قصة الجرح — الفصل السادس عشر
016
لم أكن أعرف أين ينبغي لي أن ألوذ بفراري في موقف كهذا──فالعودة إلى المنزل كانت غير واردة بالطبع، وحتى لو كانت هناك أنقاض أخرى تشبه ذلك المعهد التحضيري المهجور، فلم أكن أملك الترف الروحي الذي يسمح لي بالبحث عنها. كان الوقت يلاحقني. ولحظة شروق الشمس تقترب حثيثًا ودقيقة بعد دقيقة──حتى وجدتُ نفسي محاصرًا ببساطة. في النهاية. أدخلتُ ليس يدي الواحدة فحسب بل كلتا يديّ داخل رأسي، ورحتُ أعبث بمخي عبثًا وأعصر تفكيري عصرًا──حتى اخترتُ مستودع المعدات الرياضية في مدرسة ناويتسو الثانوية ليكون ملاذي المؤقت. ملاذ مؤقت──مؤقت بامتياز. ومع ذلك، فإن هذا المستودع الرياضي المخفي خلف الباب الحديدي والخالي من النوافذ بدا مناسبًا إلى حد ما ليختبئ فيه──مصاص دماء مثلي──حتى في وضح النهار. بالنسبة لقرار اتُّخذ تحت وطأة العجز، لم يكن المكان سيئًا إلى هذه الدرجة. شعرتُ من أعماق قلبي بالامتنان لأنني لم أستسلم في ذلك اليوم الذي قاتلتُ فيه دراماتورغي، وقمتُ بإصلاح الباب الحديدي بالقوة وإعادة تركيبه بمكانه──كلا، لم أشعر بالامتنان إطلاقًا. لم يكن هناك شيء يدعو للارتياح. كل شيء كان خاطئًا. «أُ… أُووووووووووو» تطكك أسناني دون توقف──طق، طق. وجسدي لا يكف عن الارتجاف. لماذا؟ لماذا؟ لماذا لم أنتبه لأمر كهذا؟ كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد──مصاصة دماء. مصاص دماء. ضعيف أمام الشمس. يكره الصليب. يكره الرصاص الفضي. يكره الماء المقدس. يكره الثوم. يكره السموم. يموت إذا غُرِس وتدٌ في قلبه. لا ظل له، ولا ينعكس في المرايا. نابان. خلود. قدرة شفاء شبه أبدية. عينان تريان في الظلام الدامس. قدرة على التحول. دمه يملك قدرة علاجية. و──يأكل البشر. «أُوووووو…… أُوواااااااااااع!» مهما أننتُ وأننتُ وأننتُ── لم يكن يتفجر في داخلي سوى الندم. أدخل يدي في رأسي، وأواصل العبث بمخي──أين أخطأتُ، وكيف أخطأتُ حتى آلت الأمور إلى هذا الحد؟──أواصل التفكير. لكن. في النهاية، كان كل شيء خاطئًا من الأساس. بالنسبة لمصاص الدماء، البشر هم مجرد وجبة. بالنسبة لهم ككائنات أسمى، فإن البشر الكائنات الأدنى يقفون في درك أدنى ضمن هرم السلسلة الغذائية. ألم يكن ذلك… شيئًا كان ينبغي أن أدركه منذ البداية؟ في الواقع──ألم تحاول هي قتلي؟ ألم تحاول أكلي؟ ألم تحاول تجريف دمي حتى آخر قطرة؟ مجرد بشري لا قيمة له. في الأساس، حتى أنا── لم أكن بالنسبة لها سوى طعام. حتى لو توهمتُ وجود تفاهم بيننا. حتى لو شعرتُ برابطة من طرف واحد. في النهاية──أنا مجرد طعام. «…………» بالنسبة لكيس-شوت──كل البشر سواسيّة. كل إنسان بالنسبة لها متساوٍ تمامًا. بالطبع، كانت تقدر مهارة أوشينو. كان ذلك الوغد يملك مهارة تفرض احترامها. بل ربما دار بينهما مثل هذا الحديث في مكان لا أراه فيه──هكذا ظننت، ولكن رغم ذلك، فالبشر هم البشر. والطعام هو الطعام. وحتى أوشينو كان مدركًا لذلك. والدليل على ذلك──أنه غادر الأنقاض قبل أن تستعيد كيس-شوت جسدها الكامل ومهاراتها كمصاصة دماء، أليس كذلك؟ ثم. حين أستحضر الأمر بتمعن──نجد أن كيس-شوت لم تكد تتحدث مع هانيكاوا على الإطلاق. بل لم تكن تراها في الحسبة أصلًا. وهذا طبيعي. فبالنسبة لكيس-شوت، كانت هانيكاوا مجرد طعام. لم تكن تنظر إليها كصديقة لي── بل كانت تعتبرها زادي المحمول. زادي المحمول أنا، مصاص الدماء. أو ربما، لو كانت قد التقت بهانيكاوا بعد أن استعادت قدرتها على مص الدماء، لكانت هانيكاوا قد وقعت ضحية لتلك القدرة──هكذا ظننت. تمامًا كما حدث مع غيوتين-كاتر. لكانت قد قُطِّعَت إربًا وتم التهامها. «جرت العادة على أن لحوم رجال الدين رديئة الطعم──لكنه كان لذيذًا على نحو غير متوقع. لم أكن أظن أن لدي تفضيلًا في الطعام، لكن القول بأن الجوع أفضل توابل الطعام صحيح بحق.» «كلا…» وهي تمسح بلسانها بغنج الدماء وقطع اللحم الملتصقة حول فمها، قلـتُ لها──متعصرًا كل ذرة فيّ. مستجمعًا شجاعتي. وخوفي. متعصرًا كل ما أملك لقولها: «…كـ… لا يجوز لكِ أكل البشر.» «مم؟» ويبدو أنها لم تفهم حقًا، فأمالت كيس-شوت رأسها بدهشة شديدة. «ولكن يا خادمي، إن لم آكل فسوف أموت؟» معها كل الحق. كانت محقة تمامًا. سبب في غاية البساطة والوضوح. بسيط إلى أقصى حد ممكن. وأمام ذلك السبب، لم تكن كيس-شوت تراودها أدنى شكوك──ولم تحاول حتى إقناعي، أنا الذي كنت بشريًا سابقًا وأسعى للعودة إلى بشريتي. كانت تراها مجرد بديهيات عامة. ولعلها بديهيات بالفعل بالنسبة لها. طوال الوقت──كانت تأكل البشر. لابد أنها ظلت تأكل البشر طوال عهدها. واستمرت في أكلهم. مصاصة دماء. الخادم الأول──ثم الخادم الثاني. عاشت خمسمائة عام، ومن المستحيل أن يكون الشخصان اللذان مصت دماءهما هما هذين الاثنين فقط──وكل البشر الآخرين، تمت تجزئتهم على ذلك النحو، والتهام لحومهم وعظامهم دون ترك أثر. كانت تلك هي طريقة تزويدها بالطاقة عندما لا تخلق خادمًا. بحسب ما سمعته منها. فإن القول بأن أية شائعة