رابط الفصل
المترجم/المدقق: @SAQR_AR1
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
المصدر: tkg
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
الآرك الثاني — الفصل 1
『سقف مجهول، وممر لا نهاية له』
بالنسبة إلى سوبارو، لم يكن ممن يستيقظون بمزاج سيئ
ما إن فتح جفنيه حتى اقتحم عينيه وهج أبيض يوحي بأنه صناعي. سقف لا يعرفه، وقد كانت هناك بلورات مثبتة في الحائط وتبعث نورًا خافتًا يضيء الغرفة.
كان سوبارو معروفًا بقدرته على الاستيقاظ بسهولة، فبمجرد أن يستيقظ، استعاد يقظته كاملة فور استيقاظه.
سوبارو:「… ملمس الوسادة مختلف.」
تقلّب في فراشه فأدرك أن ما تحت رأسه ليس كالمعتاد.
ثم إن هذه الطراوة لا يمكن أن تكون في لحافه الذي اعتاد النوم عليه، ذلك الفراش المفروش أبدًا. حتى إن الأرض تحته قد تغيّر لونها من فرط إهماله طيَّه.
سوبارو:「وفوق هذا، رائحته رائعة جدًا. شم، شم… تفوح منه رائحة الشمس! حسنًا… إنها في الحقيقة رائحة القمل الذي احترق حتى الموت تحت الشمس، أليس كذلك.」
كانت هذه المعلومة تستحق أن تحتل أحد المراكز الثلاثة الأولى في قائمة المعلومات التي لم يكن يتمنى معرفتها طوال حياته.
سوبارو:『سأستمتع برائحة الموت إلى أقصى حد!』 فكر، ثم فتح عينيه. وبعدها رفع نصفه العلوي عن الفراش، وبدأ يتفحص الغرفة التي اتضح له فورًا أنها غرفة مخصصة للطبقة الراقية.
كان السرير الذي ينام عليه واسعًا بما يكفي ليستوعب خمسة أشخاص بحجمه من دون أن يضيق بهم، أما الغرفة التي يتوسطها، فيبدو أن مساحتها تبلغ نحو عشرين حصير تاتامي.(1)
سوبارو:『لو كانت هذه شقة من غرفة واحدة بمساحة عشرين تاتامي، لكان ذلك تبذيرًا فادحًا للمساحة. لكن…』
سوبارو:「كما هو متوقع في قصر فخم، لا يمكن أن تكون الأمور بهذه البساطة.」
استعاد سوبارو وعيه بالكامل، ثم نزل من السرير وأدار جسده قليلًا ليتفقد حالته.
بدأ بفحص مفاصل كتفيه وأطرافه، ثم اختبر وظائف القلب والرئتين وقدرته على التحمّل برفع ركبتيه وأداء تمارين القرفصاء. لكنه سرعان ما أصبح يلهث بشدة، فرفع ملابسه ليتفقد بطنه.
سوبارو:「جرح البطن… اختفى! ولا توجد كدمات بالطبع، ولا أثر للندبة التي خلفها شُق بطني أيضًا. وحتى الغرز لا وجود لها، فالجراحة في هذا العالم ممتازة. لو بقيت ندوب لما وجدتُ من يتزوجني」
كان الطبخ والغسيل والخياطة وغيرها من الأعمال المنزلية أمورًا يفضل ناتسكي سوبارو تجنبها، لكنه كان لديه استعداد لا بأس به لها.
كل ما يمكنه التباهي به هو بنيته الجسدية التي قوّاها بالتمارين المنزلية، وشهيته الكبيرة التي تجعله يأكل أي شيء يُقدّم إليه،『هل هناك ثري مستعد لأن يتخذني عروسًا؟』.
سوبارو:「أما أنا فلو كنت مكانه لرفضت قطعًا. …على أي حال」
الغرفة من الداخل، كما رأى قبل قليل، بسيطة. فإلى جانب السرير نبتة زينة عند النافذة، وعلى الجدران بعض قطع الزينة واللوحات.
لا يعلم ما إذا كانت الساعات موجودة في هذا العالم، لكنه لا يجد ما يشبه الساعة، ولا ما يدل على وجود تقويم.
سوبارو:「المشكلة هي كم من الوقت ظللت فاقدًا للوعي همم… نعم، خمس ساعات تقريبًا، ربما؟」
لمس سوبارو ذقنه، وحاول تقدير الوقت الذي مضى من خلال ملمس لحيته الخفيفة.
حيلة سرية تتيح له معرفة الوقت بدقة كبيرة دون ساعة. ومن ملمس [ساعة الشعيرات] هذه، مرت نحو خمس أو ست ساعات منذ آخر تحقق. أي أن اليوم الأول منذ استدعائه إلى عالم آخر يوشك على الانتهاء.
وبعد أن انتهى به التفكير إلى هذه النتيجة، لمس سوبارو بطنه من جديد،
سوبارو:「على أي حال… أيعني هذا أنني تفاديتُ『العودة بالموت』هذه المرة؟」
نطق أخيرًا بالنتيجة التي ظل يتجنب الوصول إليها منذ استيقاظه، وعزم على مواجهة الواقع الذي لم يعد يستطيع صرف نظره عنه.
2
حتى اللحظة التي فقد فيها وعيه، استعاد سوبارو ما حدث حتى تلك اللحظة، معدّدًا الأحداث على أصابع يده.
سوبارو:「متُ بطريقة عشوائية في المرة الأولى، ثم متُ بشجاعة في الثانية، وفي الثالثة، متُّ مثل الكلاب إلى حدٍّ ما، أما في الرابعة فمتُ برصاصة طائشة بعد مشاهدة معركة ضارية── كان ذلك مجمل ما حدث تقريبًا، لكن يبدو أنني نجوت بحياتي، وهذا جيد، جيد. لو متُّ الآن، لصرت كومبارسًا بلا أهمية.」
ولنتغاضَ عن أن جميع أسباب موته كانت من هذا القبيل.
على أي حال، جلس سوبارو متربعًا فوق سرير الغرفة الواسعة التي لا تبعث على الراحة──وقد بعثر الملاءات والغطاء المرتبين بعناية.
وبما أنه تجنب 『العودة بالموت』، فلا شك أن هذا المكان يختلف عن المكان الذي يعود إليه عند إعادة البداية. صحيح أن هناك احتمالًا ضئيلًا للغاية، واحدًا من عشرة آلاف تقريبًا، أن يكون هذا منزل عائلة بائع الفواكه الذي تبدأ عنده عودته كل مرة، لكن الاحتمالات التي يمكنه التفكير فيها الآن هي…
سوبارو:「إما أن يكون منزل راينهارد، أو منزل إيميليا-تان.」
هذان الشخصان هما الوحيدان اللذان كانا ودودين مع سوبارو، وأعطيا انطباعًا بأنهما يملكان قصرًا كهذا.
وبتأثير من أمنيته الشخصية، رجح سوبارو أن يكون الاحتمال الثاني هو الصحيح.
سوبارو: 『وجرح بطني── لذا، ربما كان ذلك بفضل سحر إميليا. فلو لم يُعالَج الجرح فورًا في مكان الحادث، لكان من الصعب تفادي الوصول إلى 『DEAD END』، أي النهاية المميتة. وفوق كل ذلك، فإن غرائزي الذكورية تريد أن تصدّق أن الفتاة الحسناء هي التي عالجتني.』
سوبارو:「لا بأس حتى لو كان ذلك الشاب الوسيم قادرًا على العلاج أيضًا… لكن أليس من حقي أن أحلم قليلًا؟ نحن في عالم آخر، على أي حال.」
نقر الملاءة بأطراف أصابعه، معبرًا عن رأيه باختصار وبحركة تنمّ عن دلال.
بعد ذلك، قفز سوبارو مستفيدًا من نوابض السرير، وهبط على الأرض. كان يريد، قبل كل شيء، أن يتأكد من مكان وجوده.
سوبارو:「إذًا، هذه بداية مغامرة جديدة. …كلا، كلا، يا أنا! كيف تشعر بالضيق قبل أن تشعر بالحماس؟ أتنوي العودة إلى أيام انعزالك تلك؟ أيام كنت تأكل فيها فحسب، وتلعب الألعاب، وتشاهد الأنمي، وتنام متى تشاء، وتتصفح المنتديات وتكتب التعليقات… تبًا، أريد العــــودة」
لم تكن لديه رغبة خاصة في أن يُستدعى إلى عالم آخر.
وفي الأصل، لم يكن مستاءً من حياة الانعزال. لم ينظر قط إلى الأيام التي تمر بملل على أنها أيام ضائعة، كما أن النوم بقدر ما يشاء كان تجسيدًا حقيقيًا لحياة العاطل عن العمل.
سوبارو:「صحيح أنني كنت أشعر ببعض الذنب تجاه والديّ… لكنهما، من ناحية أخرى، كانا يتركانني وشأني، أو يتغاضيان عن الأمر.」
كان يمارس تمارين القوة كالمعتاد، ويتناول الطعام على مائدة الأسرة، ويخرج من المنزل بصورة طبيعية، بل ويطلب مصروفه بإلحاح. وبما أن حياته لم تكن تعاني من مشكلة تُذكر سوى عدم ذهابه إلى المدرسة، فالأدق أن يُقال إن سوبارو لم يكن منعزلًا بقدر ما كان فتى لا يذهب إلى المدرسة.(2)
سوبارو:「يا لها من حقيقة صادمة. لولا أنني حصلت على فرصة للتفكير في نفسي هنا، في هذا العالم الآخر، فربما لم أكن لأدرك طوال حياتي أنني لست منعزلًا… أيمكن أن يكون هذا سبب وجودي هنا؟」
عقد العزم على الانتباه إلى الطريقة التي يصف بها نفسه من الآن فصاعدًا. لم يكن يريد أن يطلق على نفسه صفة المنعزل باستخفاف، ثم يثير غضب [الجمعية العالمية لاختبار المنعزلين] أو ما شابهها.
سوبارو:「كما توقعت، لا بد أن جميع أعضاء الجمعية منعزلون هم أيضًا… لحظة، إن كان الأمر كذلك، فكيف يتواصلون مع بعضهم…」
كان لغزًا يولد لغزًا آخر، ودخل سوبارو في دوامة من التفكير. أمال رأسه حائرًا، ثم تخلى عن خلاصة تفكيره الطويل،
سوبارو:「لا يهم.」
ألقى أفكاره جانبًا، ثم اتجه بخطوات متسللة نحو الباب.
كان السيناريو المثالي أن يقضي بعض الوقت في الانتظار، إلى أن يصادف شخصًا يأتي للاطمئنان عليه؛ عندها يحصل على تفسير ويفهم وضعه الحالي.
سوبارو:「أو ربما أستيقظ فأجد فتاة كانت تعتني بي قرب الوسادة، فتسألني:『هل استيقظت~؟』. بل هذا ما ينبغي أن يحدث عادةً، أليس كذلك؟ يستدعوني إلى عالم آخر، ثم لا أجد الفتاة الحسناء التي استدعتني بجانبي. يبدو أن في هذا الاستدعاء عيوبًا كثيرة أكثر مما ينبغي…」
ومع ذلك، كان هناك جانب يستحق التقدير فهذا العالم، شأنه شأن قصص الفانتازيا عن العوالم الأخرى، يلتزم بالتقليد الذي يجعل كل من يلتقي بهم البطل تقريبًا جميل المظهر.
على أي حال، لم يكن سوبارو يعرف من الشخصيات التي تحمل أسماء سوى خمسة أشخاص. أما جماعة تون-تشين-كان، فيبدون من النظرة الأولى كأنهم شخصيات ثانوية، وأحدهم عجوز مجعّد الوجه لا يمكن وصفه إلا بأنه عجوز شديد التجاعيد.
سوبارو:「شعرت أن فيلت قد تصبح جوهرة لامعة إذا صُقلت، أما إميليا-تان وراينهارد، فلا حاجة حتى إلى الكلام عنهما. وإلسا… أوه، بدأت أصابعي ترتجف. لن أحتسبها!」
وبما أن مقياس الصدمة النفسية لديه كان سيمتلئ، خلص إلى أن إلسا خارج نطاق التقييم.
كان يعترف بأنها فاتنة المظهر فحسب، لكن ما دامت تعاني من إدمان القتل، فلا يمكنه أن يتوصل إلى استنتاج إيجابي مثل 『أووه، هذا التناقض هو ما يجعلها فاتنة!』. لم يكن ذلك ممكنًا، مهما حاول.
سوبارو:「حسنًا، بما أنني وصلت إلى الخلاصة، فلأطوِ صفحة المماطلة وأبدأ رحلتي… يا له من حماس، أن تبدأ شيئًا جديدًا」
قال ذلك بصوت خافت، ثم أدار مقبض الباب بحذر وفتحه.
تسلل هواء بارد من الخارج إلى الغرفة، وما إن لامست قدماه العاريتان برودة الأرضية حتى بالغ في رد فعله وأطلق صوتًا「واه!」.
خرج سوبارو من الغرفة، فوجد أمامه ممرًا طويلًا مطليًا بألوان دافئة متناسقة. امتد الممر بعيدًا في الاتجاهين، وعلى طوله انتشرت أبواب متشابهة هنا وهناك. وعلى الأرجح، كانت الغرف خلفها تشبه الغرفة التي نام فيها سوبارو. وإذا كان هذا العدد من الغرف بمساحة عشرين تاتامي، فلا بد أن القصر أفخم بكثير مما تخيله.
تخيل سوبارو مالك القصر، وابتلع ريقه دون أن يشعر.
سوبارو:「لا أستطيع وصفه إلا بكلمة: واو. إنه واسع جدًا، بل شاسع. ومع كل هذا الاتساع… لا أثر لوجود أي شخص.」
مشى سوبارو حافي القدمين في الممر، يطأ أرضيته المصقولة الملساء التي تشبه أرضيات المدارس، لكنه عبس من شدة الهدوء.
كان تعبير [لا أثر لوجود أي شخص] مجازيًا؛ والأدق هنا أن يُقال إنه لا يسمع أيًا من أصوات الحياة اليومية. فلم يكن يصل إلى أذنيه أي صوت من هذا النوع في الممر.
سوبارو:「كان الأمر كذلك في الغرفة أيضًا، لكن المكان هادئ أكثر من اللازم… إلى درجة تجعلني أشعر بالذنب لمجرد إحداث ضجة.」
في الظروف العادية، كان سوبارو سيصرخ بصوت عالٍ:「هل من أحد هنــــا؟」لكن الوضع الحالي جعله يتردد في فعل ذلك، فهو لا يعرف شيئًا تقريبًا عن حالته الراهنة.
كان قد ظن قبل قليل أنه في قصر شخص يكنّ له الود، لكن لم يكن مستبعدًا أن تكون إلسا قد جمعت، بعدما فقد وعيه، جيشًا ضخمًا 100 ألف مقاتل للانتقام منه، ثم أسرته وهو نائم.
ولو كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن أتباع إلسا هم من أسروه، وأن القصر سيتحول في لحظة من منزل ثري طيب القلب إلى مخبأ لمجموعة من القتلة.
سوبارو:「ربما كان علي أن أنتظر حتى يبادروا هم بالتحرك. هل أعود إلى الغرفة الآن، وأضم ركبتيّ وأرتجف من الخوف بينما أدعو الرب؟」
بدأ سوبارو يخطط للانسحاب وهو يدندن، متأملًا التحف المعروضة في الممر.
كانت اللوحات في غرفته تبدو كمناظر طبيعية، أما اللوحات المعلقة في الممر فمعظمها أعمال تجريدية غريبة. حدّق في الأنماط الهندسية، وتظاهر بالخبرة قائلًا:「هممم، يا لها من لمسة فرشاة مميزة.」
سوبارو:「لكن لا يجوز أن أفوت حدثًا مهمًا بسبب أفكار مترددة كهذه، يا أنا. لقد قررت أن أكون أكثر إيجابية. بل أقسمت على ذلك! لا أتذكر متى قررت هذا، ولا أعرف لمن أقسمت، لكن لا بأس. سأصحح الأمر في رأسي」
استبعد خيار العودة، وبدأ يمشي بهدف العثور على شخص ما.
『يمينًا أم يسارًا؟』 اختار الاتجاه الأيمن من دون تردد يُذكر، لأنه تذكر حوارًا قرأه ذات مرة في إحدى قصص المانغا، من نوع 『اليسار مليء بالفخاخ، هيهيهي』.
لكن لو فكر في الأمر بهدوء، لاختلف اليمين واليسار تمامًا باختلاف الغرفة التي خرج منها. ولم ينتبه إلى ذلك إلا بعد أن قطع مسافة قصيرة، فقرر أن يطوي الصفحة ويتجاهل الأمر.
سوبارو:「ومع ذلك، تستمر هذه الأبواب المتشابهة بلا نهاية… ولا أحد هنا، كما هو متوقع.」
لم يصل إلى نهاية الممر، وبعد أن تجاوز خمسة أبواب تقريبًا، بدأ يحتار. لا بد أن لاتساع المكان حدودًا، مهما كان كبيرًا. قد يقول أحدهم إنه استسلم بعد دقيقة أو دقيقتين فقط، لكن المسافة التي قطعها خلال تلك المدة تجاوزت 300 متر بسهولة.
سوبارو:『وبالمنطق، هل من الممكن أن يمتد ممر لمسافة 300 متر من دون أن تظهر نهايته؟』
حكّ سوبارو رأسه بعصبية، ثم التفت من غير أن يفكر. كان قد قرر أنه قد يضطر، في أسوأ الأحوال، إلى العودة إلى غرفته الأصلية، لكن──
سوبارو:「هاه؟」
صاح متعجبًا، وازداد ارتباكه. كان الطريق الذي سلكه للتو يمتد خلفه، ولم تكن نهايته ظاهرة كذلك. لكن المشكلة كانت في أمر آخر.
سوبارو:「ألم أرَ هذه اللوحة أمام الغرفة التي خرجت منها في البداية؟」
يتذكر أنه سخر في نفسه من [لمسة الفرشاة] وما شابه، لذا لم يكن مخطئًا.
ربما كان من الممكن أن تُعرض اللوحة نفسها في أكثر من مكان، لكن تكرار الغرف المتشابهة في ممر واحد وتعليق اللوحة نفسها فيها سيكون دليلًا على ذوق سيئ للغاية.
سوبارو:「أعني، لو أردت قول ذلك بصراحة… فأنا عالق في لوب لا نهائي.」
ربما كان الأمر مجرد شعور بأنه سار في الممر لمسافة معينة، بينما كان في الواقع ينتقل إلى الجانب الآخر من الخريطة؟ أو لعل هناك آلية في الأرضية تخالف القوالب المعتادة لقصص الانتقال إلى عالم آخر، وتعمل بسلاسة لدرجة أن سوبارو لم يلاحظها.
سوبارو:「لو كانت آلية في الأرضية، فسيختل تصوري عن الحقبة التاريخية تمامًا. …لكن، هذا و『العودة بالموت』، يبدو أن لي صلة بقصص حلقات التكرار، ربما」
علق على الأمر من دون أن يخاطب أحدًا بعينه، ثم فتح باب أقرب غرفة إليه. كانت غرفة بسيطة لا تضم سوى سرير في مساحة تبلغ عشرين تاتامي؛ أي إنها الغرفة نفسها التي نام فيها سوبارو أول مرة.
سوبارو:「هل معنى هذا أن التحرك بلا فائدة، وأن علي البقاء في مكاني بهدوء؟」
إذًا، وضعوا قيودًا على الأماكن التي يمكن لسوبارو الذهاب إليها، حتى لا يتصرف كما يحلو له بعد استيقاظه. يبدو أن ذلك هدر كبير للجهد والمانا، لكن ربما كان الهدف أيضًا إظهار فارق القوة له وسلبه الرغبة في المقاومة.
سوبارو:「حسنًا، إذا فكرت في الأمر منطقيًا، فمن الطبيعي أن أفقد الرغبة في المقاومة. بعد أن يصنعوا مكانًا غريبًا كهذا، كيف لا أُصدم؟ هذا إذا فكرت في الأمر منطقيًا.」
مدّ ذراعيه وساقيه وحرّك وركيه مطلقًا صوتًا「أمم.」ثم وضع يديه على الجدار ومدّد وتر أخيل، محاولًا إحماء عضلات ساقيه، استعدادًا لما سيقدم عليه.
سوبارو:「في العادة، عندما أواجه شيئًا كهذا، أقول: 「مهلًا! سأسترخي هنا فحسب إلى أن يأتي أحد…」لكن ليس هذه المرة! إذا ظنوا أن هذا يكفي لجعلي أستسلم، فستكون مفاجأة كبيرة بانتظارهم!」
انحنى في منتصف الرواق، واتخذ وضعية الانطلاق في سباقات الجري.
سوبارو:「استعد… جاهز… انطلق──」
سوبارو:「بعد النوم لنصف يوم، لم أعد أشعر بالنعاس على الإطلاق!!」
أطلق صرخة تحدٍّ لم تكن مثيرة للإعجاب بأي شكل، ثم انطلق راكضًا بأقصى سرعته.
لم يكن بالتأكيد أسرع من فيلت، وبصراحة، شعر أن روم-جي قادر حتى على مجاراته في الركض. أما قدرته على التحمّل فضعيفة؛ ففي سباق المئة متر، يبدأ بالتقاط أنفاسه بصعوبة عند السبعين مترًا. ومع ذلك، كان ذلك أكثر من كافٍ للركض في هذه اللحظة.
اركض، اركض، اركض.── ظل يردد هذه الكلمات في داخله ليحث نفسه على مواصلة التقدم.
ظلت نهاية الممر بعيدة عن الأنظار، ومهما ركض عاد المشهد نفسه للظهور أمامه. كان ذلك جهدًا ضائعًا، ونتيجة تسخر من يأس سوبارو.
لكن سوبارو لم يتوقف عن الركض.
واصل بعناد، وبخط مستقيم، وكأنه يثبت بسلوكه أن المثابرة هي الشيء الوحيد الذي يستطيع رجل عادي فعله.
لم يعد يهمه أن الممر خالٍ من الناس، أو أنه في قصر شخص آخر، أو أن بطنه شُق قبل نصف يوم، أو أنه بدأ يحتاج إلى قضاء حاجته.
سوبارو:「لا، الأخيرة لا يمكن تجاهلها! لا يمكن تجاهلها إطلاقًا! تبًا، لم أنتبه إلا الآن إلى أن حاجتي إلى الحمام اشتدت بشدة! الرغبة الكبيرة والصغيرة تتزاحمان معاً!」
بدأ ذلك الجزء الحساس من جسد سوبارو يطلق صرخة استغاثة، واختفى أسلوبه الرشيق في الركض الذي كان عليه قبل لحظات. تقاربت ساقاه قليلًا، وبدأ الجزء العلوي من جسده يتمايل في كل خطوة، فتحول جريه إلى ما يشبه جري النساء المتمايل.
لكن العالم لم يتوقف عن السخرية من جهوده بسبب هذه التغييرات الطفيفة في طريقة جريه. ومع هذا التكرار الذي يشبه الحقد، بدأت خطوات سوبارو تتباطأ أخيرًا.
كان يتنفس بصعوبة، وكتفاه يهتزان بقوة. كان يخوض معركته بمفرده، والعرق يعلو جبينه، لكنه لم يحقق أي شيء. فخرّ على ركبتيه في مكانه، ثم…
سوبارو:「لم يعد أمامي خيار سوى أن أفعلها هنا.」
تخلى عن كل شيء، ومد يده إلى ملابسه التي تستر أسفل بطنه.
ربما سيفقد كرامته كإنسان. فعدم القدرة على قضاء الحاجة في المكان المخصص لها قد يجعله، في أسوأ الأحوال، أقل تهذيبًا من الكلاب والقطط.
لكنه كان مستعدًا لتحمل مثل هذه الإهانات. فلن تنكسر عزيمته بسببها.
سوبارو:「وفوق ذلك، بما أنني اكتشفت في نفسي ميلًا جديدًا، فربما تكون تلك الإهانات ممتعة بالنسبة إلي أيضًا──」
أنهى كلامه بابتسامة مشرقة، كانت الأولى التي ترتسم على وجهه منذ استدعائه إلى العالم الآخر، ثم جلس في مكانه. وكان ابتعاده إلى طرف الممر، على الأقل، آخر أثر باقٍ من آثار عقله السليم.
──وفي تلك اللحظة.
سوبارو:「ناتسكي سوبارو، مستعد للانطلـ… هاه؟」
وقبل أن يتمكن من قول: [مستعد للانطلاق]، طرأ تغيير أمام عيني سوبارو.
فقد تشوّه فجأة في رؤيته مشهد الممر الذي ظل على حاله مهما ركض فيه.
كان التحول الذي طرأ على العالم أمام عينيه أشبه بتجعيد ورقة ثم فردها مجددًا.
رمش سوبارو بعينيه، وكأنه يتحقق من أن ما يحدث حقيقي، بعدما انبسطت التجاعيد تمامًا. ثم نهض، وهو يكبت رغبته في التبول التي تراجعت على نحو لا إرادي.
سوبارو:「لا أفهم ما الذي حدث… لكن النتيجة تصبّ في مصلحتي؟」
عندما نظر إلى محيطه مجددًا، أدرك أن العالم قد تغيّر. فقد أصبح قادرًا على رؤية نهاية الممر بوضوح، إلى جانب ممرات أخرى يمكنه الانعطاف إليها.
كانت اللوحة التجريدية التي رآها سوبارو مرارًا أمامه، وكانت الغرفة التي استيقظ فيها تقع مباشرة خلفها.
تأكد سوبارو من أنه عاد إلى نقطة البداية، وبدا أنه تمكن من الخروج من اللوب أيضًا. لم يكن متأكدًا تمامًا مما تسبب في ذلك، لكن…
سوبارو:「إذًا، سبب فوزي هو حاجتي إلى التبول؟ يا له من شرط معقد. لو حاولت اجتياز المكان بالطريقة المعتادة، لما انتبهت إليه أبدًا… من وضع هذا الشرط لا بد أنه مسكون بقوة الأوني!」
───『鬼がかる』 (مسكون بقوة الأوني) تعبيرٌ مبتكر، أشبه بنسخة أخرى من 『神懸かる』 (مسكون بقوة إلهية).
وهو من ابتكار سوبارو، أو بالأحرى، لم يكن قد خطّط لابتكاره؛ بل قاله لمجرد أنه خطر بباله في تلك اللحظة. ───
سوبارو:「حسنًا، بما أنني تحررت من اللوب أخيرًا، سأعود إلى الغرفة وأنام…」
حك سوبارو مؤخرة رأسه، والتفت نحو الباب الأول. لكن موجة مفاجئة من البرودة اجتاحت الممر في تلك اللحظة. لم تكن تنقل كلمات بعينها، لكن المشاعر التي حملتها كانت واضحة تمامًا.
──كان الأمر أشبه بشخص ما يضع كفه على وجهه في موضع ما من شدة الإحباط.
سوبارو:「أيًّا كان من يفعل ذلك، فأنا أعرف أن هناك من يحاول إجباري على العودة! ──أجل، أجل، فهمت! سأذهب!」
بعد أن أطلق صرخة غاضبة على مصدر اللوب اللانهائي، بدأ سوبارو السير مجددًا. كان بإمكانه قضاء حاجته في ذلك المكان، لكن ذلك لن يدفع الحدث إلى الأمام، وكان العثور على مرحاض هو الأهم في الوقت الراهن.
سوبارو:「بعبارة أخرى، ليس أمامي خيار سوى المضي قدمًا حفاظًا على كرامتي. ──أعني، مهما كان هذا الشخص بارعًا، فلن أتراجع!」
أعلن ذلك بوجه حازم. أجل، سيقاتل سوبارو… من أجل حاجته إلى الحمام.
على الرغم من أن اللوب في الممر قد انتهى، فإنه بات محاطًا بجو غريب، وكأن ذلك حلّ محلّه. وقد شعر سوبارو بأن ذلك الإحساس المميز يشبه إلى حدٍّ ما الإحساس الذي راوده عندما كانت إميليا على وشك استخدام السحر.
رغم أن حدسي هذا، بصفتي مبتدئًا تمامًا، لا يُعوّل عليه، فإن خلاصة الأمر هي أن هذا الممر يعجّ بالقوة السحرية.
وعلى خلاف الحلقة التي جعلته ينتقل من مكان إلى آخر، لم يكن ما يحدث الآن يحاول إخفاء وجوده حتى. لا بد أن الساحر الذي أعدّ هذا المكان شديد الثقة بنفسه، إلى درجة أنه يستطيع وضع فخاخ واضحة ثم يقف متباهيًا وكأنه يقول「تفضل بالدخول، فهناك فخ هنا」
سوبارو:「يُقال [مَن سار في الظلام، سار على غير هُدى]. لكن الإفراط في الحذر لا يختلف عن الجبن. وفوق كل شيء، لديّ وقت محدود…」 (3)
كانت الموجة قد انحسرت الآن، لكنه يعرف أنها ستعود في وقت لاحق، أشد ارتفاعًا من ذي قبل.
ابتلع سوبارو ريقه، ومسح العرق عن جبينه، ثم عقد العزم على المضي قدمًا، وخطا خطوته الأولى. أمسك مقبض الباب الذي أمامه وأداره.
سوبارو:「بعد كل هذا اللوب، ممرّ يعجّ بالفخاخ. في مثل هذه الأحداث التقليدية الخاصة بالمتاهات، قد يتبيّن على نحو غير متوقع أن الباب الأول هو المخرج.」
فتح الباب انطلاقًا من فكرة لا تكاد تكون أكثر من حدس…
؟؟؟:「…يا له من شخص مزعج للغاية، على ما أعتقد.」
وفي مكتبة لم يرها من قبل، استقبله صوت فتاة ذات شعر مجعّد، كانت تحدق فيه بنظرة ساخطة.

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ملاحظات المترجم
- (1) التاتامي: وحدة يابانية تقليدية لقياس مساحة الغرف. وتبلغ مساحة عشرين حصير تاتامي نحو 30 إلى 33 مترًا مربعًا، بحسب المقاس المستخدم.
- (2) المعتزل والمتغيّب عن المدرسة: (ひきこもり / 不登校): [الهيكيكوموري] هو من يلازم بيته ويقطع صلته بالناس، أما [不登校] فهو من لا يذهب إلى المدرسة فحسب. وسوبارو كان يخرج ويأكل مع أسرته، فيرى أنه من الصنف الثاني.
- (3) مَن سار في الظلام، سار على غير هُدى: صياغة عربية أدبية اخترتها كأسلوب للترجمة، حفاظًا على الطابع الحكمي للعبارة. والمعنى الحرفي للعبارة اليابانية هو: [التقدّم دون تبصّر أمرٌ خطير].
المترجم/المدقق: @SAQR_AR1

التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.