الفصل الخامس والتسعون: كشف
وصل يوسافير ويورينا بخطوات متسارعة إلى ذلك المتجر الذي بات مركز الشكوك، وكان الزحام على أشده؛ فقد كان الناس يدخلون ويخرجون منه بحفاوة بالغة، والابتسامات العريضة ترتسم على محياهم بعد أن يقتنوا باقات الزهور الجميلة التي تبدو وكأنها تحمل السعادة بين أوراقها.
داعبت أنوف الاثنين رائحة عطرية نفاذة وجميلة جداً، أريج يسكب السكينة في النفوس، إلا أن يوسافير ويورينا لم يتأثرا بهذا السحر العطري، على عكس بقية الزبائن داخل المتجر الذين بدوا وكأنهم في حالة من الانتشاء.
دخل الاثنان تحت رنين أجراس الباب المعتاد، لكن هذه المرة لم يتقدم صاحب المتجر لاستقبالهما كعادته؛ فقد كان المكان غاصاً بالأشخاص، وهو منشغل تماماً بتلبية طلباتهم.
كانت الأجواء تعكس بهجة زائفة بفضل تلك الزهور الفاتنة، ولم يدرك هؤلاء الناس البسطاء أنهم قد خطوا بأقدامهم داخل “عرين الوحش”.
جال يوسافير ببصره في جميع الاتجاهات بحثاً عن صاحب المتجر الذي التقاه ليلة أمس، فإذا به يلمحه يقف مع رجل وزوجته الحامل التي كانت تمسك بيد طفل صغير لا يتجاوز عمره الأربع سنوات. كان الرجل يحمل ابنه بحنان، بينما كانت المرأة الحامل تحمل زهرة “زنبق ليلي” بيضاء، والسعادة تغمر وجهها المشرق.
“ها هو هناك،” همس يوسافير وهو يلمح وجه الرجل بتركيز.
شعرت يورينا بتوتر الموقف والتفتت باتجاه الهدف: “هل سنتحرك الآن؟ المتجر ممتلئ بالأشخاص كما ترى.”
لم يكن الرجل وعائلته وحدهم، بل كانت هناك عائلات أخرى تتجول بين الرفوف، وأشخاص فرادى، مما جعل المتجر مكتظاً بالبشر.
“إن لم نمسكه الآن فقد يهرب من بين أيدينا للأبد، علينا الإمساك به حتى لو اضطررنا لقتله هنا،” تحدث يوسافير بكل جرأة وصرامة، ثم هز رأسه وأكمل بنبرة باردة: “ليس هناك ما يدعو لتركه على قيد الحياة بعد كل ما فعله.. هذا الثعبان علينا سلخ جلده لنرى حقيقته.”
أومأت يورينا برأسها موافقة: “حسناً، كما تشاء.”
اقترب يوسافير من الرجل ببطء، متظاهراً بتفحص الزهور وكأنه زبون عادي معجب بالمعروضات، أما يورينا فقد سلكت طريقاً آخر، تتحسس بتلات الزهور بيديها الناعمتين وهي تقترب ببراعة وهدوء من صاحب المتجر.
في تلك اللحظة، وقبل أن يطبق يوسافير ويورينا على فريستهما، دخل جنديان إلى المتجر، كانا يسيران ببطء ويتمازحان فيما بينهما بضحكات عالية. لم يعر يوسافير دخول الجنديين اهتماماً كبيراً رغم ما قد يسببه وجودهما من تعقيد، وواصل اقترابه حتى وقف خلف صاحب المتجر مباشرة.
نظر الرجل وزوجته باستغراب إلى يوسافير الذي قطع حديثهما مع صاحب البدلة السوداء. وبسبب نظرات الزوجين، التفت صاحب المتجر خلفه، ليجد الصبي يحدق في عينيه مباشرة. تجمد الرجل في مكانه، واتسعت عيناه بشكل واسع وكأنه يرى كابوساً متجسداً؛ فقد كانت نظرة يوسافير في تلك اللحظة مرعبة، تخترق الروح بوعيد صامت.
تراجع صاحب المتجر خطوة للخلف لا شعورياً، فشعر الرجل وزوجته بأن ثمة خطب ما وتراجعا للوراء تجنباً لأي صدام، ليجدا فتاة (يورينا) تقف خلفهما بهدوء مخيف. انتاب الجميع شعور بأن حادثاً وشيكاً سيقع، ولم يمر وقت طويل حتى بدأ الناس القريبون يشعرون بالتوتر وابتعدوا بضع خطوات، يراقبون المشهد بفضول مشوب بالحذر.
“ماذا يفعل هذا الصبي هنا؟” تساءل صاحب المتجر في ذهنه وهو يحاول استجماع شتات نفسه. تعرق قليلاً، لكنه فرك يديه بشكل ودي مصطنع وابتسم في وجه يوسافير مرحباً: “أهلاً بك سيدي الزبون مرة أخرى! هل لديك أي طلبات خاصة؟ هل أعجبتك تلك الباقات التي أخذتها الليلة الماضية؟”
تجعدت حواجب يوسافير وضيق عينيه باحتقار، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ورفع يده مشيراً بإبهامه نحو الأسفل في إشارة صريحة للإهانة: “اذهب للجحيم أنت وزهورك أيها الوغد.. إنها قذرة تماماً مثلك.”
فوجئ الرجل من هذا التعبير الفظ، وظهرت على ملامحه نظرة استياء عابرة، لكنه سرعان ما غلفها برداء الود المزييف وابتسم: “سيدي الزبون، أنت تمزح بالتأكيد! لقد أبديت إعجابك الشديد بها ليلة أمس.”
أغلق يوسافير إحدى عينيه وسخر قائلاً بصوت مسموع: “ليتني كنت أمزح! تستغل حب الناس للزهور لتخطف نسائهم أيها الوغد القذر.”
وقعت هذه الكلمات كالصاعقة على مسامع كل من في المتجر، بما في ذلك الجنديان. وبتلقائية، ظهر الاستياء الحقيقي على وجه صاحب المتجر، ثم صاح بتهكم ودفاع مستميت: “سيدي الزبون! إن لم تعجبك أزهار متجرنا فهذا حقك وأنا أقدره، لكن لا تشوه سمعتنا وتقذفنا بتهمة لا تغتفر! هذه الجريمة التي تضعها على كتفي ثقيلة جداً!”
رفع صاحب المتجر صوته مدافعاً عن نفسه أمام الحشد، وبدا وكأنه يتقمص دور المظلوم خاصة بعد أن لاحظ اقتراب الجنديين. أحد الجنديين تأمل في وجه يوسافير ملياً: “كأنني رأيت هذا الفتى من قبل.. لكن أين؟” لم يستطع تذكر المكان، فتمتم ببطء: “ما الذي يجري هنا بالضبط؟”
أشار صاحب المتجر بيده نحو يوسافير وصاح موجهاً كلامه للجندي: “هذا الصبي يلفق لي جريمة شنيعة لم أرتكبها! هذا لا يغتفر! لقد تضررت سمعة متجرنا تماماً بسبب تصريحاته الطائشة!”
نظر الجندي إلى يوسافير بجدية وسأل: “هل لديك دليل ملموس على ما تقوله؟”
لم يلتفت يوسافير للجندي، بل ظلت عيناه مسمرتين على صاحب المتجر، وقال بقوة: “لقد أخذت منه باقات الورود ليلة أمس ولم اعرف بأن تلك الورود شيء خطير للغاية، وهي وسيلة خطيرة للخطف.. يمكنك أن تسأل عقيدك؛ فهو الآن مع رجلين أخذا نفس الباقة ليلة أمس وهما يشتكيان إليه بعد اختطاف زوجتيهما.”
تصمر صاحب المتجر في مكانه وكأن الأرض قد ابتلعت قدميه. أما الجندي، فقد حدق في يوسافير مطولاً، ثم أخرج “زهرة عباد الشمس” (جهاز الاتصال) من جيبه وقال بحزم: “حسناً.. إن لم يكن كلامك صحيحاً فستذهب معنا للمقر، فهذه اتهامات خطيرة أيها الصبي.”
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة وهو يحدق في يوسافير، ثم استدار برأسه ليجد يورينا بشعرها الأبيض وقفتها الأنيقة، ملابسها الفضفاضة الممتزجة بالأبيض والأسود والريشة التي فوق شعرها زادتها وقاراً ورهبة. ابتلع ريقه مرة أخرى وهو يفكر في مأزقه.
“هل عليّ الهرب؟ إن جاء العقيد فسينتهي كل شيء.. خطتنا لم تكتمل بعد، ماذا عساي أن أفعل؟ هل أقتلهم جميعاً دفعة واحدة ثم أفر؟” جال بظنونه وهو ينظر للناس بفضول: “هناك عدة أشخاص هنا.. حتى لو جاء العقيد، سيكون بإمكاني الهرب إن اتخذتهم رهائن.”
كان الجندي يحدق في صدر يوسافير، وتحديداً في “الراية” التي تزين ملابسه، وكأنه رآها من قبل. شعر بالخطر؛ فالتصادم مع ثوار مجهولين أمر غير مأمون العواقب. أما الجندي الآخر، فقد اكتفى بالصمت وهو يراقب يورينا بحذر.
“رن.. رن.. رن..” رن جهاز زهرة عباد الشمس في يد الجندي، وبينما ينتظر رد العقيد، سأل يوسافير مجدداً: “هل أنت واثق حقاً مما تدعيه؟”
لم يكلف يوسافير نفسه عناء الرد، بل اكتفى بابتسامة غامضة وضم يديه نحو صدره بثقة. “يا له من مغرور،” تمتم الجندي في سره.
“كليك..” فُتح الخط من الجانب الآخر، وجاء صوت العقيد غاضباً من داخل الزهرة: “ماذا هناك؟ تكلم!”
حك الجندي جانب وجهه بابتسامة متوترة وقال بسرعة: “سيدي العقيد، هل هناك أشخاص تم اختطاف نسائهم ليلة أمس؟”
أجاب العقيد بحدة: “نعم، لما هذا سؤال؟ هل هناك بلاغات جديدة؟”
رد الجندي وكأنه يخشى انفجار العقيد: “لدينا مشكلة هنا.. هل لا يزال هؤلاء الرجال في المقر؟”
انتاب العقيد الشك وسأل بصرامة: “ماذا هناك؟ قل ما عندك بسرعة!”
“هل يمكنك سؤالهم إن كانوا قد اقتنوا باقات زهور البارحة؟”
في هذه اللحظة، جاء صوت العقيد مريراً وصارخاً: “ما الذي تهذي به أيها الأحمق؟! الرجال فجعوا بنسائهم وأنت تسأل عن الزهور؟ هل تستخدم عقلك بشكل سليم؟!”
لم يهتم الجندي بالصراخ وأجاب بجرأة: “سيدي، هذا ضروري جداً.. ليس من المستبعد أن تكون هذه الباقات هي وسيلة الاختطاف.”
صمت العقيد قليلاً، ثم قال بنبرة جادة: ” هل انت متأكد من ذلك.؟
نعم سيدي.
انتظر لحظة.”
كان صوت الجهاز مرتفعاً لدرجة أن الجميع سمع كلام العقيد. اشتدت قبضة صاحب المتجر، وأدرك أنه لم تعد هناك وسيلة لإخفاء الأمر أكثر من ذلك.
جاء صوت العقيد مجدداً، لكنه كان يخاطب من بجانبه: “هل قمتم بشراء باقات زهور ليلة أمس؟”
“بوم!”.. في تلك الثانية تماماً، أطلقت زهرة كانت بجانب صاحب المتجر سحابة من الدخان الرمادي الكثيف في الهواء. انحنى الجندي غريزياً، أما يوسافير فكان مركز عينه على الهدف؛ اندفع نحو الرجل فور رؤيته يقفز محاولاً الهرب.
“آه!” صرخت النساء بذعر بعد دوي الانفجار وبدأن بالركض نحو الخارج. أما يورينا، فقد تحركت بسرعة البرق لتقف أمام الباب، مانعة الرجل من الفرار.
اقترب يوسافير من الرجل، فوقف الأخير بابتسامة عريضة ومجنونة: “أنتم لا تعرفون ذلك.. لكنكم الآن في عرين الوحش!” ولوح بيده، فإذا بزهرة تشبه “الجمجمة البيضاء” تشق طريقها في الهواء بسرعة نحو يوسافير.
رفع يوسافير يده، وصدح صليل قوي هز أرجاء المكان مع تحرك سلسلته وهي تتجه بقوة نحو تلك الزهرة الجمجمية.
“ماذا يحدث هناك؟!” صرخ كامينوس عبر الجهاز بعد سماع الانفجار.
رد الجندي وهو منحنٍ على الأرض: “سيدي! إنه صاحب المتجر.. إنه يحاول الفرار!”
جاء الرد فورياً: “لا تدعوه يهرب! أنا قادم إليكم في الحال!” ثم انقطع الخط.
“سيدي.. هنا..” أراد الجندي قول شيء ما، لكن كامينوس قد أغلق الخط بالفعل.
اخترقت السلسلة الزهور وكأنها لا شيء، واصطدمت بالرجل بقوة دفعته نحو رفوف النباتات، لتسقط فوقه شتى أنواع الزهور والأصيص. لكنه لم يصب بأذى حقيقي؛ إذ اصطدمت السلسلة قبل ملامسته بي ما يشبه “زهرة إسفنجية” بدت مثل حبة المشمش، مما خفف من وطأة الصدمة.
وقف الرجل وهو يمسك عصا خشبية في يده، ومع وقوفه، ارتفعت في الهواء عدة زهور غريبة؛ بعضها بجذوع مليئة بالأشواك الحادة، وبعضها بقمم من الألياف البنفسجية الرقيقة التي حامت حوله وهو يستعد للهجوم المضاد.
في هذه الأثناء، كان الجميع قد فروا من المتجر وهم يصرخون، مما جذب تجمعاً غفيراً من المارة في الشارع. أغلقت يورينا باب المتجر بإحكام، والكل يراقب من خلف الزجاج. رفعت يورينا يديها وأطلقت خيوط العنكبوت بشكل كثيف حتى غطت الواجهة الزجاجية، فلم يعد بإمكان أحد من الخارج رؤية ما يدور بالداخل.
“ما الذي يحصل؟” صاح الناس في الخارج بذهول.
“إنهم ممسوسون! ما الذي يفعلونه في مدينتنا؟”
رد رجل كان قد خرج للتو من المتجر: “صاحب المتجر.. إنه هو من يخطف النساء!”
“هل هذا حقيقي؟” سأل أحدهم بفضول وقلق.
أجاب الرجل: “نعم! سمعت ذلك بأذني في مكالمة الجندي مع العقيد!”
انتاب الخوف كل من تذكر حوادث الاختطاف، أما الذين نجوا من المتجر فقد تنفسوا الصعداء؛ فلولا كشف أمره في اللحظة الأخيرة، لكانوا هم الضحايا القادمين.
“بوم! بوم!”.. كان الناس في الخارج يسمعون دوي الكدمات والضربات العنيفة بوضوح من خلف الجدران المغطاة بالخيوط، فصاح أحدهم بذهول: “هل هؤلاء وحوش أم ماذا؟ ما هذا الرعب؟”
نهاية الفصل.