تقول إن الإنسان يتحول إلى مصاص دماء بلا استثناء إذا مص مصاص الدماء دمه──ليست كذبًا محضًا. فإذا لم تُتَّخذ الإجراءات المناسبة بعد مص الدم، يتحول أي شخص بالفعل إلى مصاص دماء. إذا مُصت منه قطرة دم واحدة. يتحول الشخص حتمًا إلى──مصاص دماء. والإجراء المناسب الذي تحدثت عنه هو──التهام جسد ذلك البشري حتى لا تبقى منه قطعة لحم واحدة. وبهذا يحصل مصاص الدماء على قدر أكبر من الغذاء──وتسْلَم جثة البشري المستنزَف من التحول إلى مصاص دماء. هكذا إذن هي الحقيقة. أنا، لأن دمي مُصَّ فحسب──تحولتُ إلى مصاص دماء. أما غيوتين-كاتر. فقد تم التهام لحمه──كوجبة طعام. ولكن هذا لم يقتصر على غيوتين-كاتر وحده، بل كان هو ما ظلت كيس-شوت تفعله طوال الخمسمائة عام الماضية. شيء بديهي. شيء أعدم من البداهة ما يجعله بغنى عن التفكير──ومع ذلك، لم أنتبه له، ولم أحاول الانتباه له، وظللتُ أغمض عينيّ عنه باستمرار. صحيح. أنا الوحيد الذي لم يفهم شيئًا. حتى حين التقيتها أول مرة، وهي في حالة إشراف على الموت، لم تكن كيس-شوت تفهم إطلاقًا في البداية لماذا لا أحاول إنقاذها وهي تحتضر. لماذا لا يُقدّم لها العون؟ كانت عاجزة عن الاستيعاب. لماذا لا يقوم البشري──الذي هو مجرد طعام──بإنقاذ مصاصة الدماء؟ المفترس والفريسة. لا توجد بينهما سوى هذه العلاقة فحسب. «أُ، أُوووو…… آه» غيوتين-كاتر. كان رجلًا كريهًا. جبانًا وخسيسًا، لا يستحق حتى أن يُحسب على البشرية. ومع ذلك── لم يكن إنسانًا يستحق القتل. صحيح أن هانيكاوا تعرضت لمكروه بسببه──لكن ذلك كان خطئي أنا في النهاية. لأنني كنت مصاص دماء. غيوتين-كاتر. مهما كانت أسبابه وسائله، كان يحاول فقط إبادة الوحوش. «لا… أكره هذا. أكره هذا، أكره هذا، أكره هذا… أكره هذا. لا أملك أدنى رغبة في التفكير──لا أريد التفكير!» سحبتُ يدي من داخل مخي──وأمسكتُ برأسي بكلا يديّ. «لا أريد!» لكن عقلي لم يتوقف عن التفكير. لم يكن الأمر مقتصرًا على غيوتين-كاتر. دراماتورغي. وإبيسود. حتى هما اللذان قيل أنهما عادا إلى ديارهما، كان هدفهما القضاء على مصاصة الدماء──والشخص الذي أعاق هدفهما لم يكن سوى أنا. بعد كل الجهد. أطراف كيس-شوت التي انتزعوها بمشقة──قمتُ أنا بانتزاعها منهم مجددًا. بل وأدهى من ذلك وأمرّ، أعدتُ تلك مصاصة الدماء الأسطورية إلى هيئتها الكاملة──أعدتُ إحياءها! فضلاً عن غيوتين-كاتر. في المستقبل، كلما أكلت كيس-شوت بشريًا──كلما تناولت وجبة، فسيكون ذلك كله تحت مسؤوليتي أنا. لو أُكِلَت هانيكاوا. لو أُكِلَت أختاي. لو أُكِل والداي. كل ذلك سيكون──بسببي. لأنني أنقذتها. الأمر لا يقتصر على أطرافها وقلبها فحسب. في الأساس، في ذلك اليوم الأول، وفي تلك اللحظة بالذات. تحت عمود الإنارة ذاك، لو لم أنقذ كيس-شوت──لو استطعتُ تركها ومغادرة المكان، لكانت القصة قد انتهت عند ذلك الحد. فشلي في التخلي عن كيس-شوت في ذلك الوقت──أدركته الآن بعد فوات الأوان، كان مجرد ضعف في قلبي. ليس قوة كالقوة التي تملكها هانيكاوا. ولا تشبه إطلاقًا تلك الطيبة التي وصفها أوشينو بالمقززة وأثارت خوفي؛ بل هي ضعف محض. إنه ليس إيثارًا للتضحية بالنفس، بل مجرد إرضاء للذات. لمجرد أنني عشتُ حياتي بلا مبالاة──فهذا لا يعني أنني أملك الحق في الموت بلا مبالاة! لو أنني مُتُّ هكذا، مأكولًا من قِبل مصاصة دماء. كيف كانت أختاي ستشعران مثلًا؟ هل كنت أظن حقا أنهما لن تبكيا؟ «──غِ، إيغ!» شعرتُ برغبة في التقيؤ، فصارعتُ لإمساك نفسي. وكدتُ أبكي، لكنني كتمتُ دموعي أيضًا. كتمتها لأنني لم أعرف ما الذي سيحدث لو انهارت السدود دفعة واحدة──كنت خائفًا من أن أفقد السيطرة على نفسي. في هذه اللحظة. أردتُ الحفاظ على أدنى قدر من تماساكي العقلي. بعد أن دخلتُ مع كيس-شوت في جدال وشجار حاد لدرجة أنني لم أعد أتذكر ما قلناه فيه──انتهى بي الأمر بالفرار من أنقاض المعهد التحضيري بلا وجهة محددة. وكان المكان الذي وصلتُ إليه هو هذا المستودع الرياضي. الظلام الوحيد المتبقي في ذاكرتي. لابد أن الشمس قد أشرقت بالخارج الآن──ورغم أنها العطلة الربيعية، فقد يأتي أصحاب الأنشطة الرياضية إلى المدرسة، لكن لحسن الحظ اليوم هو اليوم الأخير من العطلة الربيعية. ويُفترض أن الأنشطة الطلابية محظورة فيه. لا داعي للقلق من أن يفتح طلاب الأندية الرياضية هذا المستودع. بالطبع، لقد صنعتُ ساترًا حاجزًا من الداخل للاحتياط. «بسببي» أفكاري… تسربت من بين شفتي دون أن أشعر. «بسببي، سيستمر أكل البشر──من الآن فصاعدًا» من قِبل تلك مصاصة الدماء التي لا يستطيع أحد إيقافها. مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، الحار و البارد. كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد! «بسببي──بسببي، بسببي!» حين أفكر في الأمر. يتضح أن أوشينو كان يتوقع هذا السيناريو بالفعل. في الأساس، رغم كلامه عن “التوازن”، فإنه عندما انتزع قلب كيس-شوت في البداية، لم يكن يملك أي تكليف من أحد──لأنه لم يلتقِ بأولئك الثلاثة إلا بعد