Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سقوط الخيط: ما بعد الموت، نحو الفوضى 37

وِلادة - الجزء 2
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

وِلادة - الجزء 2

كانت القرية تتحرّك رغم موتها. أنصاف القطط الشمالية الذين نجوا كانوا يركضون في كل اتجاه، خطواتهم متعثّرة فوق الثلج الملطّخ بالدم، يحملون المصابين على أكتافهم، أو يجرّونهم بحذر فوق الأقمشة والجلود. أصواتهم منخفضة، متكسّرة، لا صراخ… فقط نداءات عاجلة وهمسات خوف. كوخ الأم الشريفة صار القلب النابض للنجاة؛ بابه لم يُغلق، والدخول والخروج لا يتوقّفان، أنين الجرحى والمعاقين يختلط برائحة الأعشاب والدم، واليد الحكيمة تعمل بلا توقف، كأن الإرهاق لا يجرؤ على الاقتراب منها.

اتّسعت عينا فانيسا بفراغٍ قاتل، وانطفأ بريقهما دفعةً واحدة كأن الروح انسحبت منهما. شحب وجهها حتى صار بلا دم، وتوقّف نَفَسها لحظةً موجعة قبل أن يعود متكسّرًا. شفتاها ارتجفتا دون صوت، وأذناها تدلّتا خلف رأسها خضوعًا للصدمة. لم تُبدي ردة فعلٍ واضحة، فقط انهارت من الداخل بصمتٍ قاتل…

كانت قواها الروحية من النوع التجسيدي، كانت هالتها تُساعد في ضبط النبض والإسعاف الأولي.

“آسفة…” اعتذرت فانيسا

‘حاملوا خيط الزمن هم الأخصائيُّون في سحر الشفاء، سحرهم يُعيد المكان الذي رُكِّز فيه إلى سابق عهده عن طريق عكسِه، بل حتى العودة للوراء قبل الحادث… كل ما يُمكنني فعله هنا هو إيقاف النزيف و إبقاؤهم على قيد الحياة ثم معالجة جراحهم بالأساليب الطبية البدائية…’

“…”

في الطرف الآخر من القرية، كان رايندار يفعل ما لم يستطع أحد غيره فعله؛ يحمل الجثث… جسدًا بعد جسد، بلا تمييز، بلا دموع. يرفعهم بصمت، يضعهم في مكان واحد، صف طويل امتدّ حتى فاق القدرة على العدّ. وجوه شاحبة، عيون مفتوحة أو مغمضة إلى الأبد. فرش فوقهم قماشًا أبيض، قطعةً بعد أخرى، حتى صار البياض يغطي الموت كما لو أنه يحاول تهذيبه، أو على الأقل احترامه.

الثلوج هنا لم تكن عميقة، بل مضغوطة ولامعة، تعكس الضوء كمرآةٍ قديمة. بين الصخور الداكنة، تسيل خطوط رفيعة من الماء الذائب، تصدر همسًا خافتًا يشبه تنفّس الجبل نفسه. الهواء قارس، لكن الشمس تمنحه نعومة مؤقتة، تلامس الجلد دون أن تدفئه تمامًا.

وليس بعيدًا عنهم، كانت ليارا… جلست قرب جسد إليان الساكن، قريبة حدّ الألم، بعيدة حدّ العجز. لم تعُد تصرخ، لم تعُد تشهق. فقط تبكي بهدوء، دموع تنزل بصمت وتختفي في الثلج. يدها قربه، لكنها لا تلمسه، كأنها تخاف أن تؤكد الحقيقة إن فعلت.

“كأنك تقولين أن المصير دائرة مغلقة…” قالت فانيسا وهي تتأمَّل المنظر أمامها

القرية كانت تعمل، والناجون كانوا يقاومون، لكن الزمن… كان متوقفًا عند إليان.

