاري عن جهلي بمقامك.»
ابتسم شيا يو وسأله:
«إلى أي طائفة تنتمي، إن لم يكن السؤال محرجًا؟»
«أنا مجرد مزارع منفرد، ولا أستحق أن يشغل الرفيق الداوي نفسه بأمري.»
بدا الحرج على وجه الداوي لي.
لم يقل شيا يو شيئًا، لكن نظرة ازدراء خفيفة لمعت في أعماق عينيه. ففي عالم الزراعة، كان سلّم الاحتقار بين المزارعين أمرًا واقعيًا للغاية.
قد ينظر المزارعون إلى البشر العاديين بازدراء، بل يعاملونهم كما لو كانوا هواءً، لكنهم لا يجدون في ذلك ما يستحق الاحتقار بالقدر نفسه الذي يكنّونه للمزارعين المنفردين الذين لا يملكون ميراثًا متكاملًا.
«لا شك أن حياة المزارع المنفرد شاقة. لقد مررت أنا أيضًا بفترة كهذه في الماضي، لكن الحظ حالفني، فلفتُّ أنظار طائفة تياننان، وتمكنت من الانضمام إليها.»
تنهد شيا يو بهدوء، ثم تابع سؤاله:
«مع أنك مزارع منفرد، فإن مستوى زراعتك يبدو أنه بلغ المرحلة الثالثة من تنقية تشي. فلماذا تتدخل في شؤون عالم البشر؟
إن السبب وراء بقاء شيا العظمى إمبراطورية من الدرجة التاسعة طوال هذه السنوات هو افتقار هذه المنطقة إلى الموارد التي يحتاج إليها المزارعون. فما الذي سيجنيه مزارع مثلك من البقاء هنا؟»
ثم ألقى نظرة على فانغ تشين.
ابتسم الداوي لي ابتسامة محرجة وقال:
«وجدت نفسي آلف السيد الشاب فانغ منذ أول لقاء.»
«ألفتَ إنسانًا عاديًا منذ أول لقاء؟ يا له من أمر طريف!»
ابتسم شيا يو.
بدا على الداوي لي شيء من الاستغراب. ألم يستطع هذا الرجل أيضًا أن يدرك أن فانغ تشين مزارع؟
ازداد فضوله بشأن مستوى زراعة فانغ تشين.
ولم يكن غريبًا بعد ذلك أن يستطيع فانغ تشين حمل عصا إخضاع التنين المصنوعة من ذهب ضوء القمر.
أدرك فانغ تشين الأمر الآن. من خلال هذا الحوار القصير، بدا أن إمبراطور شيا العظمى لاحظ ظهور مزارع في مقر عائلة فانغ، وأنه هزم المعلّم الخالد الذي كانت تستعين به مملكة هانشوي، فضلًا عن هزيمة جي لينغيوي، ذلك المحارب الذي بلغ العالم الغموض الأرضي. ولعل الإمبراطور شعر بالخطر، فأرسل من يستدعي هذا السلف الذي سلك طريق الخلود.
أما فانغ تشين، فلم يكن يعلم من قبل أن في شيا العظمى شخصية كهذه.
«اسمك فانغ تشين، أليس كذلك؟»
وقعت عينا شيا يو عليه.
«أجل.»
أومأ فانغ تشين برأسه.
«لقد خدمت عائلة فانغ شيا العظمى سنوات طويلة. وجدّك هو فانغ زيتيان، أليس كذلك؟ لقد التقيت ذلك الرجل مرات عدة، وكان قائدًا موهوبًا بحق. هل هو موجود في المقر الآن؟ أود أن أجلس معه وأستعيد بعض الذكريات القديمة.»
ابتسم شيا يو.
قال فانغ تشين بشيء من الاعتذار:
«لقد انتقل مقر عائلتنا إلى الأراضي الجنوبية. والذهاب إلى هناك والعودة سيستغرقان وقتًا طويلًا، كما أن جدي قد تقدم به العمر، وأخشى ألا يحتمل عناء الرحلة.»
«انتقلتم إلى الأراضي الجنوبية!»
تفاجأ شيا يو قليلًا، ثم أومأ ببطء.
«لعل ذلك أفضل. نعم، ربما كان ذلك أفضل.»
نظر الداوي لي إلى شيا يو بفضول وسأله:
«أيها الكبير، تبدو شابًا للغاية. هل بلغت مرحلة تأسيس الأساس بالفعل؟ سمعت أن بلوغها يطيل العمر مئتي سنة.»
ضحك شيا يو بخفة.
«تأسيس الأساس! تلك مرتبة لا تُنال إلا بشق الأنفس، وما زلت بعيدًا عنها. لو كنت قد بلغتها، لما عدت إلى هنا هذه المرة. فعند بلوغ تلك المرحلة، ينبغي للمرء أن يقطع تعلّقه بالدنيا.
لكن مستوى زراعتي لا يكفي، وهذا ما يؤسفني. لقد أمضيت سنوات طويلة في الزراعة، ومع ذلك لم أبلغ سوى المرحلة الثامنة من تنقية تشي، وما زلت عاجزًا عن قطع صلتي بشؤون الدنيا.»
«المرحلة الثامنة من تنقية تشي!»
تفاجأ الداوي لي.
كان هذا المستوى يُعد إنجازًا كبيرًا في عالم الزراعة، بل كان المزارعون الذين يبلغونه نادرين للغاية في مملكة اللهب المشتعل.
خذ طائفة الرموز الثمانية مثالًا؛ فرغم أن والده بلغ مرحلة تأسيس الأساس، فإنه كان قد تقدم كثيرًا في العمر. ولأنه خشي أن تموت الطائفة من بعده من دون وريث يتولى أمرها، أنجبه في أواخر عمره.
وباستثناء والده، لم يكن في طائفة الرموز الثمانية سوى عدد قليل من المزارعين الذين بلغوا المرحلة الثامنة من تنقية تشي، وكانوا جميعًا من الشيوخ.
لاحظ شيا يو دهشة الداوي لي، فابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
«لكن هذا المستوى لا يُعد شيئًا يُذكر في طائفة تياننان. فهناك مزارعون أقوى مني بكثير، ولا يكاد المرء يحصيهم.»
«أيها الكبير، لا يبدو من مظهرك أن مستوى زراعتك لا يتعدى المرحلة الثامنة من تنقية تشي. أليس عمر المزارع العادي الذي لم يتجاوز تنقية تشي مئة وثلاثين أو مئة وخمسين سنة فحسب؟»
ازداد استغراب الداوي لي.
ازداد شيا يو اعتزازًا بنفسه، ثم قال ضاحكًا:
«لقد حالفني الحظ ذات يوم، فحصلت على عشبتين روحيتين تطيل كل واحدة منهما العمر ثمانين سنة. وقد تناولت إحداهما.»
«تطيل العمر ثمانين سنة!»
شهق الداوي لي من الدهشة.
«إن عشبة روحية كهذه كنز ثمين حتى في مملكة اللهب المشتعل! أظن أن الأسلاف الذين بلغوا ذروة مرحلة تأسيس الأساس لن يترددوا في القتال من أجلها، وماذا فعلت بالعشبة الأخرى؟»
«قدّمتها إلى طائفة تياننان.»
أجابه شيا يو.
عندها فهم الداوي لي وفانغ تشين أخيرًا كيف تمكن شيا يو من الالتحاق بطائفة تياننان. لقد قدّم لها خدمة عظيمة، فكان ذلك ثمنًا كافيًا لفتح أبوابها أمامه.
«بالمناسبة، أخبرني حفيد حفيدي أنك جعلت شيا العظمى ترتقي إلى مرتبة الإمبراطورية من الدرجة الثامنة.»
التفت شيا يو إلى فانغ تشين وقال:
«هذا ليس أمرًا جيدًا. فأساس شيا العظمى لا يؤهلها إطلاقًا لمرتبة الإمبراطورية من الدرجة الثامنة. كما أن هذا الرفيق الداوي لن يبقى هنا إلى الأبد. وحين يغادر، ستظل شيا العظمى تحمل لقب إمبراطورية من الدرجة الثامنة من دون أن تمتلك المقومات التي تؤهلها لذلك. فكيف ستتعامل مع العواقب حينها؟»
قال فانغ تشين:
«تُبنى المقومات تدريجيًا.»
هز شيا يو رأسه.
«ما زلت صغير السن، ولا تدرك الأمور كما ينبغي. أرى أن تتخلوا عن لقب الإمبراطورية من الدرجة الثامنة.»
قطّب فانغ تشين حاجبيه وسأله:
«أيها الكبير، لماذا؟ إن ارتقاء شيا العظمى إلى الدرجة الثامنة سيعفيها من دفع الجزية إلى مملكة هانشوي، بل سيجعل الممالك الثلاث، غوهي ولونغدو وييتشو، تقدم لها الجزية كل عام.»
«إن أصررت على موقفك، فلن أتدخل في الأمر كثيرًا. لكنني أريد منك اليوم جوابًا واضحًا، حتى يطمئن حفيد حفيدي: هل تنوي عائلة فانغ الاستيلاء على عرش إمبراطور شيا العظمى؟»
ابتسم فانغ تشين وهز رأسه برفق.
«أيها الكبير، ما دمت تخشى أن تفقد عائلة شيا عرشها، فلماذا لم تمد لها يد العون طوال هذه السنوات، حين واجهت شيا العظمى أعداءً كثيرين؟»
أجاب شيا يو كما لو أن الأمر بديهي:
«ما دمت قد سلكت طريق الخلود، فعليّ أن أقطع تعلّقي بشؤون الدنيا. ثم إن المزارعين ينبغي لهم ألّا يتورطوا في علاقات كارمية كثيرة مع الآخرين، كيلا تلحق بهم عواقبها السيئة يومًا ما.
ما دامت شيا العظمى لا تواجه خطر الإبادة، فلن أتدخل. وحتى لو واجهت ذلك الخطر، فلتُباد إن كان لا بد من ذلك. سأحافظ على أسرة شيا، أما شيا العظمى نفسها، فلتتركها الكارما لمصيرها.»
تفاجأ فانغ تشين قليلًا.
«أحقًا أن المزارعين جميعًا أنانيون إلى هذا الحد؟»
لكن حين تذكر رئيسة الدير تشينغهي والداوي لي، شعر بشيء من الارتياح. فليس كل المزارعين أنانيين مثل شيا يو.
كان المعنى الضمني لكلام شيا يو واضحًا: لا شيء في شيا العظمى يستحق أن يخاطر بنفسه من أجله. فحتى لو كان خصومها من أمثال تشينج سونغ، فإنه سيظل يخشى أن يظهر خلفهم مزارع أو اثنان أقوى منه.
صحيح أن تعاقب الإمبراطوريات وتبدّل السلالات أمران يجريان وفق الطريق السماوي، وأن المزارع ليس ملزمًا بالتدخل في هذه الشؤون. لكن ذلك ينطبق على المزارع الذي لا تربطه بالبلاد صلة خاصة.
أما أن يشهد المرء بلاده التي نشأ فيها وهي تواجه كارثة، ثم يمتنع عن مساعدتها، فليس ذلك مجرد قطع للتعلّق بالدنيا، كما يدّعي شيا يو. لم يستطع فانغ تشين قبول هذا المنطق.
حتى قبل قليل، لم يكشف شيا يو عن غرض عودته إلا بعد أن سأل الداوي لي عن أصله وانتمائه. ولو كان للداوي لي سند قوي، حتى لو لم يتجاوز مستوى زراعته المرحلة الثالثة من تنقية تشي، فربما لم يكن شيا يو ليجرؤ على تحذير فانغ تشين أصلًا.
«يبدو أنك لا توافقني الرأي.»
نظر شيا يو إلى فانغ تشين مبتسمًا.
«وهذا مفهوم. فأنت لست مزارعًا، ولا تدرك أن المزارعين، رغم أنهم يبدون في أعين البشر العاديين أشخاصًا يعلون الجميع، يسيرون في الحقيقة على طريق بالغ الصعوبة. كل خطوة يخطونها تتطلب تفكيرًا دقيقًا، وإلا فقد ينتهي بهم الأمر إلى الهلاك.»
ثم تابع:
«ألم يظهر مزارع من مملكة هانشوي هذه المرة؟ قيل إنه كان مكرّسًا لدى عائلة جي، لكن من كان يعلم قبل هذه الحادثة أن في مملكة هانشوي مزارعًا يحميها؟
صحيح أن ذلك المزارع لم يكن ندًا لكم، وقد قتلتموه، لكن أقاربه وأصدقاءه قد لا يتركون الأمر يمر بسلام. ثم إن مملكة هانشوي قد تضم مزارعين آخرين غيره.
وإذا كان الأمر كذلك، فهل يُعقل ألّا يوجد مزارعون خلف الممالك المجاورة، مثل غوهي ولونغدو وييتشو وتشينج سونغ؟
لعل أحدهم سلك طريق الخلود بإخلاص، كما فعلت أنا في الماضي، وأصبح مزارعًا قويًا في مكان ما.
إن عداوة من هو أضعف مني ليست مشكلة كبيرة، لكن إن كان خصمي أقوى مني بكثير، فقد يستطيع قطع طريقي إلى الخلود بسهولة. والطريق إلى الخلود طويل وشاق، وليس من السهل بلوغه.»
ابتسم فانغ تشين وسأله:
«أيها الكبير، ما دمت ترى الأمور على هذا النحو، فلماذا عدت إلى شيا العظمى؟»
ابتسم شيا يو بدوره وقال:
«أريد أن أتحقق مما إذا كان في مملكة هانشوي مزارع آخر. إن كان أضعف مني، فسأتولى أمره نيابةً عنكم، وإن كان أقوى مني، فسأسعى إلى التوسط بين الطرفين.
وفوق ذلك، لم أعد إلى شيا العظمى خصيصًا. كنت متوجهًا إلى مكان آخر، وصادف أن مررت من هنا.»
وفجأة، دوى صوت في آذان الجميع:
«أيها الأخ الأكبر شيا، هل انتهيت من معالجة الأمر؟ هل تحتاج إلى مساعدتنا؟»
مزارع آخر!
تغير تعبير الداوي لي قليلًا، بينما تظاهر فانغ تشين بأنه لم يسمع شيئًا. فشيا يو لم يدرك أنه مزارع، بل ظنه مجرد محارب عادي.
وما إن انتهى الصوت حتى ظهرت خلف شيا يو صورتان، رجل وامرأة، وكلاهما يبدو شابًا للغاية. ولم يستطع أيٌّ منهما إخفاء الغرور في نظراته.
عامل شيا يو الاثنين بتهذيب بالغ، بل شاب تهذيبه شيء من التودد، رغم أن مستوى زراعتهما بدا أدنى من مستواه بكثير؛ فلم يتجاوز، على الأرجح، المرحلة الرابعة أو الخامسة من تنقية تشي.
قال شيا يو لهما:
«أيها الأخ الأصغر ليو، والأخت الكبرى تشانتاي، أعتذر عن إبقائكما في الانتظار. دعاني أعرّفكما إلى هذا الرفيق الداوي، واسمه.»
قال الداوي لي:
«اسمي الداوي لي.»
«الداوي لي.»
قطّب الرجل والمرأة حاجبيهما، وظهرت في عينيهما سخرية خفيفة.
قال الشاب وهو يستعجل شيا يو:
«أيها الأخ الأكبر شيا، اذهب لرؤية حفيد حفيدك، وانظر أيضًا إلى ذلك الشيء الذي عجزت عن فهمه. لعلنا نتمكن من معرفة قيمته.»
أومأ شيا يو مرارًا، ثم غادر معهما مباشرةً، من دون أن يودّع فانغ تشين أو الداوي لي.
وبعد رحيلهم، أطلق الداوي لي شخيرًا ساخرًا وقال:
«ما الذي يدعو إلى كل هذا الغرور؟ إنهما مجرد تلميذين عاديين من طائفة تياننان! أما أنا، فأنا السيد الشاب لطائفة الرموز الثمانية.»
ابتسم فانغ تشين ابتسامة ذات مغزى وقال:
«لكن موهبتك ليست جيدة جدًا. لم تبلغ سوى المرحلة الثالثة من تنقية تشي، بينما بلغ هذان الاثنان المرحلة الخامسة، ولا يبدوان أكبر منك بكثير.»
لم يعجبه كلام فانغ تشين، فردّ بامتعاض:
«نحن في طائفة الرموز الثمانية نتخصص في فنّ استبصار التشي، ولذلك لا نبلغ في الزراعة ما يبلغه الآخرون. لكننا نستطيع استبصار التشي، وهم لا يستطيعون ذلك.»
قال فانغ تشين فجأة:
«ما دمت واثقًا من قدرتك، فانظر إلى القصر الإمبراطوري. هل تلاحظ فيه شيئًا غريبًا؟»
هز الداوي لي رأسه.
«القصر! لا شيء غريب فيه. لقد تفحّصته مرات عدة.»
غرق فانغ تشين في التفكير.
كان قد شعر سابقًا بنفحة تهديد خفيفة آتية من القصر الإمبراطوري حين أخرج روحه. ولهذا السبب، تجنب منذ ذلك الحين السماح لروحه بالاقتراب من القصر.
والآن، كان الشاب قد قال إنه يريد الذهاب إلى القصر لرؤية شيء ما. فهل كانت هناك صلة بين الأمرين؟
سأله فانغ تشين:
«أمتأكد من أنك لم تلاحظ شيئًا غريبًا؟»
أجابه الداوي لي باستغراب:
«بالتأكيد. هل لاحظت أنت شيئًا؟ هل تخفي شيا العظمى كنزًا ما؟»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«ربما لم تبلغ من الإتقان في الزراعة ما يكفي.»
لقد كان وصول شيا يو ورفيقيه أمرًا لم يتوقعه فانغ تشين، لكنه لم يكن سيئًا بالضرورة. فإذا ظهر مزارعو طائفة الروح الدموية خلال هذه الفترة، فربما استطاع جرّ هؤلاء الثلاثة إلى جانبه.
وعندئذ، لن يكون الأمر متروكًا لهم ليقرروا ما إذا كانوا يريدون المشاركة أم لا.
الفناء الخفي
كانت يو شيانزي تجلس على العتبة، تسند ذقنها إلى يديها. وما إن رأت فانغ تشين مقبلًا حتى نهضت مسرورة وقالت:
«سيدي الشاب، كنت أتساءل متى ستأتي.»
ابتسم فانغ تشين وسألها:
«هل حدث شيء في القصر خلال غيابي؟»
أجابت يو شيانزي:
«لم يحدث شيء يُذكر. لكن تاو يو يي وتشينغهي وغيرهما أصبحوا أكثر جرأةً في تصرفاتهم، وكثيرًا ما يجتمعون مع الموهوبين والموهوبات في العاصمة. أما ولي العهد، فيظهر بينهم من حين إلى آخر.»
أومأ فانغ تشين برأسه، ثم سأل:
«هل الجثة في الداخل؟»
ابتسمت يو شيانزي وقالت:
«نعم، في الداخل. لقد ظللت أراقبها طوال هذه الفترة.»
ضحك فانغ تشين وقال:
«إذا لم تذهبي إلى قارب الخالد اليشمي، فسيظن أولئك الناس أن مكروهًا قد أصابك.»
رفعت يو شيانزي ذقنها بشيء من الاعتداد وقالت:
«قلت لهم إنني أصبت بنزلة برد. فماذا يستطيعون أن يفعلوا لي؟»
ثم دخل الاثنان الغرفة، حيث كانت جثة المعلّم الخالد الأيسر، الذي كان مكرّسًا لدى عائلة جي، مسجّاة بهدوء على السرير.
قالت يو شيانزي:
«لم تتحلل جثته طوال هذه الفترة. إنه لأمر عجيب حقًا.»