ذلك. إذن، كان ذلك قرارًا ذاتيًا منه. تصرفًا خرج به عن نطاق عمله. وسيطًا بين هذا الطرف وذاك. وهذا يعني──أنه على الأقل تصرف وفق انحيازه للجانب البشري حين انتزع قلب كيس-شوت. ولم يذهب إلى حد إبادتها. لأن مبدأه هو تحقيق التوازن. “الانتهازية” أو “الوقوف على الحياد”──أتذكر أن كيس-شوت وصفت أوشينو بذلك. وهذا التوازن الذي أقامه──قمتُ أنا بتدميره. وإذا كان إيجاد كيس-شوت لخادم أمرًا غير متوقع، فلا شك أن وجود بشري ينقذ كيس-شوت وهي تفارق الحياة كان أمرًا غير متوقع بالقدر نفسه. تفكيري الأرعن، وتصرفي الأحمق── كانا خارج حسابات الجميع بلا استثناء. جعلتُ جهود الثلاثة تذهب أدراج الرياح. وجررتُ أوشينو الذي سلبها قلبها إلى هذه المعمعة. ألسـتُ أنا من عقّد الأمور برمتها؟ “يبدو أن أحدًا ما يدبر هذا؟” أي هراء أقوله؟──الشخص الذي دبر هذا هو أنا بالذات! هذه الوضعية برمتها، من ألفها إلى يائها، وبلا أي استثناء──هي خطئي أنا بالكامل! تصرفي الطائش. وهذا الجزاء والعقاب الناتجان عن ضعف قلبي الذي لم يستطع التخلي عن مصاصة دماء تحتضر──هذا هو النتاج! غيوتين-كاتر مات. أُكِل ومات. قُضِم رأسه، والتُهِم مخه مع جمجمته──لا توجد طريقة لإعادته للحياة مهما حدث. حتى لو استخدمنا دم مصاص الدماء أو أي شيء آخر──لن يعود للحياة. مات. الموت. أمر لا يمكن تداركه بحال من الأحوال. «لماذا آلت الأمور إلى هذا الحد──» ولم يكن غيوتين-كاتر سوى البداية لا النهاية. مجرد نقطة انطلاق جديدة لمصاصة الدماء، كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد. ستواصل من الآن فصاعدًا──تناول طعامها بشكل “عادي”. “العادي هو الألم.” أظن أنني سمعتُ مثل هذه العبارة من أحد ما. لم يعد في الإمكان إيقافها──فالرأس الثالث المهم في ذلك المثلث القيادي قد أُكِل، ناهيك عن أنهم لم يكونوا ليقدروا عليها حتى لو هاجموها مجتمعين في وضعها الأصلي. دراماتورغي. وإبيسود. مهما كان ذلك دافع عمل أو دافعًا شخصيًا، فلن يحاولا الخروج لمواجهة كيس-شوت وهي في هيئتها الكاملة بعد الآن──وحين أفكر في هذا، أدرك أن الحس بالمسؤولية لدى غيوتين-كاتر الذي واجه كيس-شوت بمفرده كان شيئًا استثنائيًا بحق. رغم أنه لم يكن رجلًا يستحق الثناء. لكن مع ذلك، كان ذلك تجسيدًا لقوة البشر. وحتى لو هُزِم وقُتِل──فإن ذرات حقيقته لن تبهت. الذي بَهُت وفَقَد قيمته──هو أنا. أوشينو ميمي──أوشينو الذي تمكن من انتزاع قلب كيس-شوت دون أن تلاحظ، ربما يكون قادرًا على إيقافها، لكنه على الأرجح لن يفعل. فالتوازن قد أُقيم وانتهى الأمر بالنسبة له. اللعبة. والموقف، كلاهما قد انتهى. لقد خسر البشر. أمام كيس-شوت──خسروا. وفي الأساس، بأي وجه يمكنني أن أطلب منه──الآن بعد كل ما حدث──أن يوقف كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد؟ مستحيل أن أقول ذلك. لو قُطِّع لساني، لن أستطيع القول. «──لم أعد أحتمل هذا» هذه العطلة الربيعية. لم يخطر ببالي قط أن كل ما فعلته في هذه العطلة الربيعية كان خاطئًا بالكامل──رغم التقلبات الشديدة، حين كنت ألتفت للوراء، كانت تبدو كعطلة ربيعية ليست بالسيئة──كان ينبغي ألا تكون سيئة── لكنها في الحقيقة كانت أسوأ عطلة ربيعية على الإطلاق. جحيم محض. مهزلة أليمة شبيهة بالجحيم. ولم أكن سوى أحمق لا يفهم أي شيء. «رغم أنني أكره هذا» ومع ذلك. كان هناك شيء آخر يشتعل ويتأجج في داخلي. حقيقة مرعبة أدركتُ وجودها، وأنا أحاول بشتى الطرق تحويل نظري عنها بالندم وبجلد الذات. لكن غض البصر كان قد وصل إلى حده الأقصى. أجل. تلك أيضًا حقيقة جليّة كالشمس. «رغم أنني أكره هذا، فإنني أنا أيضًا» حقيقة واضحة للغاية──ومعروفة تمامًا. «فإنني أنا أيضًا──مصاص دماء» مهما خفتُ من وجود مصاصي الدماء، ومهما كرهتهم ومقتُّهم──أنا نفسي أحمل هذا الوجود ذاته. أجل. كلمات أوشينو تطبق فوق صدري بثقلها. تثقل كاهل قلبي. وتستقر ثقيلة في معدتي── ──آه، صحيح صحيح. ──أراراغي-كن، أسألك هذا بدافع الفضول المحض فقط── ──ألم تشعر بالجوع مؤخرًا؟ «………………!» أشعر… ببعض الجوع. أشعر بهسيس الجوع الآن. ──هكذا إذن. ──لكن بطبيعة الحال── ──أظن أنه قد حان الوقت لتشعر بالجوع تقريبًا. ──فقد مضى أسبوعان على أي حال── «تبًا، تبًا، تبًا، تبًا……!» الآن──ما زلتُ أستطيع التحمل. إنه مجرد جوع خفيف. لكن──إذا كانت إشارات أوشينو تلك تلمح إلى الوضع الحالي──فسوف يرغب عقلي قريبًا في مص دماء البشر. سأشعر بدافع وميل لامتصاص الدماء. وسأرغب في أكل البشر. لأنني──أنا نفسي وحش. لأنني كائن أسمى. «تبًا!» الخادم الأول. لا طريقة لدي لمعرفة أي رجل كان──لكن سبب انتحاره بعد سنوات قليلة فقط كان على الأرجح يرجع إلى هذا التحديد. ربما كان مختلفًا عني──لكنه كان يشبهني في النهاية. لم يستطع تحمّل فكرة سقوطه إلى مرتبة الوحوش──بل ارتقائه إلى مرتبة الوحش. وكيس-شوت بالطبع لم تفهم مشاعره تلك──وليس بمقدورها فهمها. تلك مشاعر بشرية. وبعد أربعمائة عام من ذلك. أنا، الخادم الثاني──أواجه المصير ذاته. «ها… هاهاماهاماهاماه» أخيرًا──بدأت الضحكات تخرج من حلقي. لا يملك المرء سوى الضحك. حين أفكر في الأمر، هذه ملحمة هيكلية من المهزلة والمضحكات. أقصوصة هزلية ممتازة بكل المقاييس. تتخبط يمينًا وشمالاً، لتكتشف في نهاية المطاف أن كل ما فعلته كان خاطئًا بالكامل──لو كان هناك جمهور يتابع هذه المأساة، لكنتُ بصلابة مهرجًا بارعًا للغاية. أحمق إلى أقصى الحدود. أحمق بدرجة تجعل الأمر مضحكًا بحق. «ما الذي ينبغي لي فعله الآن إذن──ليس أمامي سوى الموت» كان ذلك. فكرًا بديهيًا، إن جاز التعبير. عديم الفائدة كليًا. الآن بعد كل ما حدث. لم أعد أرغب في العودة بشريًا الآن بعد فوات الأوان. فبعد اقتراف كل هذه الآثام، لا يمكنني الاستمرار في التفكير بأنانيّة ونيل ما أرغب فيه وحده──كلا. هذا مجرد تجميل للواقع. أنا حتمًا لا أفكر بذلك النبل والتقوى. كل ما في الأمر──أنني خائف. خائف من أن أعود بشريًا──وفي تلك اللحظة بالذات، تلتهمُني كيس-شوت. هذا مؤكد. أنا خائف فقط من السقوط إلى القاع الأدنى من السلسلة الغذائية. لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع البقاء كمصاص دماء. أكره مص الدماء وأكره أكل البشر. وحتى هذا الجسد الخالد بات مقيتًا بالنسبة لي الآن. لذلك. «ليس أمامي سوى الموت» ليس موتًا بلا مبالاة──بل موت حقيقي منظم. السبب الرئيسي لموت تسعين بالمائة من مصاصي الدماء. صحيح أن الأمر مختلف عن الموت من الملل. لكن الشعور بالذنب يقتل الإنسان أيضًا──لذلك. تمامًا كالخادم الأول، ليس أمامي سوى اختيار الموت──لم تعد أمامي أي طريق أخرى سوى هذه. في الحقيقة──لماذا اختبأتُ في مستودع الأدوات الرياضية هكذا من الأساس؟ لماذا حاولت البقاء حياً خلال النهار بهذه الطريقة؟ نعم، مثلًا. مثلًا لو أزلت الساتر الحاجز الآن، وفتحت الباب الحديدي، وقفزت بجسدي إلى الملعب──لسقطت قتيلًا واستطعت الموت. “نزعة انتحارية”──ألم يُقَل لي شيء من هذا القبيل؟ بالطبع، مع قدرة التجدد الذي أملكه بصفتي تابعا لكيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد، فلن أموت بتلك السهولة بمجرد إلقاء نفسي تحت الشمس──بل سأستمر فقط في التبخر والتجدد مرارًا وتكرارًا، ولكن مع ذلك. سأكون قد متُّ بحلول غروب الشمس. لو خلعتُ ملابسي ووقفتُ عاريًا أستقبل أشعة الشمس بجسدي كله──ستكون تلك أول وآخر تجربة تعرٍّ استعراضي في حياتي. ملك الظواهر الماورائية “ملك بلا حياة” (No-Life King)… أم ملك عارٍ يحب الاستعراض (Streak-King)؟ دعابة غير مضحكة إطلاقًا، هكذا فكرتُ. لهذا السبب أقول دائمًا أن دوري الطبيعي هو التعقيب الساخر (Tsukkomi). «…آآه» لقد فشلتُ بحق. فشلتُ تمامًا وبلا أمل. ظننتُ أنني أستطيع إدارة الأمر بشكل أفضل──ظننتُ أنني أحسن الصنع. لكن الواقع يمثل في هذه الصورة المزرية. مثير للشفرة والشماتة. ولم يعد أمامي سوى الموت. «…آه، صحيح» وبمجرد أن اتخذتُ ذلك القرار. انقشع الغمام عن عقلي وهدأتُ فجأة وكأن روحًا خبيثة غادرتني. فكرتُ أنه يلزمني الاتصال بالمنزل. لقد نسيتُ الأمر تمامًا، لكن البلاغ القائم هو أنني خرجتُ في “رحلة للبحث عن الذات”──بينما الحقيقة البسيطة هي أنني فقدتُ ذاتي ليس إلا. كلا──أليس من الأفضل ألا أتصل؟ كيف عساي أن أبلغهم بأنني على وشك الموت؟──وليس بإمكاني إطلاقًا الإفصاح عن السبب. إذن لعل الأفضل البقاء على سيناريو الشقيق الأكبر الذي اختفى في رحلة البحث عن الذات. لا أعلم كيف سيتلقون الخبر، لكن بغض النظر عن والديّ، لعل أختيَّ ستحولان الأمر إلى أضحوكة──الفتى الهارب من المنزل. ليس هروبًا مؤقتًا، بل هروب حقيقي. أظن أن ذلك قد يكون خيارًا غير سيئ. «لكنني كنتُ أريد القول لـ هانيكاوا──على الأقل» بل وينبغي عليّ القول لها. هانيكاوا التي تورطت إلى هذا الحد، وهانيكاوا التي جُرَّت إلى هذه المعمعة، لا يمكن بأي حال أن تظل جاهلة بكل شيء──ولكن لسوء الحظ، لا أملك الآن، في هذا المستودع الرياضي الذي فررتُ إليه هربًا من ضوء الشمس ومن كيس-شوت، أي طريقة للتواصل مع هانيكاوا. لقد مسحتُ رقم هاتفها وعنوان بريدها الإلكتروني بنفسي. أمام عينيها مباشرة. مسحتهما من أجل جرح مشاعرها. ومنذ أن التقيتُ بهانيكاوا مجددًا بعد ذلك──لم أستطع سؤالها عن بيانات تواصلها من شدة الإحراج. ورغم أن ذلك الحرج كان مجرد شعور فردي أوهَمْتُ نفسي به──إلا أنني أتحسر عليه بشدة الآن. أي جبان ورعديد أنا؟ صحيح أنني جيد في الرياضيات، لكن هذا لا يعني أنني ممتاز في حفظ الأرقام، فمن المستحيل أن أحفظ تسلسل رقم هاتف من أحد عشر رقمًا، وناهيك عن عنوان البريد الإلكتروني المكتوب بالأحرف الأجنبية. لو كنتُ اتصلتُ بها ولو مرة واحدة لكان الرقم حُفِظ في السجل──لكنني لم أتصل بهانيكاوا ولا مرة، وهانيكاوا بدورها لم تتصل بي. وحين أفكر في الأمر، بتلك الطريقة التي مسحتُ بها معلوماتها، لم تصلها أرقامي ولا عنوان بريدي أيضًا. هي الأخرى لا تعرف بيانات التواصل معي. لو أنني أخذتُ رقمها في ذلك الوقت. …لو أنني أخذته في ذلك الوقت، فماذا بعد؟ هل كنتُ أتوقع أن تتصل بي هانيكاوا في هذا التوقيت بالذات كأنها قادرة على قراءة الأفكار؟ هراء. مهما كانت خارقة، فلن تستطيع القيام بأشياء تشبه قدرات الأبطال الخارقين──ولن توجد حبكة مريحة إلى هذا الحد الملائم. لو كان الإله يوفر مثل هذه التسهيلات الملائمة، لما أصبحتُ في هذا الوضع المرير ولما اقترفتُ تلك الخطايا. وبينما كنتُ أمارس هذه المحاولات اليائسة العديمة الفائدة، أخرجتُ هاتفي المحمول لمجرد التأكد من الوقت الحالي. كان الوقت يشير إلى الخامسة مساءً. يبدو أنني حبستُ نفسي هنا لأكثر من اثنتي عشرة ساعة──رغم أنني لا أشعر بذلك إطلاقًا. ومع ذلك، فإن معرفة الوقت الحالي غير المهمة دخلت ناظريّ واستقرّت في ذهني دون أدنى أهمية. لكن ما ضرب قلبي بصدمة شبيهة بطعنة أداة حادة، كان أن محاولتي اليائسة في فتح قائمة الأسماء──لم تكن يائسة إطلاقًا. هناك. كان اسم هانيكاوا تسوباسا مسجلًا. «…قلتُ لكِ» تمتمتُ بصوت خافت. يا لدهشتي، رغم هذا الموقف العصيب، وجدتُ نفسي متأثرًا للغاية──لم أكن أتخيل إطلاقًا أن يغمرني التأثر لمجرد النظر إلى الشاشة الجافة لهاتفي المحمول. رغم أنني ظننتُ ألا شيء جيد ينتظرني، وأن هذه العطلة الربيعية مليئة بالشرور والمصائب فقط. «تبًا، لا تعبثي بهاتف الآخرين دون إذنهم…!» كانت الفرص متاحة لها في أي وقت. حين أتت إلى هذا الملعب لتعيد لي الهاتف أثناء معركتي مع إبيسود، أو في أي وقت آخر. فأنا غير مهتم بحماية هاتفي ولا أضع عليه رمز حماية. لأنه لا يحتوي تقريبًا على أي معلومات شخصية قيمة──لكن. في قائمة الأسماء التي كانت فارغة. أُعيد تسجيل اسم هانيكاوا تسوباسا مجددًا. رقم الهاتف──والبريد الإلكتروني أيضًا. «…………!» رغم أنني فكرتُ في البداية أن عدم إخبارها لا بأس به أيضًا. كنتُ أرغب في قول ذلك لهانيكاوا، وفكرتُ أنه ينبغي عليّ إخبارها، ولكن في مكان ما في عقلي، فكرتُ أنه حتى لو لم أستطع إخبارها فلعل ذلك أفضل. مع أنه لا يمكن بأي حال تركها دون معرفة شيء. ولكنني في الوقت نفسه لم أكن أرغب في إخبارها بأي شيء. ولهذا السبب──حين تحدثتُ عن التيسيرات والمصادفات، لعل ذلك السيناريو كان يلائم أنانيتي أكثر. ولكن، هذا محال. ما إن حدث هذا، حتى أصبح ما يتوجب عليّ فعله واضحًا ومحددًا. بل كلا──لقد اتخذتُ القرار بنفسي. كتبتُ بريدًا إلكترونيًا إلى هانيكاوا. لأنني لو اتصلتُ بها هاتفياً، فلربما انفجرتُ في البكاء. يا ترى ماذا تفعل هانيكاوا في اليوم الأخير من العطلة الربيعية؟──هل تدرس في المكتبة؟ لكني لا أعرف أين تقع المكتبة، ولو كانت هناك بالفعل فمن المحتمل أن تكون قد أوقفت تشغيل هاتفها. لا بأس على أي حال. سأنتظر الرد بطول بال. وبينما كنتُ أفكر في ذلك، وصلني الرد فورًا. حين تحققتُ من الرسالة، كان وقت استلامها هو نفسه وقت إرسالي لرسالتي تمامًا. لم يكن هناك فارق ولا حتى دقيقة واحدة. مستحيل… هذا يعني أنها ردت في غضون ستين ثانية كحد أقصى. ظننتُ أن الرسالة تحتوي على رد ملخص وموجز، وحين قرأتُ نصها، كانت رسالة رسمية كاملة الأركان تبدأ بـ «عزيزي المحترم» وتستفتح بالمجاملات التقليدية وتختتم بـ «وتقبلوا خالص التحيات». مذهل. صحيح أنني سمعتُ أن الفتيات يكتبن الرسائل بسرعة، ولكن… تذكرتُ أنه في يوم حفل ختام الفصل الدراسي، حين أدخلت بياناتها في هاتفي للمرة الأولى، كانت سرعة كتابتها فائقة… لكن هذا مذهل مجددًا. علاوة على ذلك، وبما أنني لا أتبادل الرسائل إلا مع أفراد عائلتي تقريبًا، فلم أكن أعلم أن البريد الإلكتروني يتطلب كتابة نصوص رسمية ومؤدبة إلى هذا الحد… ظننتُ أنها وسيلة تواصل أكثر عفوية. على أي حال، كان ملخص رسالة هانيكاوا هو: «سآتي فورًا، فانتظرني». وفي النهاية، ونظرًا لعدم قدرتي على كتابة شرح وافٍ، لم أرسل سوى ملخص مقتضب للغاية للموقف، ولكن كما هو متوقع من هانيكاوا، يبدو أنها أدركت كل شيء من ذلك القليل. حقًا. لو أن هانيكاوا هي التي التقت بكيس-شوت بدلًا مني، لكان ذلك أفضل بكثير. “اذكر الشرير وتجهز بالهراوة”، أليس كذلك؟ هانيكاوا بدورها كانت تتحدث عن شائعات مصاصي الدماء تمامًا مثلي──لكن هانيكاوا التقت بي أنا، وأنا من التقى بكيس-شوت. وفجأة يخطر ببالي خاطر. يقال إن شائعة كيس-شوت كانت منتشرة بين الفتيات──إذن، أيعقل أن فتيات أخريات، حتى من مدارس أخرى غير هانيكاوا وغيري، قد التقين بكيس-شوت بشكل منفصل تمامًا؟ ولو حدث ذلك، فماذا كان المصير؟ هل مجرد مرور عابر؟ أم امتُصّت دماؤهن──وأُكِلن؟ إن حدث ذلك لكان أثار ضجة هائلة، لكن من ناحية أخرى، لو التُهِم الجسد بالكامل فلن يتبقى أي دليل، ورغم أنه قد يتسبب في قلق العائلة أو الحديث داخل الفصل الدراسي، إلا أنه قد لا ينتشر في المحيط الخارجي بسهولة. رحلة بحث عن الذات، أو هروب مؤقت من المنزل── بل ربما يُظن أن الأمر مجرد شيء من هذا القبيل. لو كان العدد كبيرًا لما مر الأمر هكذا──لكن كيس-شوت، ولعل هذا يعود لرتبتها العالية كمصادمة دماء، لا تحتاج إلى كميات هائلة من “المؤن”، ولذلك… فهذا احتمال وارد. «قال أوشينو إن الأمر يستغرق نحو أسبوعين تقريبًا. إن كان الأمر كذلك، ففي حالة كيس-شوت، ربما تكتفي بشخص واحد في الشهر تقريبًا… إذن هل يعني هذا أن الضحايا، بما فيهم غيوتين-كاتر، اثنان أو ثلاثة أشخاص فقط حتى الآن…؟» رغم أن القضية ليست قضية أرقام. لكن إن كان الأمر كذلك──فلن ينكشف السر. «…ما هذا الشعور؟ أشعر وكأنني أغفلتُ شيئًا ما مجددًا──» ليس إغفالًا فحسب. بل وكأن هناك عملًا لم أستكمله بعد. الآن وقد تواصلتُ مع هانيكاوا، يُفترض ألا يكون هناك أي شيء متبقٍ لم أنجزه── وفي تلك اللحظة بالذات، وصلت هانيكاوا. صوت طرقات على الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية. طق، طق. «هناك شحنة فتاة وصلت إليك» «…………» كلا، هذا ليس مضحكًا إطلاقًا. اتجاه مراعاتها للظروف كان خاطئًا كليًا. على أية حال، قمتُ بتفكيك الساتر الحاجز (بما أنني أملك قوة مصاص دماء، فإن بناءه وتفكيكه أمر بغاية السهولة)، ثم طلبتُ من هانيكاوا أن تفتح الباب بأقل قدر ممكن وأن تتسلل بجسدها جانبياً، والتصقتُ بالجدار كي لا تصيبني أشعة الشمس التي ستدخل حتمًا لحظة دخولها. ورغم أن الوقت قد قرب من الغروب، إلا أن شفق الغروب لا يزال ساطعًا. صحيح أنني سأتعرض لأشعة الشمس لاحقًا. وسأقوم باستحمام شتوي للشمس بكل جسدي. لكن ذلك سيكون بعد أن أتحدث مع هانيكاوا. كانت هانيكاوا ترتدي الزي المدرسي اليوم أيضًا. ألا تملك هذه الفتاة أي نية لإظهار ملابسها المدنية لي؟… أم أنها تكره أن أراها بملابسها العادية إلى هذا الحد؟… كلا، ليس وكأنني مهتم بهذه التفصيلة بالذات. ابتسمت هانيكاوا ابتسامة عريضة ومسترخية. كانت ابتسامتها المعتادة. وكان ذلك بدورها──مراعاة منها لمشاعري. «يا للغرابة~» علاوة على ذلك، بينما كنتُ أعيد إغلاق الباب الحديدي بالساتر، قالت لي من خلف ظهري بنبرة حيوية ومرحة للغاية: «يبدو أننا احتُجزنا داخل مستودع الرياضة بطريقة مثالية. يا ترى ماذا سأفعل لو قام أراراغي-كن بمداعبات خبيثة ومنحرفة معي؟» «…أي مداعبات منحرفة» هذه الفتاة… أيعقل أنها تعتقد أنني شخص منحرف للغاية؟ صحيح أنني أظهرتُ مثل هذا الجانب مرارًا وتكرارًا، لكني لستُ شخصًا يعشق الحديث المنحرف بالضرورة! بل إنني رجل نبيـل وشريف. «تشغيل المصباح اليدوي» أضاءت المصباح ووضعته فوق منصة القفز الخشبية. وبما أنه مصباح مربع الشكل، فلن يتدحرج. وبعد ذلك، جلست هانيكاوا فوق الإسفنج. وأنا جلستُ في المواجهة مباشرة. «آه. لقد جلستَ في المواجهة كي تحاول النظر إلى ملابسي الداخلية» «أنتِ تسيئين فهم نوعية الرجل الذي أكونه!» قلتُ لها أخيرًا دون أن أستطيع الإمساك بنفسي، وهي تقوم بحركة تشد بها طرف تنورتها لأسفل: «أنا رجلٌ لو كانت أمامي فتاة عارية وقالت لي “لا تنظر”، فسوف أمتنع عن النظر إليها!» «هذا هو التصرف الطبيعي» «كـ…!» تبًا، أحقًا؟ متى تغيرت معايير المجتمع إذن؟ «كلا، يا هانيكاوا، أنتِ فقط لا تعرفين كم أنا رجلٌ نبيـل (Gentlemen)!» «كلمة Gentlemen بالجمع، والمفرد هو Gentleman» قالت هانيكاوا، ثم أردفت: «عمومًا، إن كان كلامك صحيحًا، فهذا يتسبب في تطلعي للأمر بشغف» «تطلعكِ لماذا بالضبط؟» «حين يبدأ الفصل الدراسي الجديد، سأتمكن من رؤية الكثير من نبل وشرف أراراغي-كن، أليس كذلك؟» «…………» علاوة على ذلك. حدسكِ قوي بشكل مرعب──يا هذه. في الرسالة، لم أُلمح إطلاقًا إلى أي شيء من هذا القبيل──وكنت أتنوي كتمان الأمر حتى النهاية. لأن هانيكاوا ستمنعني حتمًا. «لذلك، لا يجوز لك الموت» «…هانيكاوا» «لا يجوز لك الموت» قالت ذلك. وهي تنظر إليّ بوضوح وثبات في عتمة الظلام. «التفكير بتلك الطريقة ليس سوى دليل على أن روحك تفر من الواقع» «…أنتِ، مذهلة حقًا» استوعبتُ كلمات هانيكاوا في قلبي، ثم نطقتُ بما كان يخطر في بالي مباشرة: «أنتِ رائعة. حين أكون أمامكِ──أشعر بأنني إنسان ضئيل ومبتذل للغاية. لو لم ألتقِ بكِ، لأظن أنني كنتُ سأموت أبكر بكثير. فقد كانت هناك مواقف لا تُحصى كادت تنتهي بي إلى ذلك» «كلا، لهذا السبب بالذات أقول لك لا تمُت──استمع إليّ!» «كل هذا بسببي» قلتُ. وكان شعوري ينطوي على حالة من الاعتراف والاعتذار بالذنب. «تصرفي الطائش هو ما قاد إلى هذه النتيجة──أنا، في ذلك الوقت حين أعطيتُ دمي لكيس-شوت، لم أكن أتخيل إطلاقًا أن يحدث هذا──لو فكرتُ قليلًا لكان الأمر واضحًا كالشمس. ما الذي يعنيه تقديم الدم لمصاص دماء──ومع ذلك فإنني» أن تقوم هي──بأكل البشر. وأن يسقط ضحايا بسبب ذلك. لم يخطر ببالي مطلقًا──لقد هربتُ من التفكير في هذا. وحتى بعد ذلك، ورغم أنني أصبحتُ مصاص دماء واستهلكتُ بإنقاذ نفسي──فقد كان هناك متسع كبير من الوقت للتفكير. بل كلا. في الأساس، أنا نفسي من قالها في البداية. في يوم حفل ختام الفصل الدراسي، لهانيكاوا. أنا من قال لها بنفسي: سوف تُمَصُّ دماؤك──وتُقتَل. وكان ذلك دقيقًا للغاية. غيوتين-كاتر، مُصَّت دماؤه. وُقِتِل. ومات. شيء كان ينبغي أن أدركه── لكني لم أكن أدركه إطلاقًا. «بسببي، مات إنسان» «ليس هذا بسببك يا أراراغي-كن. علاوة على ذلك… بالنسبة لمصاصة الدماء… لهارت-أندر-بليد-سان، فلعل ذلك أمر بديهي للغاية. تمامًا كما نأكل نحن الأبقار والمواشي──الأمر ذاته، أليس كذلك؟» «…………» إن لم آكل فسوف أموت. هكذا قالت هي. «لكن──هي كانت تعتبركِ أنتِ أيضًا مجرد زاد محمول لي. لم تكن تحسب لكِ أي حساب──ولم تضعكِ في حسبانها» «لكن، الأمر بالنسبة لك أنت بالذات كان مختلفًا، أليس كذلك؟» منقذ الحياة. كل منهما منقذ لحياة الآخر. أنا أنقذتُ كيس-شوت── وكيس-شوت أنقذتني. إذن لربما كانت هناك علاقة ثقة بيننا. ولكن، تلك العلاقة كانت. «كان الأمر أشبه بالعناية ببقرة ذكية للغاية… أتعرفين، حتى لو لم تكن بقرة، هناك أمثلة كثيرة──كالكلب العبقري، أو القرد الذكي» «تقصد كأنه حيوان أليف؟» علقت هانيكاوا. بالضبط. في الواقع، حتى أوشينو──قال شيئًا من هذا القَبيل. عاطفة شبيهة بتلك التي تُوجَّه لحيوان أليف── «لكن، حتى هذا التصرف يُعتبر أمرًا طبيعيًا وبديهيًا من وجهة نظرها──بما في ذلك نظرتها إليّ» «أجل. لهذا السبب ليست كيس-شوت هي المخطئة. المخطئ هو أنا. أنا المخطئ الوحيد──وليس هناك أحد آخر خاطئ» «وأنا بدور لا أرى أن أراراغي-كن مخطئ. فالخير والشر يتغيران بمقدار مائة وثمانين درجة لمجرد تغيير زاوية الرؤية والموقف» «صحيح تمامًا» تلك أيضًا──قالها أوشينو. تعريف العدالة يختلف من شخص لآخر── ولهذا السبب بالذات. يتمسك أوشينو بموقفه المحايد──بإصرار شديد. «لم يخطر ببالي مطلقًا──أن دراماتورغي، وإبيسود، وغيوتين-كاتر… أولئك الثلاثة كانوا يُجَسِّدون العدالة من منظور البشر» «لكنك كنتَ مصاص دماء في ذلك الوقت يا أراراغي-كن──فلم يكن أمامك خيار آخر. …ورغم أنني أقول هذا، أعلم أن تقبُّل الأمر ليس بهذه السهولة» «ليس صعبًا بل مستحيل التقبل. لقد أصبحتُ عدوًا للبشرية» «ولهذا السبب، ستتخلى عن العودة بشريًا؟» قالت هانيكاوا. لم تكن نبرتها استجوارية──لكنها كانت سؤالًا قاسيًا للغاية بالنسبة لي في وضعي الحالي. «هل استسلمتَ عن كونك بشريًا يا أراراغي-كن؟ ألم تكن تقول أنك تريد العودة بشريًا──تريد العودة إلى الواقع؟» «لقد سقط ضحايا بالفعل. أن أنال رغبتي بمفردي الآن بعد كل هذا، أمر في غاية الأنانية والجشع» «إن كنتَ تتحدث عن الأنانية، فإن موقف أراراغي-كن الحالي هو الأشد أنانية وجشعًا على الإطلاق» «ماذا؟» «لأنك» ضغطت هانيكاوا على إطار نظارتها لتعديل موضعها، واستغرقت نفسًا واحدًا──ثم قالت: «تحاول التخلي عن كل ما اقترفته والفرار منه» «…كلا» أردتُ القول بأن الأمر ليس كذلك، لكن الكلمات لم تخرج من فمي بسهولة. فواصلت هانيكاوا كلامها محاصِرةً إياي: «روحك تفر، وجسدك يفر أيضًا» «…………» «تحاول الفرار من هنا. ومجرد لأنك فشلتَ، تحاول إعادة تصفير كل شيء. ولأن الحياة لا تملك زر إعادة ضبط──تحاول سحب القابس من المقبس الكهربائي. أليس كذلك؟» «…ليس كذلك» ليس كذلك. هكذا أظن. «لستُ أرغب في الفرار، بل أرغب في تحمل المسؤولية. أن إنهاء هذه الحياة الخالدة بيدي هو أضعف الإيمان لكفارة ذنبي» «أنتَ فقط تراكم الإثم فوق الإثم» قالت هانيكاوا: «الانتحار إثم وخطيئة» «ماذا… أنتِ ضد الانتحار يا هانيكاوا؟» «لستُ أتخذ موقفًا حاسمًا بهذا المعنى الصريح، لكني أظن أنني في هذا الجانب أشبه بأراراغي-كن تمامًا» «تشبهينني؟» «موت البشر يبعث على الاشمئزاز والضيق» أردفت هانيكاوا بنبرة تحمل دلالات عميقة: «لا بأس إن متُّ أنا──لكن رؤية الآخرين يموتون تثير ضيقي واشمئزازي» «…………» «مهما كان ذلك الإنسان» «…تقصدين غيوتين-كاتر؟» تذكرتُه. رغم أن ما جمعني به لم يتعدَّ بضع مرات معدودة. «هناك بشر يستحقون الموت──لكن لا يوجد بشر يمكن القول أنه “لا بأس بموتهم”. هذا ما أؤمن به، وهذا هو تعريفي الشخصي. وإن أردنا الانطلاق من هذا التعريف، فأنا أصبحتُ الآن من البشر الذين يستحقون الموت» «أنتَ لستَ بشريًا في الوقت الحالي يا أراراغي-كن» «هذا مجرد اصطياد في الماء المعكر وتمسك بالشكليات» «سأتمسك بالشكليات وأفعل أي شيء لأجل صديقي» «هانيكاوا» قلتُ. رغم أن قول أمرٍ كهذا أمام هانيكاوا لم يكن بحاجة للذكر، وكنت أخشى أن تتصدى له بأي تفنيد وتفحمني ببراعة── لكني قلته على أية حال. «صحيح أنني لستُ بشريًا الآن، بل مصاص دماء. وولهذا السبب──أنا أيضًا سألتهم البشر تمامًا كما تفعل كيس-شوت» «…………» «لقد حاولتُ تخيل الأمر قليلًا… ومجرد التفكير فيه يثير غثياني واشمئزازي. لا أريد أن أظل حيًا على حساب التهام البشر» ولهذا السبب ليس أمامي سوى الموت، هكذا قلتُ لها. إن لم أستطع العودة بشريًا──فلا بديل عن الموت. «أنا لستُ قويًا مثلكِ بل بشري ضعيف، وإن لم أمُت الآن، فسوف أستمر في الانجراف حتمًا──وفي النهاية لن أستطيع مقاومة رغبة الجوع» زاد محمول. تلك كانت عبارة كيس-شوت. «هانيكاوا──أنتِ أيضًا، سأراكِ قريبًا كمجرد وجبة طعام لا غير» هذا ما يرعبني. رغم أن جثة غيوتين-كاتر