Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سلسلة مونوغاتاري 5

سلطعون هيتاغي — الفصل الخامس
PDF

سلطعون هيتاغي — الفصل الخامس

 

 

005

بعد ساعتين.
غادرتُ مبنى مركز الدروس المهجور، حيث استقرّ أوشينو ومصاص الدماء، أو بالأحرى شينوبو، واتجهتُ إلى منزل سينجوغاهارا.
منزل سينجوغاهارا.
عمارة تاميكورا.
شقة خشبية من طابقين، عمرها ثلاثون عامًا. صناديق بريد جماعية مصنوعة من صفائح الحديد. بالكاد تتوفر فيها حمّامات بدش ومرحاض بسيفون. شقة من نوع «1K» كما يُسمّى، غرفة واحدة بمساحة ستة تاتامي، وحوض غسيل صغير. تبعد عشرين دقيقة سيرًا على الأقدام عن أقرب موقف حافلات. أما الإيجار، فتقديره يتراوح بين ثلاثين وأربعين ألف ين تقريبًا، شاملًا رسوم الخدمات المشتركة ورسوم الحي والمياه.
كان الأمر مختلفًا تمامًا عمّا سمعته من هانيكاوا.
ولعلّ ذلك ظهر على وجهي، لأن سينجوغاهارا شرحت، وكأنها تبرر نفسها، من دون أن أسألها حتى:
«أمي وقعت في براثن طائفة دينية مشبوهة.»
قالتها وكأنها تقدم عذرًا.
وكأنها تحاول ترقيع الأمر.
«ولم يقتصر الأمر على أنها أنفقت كل ثروتنا عليهم، بل غرقت أيضًا في ديون ضخمة. كما يقولون: ازدهار آل تايرا لا يدوم إلى الأبد.»
«ديانة، تقولين…»
لقد وقعت في براثن طائفة دينية جديدة ومحتالة.
أما ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك…
«في النهاية، تم الطلاق بالتراضي في نهاية العام الماضي، وانتقلتُ للعيش مع أبي هنا. مع أن قول إننا نعيش معًا ليس دقيقًا تمامًا؛ فالديون لا تزال مسجلة باسم أبي، وهو يعمل جاهدًا حتى يومنا هذا لسدادها، لذلك نادرًا ما يعود إلى المنزل. لكن العيش بمفردي عمليًا مريح نوعًا ما.»
«…………»
«وبما أن عنواني القديم لا يزال مسجلًا في سجل عناوين المدرسة، فلا عجب أن هانيكاوا لم تكن تعرف.»
مهلًا.
أليس هذا غريبًا؟
«لا أحب أن يعرف شخص قد يصبح عدوًا لي يومًا ما المكان الذي أعيش فيه.»
«عدو، هاه…»
قد يكون كلامها مبالغًا فيه قليلًا، لكن بالنسبة لشخص يخفي أسرارًا لا يريد للآخرين معرفتها، لم تكن هذه الدرجة من الحذر غير منطقية تمامًا.
«سينجوغاهارا. عندما قلتِ إن أمك وقعت في براثن تلك الطائفة… هل يمكن أن يكون ذلك، ربما، من أجلك أنت؟»
«سؤال مزعج.»
ابتسمت سينجوغاهارا.
«من يدري؟ لا أعرف. ربما لم يكن الأمر كذلك.»
كان ذلك جوابًا… مزعجًا.
وربما كان طبيعيًا، بما أنني طرحت سؤالًا مزعجًا.
لقد كان سؤالًا مزعجًا فعلًا، لدرجة أنني شعرت بالاشمئزاز من نفسي بمجرد تذكّره. ما كان ينبغي لي أن أسأل. أو ربما كان من المفترض أن تستخدم سينجوغاهارا هنا بالذات لسانها السليط المعتاد، فتوبخني شرّ توبيخ.
إنها عائلتها التي تعيش معها. يستحيل ألا تلاحظ أن ابنتها فقدت ثقلها، أو أن شيئًا كهذا قد حدث لها، وبالأخص أمها، يستحيل ألا تلاحظ. الأمر مختلف تمامًا عن مدرسة تكتفي فيها بالجلوس إلى جانب ابنتها أثناء الدروس. عندما يتعلق الأمر بجسد ابنتها الوحيدة العزيزة، فإن حدوث أمر غير طبيعي بهذا الشكل لا بد أن ينكشف بسهولة. وحين يصل الأمر إلى أن الأطباء أنفسهم قد ألقوا المنشفة عمليًا، ولم يعد أمامهم سوى مواصلة الفحوصات يومًا بعد يوم، فليس من الغريب أن تبحث الأم عن ملجأ تتعلق به نفسيًا. لا أظن أن أحدًا يملك الحق في لومها على ذلك.
لا… ربما كان ينبغي لومها.
لكن ما أدراني أنا؟
ما الفائدة من التظاهر بأنني أفهم شيئًا لا أفهمه؟
على أي حال.
على أي حال، كنتُ أنا── في الغرفة رقم 201 من عمارة تاميكورا، منزل سينجوغاهارا── أجلس على وسادة أرضية، وأحدّق شارد الذهن في كوب الشاي الموضوع على طاولة منخفضة أمامي.
بسبب طبيعة تلك الفتاة، كنتُ أتوقع منها أن تقول لي شيئًا من قبيل «انتظر في الخارج»، لكنني فوجئت بأنها أدخلتني إلى الغرفة من دون أي مقاومة أو اعتراض، بل وقدمت لي الشاي أيضًا. كان ذلك صادمًا إلى حد ما.
«سأقوم بتعذيبك.»
«ماذا…؟»
«آه، لا. قصدتُ دعوتك.»
«………………»
«مع أنني أتساءل الآن إن كان التعذيب هو الكلمة الصحيحة فعلًا…»
«الدعوة هي الصحيحة تمامًا! لا يوجد أي احتمال آخر! أن تصححي خطأك بنفسك أمر ليس سهلًا على الإطلاق، كما هو متوقع من الآنسة سينجوغاهارا!»
…كان ذلك تقريبًا كل ما جرى بيننا، ومع ذلك لم أجد ما أفعله سوى الوقوف حائرًا. فضلًا عن أنني لم أكن في وضع يسمح لي بإلقاء كلام ساذج من قبيل: «إنها المرة الأولى التي أدخل فيها منزل فتاة تعرفت إليها للتو» وما شابه. كل ما استطعت فعله هو التحديق في الشاي.
أما سينجوغاهارا نفسها، فكانت تستحم الآن.
قالت إن الأمر أشبه بالتطهر، أو الاغتسال الطقوسي.
فبحسب أوشينو، كان عليها أن تغسل جسدها بالماء البارد، ثم ترتدي ملابس نظيفة، حتى لو لم تكن جديدة.
وبعبارة أخرى، كنتُ مضطرًا لمرافقتها في هذه العملية──وبما أننا ذهبنا من المدرسة إلى أوشينو على دراجتي، فقد كان من الطبيعي أن أرافقها بعد ذلك، هذا من ناحية. لكن أوشينو أيضًا أوصاني بأمور كثيرة، لذلك لم يكن أمامي خيار آخر.
أخذتُ أتفحص الغرفة ذات الستة تاتامي بنظري. غرفة قاحلة إلى درجة يصعب معها تصديق أنها غرفة فتاة في مثل عمرها. ثم اتكأتُ على خزانة الملابس الصغيرة خلفي──
واستعدتُ في ذهني كلمات أوشينو التي قالها قبل قليل.
«سرطان أوموشي.»
بعد أن أنهت سينجوغاهارا سرد ظروفها──لم تكن حكاية طويلة إلى تلك الدرجة، لكن على أي حال، بعد أن فرغت من شرح كل ما كانت تعانيه بالتفصيل والترتيب، أومأ أوشينو قائلًا: «فهمت…»، ثم ظل ينظر إلى السقف لبعض الوقت، قبل أن يقولها بنبرة بدت وكأنه خطرت له الفكرة فجأة.
«سرطان أوموشي؟»
سألت سينجوغاهارا مستفسرة.
«إنها حكاية شعبية متداولة في المناطق الجبلية من كيوشو. تختلف التسمية من منطقة لأخرى؛ فهناك من يسميه سرطان أوموشي، وهناك من يسميه “السرطان الثقيل”، أو “سرطان حجر الثقل”، بل وهناك من يسميه “إله أومويشي”. وفي هذه الحالة الأخيرة، هناك تلاعب بين كلمتي السرطان والإله. التفاصيل تختلف كثيرًا، لكن الشيء المشترك بينها جميعًا هو أنها تتحدث عن شيء يسلب الإنسان ثقله──وعندما يصادفه المرء، أو بالأحرى عندما يصادفه بطريقة سيئة، يُقال إن وجود ذلك الشخص يصبح باهتًا، وتضعف بصمته في العالم.»
«بصمته في العالم──»
هشّ.
هشّ للغاية.
بل إنك── الآن أجمل.
«بل هناك روايات أكثر إثارة للقلق تقول إن الأمر لا يقتصر على اختفاء حضور الشخص، وإنما يختفي وجوده نفسه. وهناك شيء آخر اسمه “إيشي-إيشي” في مناطق تشوبو، ويبدو أنه ينتمي إلى سلالة مختلفة تمامًا. فذاك حجر، أما هذا فسرطان.»
«سرطان── هل هو سرطان حقيقي فعلًا؟»
«يا لك من أحمق يا أراراغي. هل تظن أن الجبال النائية في ميازاكي أو أويتا تعج بالسرطانات إلى هذه الدرجة؟ إنها مجرد حكاية شعبية.»
قالها أوشينو وكأنه بلغ من الاستنكار مبلغًا لا يوصف.
«بل إن عدم وجود الشيء في المكان قد يجعله أكثر قابلية لأن يصبح موضوعًا للحكايات. أليس الخيال والشائعات أكثر إثارة أحيانًا؟»
«لكن أولًا، هل السرطان أصلًا شيء يخص اليابان؟»
«ألا تقصد جراد البحر الأمريكي يا أراراغي؟ ألم تسمع بالحكايات الشعبية اليابانية؟ معركة القرد والسرطان. صحيح أن لدى الروس أسطورة مشهورة عن ظاهرة خارقة مرتبطة بالسرطان، ولدى الصينيين أيضًا الكثير منها، لكن اليابانيين ليسوا في ذيل القائمة دائمًا.»
«آه، صحيح. معركة القرد والسرطان. أذكر أن هناك شيئًا كهذا. لكن ميازاكي وأويتا──لماذا في مكان كهذا تحديدًا؟»
«أنت، الذي هاجمك مصاص دماء في ريف اليابان، لا تسألني أنا عن ذلك. المكان بحد ذاته ليس ذا أهمية خاصة. إذا وُجدت الظروف المناسبة──فإن ذلك الشيء ينشأ هناك. هذا كل ما في الأمر.»
ثم أضاف أوشينو أن الجغرافيا والمناخ مهمان بالطبع أيضًا.
«وفي هذه الحالة، ليس من الضروري أن يكون سرطانًا. هناك حكايات تقول إنه أرنب، بل إن هناك──وبما أن الأمر يتعلق بشينوبو، فهذا مناسب نوعًا ما──حكايات أخرى تقول إنه امرأة جميلة.»
«هممم… يشبه نمط القمر.»
وبالمناسبة، لقد كان ينادي شينوبو بـ«شينوبو-تشان».
لم يكن ذلك جوهر الموضوع، لكنني شعرت بشيء من التعاطف معها.
مع أنها مصاصة دماء أسطورية…
يا لها من حياة مؤلمة.
«على أي حال، إذا كان الشيء الذي صادفته الآنسة هو سرطانًا، فهذه المرة لا بد أن يكون سرطانًا. فهذا هو الشكل الأكثر شيوعًا.»
«وما هذا الشيء أصلًا؟»
سألت سينجوغاهارا أوشينو بنبرة متحدية.
«يمكنكم تسميته ما شئتم، لا يهمني الاسم──»
«بل الاسم مهم. الاسم مهم جدًا. كما أخبرتُ أراراغي قبل قليل، لا توجد سرطانات في جبال كيوشو النائية بسهولة. قد توجد أشياء من هذا النوع في الشمال، لكن في كيوشو تظل نادرة. لذلك فالاسم مهم.»
«لكن سرطان الجداول موجود، أليس كذلك؟»
«ربما. لكن هذه ليست المشكلة الجوهرية.»
«ماذا تقصد؟»
«أقصد أنه ربما لم يكن سرطانًا أصلًا، بل كان إلهًا في الأصل. ربما تطور الاسم من “إله أومويشي” إلى “سرطان أوموشي”──مع أن هذه مجرد نظرية من عندي. الاعتقاد الشائع هو أن السرطان هو الأصل، وأن الإله أُضيف لاحقًا. لكن إذا فكرنا في الأمر بعقلانية، فلا بد أن الاثنين ظهرا على الأقل في الوقت نفسه.»
«سواء كان الأمر معتادًا أو منطقيًا، فأنا لا أعرف أي وحش من هذا النوع.»
«لا يمكنك القول إنك لا تعرفينه. فأنت──»
قال أوشينو:
«لقد صادفته بالفعل.»
«…………»
«وهو موجود هناك الآن أيضًا.»
«هل تقول إنك ترى شيئًا──ما؟»
«لا أراه. أنا لا أرى شيئًا.»
قال أوشينو ذلك ثم انفجر ضاحكًا ضحكته المرحة. لكن تلك الضحكة، التي كانت مشرقة ومنعشة أكثر من اللازم، بدت وكأنها أزعجت سينجوغاهارا كالمعتاد.