“ماذا عن إليان… هل رأيتِ أنه سيموت بدوره بعد كل شيئ؟! إنها مزحة فعلًا… مزحة سخيفة، كل شيئٍ بدأ لأنني أنقذته لينتهي الأمر بموته على كلِّ حال… القدر غريبٌ فعلًا!” قالَت فانيسا

“ماذا تفعلين عندكِ؟ البكاء لن يُعيده.” قال رايندار

“لا يُمكنك الجزم بذلك إن لم تُجرِّبي!” صرخت فانيسا

“أعرف، أعرف، لكنني كنتُ أتساءل ما الذي فعلناه من أجله… لم نقوى على تغيير شيئ… ما الفرق بين الموت الآن والموت وقتها عندما وجدناه لأول مرة؟” قالت

“لا يُمكنك الجزم بذلك إن لم تُجرِّبي!” صرخت فانيسا

“…”

“هذه مجرَّد فرضيَّة مني… لكنني أظنُّ أن إليان قادمٌ من عالمٍ آخر… ربما يكون بطلًا!” قالت العجوز سيرا

“لقد كان يكذِب… كل هذا الوقت… كل ما تفوَّه به هو الكذب… لقد أدركتُ ذلك، لكنني اخترتُ التماشيَ معه… لقد كان يهرِب من شيئ، لم يكُن فاقدًا للذاكرة يومًا، لكنه كان جاهلًا لذلك بالفعل… أتساءل ما القدر الذي قاده إلى كوخنا؟” قالت

“لم يكُن عددهم كبيرًا أساسًا، أغلب ضحايا الغزوِ كانوا أمواتًا، لقد ساعد أهل القرية بعضهم في تنقيل الموتى استعدادًا لمراسم الدفن، السيد رايندار ساعد في ذلك بدوره.” أجابت العجوز سيرا

كانت عينا رايندار الزرقاوتان متألمتان مع كلِّ كلمةٍ قالتها، كان يشدُّهما عند كل توقُّفٍ في كلامها، لكنه لم يُرد الجلوس عند جثته والتفكير بعمق…

في الطرف الآخر من القرية، كان رايندار يفعل ما لم يستطع أحد غيره فعله؛ يحمل الجثث… جسدًا بعد جسد، بلا تمييز، بلا دموع. يرفعهم بصمت، يضعهم في مكان واحد، صف طويل امتدّ حتى فاق القدرة على العدّ. وجوه شاحبة، عيون مفتوحة أو مغمضة إلى الأبد. فرش فوقهم قماشًا أبيض، قطعةً بعد أخرى، حتى صار البياض يغطي الموت كما لو أنه يحاول تهذيبه، أو على الأقل احترامه.

“الجلوس عندكِ لن يُفيده شيئًا، سأحضر تابوتًا لأنقلَ جثَّته معنا.” قال

“أرى… لماذا لم تُخبريني بما هو قادم؟”

**********

الثلوج هنا لم تكن عميقة، بل مضغوطة ولامعة، تعكس الضوء كمرآةٍ قديمة. بين الصخور الداكنة، تسيل خطوط رفيعة من الماء الذائب، تصدر همسًا خافتًا يشبه تنفّس الجبل نفسه. الهواء قارس، لكن الشمس تمنحه نعومة مؤقتة، تلامس الجلد دون أن تدفئه تمامًا.

كان سفح الجبل يغتسل بضوءٍ شاحبٍ دافئ على غير عادة البرد، وقتٌ متأخر من بعد الظهيرة حيث بدأت الشمس تتسلّل بجرأةٍ أكبر بين الأشجار، كأنها تجرّب حظّها مع عالمٍ لا يزال متجمّدًا. خيوطها الذهبية تشقّ طريقها عبر أغصان الصنوبر المثقلة بالثلج، فتسقط على الأرض بقعًا من نورٍ حيّ، تذيب القسوة دون أن تزيلها.

“هل عالجتِ المصابين بالفعل؟” سألَت فانيسا

الثلوج هنا لم تكن عميقة، بل مضغوطة ولامعة، تعكس الضوء كمرآةٍ قديمة. بين الصخور الداكنة، تسيل خطوط رفيعة من الماء الذائب، تصدر همسًا خافتًا يشبه تنفّس الجبل نفسه. الهواء قارس، لكن الشمس تمنحه نعومة مؤقتة، تلامس الجلد دون أن تدفئه تمامًا.

“لسببٍ ما أنا لم أستطِع النظر في قدره أبدًا…” قالت العجوز سيرا

وقفت فانيسا عند حافة السفح، مستندة على عصا خشبية غُرست في الثلج كجذرٍ أخير يرفض السقوط. جسدها بدا مرهقًا، كتفاها منخفضتان، ونَفَسها بطيء، لكن عينيها ظلّتا يقظتين، تراقبان المشهد أمامها بتأمُّلٍ وهدوء. الريح تحرّك فراء كتفيّ معطفها بخفّة، وتداعب خصلات شعرها الرمادي، بينما أذناها الرماديتان ترتعشان لا من البرد، بل من ثقل الذكريات.

“لا فائدة…”

من هذا العلوّ، بدت الأرض واسعة وصامتة، جميلة على نحوٍ قاسٍ. الشمس تلمس قمم الأشجار، والظلّ ينسحب ببطء، كأنه يعترف بالهزيمة مؤقتًا. فانيسا لم تتحرّك، فقط ظلّت واقفة، تستند على عصاها بهدوء وسكينة.

“أظن أن إلَهنا رؤوفٌ بنا، دائمًا ما يختار ألطَف الأقدار بنا، حتى تلك الابتلاءات هي لطفٌ منه، محاولة تغيير القدر لن تجلِب إلَّا المزيد من التعب!” قالَت العجوز سيرا

من خلفها كانت العجوز سيرا تخطوا نحوها ببطئ…

“ومن يقرر أن هذا الشخص هو الوحيد الذي يستحق النجاة؟ حين تنقذ واحدًا، فأنت تحكم على آخرين بالموت… دون أن تراهم.” أجابت العجوز سيرا

“أنتِ هنا…” قالت العجوز سيرا

“…”

“هل عالجتِ المصابين بالفعل؟” سألَت فانيسا

“فهِمت…” قالت فانيسا

“لم يكُن عددهم كبيرًا أساسًا، أغلب ضحايا الغزوِ كانوا أمواتًا، لقد ساعد أهل القرية بعضهم في تنقيل الموتى استعدادًا لمراسم الدفن، السيد رايندار ساعد في ذلك بدوره.” أجابت العجوز سيرا

من خلفها كانت العجوز سيرا تخطوا نحوها ببطئ…

“أقدِّر له هذا.” قالت فانيسا

من خلفها كانت العجوز سيرا تخطوا نحوها ببطئ…

“ماذا ستفعلين بعد ذلك، أيتها القائدة؟” سألَت العجوز سيرا

“…”

“أنا لستُ قائدتكم بعد اليوم…” أجابت فانيسا بهدوء

“آسفة…” اعتذرت فانيسا

“هل لهذا القرار علاقة بعدم تسهيل اختيار إليان للرحيل وقتها؟” سألَت العجوز سيرا

“…”

“نعم… جزءٌ مني تمنَّى لو يستسلم وقتها ويبقى في القرية كقائدٍ لها. أنا لا أقوى على الاستمرار ولا يوجد مقاتلون بيننا لخلافتي…”

“كان الأمر أشبه بأنني أُحدِّق في الفراغ… كل حادثٍ تدخَّل فيه هو كان ضبابيًا يستحيل عليَّ رؤيته… ولسببٍ ما كان الأمر أشبه بأنه أحدث تغييراتٍ طفيفة عليه!” قالت العجوز سيرا

“فهمت”

‘حاملوا خيط الزمن هم الأخصائيُّون في سحر الشفاء، سحرهم يُعيد المكان الذي رُكِّز فيه إلى سابق عهده عن طريق عكسِه، بل حتى العودة للوراء قبل الحادث… كل ما يُمكنني فعله هنا هو إيقاف النزيف و إبقاؤهم على قيد الحياة ثم معالجة جراحهم بالأساليب الطبية البدائية…’

“…”

“لا يُمكنك الجزم بذلك إن لم تُجرِّبي!” صرخت فانيسا

هبَّت رياحٌ خفيفة حولهما…

“ومن يقرر أن هذا الشخص هو الوحيد الذي يستحق النجاة؟ حين تنقذ واحدًا، فأنت تحكم على آخرين بالموت… دون أن تراهم.” أجابت العجوز سيرا

“إذًا؟ كم مقدار ما توقَّعتِ حدوثه من كل هذا؟ يا حاملةَ خيط القدر؛ سيرا المستبصرة!” سألَت فانيسا بنبرةٍ هادئة

“الجلوس عندكِ لن يُفيده شيئًا، سأحضر تابوتًا لأنقلَ جثَّته معنا.” قال

“كلُّ شيئ… ربما…” أجابت العجوز سيرا

“نعم… جزءٌ مني تمنَّى لو يستسلم وقتها ويبقى في القرية كقائدٍ لها. أنا لا أقوى على الاستمرار ولا يوجد مقاتلون بيننا لخلافتي…”

“أرى… لماذا لم تُخبريني بما هو قادم؟”

القرية كانت تعمل، والناجون كانوا يقاومون، لكن الزمن… كان متوقفًا عند إليان.

“لأن المستقبل لا يُمكن تغييره…”

“كان بإمكاني حجز الفتى على الأقل، أو ربما عدم إنقاذه يومها من الأساس.”

“كان بإمكاني حجز الفتى على الأقل، أو ربما عدم إنقاذه يومها من الأساس.”

“ماذا تفعلين عندكِ؟ البكاء لن يُعيده.” قال رايندار

“لا فائدة…”

“لذلك حبس أغلب مستعمِلوا خيط القدر أنفسهم… إنه خيطٌ ملعون، أنا لستُ حتى متقدِّمةً في الرتبة كساحرة، كلُّ ما أقوى على فِعله هو رؤية لمحاتٍ منه على شكلِ ومضاتٍ وكأنها ذكرى عشتُها… لكن السَّحرة من رتبة أسياد هذا الخيط، قادرون على مواجهة القدر، بل وتغييره بسحرهم… لكنهم رفضوا ذلك وحبسوا أنفسهم كما ذكر التاريخ، لتجنُّب أي تغييرٍ قد يقود لكارثةٍ أكبر…” قالت العجوز سيرا

“لا يُمكنك الجزم بذلك إن لم تُجرِّبي!” صرخت فانيسا

القرية كانت تعمل، والناجون كانوا يقاومون، لكن الزمن… كان متوقفًا عند إليان.

“…”

“كلُّ شيئ… ربما…” أجابت العجوز سيرا

“آسفة…” اعتذرت فانيسا

“فهمت”

“المستقبل ثابت… محاولة إصلاحٍ في الماضي، تحدِث مجموعة أحداث فوضوية مختلِفة في الحاضر، تقُود إلى نفسِ المستقبل… لا مجال لتغييره!” قالت العجوز سيرا بهدوء

“فهمت”

“لكن ماذا لو كان الثمن أقل؟ ماذا لو أنقذنا شخصًا واحدًا فقط؟” سألَت فانيسا بنبرةٍ متوتِّرة

“إذًا؟ كم مقدار ما توقَّعتِ حدوثه من كل هذا؟ يا حاملةَ خيط القدر؛ سيرا المستبصرة!” سألَت فانيسا بنبرةٍ هادئة

“ومن يقرر أن هذا الشخص هو الوحيد الذي يستحق النجاة؟ حين تنقذ واحدًا، فأنت تحكم على آخرين بالموت… دون أن تراهم.” أجابت العجوز سيرا

‘حاملوا خيط الزمن هم الأخصائيُّون في سحر الشفاء، سحرهم يُعيد المكان الذي رُكِّز فيه إلى سابق عهده عن طريق عكسِه، بل حتى العودة للوراء قبل الحادث… كل ما يُمكنني فعله هنا هو إيقاف النزيف و إبقاؤهم على قيد الحياة ثم معالجة جراحهم بالأساليب الطبية البدائية…’

“…”

“ماذا عن إليان… هل رأيتِ أنه سيموت بدوره بعد كل شيئ؟! إنها مزحة فعلًا… مزحة سخيفة، كل شيئٍ بدأ لأنني أنقذته لينتهي الأمر بموته على كلِّ حال… القدر غريبٌ فعلًا!” قالَت فانيسا

“المستقبل ليس حَجرًا يمكن كسره و إعادة نحته… بل هو أشبه بنهرٍ إن حاولتَ تحويل مجراه من المنبع، سيجرف أرضًا أخرى في الأسفل…” قالت العجوز سيرا

“فهمت”

“لكن مادامت النتيجة واحدة دائمًا… الألم نفسه، الخسارة نفسها. ما الفائدة إذن من ترك كل شيء كما هو؟” سألَت فانيسا

“إذًا؟ كم مقدار ما توقَّعتِ حدوثه من كل هذا؟ يا حاملةَ خيط القدر؛ سيرا المستبصرة!” سألَت فانيسا بنبرةٍ هادئة

“لأن القدر عنيد… تغيّر طريقه، فيعود إليك من زاويةٍ أخرى. تبدّل الوجوه، تتغير الأسماء، لكن الجرح يبقى نفسه.” أجابت العجوز سيرا

كانت القرية تتحرّك رغم موتها. أنصاف القطط الشمالية الذين نجوا كانوا يركضون في كل اتجاه، خطواتهم متعثّرة فوق الثلج الملطّخ بالدم، يحملون المصابين على أكتافهم، أو يجرّونهم بحذر فوق الأقمشة والجلود. أصواتهم منخفضة، متكسّرة، لا صراخ… فقط نداءات عاجلة وهمسات خوف. كوخ الأم الشريفة صار القلب النابض للنجاة؛ بابه لم يُغلق، والدخول والخروج لا يتوقّفان، أنين الجرحى والمعاقين يختلط برائحة الأعشاب والدم، واليد الحكيمة تعمل بلا توقف، كأن الإرهاق لا يجرؤ على الاقتراب منها.

“كأنك تقولين أن المصير دائرة مغلقة…” قالت فانيسا وهي تتأمَّل المنظر أمامها

“هل لهذا القرار علاقة بعدم تسهيل اختيار إليان للرحيل وقتها؟” سألَت العجوز سيرا

“بل حَلَقَة تعلِّمك غصبًا. من يرفض الدرس، يُعاد إليه المشهد… مرارًا وتكرارًا… حتى يستوعبه…” نظرت العجوز سيرا ليدها المتجعِّدة وهي تذكُر تلك الكلمات

“لكن ماذا لو كان الثمن أقل؟ ماذا لو أنقذنا شخصًا واحدًا فقط؟” سألَت فانيسا بنبرةٍ متوتِّرة

“…”

“هل عالجتِ المصابين بالفعل؟” سألَت فانيسا

“لذلك حبس أغلب مستعمِلوا خيط القدر أنفسهم… إنه خيطٌ ملعون، أنا لستُ حتى متقدِّمةً في الرتبة كساحرة، كلُّ ما أقوى على فِعله هو رؤية لمحاتٍ منه على شكلِ ومضاتٍ وكأنها ذكرى عشتُها… لكن السَّحرة من رتبة أسياد هذا الخيط، قادرون على مواجهة القدر، بل وتغييره بسحرهم… لكنهم رفضوا ذلك وحبسوا أنفسهم كما ذكر التاريخ، لتجنُّب أي تغييرٍ قد يقود لكارثةٍ أكبر…” قالت العجوز سيرا

“…”

“فهِمت…” قالت فانيسا

“أرى… لماذا لم تُخبريني بما هو قادم؟”

“أظن أن إلَهنا رؤوفٌ بنا، دائمًا ما يختار ألطَف الأقدار بنا، حتى تلك الابتلاءات هي لطفٌ منه، محاولة تغيير القدر لن تجلِب إلَّا المزيد من التعب!” قالَت العجوز سيرا

**********

ابتسمت فانيسا بسمةً متألمة خفيفة رُسمت على ملامحها وكأنها انتعاشٌ من ضغطٍ كبيرٍ وقع على كتفيها الليلة الماضية…

**********

“ماذا عن إليان… هل رأيتِ أنه سيموت بدوره بعد كل شيئ؟! إنها مزحة فعلًا… مزحة سخيفة، كل شيئٍ بدأ لأنني أنقذته لينتهي الأمر بموته على كلِّ حال… القدر غريبٌ فعلًا!” قالَت فانيسا

“هل عالجتِ المصابين بالفعل؟” سألَت فانيسا

“لسببٍ ما أنا لم أستطِع النظر في قدره أبدًا…” قالت العجوز سيرا

كانت القرية تتحرّك رغم موتها. أنصاف القطط الشمالية الذين نجوا كانوا يركضون في كل اتجاه، خطواتهم متعثّرة فوق الثلج الملطّخ بالدم، يحملون المصابين على أكتافهم، أو يجرّونهم بحذر فوق الأقمشة والجلود. أصواتهم منخفضة، متكسّرة، لا صراخ… فقط نداءات عاجلة وهمسات خوف. كوخ الأم الشريفة صار القلب النابض للنجاة؛ بابه لم يُغلق، والدخول والخروج لا يتوقّفان، أنين الجرحى والمعاقين يختلط برائحة الأعشاب والدم، واليد الحكيمة تعمل بلا توقف، كأن الإرهاق لا يجرؤ على الاقتراب منها.

“ماذا؟” اندهشت فانيسا

هبَّت رياحٌ خفيفة حولهما…

“كان الأمر أشبه بأنني أُحدِّق في الفراغ… كل حادثٍ تدخَّل فيه هو كان ضبابيًا يستحيل عليَّ رؤيته… ولسببٍ ما كان الأمر أشبه بأنه أحدث تغييراتٍ طفيفة عليه!” قالت العجوز سيرا

“لسببٍ ما أنا لم أستطِع النظر في قدره أبدًا…” قالت العجوز سيرا

اندهشت فانيسا من كل كلمةٍ صدرت من فم العجوز سيرا وهي تتكلم…

“ماذا؟” اندهشت فانيسا

“فانيسا… أنتِ كان يُفترض أن تموتِي اليوم!” قالت العجوز سيرا

“لا فائدة…”

اتّسعت عينا فانيسا بفراغٍ قاتل، وانطفأ بريقهما دفعةً واحدة كأن الروح انسحبت منهما. شحب وجهها حتى صار بلا دم، وتوقّف نَفَسها لحظةً موجعة قبل أن يعود متكسّرًا. شفتاها ارتجفتا دون صوت، وأذناها تدلّتا خلف رأسها خضوعًا للصدمة. لم تُبدي ردة فعلٍ واضحة، فقط انهارت من الداخل بصمتٍ قاتل…

“كأنك تقولين أن المصير دائرة مغلقة…” قالت فانيسا وهي تتأمَّل المنظر أمامها

“…”

“كان الأمر أشبه بأنني أُحدِّق في الفراغ… كل حادثٍ تدخَّل فيه هو كان ضبابيًا يستحيل عليَّ رؤيته… ولسببٍ ما كان الأمر أشبه بأنه أحدث تغييراتٍ طفيفة عليه!” قالت العجوز سيرا

“هذه مجرَّد فرضيَّة مني… لكنني أظنُّ أن إليان قادمٌ من عالمٍ آخر… ربما يكون بطلًا!” قالت العجوز سيرا

هبَّت رياحٌ خفيفة حولهما…

“…”

“أرى… لماذا لم تُخبريني بما هو قادم؟”

يُتبع…

كان سفح الجبل يغتسل بضوءٍ شاحبٍ دافئ على غير عادة البرد، وقتٌ متأخر من بعد الظهيرة حيث بدأت الشمس تتسلّل بجرأةٍ أكبر بين الأشجار، كأنها تجرّب حظّها مع عالمٍ لا يزال متجمّدًا. خيوطها الذهبية تشقّ طريقها عبر أغصان الصنوبر المثقلة بالثلج، فتسقط على الأرض بقعًا من نورٍ حيّ، تذيب القسوة دون أن تزيلها.

“ماذا ستفعلين بعد ذلك، أيتها القائدة؟” سألَت العجوز سيرا

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط