الفصل التاسع والعشرون: الخرساء
اندهش يوسافير ويوراي، وخفق قلباهما بسرعة، لقد كانا يعرفان هذه الفتاة جيداً.
بشعرها الأسود المجعد وعينين عسليتين ونقطة سوداء وسط جبهتها، وجلدها المائل للأحمر، وبملابس رمادية منكمشة وفضفاضة لا تظهر أي جزء من جسمها سوى يديها ووجهها.
لم يحمل وجهها أي ملامح بينما كانت الفتاة تتمشى بين الخمسة الآخرين ورأسها مرفوع للسماء تنظر إلى السماء الزرقاء وبعض الطيور وكأنها تفكر في شيء ما.
نظر يوسافير بعينيه السوداوين نحو الفتاة بتمعن، بدأ يرتعد، ونظرة شرسة ظهرت على وجهه.
تدخل يوراي: لا تتهور، انتظر قليلاً لنعرف ما يجري.
ما جعل يوسافير يشتعل غضباً هو رؤية السلاسل في يدي الفتاة، بينما وجهها بدا وكأن البريق قد اختفى منه.
ضغط يوسافير على يديه، بينما شعر شخص جالس بجانبه بقشعريرة أسفل ظهره، فحدق في يوسافير ثم ابتعد قليلاً.
ليلار الجالس في مكانه ينظر إلى الأحداث في الساحة، فجأة شعر بشيء ما ووقف. بدأ يلتفت يميناً وشمالاً لكنه لم يلاحظ شيئاً: ما هذا؟
في الساحة خلف الأشخاص الستة دخلت عربة مملوءة بالأسلحة من سيوف، ومطارق، وخناجر، ورماح يجرها جنديان.
جميع الأسلحة التي يمكن استخدامها كانت فوق العربة. بعد أن دخلت العربة أغلقت جميع الأبواب إلا باباً واحداً.
قال الناطق: هذه الأسلحة يمكن أن تختاروا منها أي سلاح تريدونه، لكن عليكم الاختيار جيداً، فهذه الأسلحة هي من ستنقذ حياتكم وتحدد مصيركم؛ لأن مصيركم بين أيديكم.
في المدرجات كان هناك شخص برداء أسود قرب أحد الجدران، ذلك الجدار عليه ثقب صغير جداً. اقترب ذو الرداء الأسود منه بفمه وقال: تجهزوا جيداً، لا نريد أي أخطاء.
أعلى المنصة الشرفية التي كانت مغطاة بعدة أقمشة حريرية من الجوانب والسقف، وقف رجل برداء أسود وهو يتمتم: حسناً.
في الجهة اليمنى من المنصة كان هناك أيضاً رجل قرب الجدار، وما خرج من فم الشخص التاني خرج من فمه: حسناً.
وفي الجهة اليسرى أيضاً، والجهة المقابلة للمنصة أيضاً. في مختلف أرجاء المدرج كان العديد من الأشخاص ذوي الملابس السوداء قرب الجدران، وكل جدار يحمل ثقباً صغيراً عليه.
بالرجوع إلى الساحة، بعد أن تم فتح أصفاد الستة.
صليل صليل.
انطلق شاب ذو سبعة عشر عاماً نحو العربة بخطوات متخترة.
كانت ملامح وجهه حادة، وشعره أسود قصير، وملابسه مهترئة ومقطعة من عدة جوانب.
مشى نحو العربة حافي القدمين والتقط فأسين ليسا طويلين ولا قصيرين، ونظر إليهما مطولاً، بعد ذلك ابتسم وقال: أظنهما ملائمين لي.
ثم تبعه الأربعة الآخرون، كان أحدهم يرمق الصبي بنظرة باردة، وكان ذلك الشخص هو الرجل الذي في الأربعينيات من عمره.
عندما اقترب من العربة قال بنبرة مهددة: يبدو أنك تريد الموت سريعاً أيها الصبي لتملك الجرأة في وجود من هو أكبر منك. سأخبرك بشيء: لا داعي لأن تحمل سلاحاً، فموتك أولاً مؤكد.
نظر الشاب إلى الرجل ذي الوجه الخشن والحواجب الكثيفة وسخر قائلاً: وماذا في ذلك؟ هل يجب أن أطلب إذنك أو أنتظر أمرك لحمل السلاح؟ يا له من رأس لا يملك ذرة عقل.
صر الرجل على أسنانه وقال: ماذا؟! يا له من لسان سليط يحتاج للقطع. كنت سأرحمك قليلاً، لكن الآن سأتأكد من سلخ جلدك أولاً.
سخر الصبي بينما أحد أصابعه في أنفه: حسناً، أنا أنتظرك أيها القبيح ذو الحواجب الكثيفة.
بينما عينا الرجل لم تفارقا الفتى، حمل مطرقة كبيرة من الحديد وقال: حسناً أيها الفتى، انتظر حتى نبدأ.
العجوزان لم يلقيا بالاً، وحملا سيوفاً طويلة، بينما الشاب في منتصف العشرينيات حمل سوطاً مملوءاً بالأشواك وتراجع.
في المدرجات كانت هناك معركة أخرى تجري، وهي معركة المراهنات.
تعالت الأصوات والصيحات هنا وهناك. كان الكثير من الناس قد راهنوا على الرجل الضخم، وهناك من راهن على العجوزين، ونسبة قليلة راهنت على الفتى الصغير وأيضاً الشاب في منتصف العشرينيات، أما الفتاة فلم يراهن عليها أحد.
في المنصة الشرفية لم يكن هناك اختلاف. نظر لبران نحو الرجل الضخم وقال: لورين، ما رأيك أن نكمل رهاننا السابق؟ لم يكتمل لأنه تم توقيفه.
رد لورين: يا لك من غبي، لقد كان واضحاً أن من راهنت عليه هو من فاز. لماذا تقول هذا الشيء؟
ابتسم لبران: لا، القتال لم يكتمل. كان يجب على أحدهم الاستسلام لكي يُحتسب الرهان.
حسناً، لا مشكلة، لنكمله، قال لورين: يا لك من وغد ماكر.
ميمون الذي كان واقفاً بجانب لورين تغير تعبيره وهو ينظر نحو الساحة غير مكترث لما يجري حوله. سأل لبران: إذاً من تظن سيخرج حياً من الساحة؟
نظر لورين إلى ميمون، ثم قال: ميمون، من برأيك سيخرج حياً من هنا؟
لم يجب ميمون لأن عقله كان في عالم آخر. انتظر لورين من ميمون أن يجيب وهو ينظر نحوه بعينين ضيقتين، ثم نادى لورين مرة أخرى بينما لمسه بيده: ميمون!
استفاق ميمون من حالة تفكيره، ففتح لورين فمه: ما بك شارد الذهن؟
أجاب ميمون: لا… لا شيء. ثم قال: هل هناك شيء؟
أعاد لورين طرح سؤاله: من تظن سيخرج حياً بينهم؟
نظر ميمون إلى الساحة مرة أخرى ثم قال: لا أدري، فأنا لا أعرف عنهم شيئاً.
ضحك لورين بخفة: اختر واحداً.
سخر ميمون داخلياً: أنا متأكد أن هذا القتال لن يكتمل. ثم نظر إلى لورين وقال: سأختار الصبي أصغرهم.
حسناً، قال لورين وهو ينظر إلى لبران.
قال لبران: هل أنت متأكد من اتباع اختياره؟
غمز لورين لبران: هل تظن أني أمزح؟
فكر لبران قليلاً ثم قال: سأختار الشاب ذا الشعر الأشقر. وكان الشاب صاحب الشعر الأشقر هو من يحمل السوط الطويل المملوء بالأشواك في يده اليمنى.
في الساحة لم تتقدم الفتاة نحو العربة لحمل سلاح، بقيت متسمرة في مكانها تتأمل السماء بعينيها العسليتين، وهذا ما جعل الناس في حيرة.
بدأ الناس بالصياح، ووقف أحدهم وقال بصوت عالٍ: ما هذا؟ القتال لم يبدأ بعد وواحدة منهم فقدت أملها! يا لها من مهزلة! موتي فقط أيتها الحقيرة!
تكلم شخص آخر: هل هذه مجرمة حقاً كما تقولون؟ حتى إنها خائفة من حمل سلاح!
تحدث الناطق: لا تستبقوا الأحداث أيها الناس. في هذه الساحة لا يوجد أحد ضعيف، فهم مجرمون تم الإمساك بهم بأشق الأنفس.
ثم نظر إلى الفتاة وقال بنبرة قوية: إن لم تقاتلي فستموتين.
بعد أن لم تتحدث الفتاة، بدأ بعض الناس بقذفها بكلمات سيئة، كما ارتفعت أصوات البقية: اقتلوها أولاً!
لم تفتح الفتاة فمها، كانت هادئة كالبحر الجليدي، لكن في أعماق ذلك البحر كانت هناك أمواج كالجبال لا يمكن تخيلها. كانت عيناها ناعستين وكأنها مطفأة، لكن فيهما شعلة وبريق لا يمكن إطفاؤهما.
نظر الرجلان اللذان جاءا دافعين العربة نحو الفتاة، وعندما رأياها لا تتحرك دفعا العربة وهما في طريق الخروج. تراجع الناطق إلى المدرج، وأغلقت جميع الأبواب.
رفع الناطق جهازاً مثل المسدس في الهواء بيده وهو ينظر إلى الأشخاص الستة: هي إذاً، فلتبدأوا. ثم قام بإطلاق شرارة من يده التي ارتفعت في السماء معلنة بدء القتال.
نظر الرجل الضخم إلى الشاب الصغير، ابتسم ابتسامة قبيحة مثل وجهه، وانطلق بمطرقته نحوه. اقترب الرجل بسرعة رافعاً مطرقته إلى السماء ثم بوم!
صوت مرتفع ارتفعت معه كومة من الحجارة والغبار، اندفع الشاب جانباً في اللحظة التي سقطت فيها المطرقة المعدنية، حيث أحدثت حفرة صغيرة في المكان الذي كان يقف فيه الفتى. يداه تمسكان بالفأسين الصغيرين وهو يبتسم في وجه الرجل: تعالي أيتها الدبة المسعورة.
ضحك الرجل الضخم: أيها الفأر، لن تهرب طويلاً. ثم أدار جسمه بسرعة، وصرير عضلاته سُمع بوضوح. انطلق كالجبل وعيناه تتقدان من الغضب.
بعد رؤية الرجل قادماً نحوه، تراجع الفتى نحو الجدار الحجري ثم انحرف فجأة، ما جعل مطرقة الرجل تنزل على الحائط: بومممممم.
اهتز جدار الساحة بأكمله، واهتزت معه أنفاس الجمهور في المدرجات، لكن برؤية الفتى يركض جانباً تنفسوا الصعداء؛ فقد ظنوا أن الفتى صار هريسة بسبب مطرقة الرجل الضخم.
سخر الصبي من الرجل: إنك بطيئة أيتها الدبة المسعورة!
قال أحد الأشخاص بين الجمهور: إنه سريع للغاية ذلك الفتى!
نظر ليلار نحو الشاب الصغير وظهر بريق في عينيه. اندفع صوت الرجل كالرعد في الساحة: حشرة! تعال إلى هنا!
التفت الشاب الصغير ثم استدار بمؤخرته نحو الرجل وضرب عليها: تعالِ تعالِ نحوي أيتها الصخرة الكبيرة!
برؤية ما يفعله الصبي، انطلقت ضحكات من المدرجات: رائع يا فتى! رائع! كان الكثير متعاطفين مع الفتى، أحدهم صرخ: أنا آسف لأني لم أراهن عليك يا فتى! هاهاهاها! هذا جيد يا فتى!
سماع الضحكات وكلام الناس جعل عروق الرجل الضخم تبرز من عنقه، فصر على أسنانه: سأمزقك إلى أشلاء! ثم اندفع نحو الصبي الذي فر هارباً.
في هذه الأثناء كان العجوزان في معركة حامية الوطيس، وتطايرت شرارات في السماء بسبب ارتطام سيوفهما. براق.. براق.. براق.
لكن أغلب الناس لم يهتموا لهذا القتال إلا من راهن على العجوزين.
أما الشاب في منتصف العشرينيات فنظر نحو الفتاة، وبيده السوط الشائك وقال: هل ستقاتلين أم تموتين؟
لم ترد الفتاة على كلامه، واكتفى بالصمت. سأل الشاب: لماذا لا تتكلمين؟ هل أنت بكماء؟
في المدرج نظر يوسافير إلى يوراي: هذه هي الفرصة التي كنا ننتظرها.
ابتسم يوراي: هل أنزل وأقاتل من أجلها؟
– نعم، علينا إشعال الفتيل، والفرصة أتت بين أيدينا. لنستغلها، فقد تكون هناك فرصة.
حسناً، قال يوراي ووقف ونزل ببطء على الدرجات. عندما وصل إلى حافة المدرج، التفت ونظر إلى يوسافير بابتسامة على وجهه، ثم قفز إلى الساحة.
ما إن وطأت قدماه الأرض حتى انهالت عليه نظرات من كل الجهات.
بعينيه المغمضتين، وجه وجهه نحو الناطق ورفع يده مشيراً إلى الفتاة التي بدورها بدت مصدومة وهي تنظر إليه: هل يمكن أن أقاتل من أجلها؟
نهاية الفصل.
لقد بدأوا اخيرا