وأنا أتفق معها.
كان يبدو وكأنه يسخر من الأمر.
«أن تقول إنك لا تراه… هذا تصرف غير مسؤول للغاية.»
«حقًا؟ الكائنات من نوع الكي-مي-موري-يو وما شابهها، من طبيعتها ألا يراها البشر، أليس كذلك؟ لا أحد يستطيع رؤيتها، ولا يمكن لمسها بأي طريقة. هذا هو الطبيعي.»
«هذا طبيعي──لكن…»
«يقولون إن الأشباح بلا أقدام، وإن مصاصي الدماء لا يظهرون في المرايا، لكن المسألة في الأساس ليست من هذا النوع. فهذه الأشياء لا يمكن تحديد ماهيتها من الأساس──لكن، أيتها الصغيرة، هل يوجد في هذا العالم حقًا شيء لا يستطيع أحد رؤيته ولا يستطيع لمسه بأي طريقة؟»
«تسأل إن كان موجودًا أم لا──مع أنك قلت بنفسك إنه موجود هناك الآن.»
«نعم، قلت ذلك. لكن شيئًا لا يستطيع أحد رؤيته ولا لمسه بأي طريقة، سواء كان موجودًا أم غير موجود، فالنتيجة واحدة علميًا، أليس كذلك؟ وجوده هناك وعدم وجوده هناك أمران متطابقان تمامًا.»
«هذا هو المقصود»، قال أوشينو.
بدت على وجه سينجوغاهارا علامات عدم الاقتناع.
وبالفعل، لم تكن حجته مقنعة تمامًا.
على الأقل من وجهة نظرها.
«على أي حال، يا آنسة، يمكنك اعتبار نفسك محظوظة وسط كل هذا سوء الحظ. أراراغي هنا لم يكتفِ بمصادفة شيء من هذا النوع، بل هوجم أيضًا. وفوق ذلك، هاجمه مصاص دماء. يا لها من فضيحة تليق بإنسان العصر الحديث.»
اتركني وشأني.
أقول لك: اتركني وشأني فعلًا.
«مقارنةً به، وضعك أفضل بكثير.»
«ولماذا؟»
«الآلهة، كما تعلم، موجودة في كل مكان. موجودة في كل مكان، وغير موجودة في أي مكان. كان ذلك موجودًا حولكِ حتى قبل أن تصبحي هكذا──أو يمكن القول إنه لم يكن موجودًا أصلًا.»
«هذا أشبه بمسألة من مسائل الزِّن، أليس كذلك؟»
«بل من الشنتوية. أو ربما من الشوجيندو.»
قال أوشينو:
«لا تسيئي الفهم يا آنسة. لم تصبحي هكذا بسبب شيءٍ ما──كل ما في الأمر أن زاوية نظركِ إلى الأشياء قد تغيرت قليلًا.»
منذ البداية، كانت هكذا.
وهذا──لم يكن يختلف كثيرًا عما قاله الطبيب الذي ألقى المنشفة واستسلم.
«زاوية نظري؟ ماذا──تحاول أن تقول؟»
«أقول إنني لا أطيق نظرة الضحية التي تتخذينها، يا آنسة.»
وفجأة، أطلق أوشينو كلماته اللاذعة.
كما فعل معي.
أو كما فعل مع هانيكاوا.
كنت فضوليًا لأرى ردة فعل سينجوغاهارا──لكنها لم تجب بشيء.
بدت وكأنها تقبل الكلام دون مقاومة.
نظر إليها أوشينو بإعجاب وقال:
«همم.»
«لم أتوقع منكِ ذلك. حسبتكِ مجرد فتاة مدللة وأنانية.»
«ولماذا──ظننت ذلك؟»
«لأن معظم من يلتقون بـ”أوموشي-غاني” يكونون هكذا. لا يمكنكِ أن تتعمدي لقاءها، وهي في العادة ليست إلهًا يؤذي أحدًا. إنها مختلفة عن مصاصي الدماء.»
ليست مؤذية؟
لا تؤذي──ولا تهاجم أيضًا؟
«وهي ليست كشيء يتلبسكِ أيضًا. إنها موجودة هناك وحسب. وما دمتِ لا تتمنين شيئًا──فلن يتحقق شيء. مع أنني، بصراحة، لا أنوي التعمق في ظروفكِ إلى هذا الحد. فأنا لا أحاول إنقاذكِ أصلًا.»
«…………»
ستُشفى من تلقاء نفسها──فحسب.
هكذا كان أوشينو دائمًا.
«هل سمعتِ هذه الحكاية من قبل يا آنسة؟ إنها قصة شعبية قديمة من الخارج. كان هناك شاب في مكان ما. شاب صالح. وفي أحد الأيام، التقى في البلدة برجل عجوز غريب. طلب منه العجوز أن يبيع له ظله.»
«ظله؟»
«نعم. ذلك الظل الذي يتشكل عند قدميكِ حين تشرق عليكِ الشمس. طلب شراءه مقابل عشر عملات ذهبية. والشاب باعه له دون تردد. بعشر عملات ذهبية.»
«…ثم ماذا؟»
«ماذا كنتِ ستفعلين لو كنتِ مكانه؟»
«لا أدري──لن أعرف حتى أكون في الموقف نفسه. ربما أبيع، وربما لا. الأمر يعتمد على السعر، أليس كذلك؟»
«إجابة صحيحة. مثلًا، أحيانًا يُطرح سؤال من قبيل: أيهما أهم، الحياة أم المال؟ لكن السؤال نفسه خاطئ. فالمال، على سبيل المثال، ليس له قيمة واحدة؛ هناك فرق بين ين واحد وتريليون ين. وحتى قيمة الحياة ليست متساوية عند الجميع. أن تقول إن الأرواح متساوية القيمة──تلك من أكثر العبارات السطحية التي أكرهها. لكن، على أي حال──ذلك الشاب لم يرَ أن ظله يستحق أكثر من عشر عملات ذهبية. فمن الطبيعي، أليس كذلك؟ لن يصيبه شيء فعليًا حتى لو لم يكن له ظل. لن يواجه أي إزعاج.»
واصل أوشينو حديثه، مضيفًا الإيماءات إلى كلامه:
«لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ تعرض الشاب للاضطهاد من سكان المدينة التي عاش فيها ومن عائلته أيضًا. أصبح وجوده مصدرًا للنشاز من حوله. كانوا يقولون له: من المخيف ألا يكون لك ظل──وهذا منطقي. إنه مخيف فعلًا. صحيح أننا نقول “ظل مخيف”، لكن عدم وجود الظل أكثر إثارة للرعب بكثير. أن ينقصك شيء يفترض أنه موجود دائمًا──أليس كذلك؟ بمعنى آخر، الشاب باع ما هو طبيعي ومألوف مقابل عشر عملات ذهبية.»
«…………»
«حاول الشاب العثور على العجوز ليستعيد ظله، لكنه مهما بحث، ومهما أمعن في البحث، لم يتمكن من العثور على ذلك الرجل الغريب──وهكذا انتهت الحكاية. وانتهى كل شيء.»
«وهذا──»
قالت سينجوغاهارا، دون أن يتغير تعبير وجهها، مجيبةً أوشينو:
«وماذا في ذلك؟»
«لا شيء، في الحقيقة. لكنني فكرت أن الحكاية قد تمسّكِ بطريقة ما. الشاب الذي باع ظله، وأنتِ التي فقدتِ وزنكِ، أعني.»
«أنا──لم أبعه.»
«صحيح. لم تبيعي شيئًا. لقد كان الأمر تبادلًا. فقدان الوزن قد يكون أكثر إزعاجًا من فقدان الظل، لكن──إذا كان الحديث عن عدم الانسجام مع من حولكِ، فالأمر واحد. لكن──هل هذا كل ما في الأمر؟»
«ماذا تقصد؟»
«أقصد: هل هذا كل ما في الأمر؟»
صفق أوشينو بيديه أمام صدره، وكأنه يعلن انتهاء الحديث.
«حسنًا. فهمت. إذا كنتِ تريدين استعادة وزنكِ، فسأساعدكِ. فأنتِ زميلة أراراغي، على كل حال.»
«…ستساعد──ني؟»
«لن أساعدكِ. لكنني سأقدم لكِ مساعدتي.»
«صحيح.» قال أوشينو وهو يتفقد ساعة يده اليسرى.
«ما زالت الشمس مشرقة، لذا عودي إلى المنزل أولًا. واغتسلي بالماء البارد، ثم ارتدي ملابس نظيفة وتعالي مجددًا. سأقوم أنا بالتحضيرات من جهتي. بما أنكِ زميلة أراراغي، فلا بد أنكِ تدرسين في تلك المدرسة الصارمة، أليس كذلك؟ هل تستطيعين الخروج من المنزل في منتصف الليل؟»
«لا مشكلة. أستطيع فعل ذلك.»
«إذن، ما رأيكِ أن نلتقي هنا مرة أخرى حوالي منتصف الليل؟»
«حسنًا، لكن──ما المقصود بملابس نظيفة؟»
«لا يشترط أن تكون جديدة. لكن الزي المدرسي لن يكون مناسبًا. فأنتِ ترتدينه كل يوم، أليس كذلك؟»
«……وماذا عن المقابل؟»
«هاه؟»
«لا تتظاهر بعدم الفهم. لن تساعدني مجانًا، أليس كذلك؟»
«هم. هممم.»
عندها نظر أوشينو إليّ.
كان ينظر إليّ كما لو أنه يقيّمني.
«حسنًا، إذا كان ذلك سيجعلكِ أكثر ارتياحًا، فسأقبل المقابل. لنقل──مئة ألف ين.»
«……مئة ألف ين.»
كررت سينجوغاهارا المبلغ.
«مئة ألف ين──أهذا هو المبلغ؟»
«يمكنكِ جمعه بالعمل في مطعم للوجبات السريعة لشهر أو شهرين، أليس كذلك؟ أراه مبلغًا مناسبًا.»
«……معاملتك مختلفة جدًا عما فعلته معي.»
«حقًا؟ أظن أنني طلبت عشرة آلاف ين من الآنسة رئيسة الصف أيضًا.»
«بل طلبت مني خمسة ملايين ين!»
«لأنك كنت مصاص دماء. لا حيلة في ذلك.»
«لا تلقِ كل شيء على عاتق مصاص الدماء بهذه السهولة! أنا أكره هذا الاتجاه السخيف الذي يتبع الموضة في كل شيء!»
«هل تستطيعين دفعه؟»
وبينما أبعدني بيد واحدة وكأنني مجرد شخص يقاطع الحديث، سأل أوشينو سينجوغاهارا.
فأجابته:
«بالطبع.»
«مهما اضطررت إلى فعل أي شيء، بالطبع.»
وهكذا──
وهكذا، بعد ساعتين──في الوقت الحالي.
منزل سينجوغاهارا.
نظرت حولي مرة أخرى.
لم يكن مبلغ مئة ألف ين مبلغًا قليلًا في الظروف العادية، لكن غرفة الستة تاتامي هذه جعلتني أفكر في أن المبلغ، بالنسبة إلى سينجوغاهارا، كان ثروة أكبر بكثير مما هو عليه بالنسبة للشخص العادي.
لم يكن في الغرفة سوى خزانة ملابس، وطاولة منخفضة، ورف كتب صغير. وحتى بالنسبة إلى سينجوغاهارا، التي كنت أعرف أنها من هواة القراءة الشرهين، كان عدد الكتب قليلًا نسبيًا. ولعلها تتدبر أمرها بالاستعانة بمحلات الكتب المستعملة والمكتبات.
كانت أشبه بطالبة فقيرة من أيام الزمن القديم.
لا، في الواقع، هذا هو حال سينجوغاهارا فعلًا.
فقد أخبرتني أنها تتابع دراستها أيضًا بفضل منحة دراسية.
كان أوشينو يتحدث عن سينجوغاهارا وكأن وضعها أفضل مني بكثير──لكنني لم أستطع إلا أن أتساءل إن كان الأمر كذلك حقًا.
صحيح──إذا تحدثنا عن خطر الموت أو عن الأذى الذي قد يلحق بالمحيطين بها، فإن التعرض لهجوم من مصاص دماء ليس بالأمر الهين. لقد فكرت مرات عديدة أن الموت قد يكون أهون، وحتى الآن، قد أجد نفسي أفكر بذلك إن ساءت الأمور خطوة واحدة.
لذلك.
ربما كانت سينجوغاهارا، رغم سوء حظها، أفضل حالًا من غيرها.
لكن──إذا تذكرت ما سمعته من هانيكاوا عن سينجوغاهارا في أيام المرحلة الإعدادية، فسيكون من الصعب اختصار الأمر بهذه البساطة أو النظر إليه بهذه الطريقة.
على الأقل، لم تكن حياتها متساوية مع حياة الآخرين.
فكرت فجأة.
ماذا عن هانيكاوا──هانيكاوا تسوباسا؟
في حالة هانيكاوا تسوباسا.
امرأة تحمل جناحين غريبين عن شكل البشر.
كما تعرضتُ أنا لهجوم من مصاص دماء، وكما التقت سينجوغاهارا بالسرطان، أغرت القطةُ هانيكاوا. كان ذلك في أسبوع العطلة الذهبية. كان الأمر مروعًا إلى حد أنه، بعد انتهائه، بدا وكأنه حدث وقع في زمن سحيق، رغم أنه لم يمضِ عليه سوى بضعة أيام.
ومع ذلك، فقدت هانيكاوا معظم ذكريات ما حدث خلال أسبوع العطلة الذهبية، لذا ربما لم تكن تعرف من الأمر إلا أنه انتهى بفضل أوشينو──بل ربما لم تكن تعرف شيئًا على الإطلاق. أما أنا──فأتذكر كل شيء.
فقد كانت المسألة مزعجة للغاية.
حتى أنا، الذي سبق لي أن اختبرت أمر مصاص دماء، رأيت ذلك.
لم يخطر ببالي يومًا أن القطة يمكن أن تكون أكثر رعبًا من مصاص دماء.
وبالنظر إلى الأمر من زاوية خطر الموت وما شابه──يمكنني القول ببساطة إن ما مرت به هانيكاوا كان أسوأ مما مرت به سينجوغاهارا.
لكن──حين أفكر في حجم المعاناة التي تحملتها سينجوغاهارا حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.
حين أفكر في وضعها الحالي.
حين أترك نفسي أفكر في الأمر.
أي نوع من الحياة يمكن أن يعيشه إنسان إلى درجة يصبح فيها اللطف نفسه فعلًا عدائيًا؟
ذلك الشاب الذي باع ظله.
تلك الفتاة التي فقدت ثقلها.
أنا لا أفهم.
هذه ليست حكاية يمكنني فهمها──
«انتهيت من الاستحمام.»
خرجت سينجوغاهارا من غرفة تبديل الملابس.
كانت عارية تمامًا.
«آآآآآه!»
«تنحَّ جانبًا. لا أستطيع إخراج ملابسي.»
وبهدوء تام، أشارت سينجوغاهارا إلى خزانة الملابس التي كنت أسند ظهري إليها، بينما كانت تحاول إبعاد شعرها المبلل عن وجهها.
«ارتدي ملابسكِ، ارتدي ملابسكِ!»
«لهذا سأرتديها الآن.»
«لماذا الآن بالذات؟!»
«أتريدني ألا أرتديها؟»
«أقول لكِ ابقي مرتدية ملابسكِ!»
«لقد نسيت أن آخذها معي إلى الحمام.»
«إذن غطّي نفسكِ بمنشفة على الأقل!»
«لا أريد. هذا تصرف رثّ يليق بالفقراء فقط.»
قالتها بوجه هادئ، وبكل جرأة.
كان من الواضح كوضوح النار في وضح النهار أن الجدال معها لا فائدة منه، لذا ابتعدت زحفًا عن أمام خزانة الملابس، وانتقلت إلى أمام رف الكتب، وركزت نظري وأفكاري عليه كما لو كنت أحاول عدّ عدد الكتب المصطفة هناك.
آآآه.
لقد رأيت للمرة الأولى امرأة عارية تمامًا…….
لـ… لكن الأمر مختلف. مختلف تمامًا عما تخيلته. لم أكن أتوهم شيئًا أو أحمل في رأسي صورة مثالية، لكن ما كنت أريده، وما كنت أحلم به، لم يكن بهذا الشكل المكشوف إلى هذا الحد، وكأن شعارها «يحيا العُري!»…….
«ملابس نظيفة، هاه. أتظن أن الأبيض سيكون أفضل؟»
«وكيف لي أن أعرف……»
«لا أملك إلا سراويل داخلية وحمالات صدر منقوشة.»
«وكيف لي أن أعرف!»
«أنا أسألك عن رأيك فحسب، فلماذا تصرخ هكذا؟ لا أفهمك. أراك تعاني من أعراض سنّ اليأس.»
صوت فتح خزانة الملابس.
صوت احتكاك القماش.
آه، تبًا.
الصورة انطبعت في ذهني، ولا تريد أن تغادر.
«أراراغي-كن. لا تقل لي إنك شعرت بالإثارة بعدما رأيتني عارية؟»
«حتى لو افترضنا أن هذا صحيح، فليس ذنبي!»
«جرّب فقط أن تلمسني بإصبع واحد، وسأعض لسانك حتى أقطعه.»
«آه، يا لها من فتاة عفيفة ومحافظة!»
«أنا أقول إنني سأقطع لسانك، أتفهم؟»
«أنتِ مخيفة فعلًا!»
أعني……
ربما كان من العبث أصلًا أن أحاول فهم هذه المرأة انطلاقًا من وجهة نظري.
البشر لا يستطيعون فهم البشر.
مع أن ذلك بديهي إلى هذه الدرجة.
«حسنًا، يمكنك أن تلتفت الآن.»
«حقًا؟ اللعنة……»
استدرت عن رف الكتب ونظرت إلى سينجوغاهارا.
كانت لا تزال بملابسها الداخلية.
ولم تكن قد ارتدت جواربها حتى.
وفوق ذلك، كانت تتخذ وضعية مثيرة على نحو مبالغ فيه.
«ما الذي تحاولين فعله بالضبط؟!»
«ماذا؟ هذه هديتي لك على ما فعلته من أجلي اليوم. أقدّم لك عرضًا خاصًا، فحاول أن تفرح قليلًا.»
«………………»
كانت تعتبر هذا شكرًا؟
لم أفهم شيئًا.
بصراحة، كنت أفضل اعتذارًا على هذا «الشكر».
«افرح قليلًا!»
«وأصبحتِ أنتِ الغاضبة الآن؟!»
«من الأدب أن تبدي رأيك على الأقل!»
«رأيي…؟!»
هل هذا من الأدب فعلًا؟
ماذا يفترض بي أن أقول؟
إمم……
«أ، أظن أنني أستطيع القول… لديكِ جسد جميل، مثلًا……؟»
«……يا لك من وضيع.»
رمقتني بنظرة لا تختلف عن نظرة المرء إلى كيس قمامة متعفن.
بل ربما كانت نظرتها تحمل شيئًا من الشفقة أيضًا.
«لهذا السبب ستظل بتولا طوال حياتك.»
«طوال حياتي؟! هل أنتِ مسافرة عبر الزمن؟!»
«لا تنثر لعابك عليّ. قد تنتقل إليّ عذريتك.»
«العذرية لا تنتقل إلى النساء!»
مع أنها لا تنتقل إلى الرجال أيضًا، في الواقع.
«بل لحظة، انتظري! منذ متى وأنتِ تتحدثين وكأن حقيقة كوني بتولا أمر مفروغ منه؟!»
«أليس كذلك؟ لا أظن أن هناك تلميذة في المرحلة الابتدائية قد تقبلك.»
«لدي اعتراضان على هذا الكلام! أولًا، أنا لست منحرفًا يحب القاصرات، وثانيًا، لو بحثت جيدًا فلا بد أن تكون هناك تلميذة ابتدائية قد تقبل بي!»
«إذا كان اعتراضك الأول موجودًا، فما الحاجة إلى الثاني؟»
«…………»
لم تكن هناك حاجة إليه.
«لكن، حسنًا، أقرّ بأنني تحدثت بناءً على مجرد تحيز.»
«يكفيني أنك أدركت ذلك.»
«لا تنثر لعابك. قد تنتقل إليّ عدوى هاوٍ.»
«حسنًا، أعترف! أنا عذري تافه!»
لقد أُجبرت على الاعتراف باعتراف يقطر خزيًا.
أومأت سينجوغاهارا برضا.
«كان عليك أن تقول ذلك منذ البداية. أن ترى امرأة عارية في موقف كهذا هو حظ يعادل نصف ما تبقى من عمرك، فلا داعي لأن تقول كلامًا زائدًا.»
«هل أنتِ ملاك موت إذن……؟»
هل مجرد عقد صفقة معها يجعلني أرى امرأة عارية؟
يا له من «بصر الموت» خارق للطبيعة.
«لا داعي للقلق.»
وبينما كانت تقول ذلك، أخذت من الخزانة قميصًا أبيض وألقته فوق حمالة صدرها الزرقاء الفاتحة. ولأنني لم أرغب في العودة إلى عدّ الكتب على الرف مرة أخرى، فقد اكتفيت بمراقبة سينجوغاهارا وهي ترتدي ملابسها.
«وسأبقي الأمر سرًا عن هانِكاوا.»
«هانِكاوا؟»
«أليست الفتاة التي تحبها من طرف واحد؟»
«هذا غير صحيح.»
«حقًا؟ لأنكما تتحدثان كثيرًا، فظننت أن الأمر كذلك، فقررت أن ألقي الطُعم وأرى رد فعلك.»
«لا تحاولي اصطياد الناس بهذه الطريقة أثناء الأحاديث اليومية.»
«أنت مزعج. هل تريد أن أتخلص منك؟»
«من أين لكِ كل هذه السلطة أصلًا؟!»
ومع ذلك، يبدو أن سينجوغاهارا، رغم كل شيء، تراقب ما يجري في الصف. تلاحظ أشياء تبدو وكأنها لا تراها. حتى إنني كنت أظن أنها ربما لا تعرف أنني نائب رئيسة مجلس الطلبة. أو لعلها تعرف ذلك أيضًا لأنها تعتبرني عدوًا محتملًا في المستقبل……؟
«كوننا نتحدث كثيرًا سببه أنها هي التي تأتي وتكلمني من تلقاء نفسها.»
«يا لها من طريقة متعجرفة في الكلام. أتريد أن تقول إن هانِكاوا هي التي تحبك من طرف واحد؟»
«هذا مستحيل.»
قلت:
«ما تفعله هانِكاوا سببه ببساطة أنها جيدة في الاعتناء بالآخرين. بل جيدة في ذلك أكثر مما ينبغي. لديها ذلك الاعتقاد الطريف بأن الشخص الأكثر فشلًا هو الأكثر إثارة للشفقة. وأن الفاشلين يتعرضون للظلم ويخسرون أكثر مما يستحقون، هكذا تفكر.»
«يا له من وهم طريف فعلًا.»
أومأت سينجوغاهارا.
«فالشخص الأكثر فشلًا ليس إلا الأكثر غباءً.»
«……أنا لم أقل إلى هذا الحد.»
«مكتوب على وجهك.»
«ليس مكتوبًا!»
«لهذا السبب كتبته عليه مسبقًا.»
«كيف يمكن أن تكوني قد دبّرتِ ذلك مسبقًا؟!»
على أي حال……
لم يكن هناك داعٍ لأن أبرر موقف هانِكاوا؛ فسِينجوغاهارا نفسها لا بد أنها تعرف شخصيتها جيدًا. عندما سألت هانِكاوا بعد انتهاء الدوام عن سينجوغاهارا، بدت مهتمة بها──بشكل واضح.
أو ربما كان هذا هو السبب تحديدًا.
«إذن هانِكاوا أيضًا──كانت قد استعانت بأوشينو؟»
«نعم. نوعًا ما.»
بعد أن أغلقت سينجوغاهارا آخر أزرار قميصها، بدا أنها تنوي ارتداء سترة كارديغان بيضاء فوقه. يبدو أنها قررت تنسيق الجزء العلوي من ملابسها قبل الجزء السفلي. حسنًا، لكل شخص ترتيب خاص في ارتداء ملابسه، على ما يبدو. أما سينجوغاهارا فلم تكن تكترث بنظراتي إليها على الإطلاق؛ بل على العكس، كانت تواجهني بجسدها مباشرة وهي تواصل ارتداء ملابسها.
«فهمت.»
«لذلك──أظن أنه يمكنك أن تثقي به، إلى حد ما. شخصيته لعوبة، مرحة وخفيفة، ومزاجه مستهتر قليلًا، لكنه يعرف عمله جيدًا. يمكنك الاطمئنان. وليس هذا رأيي وحدي؛ هانِكاوا تقول الشيء نفسه، لذلك لا بد أن يكون الأمر صحيحًا.»
«حسنًا. لكن، أراراغي-كن.»
قالت سينجوغاهارا:
«للأسف، ما زلت لا أثق بأوشينو حتى إلى النصف. فمن الصعب عليّ أن أصدقه بهذه السهولة، بعدما ظللتُ أُخدع مرة تلو الأخرى طوال حياتي.»
«…………»
خمسة──كانوا يقولون الشيء نفسه.
وكلهم كانوا محتالين.
ومع ذلك.
لم يكن ذلك كل شيء──على الأرجح.
«وأنا لا أذهب إلى المستشفى إلا من باب العادة. بصراحة، لقد كدت أستسلم تمامًا بشأن هذه الحالة.»
«تستسلمين……»
عن ماذا──استسلمت؟
ماذا تخلّت عنه؟
«أن هذا العالم الغريب لا يحتوي بالتأكيد على يومي غينغن، ولا كودان كوكِي، ولا أيًّا من أولئك الأبطال الخارقين القادرين على إنقاذي.»
«…………»
«ربما يكون هناك توجي ميروكو، من يدري.»
قالت سينجوغاهارا ذلك وهي تحشو كلماتها بكل ما تستطيع من سخرية.
«لهذا يا أراراغي-كن، أنا──لأنني كذلك، لا أستطيع مهما حاولت أن أنظر إلى الأمر بتفاؤل وأقول إن زميلي الذي صادف أنه التقطني بعدما انزلقت قدمي على الدرج، وصادف أنه تعرّض لهجوم مصاص دماء في عطلة الربيع، وصادف أن الشخص الذي أنقذه كان مرتبطًا بمسؤولة الصف، وصادف فوق ذلك كله أنه قادر على مساعدتي أنا أيضًا──كل هذا مجرد سلسلة من المصادفات السعيدة.»
وقالت ذلك──
ثم بدأت سينجوغاهارا بخلع السترة.
«لقد ارتديتها للتو، فلماذا تخلعينها؟»
«نسيت أن أجفف شعري.»
«أنتِ ربما مجرد حمقاء، أليس كذلك؟»
«هل تتكرم بعدم قول أشياء وقحة؟ سيكون الأمر كارثيًا إن جرحت مشاعري.»
كان مجفف الشعر يبدو باهظ الثمن على نحو مبالغ فيه.
يبدو أنها تهتم كثيرًا بمظهرها.
وبالنظر إلى الأمر من هذه الزاوية، بدا حتى ما ترتديه سينجوغاهارا من ملابس داخلية أنيقًا إلى حد لا بأس به. لكن الغريب أن ذلك الشيء الذي كان بالأمس فقط، وحتى الأمس القريب، يشغل مساحة هائلة من أحلامي ويبدو لي ساحرًا إلى حد لا يوصف، لم يعد الآن أكثر من قطعة قماش عادية. أشعر وكأنني أتعرض لصدمة نفسية هائلة في الوقت الحالي.
«متفائلة، هاه؟»
«ألا ترى الأمر هكذا؟»
«ربما. لكن، وما المشكلة؟»
قلت:
«لا بأس أن تكوني متفائلة.»
«…………»
«أنتِ لا تفعلين شيئًا سيئًا، ولا تغشين أو تتحايلين، لذلك لا داعي لأن تخجلي. عيشي برأس مرفوع، كما تفعلين الآن.»
«كما أفعل الآن؟»
نظرت إليّ سينجوغاهارا باستغراب.
كانت لا تدرك على ما يبدو مدى اتساع صدرها وقوة شخصيتها.
«أنا──لا أفعل شيئًا سيئًا، إذن.»
«أليس كذلك؟»
«ربما.»
لكن سينجوغاهارا، بعد أن قالت ذلك، تابعت:
«لكن……»
ثم أضافت:
«لكن──ربما أكون أتحايل قليلًا.»
«ماذا؟»
«لا شيء.»
بعد أن جففت شعرها وأعادت مجفف الشعر إلى مكانه، بدأت سينجوغاهارا في ارتداء ملابسها من جديد. كان القميص والكارديغان قد ابتلا بسبب ارتدائهما بينما كان شعرها لا يزال مبللًا، لذا علّقتهما على الشماعة وراحت تبحث عن ملابس أخرى داخل الخزانة.
«لو أُتيحت لي فرصة أن أولد من جديد……»
قالت سينجوغاهارا:
«لأردت أن أصبح الرقيب كيرورو.»
«…………»
لا سياق له، وفوق ذلك أشعر أنني أصبحت بالفعل في منتصف الطريق تقريبًا…
«أفهم ما تريد قوله. ستقول إن كلامي بلا سياق، وفوق ذلك لا يمكنني أن أصبح كيرورو أصلًا، أليس كذلك؟»
«حسنًا، شيء من هذا القبيل… في نصفه تقريبًا.»
«كنت أعلم ذلك.»
«…أما كان بوسعك، على الأقل، أن تختاري دورورو، قائد الفصيلة؟»
«مصطلح مفتاح الصدمة واقعي أكثر مما ينبغي بالنسبة إليّ.»
«حسنًا… لكن اسمعي.»
«لا يوجد لكن، ولا حتى شيء يشبه الـ«لكن».»
«ما معنى «يشبه الـلكن» أصلًا؟»
لم أكن أعرف حتى ما الذي أخطأت فيه حين قالتها.
وبالطبع، لم أكن أفهم أصلًا ما الذي تريد قوله.
وبينما كنت أفكر في ذلك، غيّرت سينجوغاهارا الموضوع.
«أراراغي-كن، هل تسمح لي بسؤال واحد؟ إنه أمر تافه، على أي حال.»
«ماذا؟»
«ماذا كنت تقصد بقولك إنك تريد أن ترى شيئًا يشبه نقوش القمر؟»
«هاه؟ عمّ تتحدثين؟»
«لقد قلت ذلك لأوشينو، أليس كذلك؟»
«آه…»
صحيح.
تذكرت الآن.
«تتذكرين حديثه عن السلطعون، وأنه قد يبدو أرنبًا أو امرأة جميلة؟ كان هذا ما أقصده. نقوش القمر، من اليابان، تبدو كأنها أرنب يدقّ كعكة الأرز، بينما من أماكن أخرى في العالم قد تبدو على هيئة سلطعون، أو حتى وجه امرأة جميلة من الجانب.»
حسنًا، أنا شخصيًا لم أتحقق من الأمر، لكنها المعلومة التي سمعتها. وحين سمعت سينجوغاهارا ذلك، قالت: «حقًا؟» وهزّت رأسها باهتمام بدا صادقًا وجديدًا عليها.
«تملك معرفة بهذه الأمور التافهة حقًا. هذه أول مرة في حياتي أشعر فيها بالإعجاب بك.»
وصفتها بالتافهة.
وقالت إنها أول مرة في حياتها.
ولذلك قررت أن أستعرض قليلًا.
«لا شيء يُذكر. أنا في الواقع ملمّ بعلم الفلك وعلوم الفضاء. مررت بفترة كنت مهووسًا بها قليلًا.»
«لا داعي لأن تتظاهر بالروعة أمامي. أنا أعرف كل شيء عنك أصلًا. أنت لا تعرف شيئًا آخر، أليس كذلك؟»
«هل سمعتِ من قبل عن العنف اللفظي؟»
«إذن اتصل بشرطة الكلمات.»
«…………»
لم أكن واثقًا حتى أن الشرطة الحقيقية ستعرف كيف تتعامل مع هذا الموقف.
«ليس صحيحًا أنني لا أعرف شيئًا. أنا أيضًا… لنفترض، مثلًا، أنه في اليابان حين يتعلق الأمر بنقوش القمر، فإنها تُرى على هيئة أرنب. لكن هل تعرفين لماذا يوجد أرنب على القمر أصلًا؟»
«لا يوجد أرنب على القمر. أراراغي-كن، هل ما زلت تصدق هذه الأشياء وأنت في المرحلة الثانوية؟»
«أعني، لو كان هناك أرنب.»
همم، أليست «لو كان هناك» أفضل؟
«لو كان موجودًا»؟
لا، ليس هذا أيضًا…
«منذ زمن بعيد، كان هناك إله… أو ربما بوذا، لا يهم. المهم أن هناك قصة تقول إن أرنبًا قفز بنفسه إلى النار من أجل ذلك الإله، وأحرق جسده ليقدمه قربانًا له. تأثر الإله بتلك التضحية، ولكي يظل الجميع متذكرين ذلك الأرنب إلى الأبد، ترك صورته مرسومة على قمر السماء.»
كانت قصة رأيتها في التلفاز عندما كنت طفلًا، وذاكرتي عنها ضبابية، لذلك أشعر أن معرفتي بها مليئة بالثغرات. لكن على مستوى التفاصيل، أظن أنها كانت شيئًا من هذا القبيل.
«يا له من إله قاسٍ. بهذه الطريقة صار الأرنب كأنه معروض للفرجة.»
«ليست تلك هي الفكرة من القصة.»
«والأرنب نفسه ليس بريئًا. من الواضح أنه كان يحسب أنه إذا أظهر روح التضحية بالنفس، فسوف يحظى باعتراف الإله. يا له من تصرف وضيع.»
«ليست تلك الفكرة قطعًا من القصة.»
«على أي حال، هذه حكاية لا يمكن لشخص مثلي أن يفهمها.»
قالت ذلك، ثم بدأت مرة أخرى في خلع السترة التي كانت قد شرعت في ارتدائها.
«…أنتِ في الحقيقة تريدين فقط استعراض جسدك الذي تفخرين به أمامي، أليس كذلك؟»
«لست مغرورة بجسدي إلى هذا الحد. كانت مقلوبة، وفوق ذلك ارتديتها من الأمام إلى الخلف فحسب.»
«خطأ بارع فعلًا.»
«لكن صحيح أنني لست جيدة في ارتداء الملابس.»
«أنتِ كالأطفال.»
«لا. إنها ثقيلة.»
«آه.»
كنت متهورًا.
صحيح… إذا كانت حقيبتها ثقيلة، فمن الطبيعي أن تكون الملابس كذلك.
وعندما تكون الأشياء أثقل بعشر مرات، حتى الملابس تصبح أمرًا لا يُستهان به.
ندمت.
كانت ملاحظة تفتقر إلى الحساسية… بل كانت زلة غير محسوبة.
«هذا الأمر تحديدًا، قد أملّ منه، لكنني لن أعتاد عليه أبدًا. ومع ذلك، يبدو أنك مثقف على نحو مفاجئ يا أراراغي-كن. لقد أدهشتني. ربما توجد مادة رمادية داخل جمجمتك بعد كل شيء.»
«بالطبع توجد.»
«تقول «بالطبع»؟ إن وجود دماغ داخل جمجمة كائن مثلك لهو حدث أشبه بالمعجزة، أتعلم؟»
«يا له من كلام قاسٍ!»
«لا تهتم. قلت فقط الحقيقة البديهية.»
«يبدو أن هناك شخصًا في هذه الغرفة يستحق الموت…»
«ماذا؟ إن كنت تقصد الأستاذ هوشينا، فهو ليس هنا.»
«هل قلتِ للتو إن مدرسنا، ذلك المرشد الذي يفترض بنا احترامه، يستحق الموت؟!»
«والسلطعون؟ هل قصته مشابهة؟»
«هاه؟»
«هل قفز السلطعون أيضًا إلى النار بإرادته، مثل الأرنب؟»
«آه، نعم… لا، في الحقيقة لا أعرف قصة السلطعون. لا بد أن لها أصلًا أو حكاية ما. لم أفكر في الأمر من قبل… ربما لأن على القمر بحرًا أيضًا؟»
«لا يوجد بحر على القمر. ما الذي تقوله بكل تلك الثقة؟»
«ماذا؟ لا يوجد؟ ألم يكن هناك…؟»
«علم الفلك الذي تتحدث عنه يدعو للرثاء. إنها مجرد تسمية.»
«آه… فهمت.»
همم.
كما توقعت، لا سبيل لمنافسة شخص ذكي فعلًا.
«يا للعجب، لقد كشفتَ عن جهلك تمامًا يا أراراغي-كن. لقد كنت متهورة فعلًا حين توقعت منك ولو قدرًا ضئيلًا من المعرفة.»
«أنتِ تظنين أنني غبي جدًا، أليس كذلك؟»
«كيف عرفتَ؟!»
«تفاجأتِ بجدية تامة!»
يبدو أنها كانت تظن أنها تخفي الأمر.
حقًا؟
«لقد جعلتني، بسببي، أكتشف مدى بؤس مستوى ذكائي… أشعر بالمسؤولية.»
«مهلًا، هل غبائي فعلًا بهذا المستوى الخطير؟»
«اطمئن. أنا لا أميز بين البشر على أساس درجاتهم الدراسية.»
«طريقة قولك لذلك تمييزية بحد ذاتها!»
«لا تنثر لعابك. قد تنتقل إليّ عدوى محدودية التعليم.»
«نحن في المدرسة الثانوية نفسها!»
«لكن ماذا عن أعلى مؤهل دراسي في النهاية؟»
«أوغ…»
صحيح.
«أنا حاصلة على شهادة الدراسات العليا. وأنت تركت المدرسة الثانوية.»
«سأتركها بعدما أصبحت في السنة الثالثة؟!»
«ستتوسل إليهم بنفسك، باكيًا، أن يسمحوا لك بتركها في أسرع وقت ممكن.»
«تقولين كلام الأشرار الذي لم أسمعه إلا في المانغا بهذه البرودة؟!»
«حان وقت فحص معدل الذكاء الدراسي. أنا: أربعة وسبعون.»
«تبًا…»
سبقتني إليها.
«أنا: ستة وأربعون…»
«إذا قرّبناها لأقرب عشرة، تصبح صفرًا.»
«ماذااا؟! هذا كذب! إنها ستة وأربعون… آه، أنتِ تقصدين خانة العشرات! ماذا فعلتِ بمعدل ذكائي؟!»
تفوقني بنحو ثلاثين نقطة، ومع ذلك راحت تنهش في جثة مهزومة أصلًا!
«ما لم أترك فارق مئة نقطة، لا أشعر أنني فزت فعلًا.»
«وحتى رقمك أنتِ… غيّرتِ خانة العشرات أيضًا…»
لا رحمة.
«لهذا السبب، لا تقترب مني مستقبلًا ضمن دائرة نصف قطرها عشرون ألف كيلومتر.»
«لقد طُردتُ من كوكب الأرض؟!»
«بالمناسبة، هل تعتقد أن الإله أكل ذلك الأرنب المسكين فعلًا؟»
«هاه؟ آه، عدنا إلى الموضوع من جديد؟ هل أكله أم لا… إذا واصلتِ القصة إلى تلك النقطة فستصبح دموية ومروعة.»
«حتى من دون مواصلة القصة، هي مروعة بما يكفي.»
«لا أدري. لا أعرف، فأنا غبي.»
«لا تتذمر. هذا سيجعل مزاجي سيئًا.»
«ألا تشعرين ولو قليلًا بالشفقة عليّ…؟»
«حتى لو أشفقْتُ على شخص واحد، فلن تختفي الحروب من العالم.»
«لا تتحدثي عن العالم وأنتِ عاجزة عن إنقاذ حتى شخص واحد! ابدئي أولًا بإنقاذ هذه الحياة الصغيرة البائسة التي أمامك! أنتِ قادرة على ذلك!»
«همم. لقد قررت.»
قالت سينجوغاهارا ذلك بعدما ارتدت أخيرًا قميصًا أبيض بلا أكمام، وسترة بيضاء، وتنورة بيضاء واسعة.
«إذا سارت الأمور على ما يرام، فلنذهب إلى هوكايدو لنأكل السلطعون.»
«أظن أنه يمكننا أكل السلطعون من دون الذهاب إلى هوكايدو، كما أن هذا ليس موسمه أصلًا، لكن… إذا كنتِ تريدين ذلك يا سينجوغاهارا، فلا بأس، أليس كذلك؟»
«وأنت ستذهب معي.»
«لماذااا؟!»
«أوه، ألم تكن تعرف؟»
ابتسمت سينجوغاهارا.
«السلطعون… لذيذ جدًا.»

005 بعد ساعتين. غادرتُ مبنى مركز الدروس المهجور، حيث استقرّ أوشينو ومصاص الدماء، أو بالأحرى شينوبو، واتجهتُ إلى منزل سينجوغاهارا. منزل سينجوغاهارا. عمارة تاميكورا. شقة خشبية من طابقين، عمرها ثلاثون عامًا. صناديق بريد جماعية مصنوعة من صفائح الحديد. بالكاد تتوفر فيها حمّامات بدش ومرحاض بسيفون. شقة من نوع «1K» كما يُسمّى، غرفة واحدة بمساحة ستة تاتامي، وحوض غسيل صغير. تبعد عشرين دقيقة سيرًا على الأقدام عن أقرب موقف حافلات. أما الإيجار، فتقديره يتراوح بين ثلاثين وأربعين ألف ين تقريبًا، شاملًا رسوم الخدمات المشتركة ورسوم الحي والمياه. كان الأمر مختلفًا تمامًا عمّا سمعته من هانيكاوا. ولعلّ ذلك ظهر على وجهي، لأن سينجوغاهارا شرحت، وكأنها تبرر نفسها، من دون أن أسألها حتى: «أمي وقعت في براثن طائفة دينية مشبوهة.» قالتها وكأنها تقدم عذرًا. وكأنها تحاول ترقيع الأمر. «ولم يقتصر الأمر على أنها أنفقت كل ثروتنا عليهم، بل غرقت أيضًا في ديون ضخمة. كما يقولون: ازدهار آل تايرا لا يدوم إلى الأبد.» «ديانة، تقولين…» لقد وقعت في براثن طائفة دينية جديدة ومحتالة. أما ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك… «في النهاية، تم الطلاق بالتراضي في نهاية العام الماضي، وانتقلتُ للعيش مع أبي هنا. مع أن قول إننا نعيش معًا ليس دقيقًا تمامًا؛ فالديون لا تزال مسجلة باسم أبي، وهو يعمل جاهدًا حتى يومنا هذا لسدادها، لذلك نادرًا ما يعود إلى المنزل. لكن العيش بمفردي عمليًا مريح نوعًا ما.» «…………» «وبما أن عنواني القديم لا يزال مسجلًا في سجل عناوين المدرسة، فلا عجب أن هانيكاوا لم تكن تعرف.» مهلًا. أليس هذا غريبًا؟ «لا أحب أن يعرف شخص قد يصبح عدوًا لي يومًا ما المكان الذي أعيش فيه.» «عدو، هاه…» قد يكون كلامها مبالغًا فيه قليلًا، لكن بالنسبة لشخص يخفي أسرارًا لا يريد للآخرين معرفتها، لم تكن هذه الدرجة من الحذر غير منطقية تمامًا. «سينجوغاهارا. عندما قلتِ إن أمك وقعت في براثن تلك الطائفة… هل يمكن أن يكون ذلك، ربما، من أجلك أنت؟» «سؤال مزعج.» ابتسمت سينجوغاهارا. «من يدري؟ لا أعرف. ربما لم يكن الأمر كذلك.» كان ذلك جوابًا… مزعجًا. وربما كان طبيعيًا، بما أنني طرحت سؤالًا مزعجًا. لقد كان سؤالًا مزعجًا فعلًا، لدرجة أنني شعرت بالاشمئزاز من نفسي بمجرد تذكّره. ما كان ينبغي لي أن أسأل. أو ربما كان من المفترض أن تستخدم سينجوغاهارا هنا بالذات لسانها السليط المعتاد، فتوبخني شرّ توبيخ. إنها عائلتها التي تعيش معها. يستحيل ألا تلاحظ أن ابنتها فقدت ثقلها، أو أن شيئًا كهذا قد حدث لها، وبالأخص أمها، يستحيل ألا تلاحظ. الأمر مختلف تمامًا عن مدرسة تكتفي فيها بالجلوس إلى جانب ابنتها أثناء الدروس. عندما يتعلق الأمر بجسد ابنتها الوحيدة العزيزة، فإن حدوث أمر غير طبيعي بهذا الشكل لا بد أن ينكشف بسهولة. وحين يصل الأمر إلى أن الأطباء أنفسهم قد ألقوا المنشفة عمليًا، ولم يعد أمامهم سوى مواصلة الفحوصات يومًا بعد يوم، فليس من الغريب أن تبحث الأم عن ملجأ تتعلق به نفسيًا. لا أظن أن أحدًا يملك الحق في لومها على ذلك. لا… ربما كان ينبغي لومها. لكن ما أدراني أنا؟ ما الفائدة من التظاهر بأنني أفهم شيئًا لا أفهمه؟ على أي حال. على أي حال، كنتُ أنا── في الغرفة رقم 201 من عمارة تاميكورا، منزل سينجوغاهارا── أجلس على وسادة أرضية، وأحدّق شارد الذهن في كوب الشاي الموضوع على طاولة منخفضة أمامي. بسبب طبيعة تلك الفتاة، كنتُ أتوقع منها أن تقول لي شيئًا من قبيل «انتظر في الخارج»، لكنني فوجئت بأنها أدخلتني إلى الغرفة من دون أي مقاومة أو اعتراض، بل وقدمت لي الشاي أيضًا. كان ذلك صادمًا إلى حد ما. «سأقوم بتعذيبك.» «ماذا…؟» «آه، لا. قصدتُ دعوتك.» «………………» «مع أنني أتساءل الآن إن كان التعذيب هو الكلمة الصحيحة فعلًا…» «الدعوة هي الصحيحة تمامًا! لا يوجد أي احتمال آخر! أن تصححي خطأك بنفسك أمر ليس سهلًا على الإطلاق، كما هو متوقع من الآنسة سينجوغاهارا!» …كان ذلك تقريبًا كل ما جرى بيننا، ومع ذلك لم أجد ما أفعله سوى الوقوف حائرًا. فضلًا عن أنني لم أكن في وضع يسمح لي بإلقاء كلام ساذج من قبيل: «إنها المرة الأولى التي أدخل فيها منزل فتاة تعرفت إليها للتو» وما شابه. كل ما استطعت فعله هو التحديق في الشاي. أما سينجوغاهارا نفسها، فكانت تستحم الآن. قالت إن الأمر أشبه بالتطهر، أو الاغتسال الطقوسي. فبحسب أوشينو، كان عليها أن تغسل جسدها بالماء البارد، ثم ترتدي ملابس نظيفة، حتى لو لم تكن جديدة. وبعبارة أخرى، كنتُ مضطرًا لمرافقتها في هذه العملية──وبما أننا ذهبنا من المدرسة إلى أوشينو على دراجتي، فقد كان من الطبيعي أن أرافقها بعد ذلك، هذا من ناحية. لكن أوشينو أيضًا أوصاني بأمور كثيرة، لذلك لم يكن أمامي خيار آخر. أخذتُ أتفحص الغرفة ذات الستة تاتامي بنظري. غرفة قاحلة إلى درجة يصعب معها تصديق أنها غرفة فتاة في مثل عمرها. ثم اتكأتُ على خزانة الملابس الصغيرة خلفي── واستعدتُ في ذهني كلمات أوشينو التي قالها قبل قليل. «سرطان أوموشي.» بعد أن أنهت سينجوغاهارا سرد ظروفها──لم تكن حكاية طويلة إلى تلك الدرجة، لكن على أي حال، بعد أن فرغت من شرح كل ما كانت تعانيه بالتفصيل والترتيب، أومأ أوشينو قائلًا: «فهمت…»، ثم ظل ينظر إلى السقف لبعض الوقت، قبل أن يقولها بنبرة بدت وكأنه خطرت له الفكرة فجأة. «سرطان أوموشي؟» سألت سينجوغاهارا مستفسرة. «إنها حكاية شعبية متداولة في المناطق الجبلية من كيوشو. تختلف التسمية من منطقة لأخرى؛ فهناك من يسميه سرطان أوموشي، وهناك من يسميه “السرطان الثقيل”، أو “سرطان حجر الثقل”، بل وهناك من يسميه “إله أومويشي”. وفي هذه الحالة الأخيرة، هناك تلاعب بين كلمتي السرطان والإله. التفاصيل تختلف كثيرًا، لكن الشيء المشترك بينها جميعًا هو أنها تتحدث عن شيء يسلب الإنسان ثقله──وعندما يصادفه المرء، أو بالأحرى عندما يصادفه بطريقة سيئة، يُقال إن وجود ذلك الشخص يصبح باهتًا، وتضعف بصمته في العالم.» «بصمته في العالم──» هشّ. هشّ للغاية. بل إنك── الآن أجمل. «بل هناك روايات أكثر إثارة للقلق تقول إن الأمر لا يقتصر على اختفاء حضور الشخص، وإنما يختفي وجوده نفسه. وهناك شيء آخر اسمه “إيشي-إيشي” في مناطق تشوبو، ويبدو أنه ينتمي إلى سلالة مختلفة تمامًا. فذاك حجر، أما هذا فسرطان.» «سرطان── هل هو سرطان حقيقي فعلًا؟» «يا لك من أحمق يا أراراغي. هل تظن أن الجبال النائية في ميازاكي أو أويتا تعج بالسرطانات إلى هذه الدرجة؟ إنها مجرد حكاية شعبية.» قالها أوشينو وكأنه بلغ من الاستنكار مبلغًا لا يوصف. «بل إن عدم وجود الشيء في المكان قد يجعله أكثر قابلية لأن يصبح موضوعًا للحكايات. أليس الخيال والشائعات أكثر إثارة أحيانًا؟» «لكن أولًا، هل السرطان أصلًا شيء يخص اليابان؟» «ألا تقصد جراد البحر الأمريكي يا أراراغي؟ ألم تسمع بالحكايات الشعبية اليابانية؟ معركة القرد والسرطان. صحيح أن لدى الروس أسطورة مشهورة عن ظاهرة خارقة مرتبطة بالسرطان، ولدى الصينيين أيضًا الكثير منها، لكن اليابانيين ليسوا في ذيل القائمة دائمًا.» «آه، صحيح. معركة القرد والسرطان. أذكر أن هناك شيئًا كهذا. لكن ميازاكي وأويتا──لماذا في مكان كهذا تحديدًا؟» «أنت، الذي هاجمك مصاص دماء في ريف اليابان، لا تسألني أنا عن ذلك. المكان بحد ذاته ليس ذا أهمية خاصة. إذا وُجدت الظروف المناسبة──فإن ذلك الشيء ينشأ هناك. هذا كل ما في الأمر.» ثم أضاف أوشينو أن الجغرافيا والمناخ مهمان بالطبع أيضًا. «وفي هذه الحالة، ليس من الضروري أن يكون سرطانًا. هناك حكايات تقول إنه أرنب، بل إن هناك──وبما أن الأمر يتعلق بشينوبو، فهذا مناسب نوعًا ما──حكايات أخرى تقول إنه امرأة جميلة.» «هممم… يشبه نمط القمر.» وبالمناسبة، لقد كان ينادي شينوبو بـ«شينوبو-تشان». لم يكن ذلك جوهر الموضوع، لكنني شعرت بشيء من التعاطف معها. مع أنها مصاصة دماء أسطورية… يا لها من حياة مؤلمة. «على أي حال، إذا كان الشيء الذي صادفته الآنسة هو سرطانًا، فهذه المرة لا بد أن يكون سرطانًا. فهذا هو الشكل الأكثر شيوعًا.» «وما هذا الشيء أصلًا؟» سألت سينجوغاهارا أوشينو بنبرة متحدية. «يمكنكم تسميته ما شئتم، لا يهمني الاسم──» «بل الاسم مهم. الاسم مهم جدًا. كما أخبرتُ أراراغي قبل قليل، لا توجد سرطانات في جبال كيوشو النائية بسهولة. قد توجد أشياء من هذا النوع في الشمال، لكن في كيوشو تظل نادرة. لذلك فالاسم مهم.» «لكن سرطان الجداول موجود، أليس كذلك؟» «ربما. لكن هذه ليست المشكلة الجوهرية.» «ماذا تقصد؟» «أقصد أنه ربما لم يكن سرطانًا أصلًا، بل كان إلهًا في الأصل. ربما تطور الاسم من “إله أومويشي” إلى “سرطان أوموشي”──مع أن هذه مجرد نظرية من عندي. الاعتقاد الشائع هو أن السرطان هو الأصل، وأن الإله أُضيف لاحقًا. لكن إذا فكرنا في الأمر بعقلانية، فلا بد أن الاثنين ظهرا على الأقل في الوقت نفسه.» «سواء كان الأمر معتادًا أو منطقيًا، فأنا لا أعرف أي وحش من هذا النوع.» «لا يمكنك القول إنك لا تعرفينه. فأنت──» قال أوشينو: «لقد صادفته بالفعل.» «…………» «وهو موجود هناك الآن أيضًا.» «هل تقول إنك ترى شيئًا──ما؟» «لا أراه. أنا لا أرى شيئًا.» قال أوشينو ذلك ثم انفجر ضاحكًا ضحكته المرحة. لكن تلك الضحكة، التي كانت مشرقة ومنعشة أكثر من اللازم، بدت وكأنها أزعجت سينجوغاهارا كالمعتاد. وأنا أتفق معها. كان يبدو وكأنه يسخر من الأمر. «أن تقول إنك لا تراه… هذا تصرف غير مسؤول للغاية.» «حقًا؟ الكائنات من نوع الكي-مي-موري-يو وما شابهها، من طبيعتها ألا يراها البشر، أليس كذلك؟ لا أحد يستطيع رؤيتها، ولا يمكن لمسها بأي طريقة. هذا هو الطبيعي.» «هذا طبيعي──لكن…» «يقولون إن الأشباح بلا أقدام، وإن مصاصي الدماء لا يظهرون في المرايا، لكن المسألة في الأساس ليست من هذا النوع. فهذه الأشياء لا يمكن تحديد ماهيتها من الأساس──لكن، أيتها الصغيرة، هل يوجد في هذا العالم حقًا شيء لا يستطيع أحد رؤيته ولا يستطيع لمسه بأي طريقة؟» «تسأل إن كان موجودًا أم لا──مع أنك قلت بنفسك إنه موجود هناك الآن.» «نعم، قلت ذلك. لكن شيئًا لا يستطيع أحد رؤيته ولا لمسه بأي طريقة، سواء كان موجودًا أم غير موجود، فالنتيجة واحدة علميًا، أليس كذلك؟ وجوده هناك وعدم وجوده هناك أمران متطابقان تمامًا.» «هذا هو المقصود»، قال أوشينو. بدت على وجه سينجوغاهارا علامات عدم الاقتناع. وبالفعل، لم تكن حجته مقنعة تمامًا. على الأقل من وجهة نظرها. «على أي حال، يا آنسة، يمكنك اعتبار نفسك محظوظة وسط كل هذا سوء الحظ. أراراغي هنا لم يكتفِ بمصادفة شيء من هذا النوع، بل هوجم أيضًا. وفوق ذلك، هاجمه مصاص دماء. يا لها من فضيحة تليق بإنسان العصر الحديث.» اتركني وشأني. أقول لك: اتركني وشأني فعلًا. «مقارنةً به، وضعك أفضل بكثير.» «ولماذا؟» «الآلهة، كما تعلم، موجودة في كل مكان. موجودة في كل مكان، وغير موجودة في أي مكان. كان ذلك موجودًا حولكِ حتى قبل أن تصبحي هكذا──أو يمكن القول إنه لم يكن موجودًا أصلًا.» «هذا أشبه بمسألة من مسائل الزِّن، أليس كذلك؟» «بل من الشنتوية. أو ربما من الشوجيندو.» قال أوشينو: «لا تسيئي الفهم يا آنسة. لم تصبحي هكذا بسبب شيءٍ ما──كل ما في الأمر أن زاوية نظركِ إلى الأشياء قد تغيرت قليلًا.» منذ البداية، كانت هكذا. وهذا──لم يكن يختلف كثيرًا عما قاله الطبيب الذي ألقى المنشفة واستسلم. «زاوية نظري؟ ماذا──تحاول أن تقول؟» «أقول إنني لا أطيق نظرة الضحية التي تتخذينها، يا آنسة.» وفجأة، أطلق أوشينو كلماته اللاذعة. كما فعل معي. أو كما فعل مع هانيكاوا. كنت فضوليًا لأرى ردة فعل سينجوغاهارا──لكنها لم تجب بشيء. بدت وكأنها تقبل الكلام دون مقاومة. نظر إليها أوشينو بإعجاب وقال: «همم.» «لم أتوقع منكِ ذلك. حسبتكِ مجرد فتاة مدللة وأنانية.» «ولماذا──ظننت ذلك؟» «لأن معظم من يلتقون بـ”أوموشي-غاني” يكونون هكذا. لا يمكنكِ أن تتعمدي لقاءها، وهي في العادة ليست إلهًا يؤذي أحدًا. إنها مختلفة عن مصاصي الدماء.» ليست مؤذية؟ لا تؤذي──ولا تهاجم أيضًا؟ «وهي ليست كشيء يتلبسكِ أيضًا. إنها موجودة هناك وحسب. وما دمتِ لا تتمنين شيئًا──فلن يتحقق شيء. مع أنني، بصراحة، لا أنوي التعمق في ظروفكِ إلى هذا الحد. فأنا لا أحاول إنقاذكِ أصلًا.» «…………» ستُشفى من تلقاء نفسها──فحسب. هكذا كان أوشينو دائمًا. «هل سمعتِ هذه الحكاية من قبل يا آنسة؟ إنها قصة شعبية قديمة من الخارج. كان هناك شاب في مكان ما. شاب صالح. وفي أحد الأيام، التقى في البلدة برجل عجوز غريب. طلب منه العجوز أن يبيع له ظله.» «ظله؟» «نعم. ذلك الظل الذي يتشكل عند قدميكِ حين تشرق عليكِ الشمس. طلب شراءه مقابل عشر عملات ذهبية. والشاب باعه له دون تردد. بعشر عملات ذهبية.» «…ثم ماذا؟» «ماذا كنتِ ستفعلين لو كنتِ مكانه؟» «لا أدري──لن أعرف حتى أكون في الموقف نفسه. ربما أبيع، وربما لا. الأمر يعتمد على السعر، أليس كذلك؟» «إجابة صحيحة. مثلًا، أحيانًا يُطرح سؤال من قبيل: أيهما أهم، الحياة أم المال؟ لكن السؤال نفسه خاطئ. فالمال، على سبيل المثال، ليس له قيمة واحدة؛ هناك فرق بين ين واحد وتريليون ين. وحتى قيمة الحياة ليست متساوية عند الجميع. أن تقول إن الأرواح متساوية القيمة──تلك من أكثر العبارات السطحية التي أكرهها. لكن، على أي حال──ذلك الشاب لم يرَ أن ظله يستحق أكثر من عشر عملات ذهبية. فمن الطبيعي، أليس كذلك؟ لن يصيبه شيء فعليًا حتى لو لم يكن له ظل. لن يواجه أي إزعاج.» واصل أوشينو حديثه، مضيفًا الإيماءات إلى كلامه: «لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ تعرض الشاب للاضطهاد من سكان المدينة التي عاش فيها ومن عائلته أيضًا. أصبح وجوده مصدرًا للنشاز من حوله. كانوا يقولون له: من المخيف ألا يكون لك ظل──وهذا منطقي. إنه مخيف فعلًا. صحيح أننا نقول “ظل مخيف”، لكن عدم وجود الظل أكثر إثارة للرعب بكثير. أن ينقصك شيء يفترض أنه موجود دائمًا──أليس كذلك؟ بمعنى آخر، الشاب باع ما هو طبيعي ومألوف مقابل عشر عملات ذهبية.» «…………» «حاول الشاب العثور على العجوز ليستعيد ظله، لكنه مهما بحث، ومهما أمعن في البحث، لم يتمكن من العثور على ذلك الرجل الغريب──وهكذا انتهت الحكاية. وانتهى كل شيء.» «وهذا──» قالت سينجوغاهارا، دون أن يتغير تعبير وجهها، مجيبةً أوشينو: «وماذا في ذلك؟» «لا شيء، في الحقيقة. لكنني فكرت أن الحكاية قد تمسّكِ بطريقة ما. الشاب الذي باع ظله، وأنتِ التي فقدتِ وزنكِ، أعني.» «أنا──لم أبعه.» «صحيح. لم تبيعي شيئًا. لقد كان الأمر تبادلًا. فقدان الوزن قد يكون أكثر إزعاجًا من فقدان الظل، لكن──إذا كان الحديث عن عدم الانسجام مع من حولكِ، فالأمر واحد. لكن──هل هذا كل ما في الأمر؟» «ماذا تقصد؟» «أقصد: هل هذا كل ما في الأمر؟» صفق أوشينو بيديه أمام صدره، وكأنه يعلن انتهاء الحديث. «حسنًا. فهمت. إذا كنتِ تريدين استعادة وزنكِ، فسأساعدكِ. فأنتِ زميلة أراراغي، على كل حال.» «…ستساعد──ني؟» «لن أساعدكِ. لكنني سأقدم لكِ مساعدتي.» «صحيح.» قال أوشينو وهو يتفقد ساعة يده اليسرى. «ما زالت الشمس مشرقة، لذا عودي إلى المنزل أولًا. واغتسلي بالماء البارد، ثم ارتدي ملابس نظيفة وتعالي مجددًا. سأقوم أنا بالتحضيرات من جهتي. بما أنكِ زميلة أراراغي، فلا بد أنكِ تدرسين في تلك المدرسة الصارمة، أليس كذلك؟ هل تستطيعين الخروج من المنزل في منتصف الليل؟» «لا مشكلة. أستطيع فعل ذلك.» «إذن، ما رأيكِ أن نلتقي هنا مرة أخرى حوالي منتصف الليل؟» «حسنًا، لكن──ما المقصود بملابس نظيفة؟» «لا يشترط أن تكون جديدة. لكن الزي المدرسي لن يكون مناسبًا. فأنتِ ترتدينه كل يوم، أليس كذلك؟» «……وماذا عن المقابل؟» «هاه؟» «لا تتظاهر بعدم الفهم. لن تساعدني مجانًا، أليس كذلك؟» «هم. هممم.» عندها نظر أوشينو إليّ. كان ينظر إليّ كما لو أنه يقيّمني. «حسنًا، إذا كان ذلك سيجعلكِ أكثر ارتياحًا، فسأقبل المقابل. لنقل──مئة ألف ين.» «……مئة ألف ين.» كررت سينجوغاهارا المبلغ. «مئة ألف ين──أهذا هو المبلغ؟» «يمكنكِ جمعه بالعمل في مطعم للوجبات السريعة لشهر أو شهرين، أليس كذلك؟ أراه مبلغًا مناسبًا.» «……معاملتك مختلفة جدًا عما فعلته معي.» «حقًا؟ أظن أنني طلبت عشرة آلاف ين من الآنسة رئيسة الصف أيضًا.» «بل طلبت مني خمسة ملايين ين!» «لأنك كنت مصاص دماء. لا حيلة في ذلك.» «لا تلقِ كل شيء على عاتق مصاص الدماء بهذه السهولة! أنا أكره هذا الاتجاه السخيف الذي يتبع الموضة في كل شيء!» «هل تستطيعين دفعه؟» وبينما أبعدني بيد واحدة وكأنني مجرد شخص يقاطع الحديث، سأل أوشينو سينجوغاهارا. فأجابته: «بالطبع.» «مهما اضطررت إلى فعل أي شيء، بالطبع.» وهكذا── وهكذا، بعد ساعتين──في الوقت الحالي. منزل سينجوغاهارا. نظرت حولي مرة أخرى. لم يكن مبلغ مئة ألف ين مبلغًا قليلًا في الظروف العادية، لكن غرفة الستة تاتامي هذه جعلتني أفكر في أن المبلغ، بالنسبة إلى سينجوغاهارا، كان ثروة أكبر بكثير مما هو عليه بالنسبة للشخص العادي. لم يكن في الغرفة سوى خزانة ملابس، وطاولة منخفضة، ورف كتب صغير. وحتى بالنسبة إلى سينجوغاهارا، التي كنت أعرف أنها من هواة القراءة الشرهين، كان عدد الكتب قليلًا نسبيًا. ولعلها تتدبر أمرها بالاستعانة بمحلات الكتب المستعملة والمكتبات. كانت أشبه بطالبة فقيرة من أيام الزمن القديم. لا، في الواقع، هذا هو حال سينجوغاهارا فعلًا. فقد أخبرتني أنها تتابع دراستها أيضًا بفضل منحة دراسية. كان أوشينو يتحدث عن سينجوغاهارا وكأن وضعها أفضل مني بكثير──لكنني لم أستطع إلا أن أتساءل إن كان الأمر كذلك حقًا. صحيح──إذا تحدثنا عن خطر الموت أو عن الأذى الذي قد يلحق بالمحيطين بها، فإن التعرض لهجوم من مصاص دماء ليس بالأمر الهين. لقد فكرت مرات عديدة أن الموت قد يكون أهون، وحتى الآن، قد أجد نفسي أفكر بذلك إن ساءت الأمور خطوة واحدة. لذلك. ربما كانت سينجوغاهارا، رغم سوء حظها، أفضل حالًا من غيرها. لكن──إذا تذكرت ما سمعته من هانيكاوا عن سينجوغاهارا في أيام المرحلة الإعدادية، فسيكون من الصعب اختصار الأمر بهذه البساطة أو النظر إليه بهذه الطريقة. على الأقل، لم تكن حياتها متساوية مع حياة الآخرين. فكرت فجأة. ماذا عن هانيكاوا──هانيكاوا تسوباسا؟ في حالة هانيكاوا تسوباسا. امرأة تحمل جناحين غريبين عن شكل البشر. كما تعرضتُ أنا لهجوم من مصاص دماء، وكما التقت سينجوغاهارا بالسرطان، أغرت القطةُ هانيكاوا. كان ذلك في أسبوع العطلة الذهبية. كان الأمر مروعًا إلى حد أنه، بعد انتهائه، بدا وكأنه حدث وقع في زمن سحيق، رغم أنه لم يمضِ عليه سوى بضعة أيام. ومع ذلك، فقدت هانيكاوا معظم ذكريات ما حدث خلال أسبوع العطلة الذهبية، لذا ربما لم تكن تعرف من الأمر إلا أنه انتهى بفضل أوشينو──بل ربما لم تكن تعرف شيئًا على الإطلاق. أما أنا──فأتذكر كل شيء. فقد كانت المسألة مزعجة للغاية. حتى أنا، الذي سبق لي أن اختبرت أمر مصاص دماء، رأيت ذلك. لم يخطر ببالي يومًا أن القطة يمكن أن تكون أكثر رعبًا من مصاص دماء. وبالنظر إلى الأمر من زاوية خطر الموت وما شابه──يمكنني القول ببساطة إن ما مرت به هانيكاوا كان أسوأ مما مرت به سينجوغاهارا. لكن──حين أفكر في حجم المعاناة التي تحملتها سينجوغاهارا حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن. حين أفكر في وضعها الحالي. حين أترك نفسي أفكر في الأمر. أي نوع من الحياة يمكن أن يعيشه إنسان إلى درجة يصبح فيها اللطف نفسه فعلًا عدائيًا؟ ذلك الشاب الذي باع ظله. تلك الفتاة التي فقدت ثقلها. أنا لا أفهم. هذه ليست حكاية يمكنني فهمها── «انتهيت من الاستحمام.» خرجت سينجوغاهارا من غرفة تبديل الملابس. كانت عارية تمامًا. «آآآآآه!» «تنحَّ جانبًا. لا أستطيع إخراج ملابسي.» وبهدوء تام، أشارت سينجوغاهارا إلى خزانة الملابس التي كنت أسند ظهري إليها، بينما كانت تحاول إبعاد شعرها المبلل عن وجهها. «ارتدي ملابسكِ، ارتدي ملابسكِ!» «لهذا سأرتديها الآن.» «لماذا الآن بالذات؟!» «أتريدني ألا أرتديها؟» «أقول لكِ ابقي مرتدية ملابسكِ!» «لقد نسيت أن آخذها معي إلى الحمام.» «إذن غطّي نفسكِ بمنشفة على الأقل!» «لا أريد. هذا تصرف رثّ يليق بالفقراء فقط.» قالتها بوجه هادئ، وبكل جرأة. كان من الواضح كوضوح النار في وضح النهار أن الجدال معها لا فائدة منه، لذا ابتعدت زحفًا عن أمام خزانة الملابس، وانتقلت إلى أمام رف الكتب، وركزت نظري وأفكاري عليه كما لو كنت أحاول عدّ عدد الكتب المصطفة هناك. آآآه. لقد رأيت للمرة الأولى امرأة عارية تمامًا……. لـ… لكن الأمر مختلف. مختلف تمامًا عما تخيلته. لم أكن أتوهم شيئًا أو أحمل في رأسي صورة مثالية، لكن ما كنت أريده، وما كنت أحلم به، لم يكن بهذا الشكل المكشوف إلى هذا الحد، وكأن شعارها «يحيا العُري!»……. «ملابس نظيفة، هاه. أتظن أن الأبيض سيكون أفضل؟» «وكيف لي أن أعرف……» «لا أملك إلا سراويل داخلية وحمالات صدر منقوشة.» «وكيف لي أن أعرف!» «أنا أسألك عن رأيك فحسب، فلماذا تصرخ هكذا؟ لا أفهمك. أراك تعاني من أعراض سنّ اليأس.» صوت فتح خزانة الملابس. صوت احتكاك القماش. آه، تبًا. الصورة انطبعت في ذهني، ولا تريد أن تغادر. «أراراغي-كن. لا تقل لي إنك شعرت بالإثارة بعدما رأيتني عارية؟» «حتى لو افترضنا أن هذا صحيح، فليس ذنبي!» «جرّب فقط أن تلمسني بإصبع واحد، وسأعض لسانك حتى أقطعه.» «آه، يا لها من فتاة عفيفة ومحافظة!» «أنا أقول إنني سأقطع لسانك، أتفهم؟» «أنتِ مخيفة فعلًا!» أعني…… ربما كان من العبث أصلًا أن أحاول فهم هذه المرأة انطلاقًا من وجهة نظري. البشر لا يستطيعون فهم البشر. مع أن ذلك بديهي إلى هذه الدرجة. «حسنًا، يمكنك أن تلتفت الآن.» «حقًا؟ اللعنة……» استدرت عن رف الكتب ونظرت إلى سينجوغاهارا. كانت لا تزال بملابسها الداخلية. ولم تكن قد ارتدت جواربها حتى. وفوق ذلك، كانت تتخذ وضعية مثيرة على نحو مبالغ فيه. «ما الذي تحاولين فعله بالضبط؟!» «ماذا؟ هذه هديتي لك على ما فعلته من أجلي اليوم. أقدّم لك عرضًا خاصًا، فحاول أن تفرح قليلًا.» «………………» كانت تعتبر هذا شكرًا؟ لم أفهم شيئًا. بصراحة، كنت أفضل اعتذارًا على هذا «الشكر». «افرح قليلًا!» «وأصبحتِ أنتِ الغاضبة الآن؟!» «من الأدب أن تبدي رأيك على الأقل!» «رأيي…؟!» هل هذا من الأدب فعلًا؟ ماذا يفترض بي أن أقول؟ إمم…… «أ، أظن أنني أستطيع القول… لديكِ جسد جميل، مثلًا……؟» «……يا لك من وضيع.» رمقتني بنظرة لا تختلف عن نظرة المرء إلى كيس قمامة متعفن. بل ربما كانت نظرتها تحمل شيئًا من الشفقة أيضًا. «لهذا السبب ستظل بتولا طوال حياتك.» «طوال حياتي؟! هل أنتِ مسافرة عبر الزمن؟!» «لا تنثر لعابك عليّ. قد تنتقل إليّ عذريتك.» «العذرية لا تنتقل إلى النساء!» مع أنها لا تنتقل إلى الرجال أيضًا، في الواقع. «بل لحظة، انتظري! منذ متى وأنتِ تتحدثين وكأن حقيقة كوني بتولا أمر مفروغ منه؟!» «أليس كذلك؟ لا أظن أن هناك تلميذة في المرحلة الابتدائية قد تقبلك.» «لدي اعتراضان على هذا الكلام! أولًا، أنا لست منحرفًا يحب القاصرات، وثانيًا، لو بحثت جيدًا فلا بد أن تكون هناك تلميذة ابتدائية قد تقبل بي!» «إذا كان اعتراضك الأول موجودًا، فما الحاجة إلى الثاني؟» «…………» لم تكن هناك حاجة إليه. «لكن، حسنًا، أقرّ بأنني تحدثت بناءً على مجرد تحيز.» «يكفيني أنك أدركت ذلك.» «لا تنثر لعابك. قد تنتقل إليّ عدوى هاوٍ.» «حسنًا، أعترف! أنا عذري تافه!» لقد أُجبرت على الاعتراف باعتراف يقطر خزيًا. أومأت سينجوغاهارا برضا. «كان عليك أن تقول ذلك منذ البداية. أن ترى امرأة عارية في موقف كهذا هو حظ يعادل نصف ما تبقى من عمرك، فلا داعي لأن تقول كلامًا زائدًا.» «هل أنتِ ملاك موت إذن……؟» هل مجرد عقد صفقة معها يجعلني أرى امرأة عارية؟ يا له من «بصر الموت» خارق للطبيعة. «لا داعي للقلق.» وبينما كانت تقول ذلك، أخذت من الخزانة قميصًا أبيض وألقته فوق حمالة صدرها الزرقاء الفاتحة. ولأنني لم أرغب في العودة إلى عدّ الكتب على الرف مرة أخرى، فقد اكتفيت بمراقبة سينجوغاهارا وهي ترتدي ملابسها. «وسأبقي الأمر سرًا عن هانِكاوا.» «هانِكاوا؟» «أليست الفتاة التي تحبها من طرف واحد؟» «هذا غير صحيح.» «حقًا؟ لأنكما تتحدثان كثيرًا، فظننت أن الأمر كذلك، فقررت أن ألقي الطُعم وأرى رد فعلك.» «لا تحاولي اصطياد الناس بهذه الطريقة أثناء الأحاديث اليومية.» «أنت مزعج. هل تريد أن أتخلص منك؟» «من أين لكِ كل هذه السلطة أصلًا؟!» ومع ذلك، يبدو أن سينجوغاهارا، رغم كل شيء، تراقب ما يجري في الصف. تلاحظ أشياء تبدو وكأنها لا تراها. حتى إنني كنت أظن أنها ربما لا تعرف أنني نائب رئيسة مجلس الطلبة. أو لعلها تعرف ذلك أيضًا لأنها تعتبرني عدوًا محتملًا في المستقبل……؟ «كوننا نتحدث كثيرًا سببه أنها هي التي تأتي وتكلمني من تلقاء نفسها.» «يا لها من طريقة متعجرفة في الكلام. أتريد أن تقول إن هانِكاوا هي التي تحبك من طرف واحد؟» «هذا مستحيل.» قلت: «ما تفعله هانِكاوا سببه ببساطة أنها جيدة في الاعتناء بالآخرين. بل جيدة في ذلك أكثر مما ينبغي. لديها ذلك الاعتقاد الطريف بأن الشخص الأكثر فشلًا هو الأكثر إثارة للشفقة. وأن الفاشلين يتعرضون للظلم ويخسرون أكثر مما يستحقون، هكذا تفكر.» «يا له من وهم طريف فعلًا.» أومأت سينجوغاهارا. «فالشخص الأكثر فشلًا ليس إلا الأكثر غباءً.» «……أنا لم أقل إلى هذا الحد.» «مكتوب على وجهك.» «ليس مكتوبًا!» «لهذا السبب كتبته عليه مسبقًا.» «كيف يمكن أن تكوني قد دبّرتِ ذلك مسبقًا؟!» على أي حال…… لم يكن هناك داعٍ لأن أبرر موقف هانِكاوا؛ فسِينجوغاهارا نفسها لا بد أنها تعرف شخصيتها جيدًا. عندما سألت هانِكاوا بعد انتهاء الدوام عن سينجوغاهارا، بدت مهتمة بها──بشكل واضح. أو ربما كان هذا هو السبب تحديدًا. «إذن هانِكاوا أيضًا──كانت قد استعانت بأوشينو؟» «نعم. نوعًا ما.» بعد أن أغلقت سينجوغاهارا آخر أزرار قميصها، بدا أنها تنوي ارتداء سترة كارديغان بيضاء فوقه. يبدو أنها قررت تنسيق الجزء العلوي من ملابسها قبل الجزء السفلي. حسنًا، لكل شخص ترتيب خاص في ارتداء ملابسه، على ما يبدو. أما سينجوغاهارا فلم تكن تكترث بنظراتي إليها على الإطلاق؛ بل على العكس، كانت تواجهني بجسدها مباشرة وهي تواصل ارتداء ملابسها. «فهمت.» «لذلك──أظن أنه يمكنك أن تثقي به، إلى حد ما. شخصيته لعوبة، مرحة وخفيفة، ومزاجه مستهتر قليلًا، لكنه يعرف عمله جيدًا. يمكنك الاطمئنان. وليس هذا رأيي وحدي؛ هانِكاوا تقول الشيء نفسه، لذلك لا بد أن يكون الأمر صحيحًا.» «حسنًا. لكن، أراراغي-كن.» قالت سينجوغاهارا: «للأسف، ما زلت لا أثق بأوشينو حتى إلى النصف. فمن الصعب عليّ أن أصدقه بهذه السهولة، بعدما ظللتُ أُخدع مرة تلو الأخرى طوال حياتي.» «…………» خمسة──كانوا يقولون الشيء نفسه. وكلهم كانوا محتالين. ومع ذلك. لم يكن ذلك كل شيء──على الأرجح. «وأنا لا أذهب إلى المستشفى إلا من باب العادة. بصراحة، لقد كدت أستسلم تمامًا بشأن هذه الحالة.» «تستسلمين……» عن ماذا──استسلمت؟ ماذا تخلّت عنه؟ «أن هذا العالم الغريب لا يحتوي بالتأكيد على يومي غينغن، ولا كودان كوكِي، ولا أيًّا من أولئك الأبطال الخارقين القادرين على إنقاذي.» «…………» «ربما يكون هناك توجي ميروكو، من يدري.» قالت سينجوغاهارا ذلك وهي تحشو كلماتها بكل ما تستطيع من سخرية. «لهذا يا أراراغي-كن، أنا──لأنني كذلك، لا أستطيع مهما حاولت أن أنظر إلى الأمر بتفاؤل وأقول إن زميلي الذي صادف أنه التقطني بعدما انزلقت قدمي على الدرج، وصادف أنه تعرّض لهجوم مصاص دماء في عطلة الربيع، وصادف أن الشخص الذي أنقذه كان مرتبطًا بمسؤولة الصف، وصادف فوق ذلك كله أنه قادر على مساعدتي أنا أيضًا──كل هذا مجرد سلسلة من المصادفات السعيدة.» وقالت ذلك── ثم بدأت سينجوغاهارا بخلع السترة. «لقد ارتديتها للتو، فلماذا تخلعينها؟» «نسيت أن أجفف شعري.» «أنتِ ربما مجرد حمقاء، أليس كذلك؟» «هل تتكرم بعدم قول أشياء وقحة؟ سيكون الأمر كارثيًا إن جرحت مشاعري.» كان مجفف الشعر يبدو باهظ الثمن على نحو مبالغ فيه. يبدو أنها تهتم كثيرًا بمظهرها. وبالنظر إلى الأمر من هذه الزاوية، بدا حتى ما ترتديه سينجوغاهارا من ملابس داخلية أنيقًا إلى حد لا بأس به. لكن الغريب أن ذلك الشيء الذي كان بالأمس فقط، وحتى الأمس القريب، يشغل مساحة هائلة من أحلامي ويبدو لي ساحرًا إلى حد لا يوصف، لم يعد الآن أكثر من قطعة قماش عادية. أشعر وكأنني أتعرض لصدمة نفسية هائلة في الوقت الحالي. «متفائلة، هاه؟» «ألا ترى الأمر هكذا؟» «ربما. لكن، وما المشكلة؟» قلت: «لا بأس أن تكوني متفائلة.» «…………» «أنتِ لا تفعلين شيئًا سيئًا، ولا تغشين أو تتحايلين، لذلك لا داعي لأن تخجلي. عيشي برأس مرفوع، كما تفعلين الآن.» «كما أفعل الآن؟» نظرت إليّ سينجوغاهارا باستغراب. كانت لا تدرك على ما يبدو مدى اتساع صدرها وقوة شخصيتها. «أنا──لا أفعل شيئًا سيئًا، إذن.» «أليس كذلك؟» «ربما.» لكن سينجوغاهارا، بعد أن قالت ذلك، تابعت: «لكن……» ثم أضافت: «لكن──ربما أكون أتحايل قليلًا.» «ماذا؟» «لا شيء.» بعد أن جففت شعرها وأعادت مجفف الشعر إلى مكانه، بدأت سينجوغاهارا في ارتداء ملابسها من جديد. كان القميص والكارديغان قد ابتلا بسبب ارتدائهما بينما كان شعرها لا يزال مبللًا، لذا علّقتهما على الشماعة وراحت تبحث عن ملابس أخرى داخل الخزانة. «لو أُتيحت لي فرصة أن أولد من جديد……» قالت سينجوغاهارا: «لأردت أن أصبح الرقيب كيرورو.» «…………» لا سياق له، وفوق ذلك أشعر أنني أصبحت بالفعل في منتصف الطريق تقريبًا… «أفهم ما تريد قوله. ستقول إن كلامي بلا سياق، وفوق ذلك لا يمكنني أن أصبح كيرورو أصلًا، أليس كذلك؟» «حسنًا، شيء من هذا القبيل… في نصفه تقريبًا.» «كنت أعلم ذلك.» «…أما كان بوسعك، على الأقل، أن تختاري دورورو، قائد الفصيلة؟» «مصطلح مفتاح الصدمة واقعي أكثر مما ينبغي بالنسبة إليّ.» «حسنًا… لكن اسمعي.» «لا يوجد لكن، ولا حتى شيء يشبه الـ«لكن».» «ما معنى «يشبه الـلكن» أصلًا؟» لم أكن أعرف حتى ما الذي أخطأت فيه حين قالتها. وبالطبع، لم أكن أفهم أصلًا ما الذي تريد قوله. وبينما كنت أفكر في ذلك، غيّرت سينجوغاهارا الموضوع. «أراراغي-كن، هل تسمح لي بسؤال واحد؟ إنه أمر تافه، على أي حال.» «ماذا؟» «ماذا كنت تقصد بقولك إنك تريد أن ترى شيئًا يشبه نقوش القمر؟» «هاه؟ عمّ تتحدثين؟» «لقد قلت ذلك لأوشينو، أليس كذلك؟» «آه…» صحيح. تذكرت الآن. «تتذكرين حديثه عن السلطعون، وأنه قد يبدو أرنبًا أو امرأة جميلة؟ كان هذا ما أقصده. نقوش القمر، من اليابان، تبدو كأنها أرنب يدقّ كعكة الأرز، بينما من أماكن أخرى في العالم قد تبدو على هيئة سلطعون، أو حتى وجه امرأة جميلة من الجانب.» حسنًا، أنا شخصيًا لم أتحقق من الأمر، لكنها المعلومة التي سمعتها. وحين سمعت سينجوغاهارا ذلك، قالت: «حقًا؟» وهزّت رأسها باهتمام بدا صادقًا وجديدًا عليها. «تملك معرفة بهذه الأمور التافهة حقًا. هذه أول مرة في حياتي أشعر فيها بالإعجاب بك.» وصفتها بالتافهة. وقالت إنها أول مرة في حياتها. ولذلك قررت أن أستعرض قليلًا. «لا شيء يُذكر. أنا في الواقع ملمّ بعلم الفلك وعلوم الفضاء. مررت بفترة كنت مهووسًا بها قليلًا.» «لا داعي لأن تتظاهر بالروعة أمامي. أنا أعرف كل شيء عنك أصلًا. أنت لا تعرف شيئًا آخر، أليس كذلك؟» «هل سمعتِ من قبل عن العنف اللفظي؟» «إذن اتصل بشرطة الكلمات.» «…………» لم أكن واثقًا حتى أن الشرطة الحقيقية ستعرف كيف تتعامل مع هذا الموقف. «ليس صحيحًا أنني لا أعرف شيئًا. أنا أيضًا… لنفترض، مثلًا، أنه في اليابان حين يتعلق الأمر بنقوش القمر، فإنها تُرى على هيئة أرنب. لكن هل تعرفين لماذا يوجد أرنب على القمر أصلًا؟» «لا يوجد أرنب على القمر. أراراغي-كن، هل ما زلت تصدق هذه الأشياء وأنت في المرحلة الثانوية؟» «أعني، لو كان هناك أرنب.» همم، أليست «لو كان هناك» أفضل؟ «لو كان موجودًا»؟ لا، ليس هذا أيضًا… «منذ زمن بعيد، كان هناك إله… أو ربما بوذا، لا يهم. المهم أن هناك قصة تقول إن أرنبًا قفز بنفسه إلى النار من أجل ذلك الإله، وأحرق جسده ليقدمه قربانًا له. تأثر الإله بتلك التضحية، ولكي يظل الجميع متذكرين ذلك الأرنب إلى الأبد، ترك صورته مرسومة على قمر السماء.» كانت قصة رأيتها في التلفاز عندما كنت طفلًا، وذاكرتي عنها ضبابية، لذلك أشعر أن معرفتي بها مليئة بالثغرات. لكن على مستوى التفاصيل، أظن أنها كانت شيئًا من هذا القبيل. «يا له من إله قاسٍ. بهذه الطريقة صار الأرنب كأنه معروض للفرجة.» «ليست تلك هي الفكرة من القصة.» «والأرنب نفسه ليس بريئًا. من الواضح أنه كان يحسب أنه إذا أظهر روح التضحية بالنفس، فسوف يحظى باعتراف الإله. يا له من تصرف وضيع.» «ليست تلك الفكرة قطعًا من القصة.» «على أي حال، هذه حكاية لا يمكن لشخص مثلي أن يفهمها.» قالت ذلك، ثم بدأت مرة أخرى في خلع السترة التي كانت قد شرعت في ارتدائها. «…أنتِ في الحقيقة تريدين فقط استعراض جسدك الذي تفخرين به أمامي، أليس كذلك؟» «لست مغرورة بجسدي إلى هذا الحد. كانت مقلوبة، وفوق ذلك ارتديتها من الأمام إلى الخلف فحسب.» «خطأ بارع فعلًا.» «لكن صحيح أنني لست جيدة في ارتداء الملابس.» «أنتِ كالأطفال.» «لا. إنها ثقيلة.» «آه.» كنت متهورًا. صحيح… إذا كانت حقيبتها ثقيلة، فمن الطبيعي أن تكون الملابس كذلك. وعندما تكون الأشياء أثقل بعشر مرات، حتى الملابس تصبح أمرًا لا يُستهان به. ندمت. كانت ملاحظة تفتقر إلى الحساسية… بل كانت زلة غير محسوبة. «هذا الأمر تحديدًا، قد أملّ منه، لكنني لن أعتاد عليه أبدًا. ومع ذلك، يبدو أنك مثقف على نحو مفاجئ يا أراراغي-كن. لقد أدهشتني. ربما توجد مادة رمادية داخل جمجمتك بعد كل شيء.» «بالطبع توجد.» «تقول «بالطبع»؟ إن وجود دماغ داخل جمجمة كائن مثلك لهو حدث أشبه بالمعجزة، أتعلم؟» «يا له من كلام قاسٍ!» «لا تهتم. قلت فقط الحقيقة البديهية.» «يبدو أن هناك شخصًا في هذه الغرفة يستحق الموت…» «ماذا؟ إن كنت تقصد الأستاذ هوشينا، فهو ليس هنا.» «هل قلتِ للتو إن مدرسنا، ذلك المرشد الذي يفترض بنا احترامه، يستحق الموت؟!» «والسلطعون؟ هل قصته مشابهة؟» «هاه؟» «هل قفز السلطعون أيضًا إلى النار بإرادته، مثل الأرنب؟» «آه، نعم… لا، في الحقيقة لا أعرف قصة السلطعون. لا بد أن لها أصلًا أو حكاية ما. لم أفكر في الأمر من قبل… ربما لأن على القمر بحرًا أيضًا؟» «لا يوجد بحر على القمر. ما الذي تقوله بكل تلك الثقة؟» «ماذا؟ لا يوجد؟ ألم يكن هناك…؟» «علم الفلك الذي تتحدث عنه يدعو للرثاء. إنها مجرد تسمية.» «آه… فهمت.» همم. كما توقعت، لا سبيل لمنافسة شخص ذكي فعلًا. «يا للعجب، لقد كشفتَ عن جهلك تمامًا يا أراراغي-كن. لقد كنت متهورة فعلًا حين توقعت منك ولو قدرًا ضئيلًا من المعرفة.» «أنتِ تظنين أنني غبي جدًا، أليس كذلك؟» «كيف عرفتَ؟!» «تفاجأتِ بجدية تامة!» يبدو أنها كانت تظن أنها تخفي الأمر. حقًا؟ «لقد جعلتني، بسببي، أكتشف مدى بؤس مستوى ذكائي… أشعر بالمسؤولية.» «مهلًا، هل غبائي فعلًا بهذا المستوى الخطير؟» «اطمئن. أنا لا أميز بين البشر على أساس درجاتهم الدراسية.» «طريقة قولك لذلك تمييزية بحد ذاتها!» «لا تنثر لعابك. قد تنتقل إليّ عدوى محدودية التعليم.» «نحن في المدرسة الثانوية نفسها!» «لكن ماذا عن أعلى مؤهل دراسي في النهاية؟» «أوغ…» صحيح. «أنا حاصلة على شهادة الدراسات العليا. وأنت تركت المدرسة الثانوية.» «سأتركها بعدما أصبحت في السنة الثالثة؟!» «ستتوسل إليهم بنفسك، باكيًا، أن يسمحوا لك بتركها في أسرع وقت ممكن.» «تقولين كلام الأشرار الذي لم أسمعه إلا في المانغا بهذه البرودة؟!» «حان وقت فحص معدل الذكاء الدراسي. أنا: أربعة وسبعون.» «تبًا…» سبقتني إليها. «أنا: ستة وأربعون…» «إذا قرّبناها لأقرب عشرة، تصبح صفرًا.» «ماذااا؟! هذا كذب! إنها ستة وأربعون… آه، أنتِ تقصدين خانة العشرات! ماذا فعلتِ بمعدل ذكائي؟!» تفوقني بنحو ثلاثين نقطة، ومع ذلك راحت تنهش في جثة مهزومة أصلًا! «ما لم أترك فارق مئة نقطة، لا أشعر أنني فزت فعلًا.» «وحتى رقمك أنتِ… غيّرتِ خانة العشرات أيضًا…» لا رحمة. «لهذا السبب، لا تقترب مني مستقبلًا ضمن دائرة نصف قطرها عشرون ألف كيلومتر.» «لقد طُردتُ من كوكب الأرض؟!» «بالمناسبة، هل تعتقد أن الإله أكل ذلك الأرنب المسكين فعلًا؟» «هاه؟ آه، عدنا إلى الموضوع من جديد؟ هل أكله أم لا… إذا واصلتِ القصة إلى تلك النقطة فستصبح دموية ومروعة.» «حتى من دون مواصلة القصة، هي مروعة بما يكفي.» «لا أدري. لا أعرف، فأنا غبي.» «لا تتذمر. هذا سيجعل مزاجي سيئًا.» «ألا تشعرين ولو قليلًا بالشفقة عليّ…؟» «حتى لو أشفقْتُ على شخص واحد، فلن تختفي الحروب من العالم.» «لا تتحدثي عن العالم وأنتِ عاجزة عن إنقاذ حتى شخص واحد! ابدئي أولًا بإنقاذ هذه الحياة الصغيرة البائسة التي أمامك! أنتِ قادرة على ذلك!» «همم. لقد قررت.» قالت سينجوغاهارا ذلك بعدما ارتدت أخيرًا قميصًا أبيض بلا أكمام، وسترة بيضاء، وتنورة بيضاء واسعة. «إذا سارت الأمور على ما يرام، فلنذهب إلى هوكايدو لنأكل السلطعون.» «أظن أنه يمكننا أكل السلطعون من دون الذهاب إلى هوكايدو، كما أن هذا ليس موسمه أصلًا، لكن… إذا كنتِ تريدين ذلك يا سينجوغاهارا، فلا بأس، أليس كذلك؟» «وأنت ستذهب معي.» «لماذااا؟!» «أوه، ألم تكن تعرف؟» ابتسمت سينجوغاهارا. «السلطعون… لذيذ جدًا.»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط