الفصل التسعون: صرخات الحرية وقدرة الراعي
كانت الكلمات الموجهة نحو كامينوس مفاجأة كبيرة له؛ هل يعرفه هذا الشخص؟ وإن لم يكن يعرفه، فكيف يتحدث معه بهذه الطريقة؟
دون تغير في تعابيره، سأل كامينوس: “من أنت؟”
“أيها المعلم كامينوس، لقد وددنا جميعاً أن نجعل هذه السلطنة كبيرة تعادل الممالك والإمبراطوريات الأخرى.. هل نسيت مع من كنت تشارك هذا الحلم؟”
اتسعت حدقتا كامينوس بشكل واضح وهو متأثر بكلام الرجل: “أيعقل أنك..!”
رفع الرجل الذي بين الناس يديه: “كامينوس-سان، لقد عدت.. لقد عاد ابن هذه المدينة، لقد عاد بولي.”
ارتعد كامينوس بعد أن سمع هذا الاسم، ولم يسعه إلا أن يستحضر بعض ذكرياته القديمة: “هل… هل هذا حقاً أنت يا بولي؟ أين كنت كل هذه المدة؟”
التفت ذو رأس الخنفساء لينظر إلى السماء الضبابية ثم همس ببطء شديد: “العالم واسع يا كامينوس-سان.. بعد تلك الحادثة غادر كل واحد منا في طريق، لكن بيرن هي موطننا ولا بد أن نعود إليها، لكننا لن نرحب بأعدائنا في هذه المدينة.”
هز كامينوس رأسه: “لا داعي للعجلة يا بولي، أنتم لا تعرفون مع من تتعاملون، كنيسة اتحاد الأمم لن تصمت على هذا.”
“حتى لو لم يرغبوا بالصمت فنحن لن نصمت، وسنعمل ما بوسعنا لتوجيه ضربة قاضية لهم. المهم، لقد جئت لأخبرك بشيء واحد فقط وسأغادر.”
رفع كامينوس حاجبيه باستغراب: “ماذا؟”
“عليك أن تستعد جيداً لما هو قادم.”
لم يفهم كامينوس معنى كلام بولي وسأل: “أستعد لماذا؟”
“فقط استعد جيداً لأن الحمل ثقيل يا كامينوس-سان.”
في هذه اللحظة تقدم حاكوف وعيناه محتقنتان ومحمرتان بسبب الدموع: “من هذا الشخص؟ هل هذا هو سبب هذه التظاهرات؟”
تقدم السمين وكأنه بطريق يمشي وسأل: “سيد حاكوف، ما الذي يجري؟”
التفت حاكوف نحوه بصراخ: “الأسرة.. الأسرة الحاكمة تم اغتيالها أيها الوغد! ابتعد عني.”
“ماذا؟!” صرخ السمين والمرأة في الوقت نفسه، لكن الناس القريبين سمعوا كلام حاكوف واندهشوا بما سمعوه.
نزع أحد المتظاهرين اللاصق عن فمه: “أوي! أسمعتم ما قاله؟ الأسرة الحاكمة تم اغتيالها!”
بعد سماع حاكوف للناس وهي تتهامس، أمسك فمه نادماً، وتنهد كامينوس دون أن يستدير: “يا له من غبي!”
“هل سمعت؟ لقد تم اغتيال الأسرة الحاكمة!”
“هل هذا صحيح؟”
“نعم، لقد سمعت حاكوف بلسانه يقولها!”
“هوي! لقد تم اغتيال السلطان وعائلته بأكملها!”
تناقل الناس الخبر بسرعة وكأن ناراً اشتعلت في هشيم يابس؛ فبعد أن كان الكل صامتاً، ها هي الثرثرات ترتفع فجأة. ودون سابق إنذار، علم الجميع بهذه الحادثة.
دمعت عينا أحد الأطفال الصغار بين المتظاهرين، طفل لم يتجاوز العشر سنوات: “هل تم التخلص منهم حقاً امي هل ستشتري الحلوى بعد الان؟” لم تكن هذه الدموع التي تنزل على خده دموع حزن، بل كانت دموع فرح عارمة.
لم تمر سوى لحظات حتى بدأ الطفل يصرخ بأعلى صوته، ونظر إليه الناس وهم يبتسمون، ثم بدأ آخر يصرخ ثم آخر وآخر، حتى ارتفعت الصرخات في كل مكان: “لقد ماتوا حقاً! تلك الأسرة الظالمة انتهت حقاً!”
بينما الكل يصرخ، رفع بولي يديه أمام كامينوس نحو الأعلى قليلاً: “من أجل هذه الفرحة التي غابت عن هؤلاء الناس، كان يجب أن نتدخل.”
سمع حاكوف كلام الرجل لأنه كان قريباً جداً، ثم تغيرت تعابيره وهو يشير بيده: “هذا.. هذا هو سبب اغتيال السلطان! هذا هو من قتل العائلة المالكة! ماذا تفعل أيها العقيد؟”
كلام حاكوف لم يسمعه سوى بعض الجنود الذين كانوا يتقدمون نحو العقيد، أما الناس فكانوا يهتفون بقوة ولم يسمعوا شيئاً.
ما إن اقترب الجنود حتى التفوا حول بولي من كل الجهات والبنادق في أيديهم، وتحدث أحد الجنود: “سيدي العقيد، ماذا نفعل؟”
لم يتحدث كامينوس واكتفى بالصمت وهو يحدق في بولي بذهول.
بينما أومأ بولي برأسه وهو ينزل يديه: “سنلتقي مرة أخرى يا كامينوس-سان.”
“أمسكوه! سيرحل!” تحدث حاكوف، ومع كلامه تقدم أحد الجنود ببطء: “لا تتحرك وإلا فجرتُ رأسك.”
ما إن اقترب الجندي منه ومد يده ليمسكه، حتى اخترقت يده جسم بولي فجأة. تغيرت تعابير الجميع بعدما رأوا الجسم يتحول إلى ضباب أبيض باهت واختفى من المكان وكأنه لم يكن موجوداً قط.
انتاب حاكوف الخوف بعد اختفاء بولي، ثم نظر إلى كامينوس: “أيها العقيد، ماذا تفعل؟ لماذا تركته يذهب؟”
استدار كامينوس نحو غريموند الذي كان يضع يديه خلف ظهره وبجانبه سائقه، أما السمين فكان يتصبب عرقاً وهو يمسح وجهه بمنديل أبيض مزخرف ببعض الخطوط الذهبية.
****
بوممم…
اصطدمت عظام يوراي بمخالب طويلة تخرج من يدي مينو؛ كانت المخالب حديدية تشع ببريق وهاج، وطولها نصف متر تقريباً. تراجع يوراي للخلف بينما تقدم مينو بسرعة نحو الأمام: “مخلب النمر!”
بشكل سريع انزلق سيف عظمي من يد يوراي ثم اندفع أيضاً نحوه.
بوم.. أنين حاد وشرارة خفيفة تناثرت في الهواء مع ابتسامة تعلو وجه الاثنين. تبادلا عدة ضربات قبل أن يتراجع كلاهما.
لم تكد قدماهما ترتاحا قليلاً حتى اندفع مينو بسرعة كبيرة فاجأت يوراي: “مخلب النمر!”
ضربة مستقيمة وسريعة، كأنها ستشطر يوراي إلى نصفين.
لكن يوراي لم يصد؛ انحرف جسده بزاوية غير طبيعية وفي اللحظة نفسها استبدل سيفه برمح ووجهه بسرعة نحو مينو. رمح عظمي نهايته حادة جداً وجده مينو قريباً منه.
بوم….
كان الرمح سريعاً جداً لكن مينو كان أسرع وتفاداه بسهولة حيث ارتطم بالأرض دون إصابة هدفه.
وقف مينو ثم ضم يده نحو صدره: “أظن أن رأسك يحمل مكافأة.. أظنها خمسة ملايين سولار معدني، مكافأة لا بأس بها كبداية، لكن يا للخيبة، ما كان عليكم أن تأتوا لهذه المدينة.”
فرقع يوراي عظام عنقه ثم همس ببطء: “لا تهتم بأمور لا تخصك.”
سخر مينو وهو يتمعن في يوراي: “أيها الهيكل العظمي، سأحطم عظامك!”
بوم! اندفع بسرعة أكبر من قبل وكأنه نمر عملاق يقفز على فريسته، ثم لوح بمخالبه في قوس قاتل.
تجمعت حول كفي يوراي عظام حتى كتفيه بحيث غلفت يديه بالكامل، ثم وجه لكمة قوية تخترق الهواء.
دوى طق أجوف تبعه صرير معدني حاد؛ اهتز جسد يوراي تحت وطأة الضربة وبدأت يداه ترتجفان حتى بدأ يتراجع للخلف، لكنه رفع قدمه ووضعها على الحائط خلفه.
ابتسم مينو ثم صرخ بقوة ومد يده الأخرى، رفعها عالياً ووجهها نحو خصمه.
قفز يوراي نحو الجانب بسرعة، فمر المخلب بقوة حتى اصطدم بالحائط منتجاً اهتزازاً عنيفاً في المكان.
وقف يوراي بعد أن تدحرج مبتعداً، وكانت ملابسه البيضاء قد مُزق شيء منها بسبب المخلب؛ لولا أنه ابتعد في الوقت المناسب لشق ذلك المخلب بطنه.
“هاهاهاها!” صاح التابعان وهما يضحكان: “لا يزال يركض مثل الفأر! هل هذا ما كنت تتبجح به من قبل؟ يا للضعف!”
في هذه اللحظة تقدم الاثنان نحو مجموعة يوسافير وهما يحملان بنادق في أيديهما: “أيها الفئران، لا تهربوا لكي لا نجعل الموت صعباً عليكم.”
لم يهتم أحد بالاثنين لأن أعينهم كانت على أثر المخلب المنقوش على الحائط؛ تلك الضربة كانت لتدمر يوراي لو أصابته.
دون تفويت فرصة، اندفع يوراي بقوة نحو مينو؛ سيف عظمي في يده اليمنى وعظمة تتلوى كالأفعى في يده اليسرى.
ابتسم مينو: “تعالي يا فريستي، تعالي!” ثم لمع مخلبه واندفع أيضاً.
سخر يوراي: “فريسة؟ سنرى من هو الفريسة أيها الوضيع!”
التحم الاثنان مرة أخرى؛ سيف قادم من الجهة اليسرى وعظمة طويلة قادمة من الجهة اليمنى. وقف مينو ووضع مخلبيه على الجانبين.. باق… باق…
أرجع يوراي سيفه بسرعة وتحول لرمح اندفع نحو صدر خصمه. فتح مينو عينيه بسرعة ووضع مخلبيه أمامه.
بوممم! تراجع مينو قليلاً لكنه وجد قدم يوراي أمامه، قدم من العظام صدمت مخالبه، وطار مينو بقوة حتى اصطدم بالحائط.
الاثنان اللذان كانا يتوجهان نحو يوسافير والبقية توقفا بعد رؤية مينو يُقذف هكذا؛ كانت ضربة يوراي سريعة ولم يتوقف منذ أن بدأ بالهجوم، وهذه كانت عادة يوراي ويوسافير؛ عندما يهاجمان لا يتوقفان حتى يوجها ضربة عنيفة للخصم.
“ما الذي يحصل؟” تمتم الرجلان. فجأة دخل صوت معدني مسامعهما، وأرادا الالتفاف لكن غمرت سلسلة جسديهما رافعة إياهما في الهواء.
“ما هذا؟!” أرادا التحرر ولكن هيهات هيهات، كيف سيتخلصون من سلسلة يوسافير؟ تلك السلسلة السوداء القاتمة. لم يعرفوا ما يفعلون فصرخا في وقت واحد: “سيدي مينو، أنقذنا أرجوك!”
وقف مينو بعد أن أطاح به يوراي وهو ينظر إلى رجاله المعلقين في السماء. رفع مينو يديه: “أنت هناك! إن قمت بلمسهما فسأتأكد من موتك ميتة بائسة حتى والداك لن يتعرفا عليك!”
وقف يوراي أمامه ثم همهم بصوت خافت: “تجاوزني أولاً، ويمكنك قول ما تشاء حينها.”
“أيها الأوغاد!” صر مينو على أسنانه.
تجعدت حواجب يوسافير ثم ضيق عينيه بشكل ساخر: “ماذا؟ هل ستهددنا أنت أيضاً بالأفق الأسود؟ يبدو أن ذلك لن يجدي بعد الآن، فقد فات الأوان لأننا اشتبكنا معكم بالفعل.. لا مجال للتراجع.”
“سيدي مينو!” صرخ الرجلان في ذعر.
“هي أنتما!” نادى يوسافير على الرجلين اللذين التفتا في الوقت نفسه: “كيف تريدان أن تموتا؟ هل بموت سريع أم تريدان أن تُعذبا قليلاً؟ لقد كنتما تضحكان قبل قليل، هل ظننتما أن ذلك الضعيف سينقذكما؟” قالها وهو يشير إلى مينو.
دخلت هذه الكلمات مسامع مينو فاحمرت عيناه وبرزت عروقه، لكن فجأة ارتخى وابتسم محاولاً الحفاظ على رباطة جأشه، لأن غرض يوسافير من هذه الكلمات كان إثارة أعصابه.
“أيها النحيف!” أشار مينو إلى يوراي: “ستموت أنت أولاً.. امتلاكك لجرثومة العظام قدرة مرعبة حقاً، لكنك لا تزال في الدرجة الأولى، لا معنى لذلك، سأريكم الرعب الآن أيها الجهلاء.”
في هذه اللحظة نادى يوسافير على يوراي ووجهه يحمل لمحة الغرور: “يوراي، أسرع وتخلص من هذا الكلب فنباحه قد لوث أذني.”
ابتسم يوراي بعد سماعه لهذه الكلمات: “لا تقلق، سأستمتع معه قبل أن أنحر عنقه.”
“هيهيهي!” بدأ مينو يضحك: “أنت في الدرجة الأولى وتريد أن تتخلص مني؟ يبدو أنك تحلم أيها الغر الصغير. تملك قدرة الممسوس فقط فكيف تريد قتلي؟” صمت قليلاً ثم قال: “هل تعرف ما يأتي بعد الممسوس أيها الغر؟ أم أنك تتبجح فقط؟”
“راعي.. أليس كذلك؟” تمتم يوراي والابتسامة تعلو ملامحه.
“آه! يبدو أنكم مطلعون على الأمر إذاً.. الممسوس ثم الراعي، ومع كل درجة قدرة جديدة، هل تفهمان ما يعنيه الأمر؟”
صرخ مينو بخبث: “ستموتون بأبشع طريقة!” وما إن قال هذه الكلمات حتى ارتفع من جسمه دخان غريب وهو يتمتم: “درجة جديدة قدرة جديدة.. درجة جديدة قدرة جديدة.. درجة جديدة قدرة جديدة.”
“قدرة الممسوس: المخالب.. قدرة الراعي: ….”
نهاية الفصل
