Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سقوط الخيط: ما بعد الموت، نحو الفوضى 37

وِلادة - الجزء 2

وِلادة - الجزء 2

كانت القرية تتحرّك رغم موتها. أنصاف القطط الشمالية الذين نجوا كانوا يركضون في كل اتجاه، خطواتهم متعثّرة فوق الثلج الملطّخ بالدم، يحملون المصابين على أكتافهم، أو يجرّونهم بحذر فوق الأقمشة والجلود. أصواتهم منخفضة، متكسّرة، لا صراخ… فقط نداءات عاجلة وهمسات خوف. كوخ الأم الشريفة صار القلب النابض للنجاة؛ بابه لم يُغلق، والدخول والخروج لا يتوقّفان، أنين الجرحى والمعاقين يختلط برائحة الأعشاب والدم، واليد الحكيمة تعمل بلا توقف، كأن الإرهاق لا يجرؤ على الاقتراب منها.

“هل عالجتِ المصابين بالفعل؟” سألَت فانيسا

كانت قواها الروحية من النوع التجسيدي، كانت هالتها تُساعد في ضبط النبض والإسعاف الأولي.

“ومن يقرر أن هذا الشخص هو الوحيد الذي يستحق النجاة؟ حين تنقذ واحدًا، فأنت تحكم على آخرين بالموت… دون أن تراهم.” أجابت العجوز سيرا

‘حاملوا خيط الزمن هم الأخصائيُّون في سحر الشفاء، سحرهم يُعيد المكان الذي رُكِّز فيه إلى سابق عهده عن طريق عكسِه، بل حتى العودة للوراء قبل الحادث… كل ما يُمكنني فعله هنا هو إيقاف النزيف و إبقاؤهم على قيد الحياة ثم معالجة جراحهم بالأساليب الطبية البدائية…’

“…”

في الطرف الآخر من القرية، كان رايندار يفعل ما لم يستطع أحد غيره فعله؛ يحمل الجثث… جسدًا بعد جسد، بلا تمييز، بلا دموع. يرفعهم بصمت، يضعهم في مكان واحد، صف طويل امتدّ حتى فاق القدرة على العدّ. وجوه شاحبة، عيون مفتوحة أو مغمضة إلى الأبد. فرش فوقهم قماشًا أبيض، قطعةً بعد أخرى، حتى صار البياض يغطي الموت كما لو أنه يحاول تهذيبه، أو على الأقل احترامه.

“الجلوس عندكِ لن يُفيده شيئًا، سأحضر تابوتًا لأنقلَ جثَّته معنا.” قال

وليس بعيدًا عنهم، كانت ليارا… جلست قرب جسد إليان الساكن، قريبة حدّ الألم، بعيدة حدّ العجز. لم تعُد تصرخ، لم تعُد تشهق. فقط تبكي بهدوء، دموع تنزل بصمت وتختفي في الثلج. يدها قربه، لكنها لا تلمسه، كأنها تخاف أن تؤكد الحقيقة إن فعلت.

“فانيسا… أنتِ كان يُفترض أن تموتِي اليوم!” قالت العجوز سيرا

القرية كانت تعمل، والناجون كانوا يقاومون، لكن الزمن… كان متوقفًا عند إليان.

“ماذا ستفعلين بعد ذلك، أيتها القائدة؟” سألَت العجوز سيرا

“ماذا تفعلين عندكِ؟ البكاء لن يُعيده.” قال رايندار

“كان الأمر أشبه بأنني أُحدِّق في الفراغ… كل حادثٍ تدخَّل فيه هو كان ضبابيًا يستحيل عليَّ رؤيته… ولسببٍ ما كان الأمر أشبه بأنه أحدث تغييراتٍ طفيفة عليه!” قالت العجوز سيرا

“أعرف، أعرف، لكنني كنتُ أتساءل ما الذي فعلناه من أجله… لم نقوى على تغيير شيئ… ما الفرق بين الموت الآن والموت وقتها عندما وجدناه لأول مرة؟” قالت

“لذلك حبس أغلب مستعمِلوا خيط القدر أنفسهم… إنه خيطٌ ملعون، أنا لستُ حتى متقدِّمةً في الرتبة كساحرة، كلُّ ما أقوى على فِعله هو رؤية لمحاتٍ منه على شكلِ ومضاتٍ وكأنها ذكرى عشتُها… لكن السَّحرة من رتبة أسياد هذا الخيط، قادرون على مواجهة القدر، بل وتغييره بسحرهم… لكنهم رفضوا ذلك وحبسوا أنفسهم كما ذكر التاريخ، لتجنُّب أي تغييرٍ قد يقود لكارثةٍ أكبر…” قالت العجوز سيرا

“…”

“لقد كان يكذِب… كل هذا الوقت… كل ما تفوَّه به هو الكذب… لقد أدركتُ ذلك، لكنني اخترتُ التماشيَ معه… لقد كان يهرِب من شيئ، لم يكُن فاقدًا للذاكرة يومًا، لكنه كان جاهلًا لذلك بالفعل… أتساءل ما القدر الذي قاده إلى كوخنا؟” قالت

“لقد كان يكذِب… كل هذا الوقت… كل ما تفوَّه به هو الكذب… لقد أدركتُ ذلك، لكنني اخترتُ التماشيَ معه… لقد كان يهرِب من شيئ، لم يكُن فاقدًا للذاكرة يومًا، لكنه كان جاهلًا لذلك بالفعل… أتساءل ما القدر الذي قاده إلى كوخنا؟” قالت

“…”

كانت عينا رايندار الزرقاوتان متألمتان مع كلِّ كلمةٍ قالتها، كان يشدُّهما عند كل توقُّفٍ في كلامها، لكنه لم يُرد الجلوس عند جثته والتفكير بعمق…

“لكن مادامت النتيجة واحدة دائمًا… الألم نفسه، الخسارة نفسها. ما الفائدة إذن من ترك كل شيء كما هو؟” سألَت فانيسا

“الجلوس عندكِ لن يُفيده شيئًا، سأحضر تابوتًا لأنقلَ جثَّته معنا.” قال

“لا فائدة…”

**********

“لم يكُن عددهم كبيرًا أساسًا، أغلب ضحايا الغزوِ كانوا أمواتًا، لقد ساعد أهل القرية بعضهم في تنقيل الموتى استعدادًا لمراسم الدفن، السيد رايندار ساعد في ذلك بدوره.” أجابت العجوز سيرا

كان سفح الجبل يغتسل بضوءٍ شاحبٍ دافئ على غير عادة البرد، وقتٌ متأخر من بعد الظهيرة حيث بدأت الشمس تتسلّل بجرأةٍ أكبر بين الأشجار، كأنها تجرّب حظّها مع عالمٍ لا يزال متجمّدًا. خيوطها الذهبية تشقّ طريقها عبر أغصان الصنوبر المثقلة بالثلج، فتسقط على الأرض بقعًا من نورٍ حيّ، تذيب القسوة دون أن تزيلها.

“أقدِّر له هذا.” قالت فانيسا

الثلوج هنا لم تكن عميقة، بل مضغوطة ولامعة، تعكس الضوء كمرآةٍ قديمة. بين الصخور الداكنة، تسيل خطوط رفيعة من الماء الذائب، تصدر همسًا خافتًا يشبه تنفّس الجبل نفسه. الهواء قارس، لكن الشمس تمنحه نعومة مؤقتة، تلامس الجلد دون أن تدفئه تمامًا.

“فانيسا… أنتِ كان يُفترض أن تموتِي اليوم!” قالت العجوز سيرا

وقفت فانيسا عند حافة السفح، مستندة على عصا خشبية غُرست في الثلج كجذرٍ أخير يرفض السقوط. جسدها بدا مرهقًا، كتفاها منخفضتان، ونَفَسها بطيء، لكن عينيها ظلّتا يقظتين، تراقبان المشهد أمامها بتأمُّلٍ وهدوء. الريح تحرّك فراء كتفيّ معطفها بخفّة، وتداعب خصلات شعرها الرمادي، بينما أذناها الرماديتان ترتعشان لا من البرد، بل من ثقل الذكريات.

اتّسعت عينا فانيسا بفراغٍ قاتل، وانطفأ بريقهما دفعةً واحدة كأن الروح انسحبت منهما. شحب وجهها حتى صار بلا دم، وتوقّف نَفَسها لحظةً موجعة قبل أن يعود متكسّرًا. شفتاها ارتجفتا دون صوت، وأذناها تدلّتا خلف رأسها خضوعًا للصدمة. لم تُبدي ردة فعلٍ واضحة، فقط انهارت من الداخل بصمتٍ قاتل…

من هذا العلوّ، بدت الأرض واسعة وصامتة، جميلة على نحوٍ قاسٍ. الشمس تلمس قمم الأشجار، والظلّ ينسحب ببطء، كأنه يعترف بالهزيمة مؤقتًا. فانيسا لم تتحرّك، فقط ظلّت واقفة، تستند على عصاها بهدوء وسكينة.

“لم يكُن عددهم كبيرًا أساسًا، أغلب ضحايا الغزوِ كانوا أمواتًا، لقد ساعد أهل القرية بعضهم في تنقيل الموتى استعدادًا لمراسم الدفن، السيد رايندار ساعد في ذلك بدوره.” أجابت العجوز سيرا

من خلفها كانت العجوز سيرا تخطوا نحوها ببطئ…

“كأنك تقولين أن المصير دائرة مغلقة…” قالت فانيسا وهي تتأمَّل المنظر أمامها

“أنتِ هنا…” قالت العجوز سيرا

“آسفة…” اعتذرت فانيسا

“هل عالجتِ المصابين بالفعل؟” سألَت فانيسا

“فهِمت…” قالت فانيسا

“لم يكُن عددهم كبيرًا أساسًا، أغلب ضحايا الغزوِ كانوا أمواتًا، لقد ساعد أهل القرية بعضهم في تنقيل الموتى استعدادًا لمراسم الدفن، السيد رايندار ساعد في ذلك بدوره.” أجابت العجوز سيرا

اتّسعت عينا فانيسا بفراغٍ قاتل، وانطفأ بريقهما دفعةً واحدة كأن الروح انسحبت منهما. شحب وجهها حتى صار بلا دم، وتوقّف نَفَسها لحظةً موجعة قبل أن يعود متكسّرًا. شفتاها ارتجفتا دون صوت، وأذناها تدلّتا خلف رأسها خضوعًا للصدمة. لم تُبدي ردة فعلٍ واضحة، فقط انهارت من الداخل بصمتٍ قاتل…

“أقدِّر له هذا.” قالت فانيسا

“ومن يقرر أن هذا الشخص هو الوحيد الذي يستحق النجاة؟ حين تنقذ واحدًا، فأنت تحكم على آخرين بالموت… دون أن تراهم.” أجابت العجوز سيرا

“ماذا ستفعلين بعد ذلك، أيتها القائدة؟” سألَت العجوز سيرا

“كان الأمر أشبه بأنني أُحدِّق في الفراغ… كل حادثٍ تدخَّل فيه هو كان ضبابيًا يستحيل عليَّ رؤيته… ولسببٍ ما كان الأمر أشبه بأنه أحدث تغييراتٍ طفيفة عليه!” قالت العجوز سيرا

“أنا لستُ قائدتكم بعد اليوم…” أجابت فانيسا بهدوء

“آسفة…” اعتذرت فانيسا

“هل لهذا القرار علاقة بعدم تسهيل اختيار إليان للرحيل وقتها؟” سألَت العجوز سيرا

“لم يكُن عددهم كبيرًا أساسًا، أغلب ضحايا الغزوِ كانوا أمواتًا، لقد ساعد أهل القرية بعضهم في تنقيل الموتى استعدادًا لمراسم الدفن، السيد رايندار ساعد في ذلك بدوره.” أجابت العجوز سيرا

“نعم… جزءٌ مني تمنَّى لو يستسلم وقتها ويبقى في القرية كقائدٍ لها. أنا لا أقوى على الاستمرار ولا يوجد مقاتلون بيننا لخلافتي…”

“…”

“فهمت”

“لذلك حبس أغلب مستعمِلوا خيط القدر أنفسهم… إنه خيطٌ ملعون، أنا لستُ حتى متقدِّمةً في الرتبة كساحرة، كلُّ ما أقوى على فِعله هو رؤية لمحاتٍ منه على شكلِ ومضاتٍ وكأنها ذكرى عشتُها… لكن السَّحرة من رتبة أسياد هذا الخيط، قادرون على مواجهة القدر، بل وتغييره بسحرهم… لكنهم رفضوا ذلك وحبسوا أنفسهم كما ذكر التاريخ، لتجنُّب أي تغييرٍ قد يقود لكارثةٍ أكبر…” قالت العجوز سيرا

“…”

“فانيسا… أنتِ كان يُفترض أن تموتِي اليوم!” قالت العجوز سيرا

هبَّت رياحٌ خفيفة حولهما…

ابتسمت فانيسا بسمةً متألمة خفيفة رُسمت على ملامحها وكأنها انتعاشٌ من ضغطٍ كبيرٍ وقع على كتفيها الليلة الماضية…

“إذًا؟ كم مقدار ما توقَّعتِ حدوثه من كل هذا؟ يا حاملةَ خيط القدر؛ سيرا المستبصرة!” سألَت فانيسا بنبرةٍ هادئة

“أرى… لماذا لم تُخبريني بما هو قادم؟”

“كلُّ شيئ… ربما…” أجابت العجوز سيرا

“فهمت”

“أرى… لماذا لم تُخبريني بما هو قادم؟”

“لم يكُن عددهم كبيرًا أساسًا، أغلب ضحايا الغزوِ كانوا أمواتًا، لقد ساعد أهل القرية بعضهم في تنقيل الموتى استعدادًا لمراسم الدفن، السيد رايندار ساعد في ذلك بدوره.” أجابت العجوز سيرا

“لأن المستقبل لا يُمكن تغييره…”

“نعم… جزءٌ مني تمنَّى لو يستسلم وقتها ويبقى في القرية كقائدٍ لها. أنا لا أقوى على الاستمرار ولا يوجد مقاتلون بيننا لخلافتي…”

“كان بإمكاني حجز الفتى على الأقل، أو ربما عدم إنقاذه يومها من الأساس.”

الثلوج هنا لم تكن عميقة، بل مضغوطة ولامعة، تعكس الضوء كمرآةٍ قديمة. بين الصخور الداكنة، تسيل خطوط رفيعة من الماء الذائب، تصدر همسًا خافتًا يشبه تنفّس الجبل نفسه. الهواء قارس، لكن الشمس تمنحه نعومة مؤقتة، تلامس الجلد دون أن تدفئه تمامًا.

“لا فائدة…”

“فانيسا… أنتِ كان يُفترض أن تموتِي اليوم!” قالت العجوز سيرا

“لا يُمكنك الجزم بذلك إن لم تُجرِّبي!” صرخت فانيسا

يُتبع…

“…”

“هذه مجرَّد فرضيَّة مني… لكنني أظنُّ أن إليان قادمٌ من عالمٍ آخر… ربما يكون بطلًا!” قالت العجوز سيرا

“آسفة…” اعتذرت فانيسا

“أنا لستُ قائدتكم بعد اليوم…” أجابت فانيسا بهدوء

“المستقبل ثابت… محاولة إصلاحٍ في الماضي، تحدِث مجموعة أحداث فوضوية مختلِفة في الحاضر، تقُود إلى نفسِ المستقبل… لا مجال لتغييره!” قالت العجوز سيرا بهدوء

“كان الأمر أشبه بأنني أُحدِّق في الفراغ… كل حادثٍ تدخَّل فيه هو كان ضبابيًا يستحيل عليَّ رؤيته… ولسببٍ ما كان الأمر أشبه بأنه أحدث تغييراتٍ طفيفة عليه!” قالت العجوز سيرا

“لكن ماذا لو كان الثمن أقل؟ ماذا لو أنقذنا شخصًا واحدًا فقط؟” سألَت فانيسا بنبرةٍ متوتِّرة

اتّسعت عينا فانيسا بفراغٍ قاتل، وانطفأ بريقهما دفعةً واحدة كأن الروح انسحبت منهما. شحب وجهها حتى صار بلا دم، وتوقّف نَفَسها لحظةً موجعة قبل أن يعود متكسّرًا. شفتاها ارتجفتا دون صوت، وأذناها تدلّتا خلف رأسها خضوعًا للصدمة. لم تُبدي ردة فعلٍ واضحة، فقط انهارت من الداخل بصمتٍ قاتل…

“ومن يقرر أن هذا الشخص هو الوحيد الذي يستحق النجاة؟ حين تنقذ واحدًا، فأنت تحكم على آخرين بالموت… دون أن تراهم.” أجابت العجوز سيرا

من خلفها كانت العجوز سيرا تخطوا نحوها ببطئ…

“…”

“كلُّ شيئ… ربما…” أجابت العجوز سيرا

“المستقبل ليس حَجرًا يمكن كسره و إعادة نحته… بل هو أشبه بنهرٍ إن حاولتَ تحويل مجراه من المنبع، سيجرف أرضًا أخرى في الأسفل…” قالت العجوز سيرا

“آسفة…” اعتذرت فانيسا

“لكن مادامت النتيجة واحدة دائمًا… الألم نفسه، الخسارة نفسها. ما الفائدة إذن من ترك كل شيء كما هو؟” سألَت فانيسا

“أنا لستُ قائدتكم بعد اليوم…” أجابت فانيسا بهدوء

“لأن القدر عنيد… تغيّر طريقه، فيعود إليك من زاويةٍ أخرى. تبدّل الوجوه، تتغير الأسماء، لكن الجرح يبقى نفسه.” أجابت العجوز سيرا

“المستقبل ثابت… محاولة إصلاحٍ في الماضي، تحدِث مجموعة أحداث فوضوية مختلِفة في الحاضر، تقُود إلى نفسِ المستقبل… لا مجال لتغييره!” قالت العجوز سيرا بهدوء

“كأنك تقولين أن المصير دائرة مغلقة…” قالت فانيسا وهي تتأمَّل المنظر أمامها

“الجلوس عندكِ لن يُفيده شيئًا، سأحضر تابوتًا لأنقلَ جثَّته معنا.” قال

“بل حَلَقَة تعلِّمك غصبًا. من يرفض الدرس، يُعاد إليه المشهد… مرارًا وتكرارًا… حتى يستوعبه…” نظرت العجوز سيرا ليدها المتجعِّدة وهي تذكُر تلك الكلمات

وقفت فانيسا عند حافة السفح، مستندة على عصا خشبية غُرست في الثلج كجذرٍ أخير يرفض السقوط. جسدها بدا مرهقًا، كتفاها منخفضتان، ونَفَسها بطيء، لكن عينيها ظلّتا يقظتين، تراقبان المشهد أمامها بتأمُّلٍ وهدوء. الريح تحرّك فراء كتفيّ معطفها بخفّة، وتداعب خصلات شعرها الرمادي، بينما أذناها الرماديتان ترتعشان لا من البرد، بل من ثقل الذكريات.

“…”

“كان الأمر أشبه بأنني أُحدِّق في الفراغ… كل حادثٍ تدخَّل فيه هو كان ضبابيًا يستحيل عليَّ رؤيته… ولسببٍ ما كان الأمر أشبه بأنه أحدث تغييراتٍ طفيفة عليه!” قالت العجوز سيرا

“لذلك حبس أغلب مستعمِلوا خيط القدر أنفسهم… إنه خيطٌ ملعون، أنا لستُ حتى متقدِّمةً في الرتبة كساحرة، كلُّ ما أقوى على فِعله هو رؤية لمحاتٍ منه على شكلِ ومضاتٍ وكأنها ذكرى عشتُها… لكن السَّحرة من رتبة أسياد هذا الخيط، قادرون على مواجهة القدر، بل وتغييره بسحرهم… لكنهم رفضوا ذلك وحبسوا أنفسهم كما ذكر التاريخ، لتجنُّب أي تغييرٍ قد يقود لكارثةٍ أكبر…” قالت العجوز سيرا

“ماذا تفعلين عندكِ؟ البكاء لن يُعيده.” قال رايندار

“فهِمت…” قالت فانيسا

كان سفح الجبل يغتسل بضوءٍ شاحبٍ دافئ على غير عادة البرد، وقتٌ متأخر من بعد الظهيرة حيث بدأت الشمس تتسلّل بجرأةٍ أكبر بين الأشجار، كأنها تجرّب حظّها مع عالمٍ لا يزال متجمّدًا. خيوطها الذهبية تشقّ طريقها عبر أغصان الصنوبر المثقلة بالثلج، فتسقط على الأرض بقعًا من نورٍ حيّ، تذيب القسوة دون أن تزيلها.

“أظن أن إلَهنا رؤوفٌ بنا، دائمًا ما يختار ألطَف الأقدار بنا، حتى تلك الابتلاءات هي لطفٌ منه، محاولة تغيير القدر لن تجلِب إلَّا المزيد من التعب!” قالَت العجوز سيرا

“كأنك تقولين أن المصير دائرة مغلقة…” قالت فانيسا وهي تتأمَّل المنظر أمامها

ابتسمت فانيسا بسمةً متألمة خفيفة رُسمت على ملامحها وكأنها انتعاشٌ من ضغطٍ كبيرٍ وقع على كتفيها الليلة الماضية…

“أرى… لماذا لم تُخبريني بما هو قادم؟”

“ماذا عن إليان… هل رأيتِ أنه سيموت بدوره بعد كل شيئ؟! إنها مزحة فعلًا… مزحة سخيفة، كل شيئٍ بدأ لأنني أنقذته لينتهي الأمر بموته على كلِّ حال… القدر غريبٌ فعلًا!” قالَت فانيسا

كانت عينا رايندار الزرقاوتان متألمتان مع كلِّ كلمةٍ قالتها، كان يشدُّهما عند كل توقُّفٍ في كلامها، لكنه لم يُرد الجلوس عند جثته والتفكير بعمق…

“لسببٍ ما أنا لم أستطِع النظر في قدره أبدًا…” قالت العجوز سيرا

“لقد كان يكذِب… كل هذا الوقت… كل ما تفوَّه به هو الكذب… لقد أدركتُ ذلك، لكنني اخترتُ التماشيَ معه… لقد كان يهرِب من شيئ، لم يكُن فاقدًا للذاكرة يومًا، لكنه كان جاهلًا لذلك بالفعل… أتساءل ما القدر الذي قاده إلى كوخنا؟” قالت

“ماذا؟” اندهشت فانيسا

“لم يكُن عددهم كبيرًا أساسًا، أغلب ضحايا الغزوِ كانوا أمواتًا، لقد ساعد أهل القرية بعضهم في تنقيل الموتى استعدادًا لمراسم الدفن، السيد رايندار ساعد في ذلك بدوره.” أجابت العجوز سيرا

“كان الأمر أشبه بأنني أُحدِّق في الفراغ… كل حادثٍ تدخَّل فيه هو كان ضبابيًا يستحيل عليَّ رؤيته… ولسببٍ ما كان الأمر أشبه بأنه أحدث تغييراتٍ طفيفة عليه!” قالت العجوز سيرا

“ماذا تفعلين عندكِ؟ البكاء لن يُعيده.” قال رايندار

اندهشت فانيسا من كل كلمةٍ صدرت من فم العجوز سيرا وهي تتكلم…

من هذا العلوّ، بدت الأرض واسعة وصامتة، جميلة على نحوٍ قاسٍ. الشمس تلمس قمم الأشجار، والظلّ ينسحب ببطء، كأنه يعترف بالهزيمة مؤقتًا. فانيسا لم تتحرّك، فقط ظلّت واقفة، تستند على عصاها بهدوء وسكينة.

“فانيسا… أنتِ كان يُفترض أن تموتِي اليوم!” قالت العجوز سيرا

في الطرف الآخر من القرية، كان رايندار يفعل ما لم يستطع أحد غيره فعله؛ يحمل الجثث… جسدًا بعد جسد، بلا تمييز، بلا دموع. يرفعهم بصمت، يضعهم في مكان واحد، صف طويل امتدّ حتى فاق القدرة على العدّ. وجوه شاحبة، عيون مفتوحة أو مغمضة إلى الأبد. فرش فوقهم قماشًا أبيض، قطعةً بعد أخرى، حتى صار البياض يغطي الموت كما لو أنه يحاول تهذيبه، أو على الأقل احترامه.

اتّسعت عينا فانيسا بفراغٍ قاتل، وانطفأ بريقهما دفعةً واحدة كأن الروح انسحبت منهما. شحب وجهها حتى صار بلا دم، وتوقّف نَفَسها لحظةً موجعة قبل أن يعود متكسّرًا. شفتاها ارتجفتا دون صوت، وأذناها تدلّتا خلف رأسها خضوعًا للصدمة. لم تُبدي ردة فعلٍ واضحة، فقط انهارت من الداخل بصمتٍ قاتل…

من خلفها كانت العجوز سيرا تخطوا نحوها ببطئ…

“…”

“آسفة…” اعتذرت فانيسا

“هذه مجرَّد فرضيَّة مني… لكنني أظنُّ أن إليان قادمٌ من عالمٍ آخر… ربما يكون بطلًا!” قالت العجوز سيرا

“لذلك حبس أغلب مستعمِلوا خيط القدر أنفسهم… إنه خيطٌ ملعون، أنا لستُ حتى متقدِّمةً في الرتبة كساحرة، كلُّ ما أقوى على فِعله هو رؤية لمحاتٍ منه على شكلِ ومضاتٍ وكأنها ذكرى عشتُها… لكن السَّحرة من رتبة أسياد هذا الخيط، قادرون على مواجهة القدر، بل وتغييره بسحرهم… لكنهم رفضوا ذلك وحبسوا أنفسهم كما ذكر التاريخ، لتجنُّب أي تغييرٍ قد يقود لكارثةٍ أكبر…” قالت العجوز سيرا

“…”

“أنتِ هنا…” قالت العجوز سيرا

يُتبع…

كانت القرية تتحرّك رغم موتها. أنصاف القطط الشمالية الذين نجوا كانوا يركضون في كل اتجاه، خطواتهم متعثّرة فوق الثلج الملطّخ بالدم، يحملون المصابين على أكتافهم، أو يجرّونهم بحذر فوق الأقمشة والجلود. أصواتهم منخفضة، متكسّرة، لا صراخ… فقط نداءات عاجلة وهمسات خوف. كوخ الأم الشريفة صار القلب النابض للنجاة؛ بابه لم يُغلق، والدخول والخروج لا يتوقّفان، أنين الجرحى والمعاقين يختلط برائحة الأعشاب والدم، واليد الحكيمة تعمل بلا توقف، كأن الإرهاق لا يجرؤ على الاقتراب منها.

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 16 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉Ahmed khirallh🔥 100
4السيد الشاب🔥 100
5med abda🔥 100
6ABDULWAHAB ALKHALAF🔥 100
7A k🔥 100
8Wassim Sun🔥 100
9Arhama Alnuaimi🔥 100
10lsas xzpo🔥 100

القرية كانت تعمل، والناجون كانوا يقاومون، لكن الزمن… كان متوقفًا عند إليان.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط