رابط الفصل
المترجم/المدقق: @SAQR_AR1
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
المصدر: الأنمي
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
الآرك الأول — فصل ختامي
『القمر يراقب』
بينما كان راينهارد يراقب من بعيد الضوء الأزرق الخافت المتلألئ――موجات الماء التي تتولى الشفاء، أطلق زفرة خافتة لا يكاد من حوله يلاحظها.
ارتسمت ملامح الأسى على وجهه الوسيم من الجانب، وبقيت آثار المعركة ظاهرة قليلًا على ملابسه. كان وقوفه أمام الأطلال مهيبًا إلى درجة أن مجرد التقاط صورة له في تلك اللحظة كفيل بإنتاج لوحة فنية رائعة.
لكن، رغم روعة منظره من وجهة نظر الآخرين، كان راينهارد يشعر في قرارة نفسه بندم لا تكفي الكلمات للتعبير عنه، مهما أطال الحديث عن تقصيره.
كان سوبارو لا يزال يتلقى العلاج على يد إميليا التي تبذل قصارى جهدها لإنقاذه. أما إصاباته، فقد استغلت إلسا فيها الثغرة التي خلّفها غرور راينهارد.
لقد أُصيب سوبارو بجروح لم يكن ينبغي له أن يتحملها، كما حمّل إميليا عبئًا لم يكن ينبغي أن تتحمله.
وفوق ذلك، فإن وجود راينهارد بجانب إميليا أثناء العلاج يؤثر سلبًا في الأمر بسبب طبيعته الخاصة.
كان يعرف أن أفضل ما يمكنه فعله هو مراقبتهما من بعيد، لكنه أدرك أنه يتخذ هذا القرار بهدوء وبرود أعصاب، وهذا ما زاد شعوره بالذنب.
إميليا:「―حسنًا، هكذا أصبح كل شيء على ما يرام.」
وصل إلى أذني راينهارد، الذي أغمض عينيه غارقًا في لوم نفسه، صوت رقيق كالرنين الفضي.
رفعت إميليا يدها بحركة تشبه مسح العرق عن جبينها، ثم أبعدت برفق الخصلات المتدلية على جبهة سوبارو الذي أسندته إلى الجدار، وتأكدت من عودة اللون إلى وجهه. بعدها نهضت، واستدارت إليه وهي تومئ برأسها برضا.
إميليا:「انتهى العلاج. ―أظن أنه تجاوز مرحلة الخطر أخيرًا.」
راينهارد:「هذا مطمئن. ومع ذلك، يا إميليا-ساما…」
اقترب راينهارد منها بخطوات سريعة، ثم جثا على ركبته أمامها وأحنى رأسه. كانت كل حركة من حركاته منضبطة تمامًا، ووضعية جسده مطابقة لأصول المراسم.
راينهارد:「لقد تسببت لكِ في هذه المرة بقلق شديد بسبب تقصيري، يا إميليا-ساما. أقبل أي عقوبة ترينها مناسبة لهذا الإخفاق.」
وضع سيفه الذي كان يحمله عند خصره أمام ركبته المثنية، ثم اعتذر راينهارد عن تقصيره.
كان ذلك أقصى ما يستطيع تقديمه من اعتذار بصفته فارسًا. ومهما تكن العقوبة التي ستصدر بحقه بعد ذلك، فقد كان مستعدًا لقبولها دون اعتراض.
لكن إميليا، التي تلقت اعتذاره، قالت:
إميليا:「أتعرف؟ لا أفهم حقًا لماذا تتصرفون بهذه الطريقة أنتم.」
راينهارد:「هاه؟」
إميليا:「جئت لإنقاذنا حين كنا في خطر، وتمكّنت بطريقة ما من إنهاء الأمر دون أن يموت أحد. ومع ذلك، تحاول الآن تحمّل مسؤولية كل الألم والمعاناة التي حدثت خلال ذلك.」
حرّكت الفتاة ذات الشعر الفضي إصبعها الذي رفعته، وأطبقت شفتيها قليلًا مع شيء من الاستياء.
ثم وجّهت إصبعها نحو سوبارو الذي كان نائمًا بوجه هادئ.
إميليا:「ذلك الفتى أكثر صراحة منك بكثير. لقد طالبني بمكافأة لأنه أنقذني، رغم كل شيء. صحيح أنه لم يطلب مكافأة كبيرة، لكنه طلبها على الأقل.」
كان راينهارد قد رأى سوبارو وهو يتظاهر بالثقة ويطلب منها أن تخبره باسمها. وعندما ابتسمت إميليا وهي تتذكر ذلك، كادت شفتا راينهارد ترتسم عليهما ابتسامة بدوره.
إميليا:「لذلك…」
ضيّقت إميليا عينيها البنفسجيتين الداكنتين قليلًا.
إميليا:「شكرًا لك لأنك أنقذتني. ―هذا كل ما أريد قوله لك. لا أرى ذنبًا يستحق العقاب، ولهذا لا أستطيع معاقبتك. وإذا لم تكن راضيًا عن ذلك، فاستفد من هذه التجربة في المرة القادمة.」
راينهارد:「―فهمت. سأقبل كلماتكِ بامتنان.」
أحنى راينهارد رأسه بعمق أكبر تعبيرًا عن احترامه، ثم نهض.
وعندما وقفا وجهًا لوجه، بدا راينهارد أطول من إميليا بكثير، حتى إنه نظر إليها من علٍ. ومع ذلك، ما تلك العظمة التي شعر بها منها قبل قليل؟
راينهارد:『لا بد أن الفارق بينهما يكمن في سعة النفس.』
هكذا أدرك راينهارد ضيق أفقه.
وفي الوقت نفسه، تأكد مجددًا أن إميليا شخصية تستحق فعلًا أن تكون من بين 『المختارين』.
إميليا:「بالمناسبة، ملابسك اليوم خفيفة على غير العادة…」
تمتمت إميليا بذلك، وكأنها لاحظت الأمر للتو وهي تتأمل راينهارد الذي التزم الصمت.
كانت تنظر إلى ملابسه، التي اختارها اليوم لأنه في إجازة، وقد ارتدى زيًا يغلب عليه اللون الأسود ليتمكن من التجول في العاصمة الملكية بحرية. ولأنها لم تره من قبل إلا بزي الفرسان، كان من الطبيعي أن يبدو هذا المظهر غريبًا عليها.
راينهارد:「اليوم أول إجازة أحصل عليها منذ مدة. لذلك لا أرتدي الزي المعتاد للحرس الملكي. أما الدرع، فقد تركته داخل القلعة، وبصفتي فارسًا، لا أحمل معي اليوم سوى هذا السيف تقريبًا.」
أعاد السيف الذي كان قد خلعه إلى خصره، وعرض على إميليا النصل الملكي الذي بدت عليه آثار الخدوش بوضوح.
رفرفت عيناها قليلًا، وكأنها فوجئت بذلك.
إميليا:「إذا كنت في إجازة، فلماذا تورطت في كل هذه الفوضى؟」
راينهارد:「الأمر معقد بعض الشيء… لكن سوبارو هو الذي قادني إلى هنا.」
كان لقاؤه بذلك الفتى، الذي لا يزال فاقدًا للوعي، هو ما قاد راينهارد إلى هذا المكان.
ولو أراد شرح ما حدث بالتفصيل، لاضطر إلى العودة إلى لقائه الأول بسوبارو في الزقاق الخلفي.
في ذلك الوقت، أخبره سوبارو بأنه يبحث عن امرأة ذات شعر فضي ترتدي رداءً أبيض. وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يعرفهم راينهارد، لم يكن هناك سوى شخص واحد تنطبق عليه هذه الأوصاف.
كان سوبارو يبحث عن تلك المرأة ويريد الوصول إليها. وبينما كان راينهارد يتعقب تحركاته، وجد نفسه بدوره يدخل الأحياء الفقيرة.
راينهارد:「التقيت بها في الطريق، ومن هنا وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.」
إميليا:「فهمت، إذًا تلك الفتاة هي من…」
عندما وصل الحديث إلى اسمها، التفتت إميليا نحو طرف الساحة، حيث كانت فتاة تعتني بالعجوز الذي لا يزال فاقدًا للوعي.
استدارت الفتاة الشقراء عندما شعرت بنظرات إميليا، ثم خفضت عينيها بإحراج.
راينهارد:「إميليا-ساما،إنها…」
إميليا:「راينهارد، شكرًا لك على مساعدتك في أمور كثيرة. أنا ممتنة لأنك أنقذتني. لكن لديّ طلب واحد. لا تتدخل فيما سيحدث من الآن فصاعدًا.」
قالت ذلك بنبرة حازمة، فلم يجد راينهارد خيارًا سوى التخلي عن طرح المزيد من الأسئلة.
تقبلت إميليا صمته على أنه موافقة، ثم انطلقت نحو الفتاة الشقراء. أما الفتاة، فقد استدارت لمواجهتها كما لو أنها حسمت أمرها.
إميليا:「هل هذا العجوز من عائلتكِ؟」
انحنت إميليا وجلست القرفصاء، حتى أصبحت عيناها في مستوى عيني الفتاة الجالسة، ثم طرحت سؤالها.
بدت الفتاة مذهولة. ولعل السبب هو أن السؤال الذي سمعته اختلف عن كل ما توقعت أن تقوله لها إميليا.
حتى راينهارد، الذي لا يعرف ظروف الاثنتين، استطاع أن يدرك أن العلاقة بينهما لم تُبنَ على تراكم المواقف الودية.
حكّت الفتاة خدها، وكأنها تحاول استعادة هدوئها بعدما باغتها السؤال، ثم بدت تربت على رأس العجوز النائم بجانبها لإخفاء إحراجها.
فيلت:「يـ-يمكن القول إنه كذلك. روم-جي بالنسبة إليّ هو الشخص الوحيد الذي لديّ… أجل، هو بمثابة جدّي.」
إميليا:「فهمت. أنا أيضًا ليس لديّ سوى فرد واحد من عائلتي. لكنه يغط في النوم عندما أحتاج إليه، وحتى عندما يكون مستيقظًا، لا أستطيع أن أقول له شيئًا كهذا أبدًا.」
فيلت:「حتى أنا لا أستطيع قول هذا الكلام أمام روم-جي وهو مستيقظ.」
ازداد وقع الضربات على رأس العجوز من تربيتات خفيفة إلى ضربات أقوى قليلًا. ولعل الفتاة لم تكن تفعل ذلك عن قصد، لكن سرعتها بدت تتزايد، حتى بدأ رأسه الأصلع الأبيض يحمرّ.
ثم رفعت عينيها إلى إميليا، وظهر فيهما بريق ضعيف.
فيلت:「كنت أظن أنكِ ستتعاملين معي بقسوة أكبر بكثير.」
إميليا:「حسنًا، لو بقيت كما كنت قبل قليل، فربما كنت سأفعل. لكن يبدو أنني فقدت الرغبة في الغضب. لذلك، سأعفو عنكِ قليلًا من أجل ذلك الفتى.」
ابتسمت إميليا ابتسامة ساخرة، وهزت كتفيها كما لو أنها لا تملك خيارًا آخر.
نظرت الفتاة الشقراء إلى الأرض لبعض الوقت، بعد أن أشارت إميليا إلى سوبارو النائم، ثم همست باعتذار بهدوء.
فيلت:「آسفة.」
فيلت:「لقد أنقذ حياتي. لا يمكنني أن أنكر جميله. سأعيد ما سرقته.」
نهضت الفتاة، ثم نظرت نحو الزقاق.
ثم خاطبت إميليا، فيلت:「أسمعي」.
فيلت:「عندما عدت، لم أكن متأكدة حتى من أنكم ما زلتم على قيد الحياة… لذلك أخفيتها في مكان آخر. هل يمكنني الذهاب لاستعادتها؟」
إميليا:「يا لكِ من حذرة. …لكنني لا أمانع ذلك. سأنتظركِ هنا.」
فيلت:「…ألن تمانعي؟ ربما أهرب ولا أعود.」
إميليا:「يمكنكِ الهرب، لكن هذا الشخص سيلاحقكِ.」
أشارت إميليا بعبارة [هذا الشخص] إلى راينهارد، الذي استقام في وقفته على الفور.
لم تعرف الفتاة الشقراء كيف تتعامل مع ذلك المشهد، لكنها أطلقت صوتًا يعبر عن نفورها الشديد.
فيلت:「أوووه…」
ثم قالت إنها ستعود سريعًا، وانطلقت راكضة نحو الزقاق.
إميليا:「عندما تعود تلك الفتاة ونستعيد كل شيء، فعندها، يمكننا أخيراً العودة، أليس كذلك؟」
راينهارد:「لن أسألكِ عن التفاصيل، لكن أرجو أن تنتبهي إلى سلامتكِ. ―سأطلب من بعض أفراد الفرقة مرافقتكِ في طريق العودة، لذا أرجو أن تسمحي لهم بمرافقتكِ.」
إميليا:「لا داعي لكل هذا… مع أنني بعد كل المتاعب التي تسببت بها، لا أستطيع قول ذلك. أرجو أن تفعل.」
بعد أن وافقت، أجاب راينهارد「أمركِ.」 ثم تتبع نظراتها حتى وصل إلى سوبارو، الذي لا يزال يرقد بوجه هادئ.
وبعد لحظة، استهل حديثه بسؤال،
راينهارد:「بالمناسبة، ما طبيعة علاقتكِ بسوبارو؟」
إميليا:「مجرد لقاء عابر.」
جاء ردها سريعًا إلى درجة أن راينهارد لم يجد ما يقوله للحظة.
ولعل ارتباكه أضحك إميليا، فقد ارتسمت ابتسامة على شفتيها.
إميليا:「لأنه لا يمكنني وصف علاقتي به سوى ذلك. لا أتذكر أنني التقيت سوبارو من قبل. لقد قابلته هنا للتو للمرة الأولى، لكن…」
راينهارد:「ومع ذلك، كان يبحث عنكِ. قال إن لديه شيئًا يريد أن يقدمه لكِ. وهو هنا بالفعل، وفوق ذلك…」
راينهارد:『لقد عرّض نفسه للخطر لحمايتكِ.』
كاد راينهارد يقولها، لكنه تردد.
فالإصرار على إبراز هذا الأمر بصوت عالٍ بدا وكأنه ينتقص من نبل تصرف سوبارو. لم يكن الفتى قد فعل ذلك من أجل أن ينال المديح.
كما أن إميليا لا بد أنها تدرك هذا من دون أن يخبرها.
وفي الواقع، تابعت إميليا الجزء الذي لم ينطقه راينهارد.
إميليا:「ولهذا أجد الأمر غريبًا. …في الوقت الحالي، بدأت أشك قليلًا في أن ذلك المنحرف له علاقة بالأمر.」
راينهارد:「أرجو ألا تتحدثي عن المارغريف روزوال بسوء. إنه رجل فاضل، وإن كان غريب الأطوار بعض الشيء…」
إميليا:「لكن مجرد أن كلمة [منحرف] أوصلت المعنى، يجعلني أفهم كيف ينظر راينهارد إليه أيضًا.」
راينهارد:「…أعتذر. أرجو ألا تخبري المارغريف روزوال بهذا.」
غمز راينهارد بعين واحدة تعبيرًا عن اعتذاره، فأجابت إميليا بعبارة مبهمة تدل على أنها فهمت.
بعد ذلك، عاد راينهارد إلى الحديث عن سوبارو.
راينهارد:「ماذا سنفعل بشأنه؟ إذا تركتِ أمره لي، فستستقبله عائلتي بوصفه ضيفًا.」
إميليا:「…لا، سأصطحبه معي. سيكون ذلك أفضل لحسم الأمر. وحتى لو لم تكن له علاقة بذلك المنحرف، فإنه أنقذني، وهذا لا يتغير.」
أنهت كلامها بقولها「شكرًا لاهتمامك.」، فرد راينهارد بإيماءة احترام.
وهكذا انتهى الحديث بينهما تقريبًا. وبعد ذلك، كان على راينهارد أن يكلّف بعض مرؤوسيه بمرافقة إميليا وإعادتها إلى مسكنها بأمان، بينما يتولى هو معالجة تبعات ما حدث في هذا المكان.
نظر راينهارد إلى قبو المسروقات الذي انهار، وأغمض عينيه متأملًا حجم الأضرار.
ما زال يلوم نفسه لأنه لا يعرف كيف يضبط قوته بما يكفي. لقد أخطأ في تقديرها قليلًا فحسب، ومع ذلك انتهى الأمر بهذا الدمار. قوة قد تمحو المنطقة بأكملها إذا أساء استخدامها، وهذا سبب كافٍ ليضبط نفسه ويتعظ.
إميليا:「كيف ستتعاملون مع هذا المكان؟」
راينهارد:「سنمنع الدخول إلى المنطقة المحيطة لبعض الوقت، وسنصدر مذكرة للقبض عليها، أي 『صائدة الأحشاء』. لكن الشائعات السيئة تحيط بها منذ مدة، لذا من المرجح أن تذهب جهودنا سدى.」
إميليا:「وماذا عن تلك الفتاة والعجوز؟」
راينهارد:「…لا أعرف تفاصيل ظروفهما، لكن ما كانت تفعله هي وذلك العجوز يدخل، من ناحية واجبي، ضمن الأمور التي لا أستطيع التغاضي عنها. لكن…」
توقف قليلًا ليلتقط أنفاسه، ثم هز كتفيه بخفة.
راينهارد:「أنا في إجازة اليوم. وفوق ذلك، إذا لم يتقدم الضحية بشكوى، فسيكون من الصعب اتخاذ إجراء بسبب نقص الأدلة. هاها. حقًا، لا أعرف ظروفهما بالتفصيل.」
إميليا:「فُفُ. يا لك من فارس سيئ.」
راينهارد:「مع كامل الاحترام، هذه هي حقيقة الرجل الذي يُلقَّب بـ[الفارس بين الفرسان].」
وبينما كانا يتحدثان، شعر راينهارد باقتراب شخص من جهة الزقاق. ومن وقع خطواتها وانتظام أنفاسها، عرف أنها الفتاة نفسها حتى قبل أن يراها.
ظهرت الفتاة ذات الأنياب البارزة، ونظرت إليهم بتعبير محرج
فيلت:「لقد أحضرته كما يجب.」
إميليا:「أحسنتِ، أحسنتِ. يسعدني أنكِ عدتِ فعلًا. أشعر بالذنب جــــــدًا إذا اضطررت إلى أن أطلب من هذا الشاب ملاحقتكِ.」
فيلت:「الفارس بين الفرسان… مطاردة شخص كهذا ضرب من الجنون. هذه أول مرة أرى فيها شخصًا أسرع مني في الركض، لقد أذهلني ذلك.」
ابتسم راينهارد ردًا على نظراتها المرفوعة نحوه، ثم تراجع خطوة ليترك المجال لهما.
اقتربت الفتاة من إميليا، ومدّت يدها إلى داخل ملابسها.
فيلت:「إذًا، خذيها. ― إذا كان هذا الشيء مهمًا إلى هذه الدرجة، فأخفيه جيدًا حتى لا يُسرق منكِ مرة أخرى.」
إميليا:「من الغريب أن أسمع هذه النصيحة منكِ أنتِ بالذات. …لكنني أتمنى أن تتوقفي عن فعل هذا، لا معي وحدي، بل مع الآخرين أيضًا.」
فيلت:「هذا مستحيل. سأعيد ما سرقته هذه المرة لأنكِ أنقذتِ حياتي فحسب. لا أظن أنني ارتكبت شيئًا يستحق الندم، ولا أنوي التوقف.」
رفضت الفتاة طلب إميليا ببرود، وارتسمت على وجهها ابتسامة واثقة.
كان من المؤلم أن ترى هذه المبادئ الصلبة على وجه فتاة في مثل عمرها. استمع راينهارد إلى ما تقوله، لكنه تقبل كلامها بصمت.
كان يعرف أن ما تفعله لا ينبغي التغاضي عنه بحكم واجبه، لكنه تساءل في الوقت نفسه: ما الحياة الأخرى التي يمكن لهؤلاء أن يعيشوها؟ فمن السهل أن يفرض المرء عليهم مبادئ صحيحة من دون أن يقدم لهم أي بديل.
كان راينهارد قد رأى من العاصمة الملكية ما يكفي ليصل إلى مثل هذا التفكير.
ولعل إميليا أدركت ذلك أيضًا. فقد خفضت عينيها قليلًا بحزن، لكنها لم تعلق على الأمر، واكتفت بمد يدها.
إميليا:「حسنًا. …أنتِ عنيدة.」
فيلت:「لو كان الطعام يظهر من تلقاء نفسه من دون أن أفعل شيئًا، فربما توقفت. على أي حال، تفضلي.」
أخرجت الفتاة الشيء الذي كانت تخبئه، ووضعته في كف إميليا، معيدةً إليها ما يبدو أنه من المسروقات.
في تلك اللحظة، لمح راينهارد وميضًا أحمر أمام عينيه.
كان ضوءًا ساطعًا يعرفه، فضيق عينيه للحظة وهو ينبش في ذاكرته.
وعندما عثر على الذكرى التي يبحث عنها…
راينهارد:「―إيه」
إميليا:「راينهارد…؟」
بينما كانت الفتاة تقبض على الشارة، أمسك راينهارد بيدها فجأة من الجانب.
تبادلت الفتاتان النظرات المذهولة، ثم رفعتا عينيهما إليه. لكنهما لم تستطيعا الكلام عندما رأتا الجدية الشديدة في عينيه.
فيلت:「أ-آخ، تؤلمني! اتركني…」
قاومت الفتاة بحركات ضعيفة، وهزت رأسها كما لو أنها تحاول رفض ما يحدث.
لكن قبضة راينهارد على يدها لم تضعف. كانت قوته قادرة على ثني الفولاذ إذا استخدمها بجدية، وحتى مع تحكمه بها، لم تكن فتاة نحيلة قادرة على الإفلات من قبضته.
راينهارد:「يا إلهي…」
خرجت الكلمات المرتجفة من فم راينهارد.
وكانت إميليا أول من استجاب لها. ظهرت علامات الاضطراب في عينيها البنفسجيتين الداكنتين.
إميليا:「راينهارد، انتظر. أعرف أن تجاهل الأمر ومعاملته كأنه لم يحدث أمر صعب، لكن هذه الفتاة لم تكن تعرف قيمة الشارة. وأنا صاحبة الشارة، ولا أرى أن ما حدث يستحق أن نعاقبها عليه. ثم إنني أخطأت أيضًا حين لم أخفِ الشارة جيدًا. لذلك…」
راينهارد:「لا يا إميليا-ساما. ليس هذا ما أعنيه.」
تحدث بنبرة حازمة، فصمتت إميليا بوجه مرتبك.
لم يلتفت راينهارد إلى أنه تحدث معها بفظاظة، بل نظر إلى الفتاة التي يمسك بذراعها.
رفعت الفتاة عينيها الحمراوين إلى الشاب ذي الشعر الأحمر الذي يطابق لون شعره لون عينيها، وارتعش بؤبؤاها بقلق.
راينهارد:「…ما اسمكِ؟」
فيلت:「فيـ… فيلت.」
راينهارد:「اسم عائلتكِ؟ عمركِ؟」
فيلت:「أ-أنا يتيمة، أتعلم؟ لا أملك شيئاً رفيعاً كاسم عائلة. أما عمري… فأظن أنني في الخامسة عشرة تقريبًا. لأنني لا أعرف تاريخ ميلادي. على أية حال، اتركني!」
استعادت الفتاة بعض جرأتها أثناء الحديث، وبدأت تقاومه بعنف.
لكن راينهارد أبقاها تحت سيطرته بتحكم دقيق في قوته، ثم نظر إلى إميليا.
راينهارد:「إميليا-ساما، لن أتمكن من الوفاء بوعدي السابق. ― سأضطر إلى تولّي أمر هذه الفتاة.」
إميليا:「…هل يمكنني معرفة السبب؟ إذا كان الأمر يتعلق بعقوبتها على سرقة الشارة…」
راينهارد:「السرقة جريمة لا يستهان بها، لكنّها لا تُقارن بخطورة أن أغض الطرف عما أراه أمامي الآن.」
عقدت إميليا حاجبيها، حائرةً وغير قادرة على فهم ما يقصده.
تقبل راينهارد حيرتها، معتقدًا أنها أمر طبيعي. فما تراه الآن ليس غريبًا عليها، بل هو وضع مألوف بالنسبة إليها، ولذلك قد يكون من القسوة أن يُتوقع منها أن تدرك ما يعنيه الأمر.
راينهارد:「أريدكِ أن تأتي معي. أعتذر، لكن لن أسمح لكِ بالرفض.」
فيلت:「لا تعبث معي… لا تظن أن إنقاذك لي يعطيك الحق في التصرف…!」
حاولت الفتاة الرد على كلمات راينهارت بشتائم وكلمات نابية، وفجأة اختل توازن جسدها.
فيلت:「اذهب إلى الجحيم… تبًّا لك.」
أنهت شتيمتها، ثم أمالت رأسها وسقطت فاقدة الوعي.
أسند راينهارد جسدها، ثم حملها بين ذراعيه بحركة طبيعية، وكأنه اعتاد فعل ذلك. وعندما رأت إميليا سهولة حركاته.
إميليا:「ها أنت تستخدم طريقة لا تليق بالفرسان مرة أخرى… لا تبالغ في شدتك، وإلا فقد تترك آثارًا دائمة على بوابتها.」
راينهارد:「لحسن الحظ، أعرف مقدار القوة المناسب؛ فقد عرفت هذا الأمر منذ ولادتي. ― إميليا-ساما، من المحتمل أن أستدعيكِ مرة أخرى في المستقبل القريب. أرجو أن تتفهمي ذلك.」
انتزع راينهارد الشارة برفق من يد الفتاة فاقدة الوعي، ثم مدّها نحو إميليا.
كانت الشارة التي تتخذ شكل تنين هي رمز 『مملكة لوغونيكا المحمية بالتنين』. وفي يد راينهارد، كان الحجر الأحمر داخلها يشع بضوء خافت. وما إن انتقلت إلى يد إميليا حتى أضاءت بريقًا ساطعًا، كما لو أنها سعيدة بالعودة إلى صاحبتها.
راينهارد:「أرجو أن تعتني بسوبارو.」
أخذت إميليا الشارة، وظلت تنظر إلى راينهارد بصمت، فردّ عليها بانحناءة احترام.
شعر راينهارد بخفة جسد الفتاة بين ذراعيه، ثم أبعد بيده خصلات شعرها الذهبي المتدلية على جبهتها. كان وجهها الأبيض البريء لطيفًا في غياب الوعي، حين لم تكن مضطرة إلى التشدد أو التظاهر بالقوة.
لو بدّلت ملابسها وأزالت الأوساخ العالقة بها من الأزقة، فستصبح فتاة متألقة بحق.
هبّت ريح قوية، فتطايرت خصلات راينهارد الحمراء الأمامية.
ومن بينها، رفع نظره إلى السماء فوق العاصمة الملكية التي غمرها الظلام، فرأى القمر معلقًا في السماء.
كان بدرًا كاملًا يشع بضوء أزرق مائل إلى البياض، وفي جماله شيء من السحر الغامض.
راينهارد:「قد يكون اليوم آخر يوم أتمكن فيه من النظر إلى القمر بهدوء…」
لم تصل همسة راينهارد إلى أحد، سوى القمر الذي كان يراقبهم من الأعلى.


التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.