أطلت سفينة متوسطة الحجم على الجزيرة، كانت سفينة ذات أشرعة حمراء، تعلو السفينة راية برتقالية اللون يتوسطها فأسان متقاطعان.
الماء يلمع تحت أشعة الشمس، وأمواج صغيرة تتلاطم على جانب السفينة تحرّكها وكأنها ترقص فوق البحر.
“هل ذلك شخص في تلك الجزيرة؟” سأل شخص في مقدمة السفينة.
كان الشخص الذي تكلّم في أواخر الثلاثينيات من عمره، يرتدي قبعة زرقاء مدوّرة مخططة باللون الأبيض، يبرز منها لون شعره الأسود.
جاء صوت من شاب من الجانب: “نعم كابتن، لقد أبرحونا ضرباً”.
أدار الشخص الذي قرب الكابتن رأسه ونظر نحوه بنظرة قاسية، فابتلع الشخص الذي تكلّم كلامه. “سيدي، بوجودك معنا سنلقّنه درساً”.
“بطبيعة الحال، لا تقلقوا، الزعيم هنا”. “لا داعي للخوف، ما دام معكم الكابتن نيلو فلا داعي للقلق. سأحطّم رأسه”.
ظهرت ابتسامة عريضة على وجه الكابتن نيلو وهو يرمق الجميع بنظراته بينما ينفض سترته البرتقالية من الغبار.
صاح الجميع في السفينة: “كابتن! كابتن!”. أدار نيلو جسمه ولوّح بيده، ارتفع رداؤه الأسود في الهواء، ثم صاح بصوت عالٍ: “أيها الوغد! تضرب أتباع نيلو؟ سيلقّنك نيلو نفسه درساً قاسياً. كن مستعداً، أنا قادم!”.
وقف يوسافير وبجانبه يوراي فوق جرف عالٍ ينتظران السفينة التي كانت تقترب. “يبدو أن الضرب الذي تلقّوه سابقاً لم يكن كافياً”، تكلّم يوسافير. “هل أتصرف أنا؟” فرقع يوراي أصابعه.
“أنت متحمّس بعض الشيء يا يوراي، لا داعي لذلك”. “أنا من سيقوم بضربهم، حتى أمّهم لن تتعرّف عليهم”.
ظهر على وجه يوراي نظرة تساؤل: “ماذا ستفعل؟”.
“سترى قريباً”، قال يوسافير بينما ظهرت ملامح مرعبة على وجهه.
على ظهر السفينة، رأى الجميع يوسافير ويوراي فوق الجرف، ومع اقتراب السفينة ظهرت ملامحهما واضحة للجميع.
في السفينة ظهر الخوف على بعض الوجوه حين رأوا يوسافير، وتذكروا تلك الابتسامة الغريبة التي كان يطلقها.
أدار نيلو وجهه نحو أتباعه: “ما هذه الوجوه؟ ألا تعلمون أن العظيم نيلو معكم؟ لماذا الخوف؟”. أراد نيلو التفاخر أمام أتباعه، فأدار رأسه وأشار بإصبعه: “أنت هناك!”. ثم توقّف، نظر إلى نائبه، نظر النائب أيضاً نحوه.
“ما بك كابتن؟”.
“من منهم قام بضربكم؟”.
“إنه صاحب الرداء الأسود”.
“أحـم، أحـم… حسناً”. رفع إصبعه مرة أخرى: “أنت يا صاحب الرداء الأسود، ستدفع ثمناً غالياً لضربك لأتباعي!”.
ظهر ازدراء على وجه يوسافير وهو يحدّق في نيلو.
بعد ذلك ابتسم يوسافير ابتسامة جعلت وجهه ملتوياً، ثم قفز من الجرف العالي نحو السفينة التي رست بدورها على الشاطئ. تراجع بعض الأشخاص إلى الوراء، بمن فيهم النائب ذو الشعر الأشقر.
قفز نيلو أيضاً نحو الشاطئ وهو يستلّ الفأس التي كانت خلف ظهره: “أيها الوغد! تجرؤ على ضرب أتباع العظيم نيلو؟ ستدفع الثمن! سأجعلك تكرهني أيها الوغد”. اندفع نحو يوسافير وهو يلوّح بفأسه.
دون أن يتراجع، اندفع يوسافير، ظهرت ابتسامة لا يمكن لقلب بريء أن يظهرها، ابتسامة جعلت قلب نيلو يرتبك.
اتّسعت عينا نيلو وهو ينظر إلى يوسافير. مرّت ضربة الفأس أمام وجه يوسافير الساخر، رافعاً حاجبه الأيسر بطريقة غريبة جعلت وجهه أكثر رعباً.
لوّح بيده، توقّفت لكمة أمام وجه نيلو، تراجع يوسافير، ثم حلق في الهواء وسقط على ظهره.
أثرُ ارتطام يوسافير بالحصى جعل الغبار يتطاير من حوله، والجميع يحدّق بالدهشة. تفاجأ الجميع في السفينة، وكذلك ظهرت على وجه يوراي لمحة تفكير: “ماذا يفعل هذا الغبي؟ ألم يقل إنه سيبرحهم ضرباً!”.
مع كل هذا الذهول، كان الأكثر دهشة هو نيلو؛ لأن لكمة كادت أن تصل لوجهه لكنها توقّفت فجأة، ثم حلق الآخر وسقط على ظهره، لم يفهم أي شيء.
“أيها الوغد!” ظهرت تعابير غضب زائفة على وجه يوسافير، وانطلق نحو نيلو.
لم يقدر نيلو على فعل شيء سوى أرجحة فأسه، لَوَى يوسافير جسمَه إلى الجانب ومرة أخرى تفادى الهجوم، والتقت عيناه بعيني نيلو. نظرة خاطفة تظهر ازدراءً على وجه يوسافير، ثم تراجع بسرعة وارتطم بالسفينة.
“بوم…” صوت ارتطام يوسافير بالأخشاب هزّ سطح السفينة.
تجعّدت حواجب يوراي: هل فقد عقله؟. تسلّل الخوف إلى ضلوع نيلو، وفجأة سمع صراخ يوسافير جعل شعر يده يقف: “سأحطمك!”.
لكن فوق السفينة تعالت صيحات: “هذا هو الكابتن! هذا هو قائدنا! أصلخ جلده يا كابتن! اجعله يندم على مواجهتك!”.
تكلّم نيلو في نفسه وركبتاه ترتعدان: “ما الذي يقوله هؤلاء الأوغاد؟!”.
تقدّم يوسافير نحو نيلو بسرعة ووقف أمامه. تجمّد نيلو في مكانه حين رأى التعابير على وجه يوسافير؛ ابتسامة ساخرة بشفتين مقوّستين للأسفل مع اتّساع عينيه قليلاً. تلك العينان هما ما جعل قلب نيلو يخفق بقوة.
سمع نيلو صوتاً خافتاً يخرج من فم يوسافير ساخر: “ستفعل ما أقوله لك، وإلا لن ترى ضوء الغد”.
حين تكلّم يوسافير، رأى نيلو أن نظرته لم تكن تنظر إليه، بل إلى يده التي كانت قرب الراية التي تزين صدره، وهي نفس الراية أعلى السفينة.
تحوّلت نظرة نيلو إلى يد يوسافير التي تقترب من كتفه الأيسر. في تلك اللحظة شحب وجهه. لقد رأى سلسلة سوداء تخرج من تحت أكمام يوسافير، لكن ما زاد السلسلة رعباً هي العيون التي زينت بعض حلقات السلسلة… هي نفس عيون يوسافير.
“إنـه… إنـه… إنه مَمْسوس!” كاد نيلو أن يبكي.
“اسمعني جيداً أيها الوغد، أعرف أنك لا تريد خسارة هيبتك أمام أتباعك، لكن إن لم تفعل ما أقوله لك، ستخسر حياتك وليس فقط هيبتك”.
بعد أن صمت قليلاً تلعثم نيلو بكلماته: “مم… ماذا تريد مني؟ سـ… سأفعله”.
“سأتركك تهزمني، لكن عليك التوجّه لداخل الجزيرة، اتجه غرباً حتى تقف أمام أعلى قمة في الجزيرة، انتظرني هناك”.
“لكن إن فكرت في الهروب، لا تظن أنني لن أجدك. المهم، سنتكلم عن الموضوع لاحقاً. هل أنت موافق؟”.
دون تردد خرج صوت مرتجف من فم نيلو: “مم.. موافق”.
عاد وجه يوسافير إلى نظرة السخرية، وبملامح راضية، ثم حلق في الهواء سبعة أمتار.
نظر نحو يوراي الذي فهمه، سقط يوسافير أرضاً وكأنه فاقد للوعي. حلّ الصمت في المكان، الكل ينظر نحو يوسافير، وفجأة…
“هاييييييي”.
“أحسنت يا كابتن! أحسنت! أنت الأفضل!” تعالت صيحات أتباع نيلو: “هذا هو قائدنا!”.
تماسك نيلو قليلاً، رفع يده إلى السماء معلناً فوزه، لكن في أعماقه كان يشتم أتباعه.
نزل العرق من وجهه: “أيها الأوغاد… كدت أموت! سأريكم لاحقاً… ما الذي تورّطتم فيه مع هذا الشخص الممسوس؟”.
نزل يوراي بخطوات متثاقلة، اقترب من يوسافير، ثم مد يده ورفعه واضعاً يد يوسافير فوق كتفه، ثم بدأ بالتوجّه لداخل الجزيرة.
“ما الذي يدور في ذهنك يا صاحب الألف وجه؟”.
تمتم يوسافير: “ستعرف لاحقاً”.
“سيدي، إنهم يرحلون، هل نلاحقهم؟”.
“لا! لا، توقفوا!” أشار بيديه الاثنتين وملامح الذعر على وجهه، ثم بابتسامة اصطناعية قال: “لا داعي لذلك… الخاسر يبقى خاسراً”.
“لقد لقّنته درساً. على العالم أن يعرف أن من يعبث مع نيلو وأتباعه سيدفع ثمناً غالياً”.
“العالم ليس مستعداً بعد يا سيدي”.
نزل أتباعه إلى الشاطئ، ثم قال نيلو: “سنقيم مخيماً هنا”.
“ألن ندخل إلى داخل الجزيرة سيدي؟”.
“ليس الآن. أنا قائدكم، وعليّ اكتشاف المكان أولاً”.
“نحن لا نعرف إن كان هذان الوغدان قد أعدّا أي فخاخ، لذلك سأتجوّل وحدي. عندما أعود سندخل مجتمعين”.
“هذا هو قائدنا! يعرض حياته للخطر من أجلنا!”، “سيدي، سأتبعك لآخر حياتي!”، “وأنا أيضاً!”، “وأنا!”.
ارتسمت علامة رضا على وجه نيلو وهو يبتسم: “حسناً، لا داعي للصياح. سأعود لاحقاً”. “اهتمّوا أنتم بالأمر هنا، وأعدّوا الخيام”.
تحوّلت نظرة نيلو من أتباعه إلى الجزيرة، ثم ابتلع ريقه. “تباً… تباً لكم… ستجعلونني أقف أمام ذلك الشيطان وحدي!”.
تقدم نيلو ببطء واختفى بين الأشجار. وبسرعة وصل نيلو قرب جبل مرتفع مليء بالأشجار.
لم يصادف نيلو أي فرد من أهل القرية لأن الجميع في خضمّ العمل؛ فقد اقترب موعد الشتاء ولا بدّ من حرث وزراعة بعض الأراضي.
اقترب من شجرة كبيرة وجلس ينتظر. مرت ثلاث ساعات: “هذا الوغد تأخر…”.
ما إن قال هذه الكلمات حتى أطَلّ يوسافير ويوراي من بعيد. أظهر نيلو بعض الخوف، ثم وقف وابتسم: “أهلاً، أهلاً صديقي!”.
قاطعه يوسافير: “ليس لدي وقت لهذا الكلام، هل تعرف لماذا لم أقتلك أنت وأتباعك؟”.
حرّك نيلو رأسه يميناً وشمالاً.
“لقد تركتك لتقوم بحماية هذه الجزيرة”. اندهش كل من نيلو ويوراي.
“حماية هذه الجزيرة؟” تساءل نيلو حائراً.
“نعم، ستبقى على هذه الجزيرة، وستقوم بحمايتها لمدة ستة أشهر”.
“سـتة أشهر؟!” ارتفع صوت نيلو، لكن فجأة خفف صوته عندما تذكّر تلك الملامح على وجه الشخص أمامه.
“ما بك؟ ألا تريد ذلك؟”.
“لا… لا، ليس لدي مانع… لكن من ماذا سأحمي هذه الجزيرة؟”.
سخر يوسافير: “ستحميها من أشخاص أمثالك”.
ابتسم نيلو ابتسامة مؤلمة ثم سخر داخلياً: “حسناً… ستة أشهر مع هذا الشخص وهذه الملامح الغريبة… لن أفعل ذلك”.
فجأة تغيّرت ملامح وجهه وكأنه تذكر شيئاً: “كيف سيحمي هذا الضعيف الجزيرة بينما أنت فيها؟”.
“أنا غداً سأرحل من هنا، لكن عليك أن تعرف… سأبقى على اتصال مع أهل القرية”. “إن حدث شيء، سألاحقك حتى آخر الدنيا”.
ابتلع نيلو ريقه وهو يتذكر تلك السلسلة وتلك العيون، ثم قال: “لا تقلق… نيلو في خدمة السيد الشاب”.
ابتسم يوراي الذي كان واقفاً على الجانب ولم يقل شيئاً. “هيا لنذهب، غداً في الصباح تعال باكراً”.
“أمّا بخصوص أتباعك، فتولَّ أمرهم. إن تصرّف أحدهم بشيء خاطئ… أنت لا تريد أن تعرف ما سيحدث”.
“حسناً، حسناً، سأفعل. لا تقلق يا صديقي”.
التفت نيلو جانباً وعاد من حيث أتى. وجّه يوراي وجهه نحو يوسافير، ابتسم وقال: “هل نصعد الجبل؟”.
“هيا بنا، فغروب الشمس اقترب”. صعد الاثنان إلى قمة الجبل، وقفا وهما ينظران نحو الشمس التي تغادر ببطء. يوراي، رغم عينيه المغلقة، بدا وكأنه يرى.
بعد قليل من الصمت، كسره يوراي: “أليس غروب الشمس شيئاً رائعاً؟”.
رد يوسافير: “فقط استمتع بهذه اللحظة، لأنها آخر غروب سنراه على هذه الجزيرة”.
“سأشتاق لهذه الجزيرة، لقد قضينا سنوات جميلة هنا، باستثناء ذلك اليوم”.
تذكّر يوسافير السنين الطويلة التي قضاها في هذه الجزيرة والأشياء التي مرّ بها وواجهها؛ ها هي الآن مجرد ذكرى سيتم طيّها وتركها وراءه كأنها لم تكن.
ابتسم يوسافير: “لا شيء يدوم في هذه الحياة. نباتات الربيع يأتي صيفها… وصيف هذا العالم قد اقترب”.
نهاية الفصل.
تعليقاتكم