أجابها فانغ تشين:
«لأن القوة الروحية لا تزال موجودة في جسده. وما دامت لم تتبدد تمامًا من لحمه، فلن تتحلل الجثة بسهولة.»
تقدم فانغ تشين وفحص الجثة، فوجد أن هذا المعلّم الخالد الأيسر كان فقيرًا إلى حد يُرثى له. لم يكن يحمل معه سوى كنز سحري واحد، يحمل أربعة أختام روحية، ولم يجد معه حتى حجرًا روحيًا واحدًا.
مزارع بلغ المرحلة السادسة من تنقية تشي، ولا يملك سوى كنز سحري بأربعة أختام روحية! لم يكن هناك وصف أنسب لحاله من الفقر المدقع.
احتفظ فانغ تشين بالكنز السحري، ثم أشار بإصبعه إشارة خفيفة. فسقطت كرة من اللهب على الجثة، وأحالتها في لحظات إلى رماد، من دون أن تمسّ أي شيء آخر في الغرفة.
أضاءت عينا يو شيانزي وهي تسأله:
«سيدي الشاب، متى سأتمكن من تعلم مثل هذه القدرة؟»
ابتسم فانغ تشين وقال:
«أنوي تعليمك طريقة لتنقية تشي، لنرى إن كنت تستطيعين سلوك هذا الطريق. وإن لم تستطيعي، فلا داعي إلى إجبار نفسك.»
كان فانغ تشين قد اختار يو شيانزي والآخرين بنفسه. ورغم أن موهبتهم في فنون القتال كانت ممتازة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يمتلكون الموهبة اللازمة للزراعة الروحية.
وفجأة، تحرك تعبير فانغ تشين، والتفت غريزيًا نحو القصر الإمبراطوري، ثم قال ليو شيانزي:
«انتظري هنا قليلًا.»
انطلقت روح فانغ تشين في الهواء، ووصلت في لحظة إلى أعلى القصر الإمبراطوري.
كانت نفحة التهديد أقوى بكثير مما كانت عليه من قبل. بل إنه استطاع الشعور بها بسهولة، حتى قبل أن يُخرج روحه.
هذا يعني أن تغيرًا قد طرأ على القصر الإمبراطوري!
في الفناء الخلفي للقصر الإمبراطوري
كان إمبراطور شيا العظمى قد صرف جميع من في القصر، ولم يبقَ في المكان سواه والمزارعين الثلاثة.
وأمامهم، كانت قطعة من اليشم تطفو في الهواء، يشع منها ضوء أبيض خافت.
قال الشاب والمرأة، وقد امتزجت الدهشة في وجهيهما بشيء من الجشع:
«أيها الأخ الأكبر شيا يو، كيف يوجد نخاع روحي في شيا العظمى؟!»
تحركت عينا إمبراطور شيا العظمى قليلًا.
أما شيا يو، فشهق من الدهشة، ثم التفت إلى رفيقيه وقال:
«أيها الأخ الأصغر ليو، أيتها الأخت الكبرى تشانتاي، أتعنيان أن هذه القطعة من اليشم هي النخاع الروحي الذي تتحدث عنه الأساطير؟
للنخاع الروحي روح؛ وما إن تبتلع منه قليلًا حتى تُمنح موهبة استثنائية، وتخطو بذلك إلى طريق الخلود؟»
النخاع الروحي!
في الفراغ، ظل فانغ تشين يحدق في قطعة اليشم من دون أن يرف له جفن.
لقد كان ذلك الشيء مصدر نفحة التهديد التي شعر بها. ورغم أنه بدا كقطعة من اليشم، فقد بدا أيضًا كما لو كانت له إرادة خاصة!
وفجأة، قال الأخ الأصغر ليو بلهفة:
«أسرعوا! أخضعوه، ولا تدعوه يهرب! عندما يظهر النخاع الروحي، فإنه يتحول إلى مطر خالد ويختار صاحبه بنفسه. لكنه لم يستيقظ تمامًا بعد، وما زالت لدينا فرصة لإخضاعه!»
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.