كانت مرعبة للغاية──إلا أن وصف كيس-شوت لهانيكاوا بذات الطريقة كان يرعبني بالقدر نفسه. ذلك الإدراك. تلك البديهية، ستصبح بديهيتي أنا قريبًا. وحين تتلاشى بديهياتي التي امتلكتها يوم كنتُ بشريًا──وتتكرس فيّ بديهيات مصاصي الدماء. فإنني حتمًا لن أعود أرى هانيكاوا سوى كوجبة طعام. وسأرغب في التهامها. «إذن، كلني» هانيكاوا. ولكنها، لم تقدم أي تفنيد من ذلك النوع الذي توقعتُه إطلاقًا──ولم تحاول تفنيد كلامي على الإطلاق، بل قالت بنبرة هادئة ومتزنة للغاية: «أعتقد أنه لا بأس بأن يأكلني أراراغي-كن» «…ما الذي تقولينه يا هذه؟» لم أفهم قصدها إطلاقًا. ليس المعنى اللفظي لكلامها، بل مشاعرها التي تقف خلفه. «إن لم أستطع الموت من أجل الطرف الآخر، فلن أسمي ذلك الشخص صديقًا لي» «…كلا» هذا التعريف متطرف وعنيف للغاية. من عساه يستطيع الوفاء بمثل هذا التعريف التعجيزي؟ «صحيح. ألم أذكر لك ذلك سابقًا؟ قلتُ لك أنك ستصاب بالخيبة لو عرفتَ حقيقتي» قالت هانيكاوا ذلك وهي ترسم ابتسامة على وجهها. «…من تكونين بحق السماء؟» «همم؟ صديقة أراراغي-كن. هذا ما أعتبر نفسي عليه» «وهل يتورط المرء عادة إلى هذا الحد لمجرد كونه هكذا؟ لماذا تفعلين كل هذا لأجل شخص مثلي──أأنتِ تقمصٌ لقطة أنقذتُها حين كنتُ في المرحلة الابتدائية، أم صديقة طفولة انتقلت لعيش في مكان آخر، أم رفيقة سلاح من حياة سابقة مثلًا؟» «كلا، ليس أيًا من ذلك إطلاقًا» «أجل، أعلم» علماً بأنني لم أنقذ قطة قط. ولم تكن لدي صديقة طفولة انتقلت بعيدًا. أما الحياة السابقة فلا علم لي بها. «كما قلتُ لك سابقًا──لماذا تذهبين إلى هذا الحد البعيد لأجل شخص التقيته للتو؟ لو كنتِ تفعلين هذا لكل أحد، فلن تكفيكِ أجساد الأرض قاطبة» «أنا لا أفعل هذا لأي أحد» قالت هانيكاوا: «أنا أفعل هذا لأنك أراراغي-كن، أتعلم؟» «حتى لو فعلتِ كل هذا لأجلي، فأنا قاصر ولن أستطيع أن أكون ضامنًا قانونيًا لكِ في أية معاملة مالية، أتعلمين؟» «كلا، لستُ أخطط لأي شيء من هذا القبيل» «وحتى لو بلغتُ سن الرشد، فسأكون عاطلًا عن العمل حتمًا، ولن أتمكن من ضمانكِ أيضًا» «هذه مسألة أخرى، ولكني أرجو أن تحصل على وظيفة على أية حال» «لا تضعيني في موقف محرج بمثل هذا الكلام!» «بالتأكيد الشخص الذي سيواجه الإحراج هو أراراغي-كن، ولكن…» ثم أردفت هانيكاوا: «على أية حال، إن كان الأمر يقتصر على إنقاذ أراراغي-كن وحده، فجسد واحد يكفي وزيادة» «…تقصدين: “لا بأس إن متُّ أنا”؟» «لستُ أرغب في الموت، ولكن، بما أن أراراغي-كن أنقذ حياتي مرتين بالكامل──فأظن أنني لن أشتكي حتى لو أكلني أراراغي-كن» مع أنني أظن أنني سأصرخ من الألم وما شابه ذلك. قالت هانيكاوا ذلك ببالغ الأريحية والهدوء. رغم أنني لم أُفْحَم بحجة جدلية── إلا أن الكلمات أُلْجِمَت في فمي. هذه الفتاة──عظيمة ومذهلة حقًا. لدرجة تجعل المرء عاجزًا عن الاستيعاب بصراحة. «لهذا السبب، لا تمُت» قالت هانيكاوا مجددًا: «ارجوك، لا تمُت» «…وماذا عن المسؤولية؟» سألتُها──دون أن أتوقع إجابة محددة. «أنا من أعاد كيس-شوت التي كانت على شفا الموت إلى الحياة──جمعتُ لها أطرافها بعناية، واستعدتُ لها قلبها الذي لم تطلبه حتى. ماذا عن تلك المسؤولية؟ إن كان الموت فرارًا، فهل سأكون قادرًا على تحمل المسؤولية لو لم أمُت؟» «وهل ستتحمل المسؤولية لو مُتَّ؟» «لا أعلم» كل شيء قد انتهى بالفعل. ولا مجال لتداركه الآن──ولا يمكن تغيير الموقف. لا أحد يستطيع إيقاف كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد بعد استعادتها لجسدها الكامل. وتلك التي بُعِثَت تحت مسؤوليتي──ستواصل التهام البشر بلا أدنى خجل أو تردد. تمامًا كما فعلت طوال تاريخها. ولكن ابتداءً من الآن، تحت مسؤوليتي أنا. «غيوتين-كاتر لم يستطع المضي في ذلك──بينما ذهبتُ للتسوق في متجر البقالة، قُطِّع وأُكِل وكأنه وجبة خفيفة بين الوجبات. ودراماتورغي وإبيسود اللذان عادا إلى موطنهما لن يستطيعا مواجهتها بحال من الأحوال. ولو استثنينا ذلك لقلنا أوشينو، لكن ذلك الوغد لن يفعل أكثر من حفظ التوازن مطلقًا. إنه يضع حدًا حاسمًا لا يتجاوزه──وبالنسبة له، قضية كيس-شوت قد انتهت وطُوِيَت صفحتها. ناهيك عن أن كيس-شوت لن تسمح لأحد بسلب قلبها بسهولة بعد الآن. لم يعد بمقدور أي أحد إيقاف تلك مصاصة الدماء» «ولا حتى أراراغي-كن؟» قالت هانيكاوا ذلك بأسلوب يقطع الشك باليقين. «أليس بإمكان أراراغي-كن──إيقافها؟ بل أليس أراراغي-كن الوحيد المتبقي الذي يستطيع إيقافها؟» كانت تلك. عبارة خارج جميع توقعاتي كليًا. وكانت──الشيء الذي غفلتُ عنه. «كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد… مصاصة الدماء ذات الدم الحار، البارد والحديدي، أليس كذلك؟ وأنتَ تابعها الوحيد يا أراراغي-كن──أليس هذا يعني بالعكس أنك الوجود الوحيد القادر على إيقافها؟» «…آه» الشيء الذي أغفلتُه. والشيء الذي لم أنجزه بعد. بالتأكيد. لماذا لم أنتبه لأمر في غاية البساطة كهذا؟──إن كان هذا أمرًا يعجز عنه دراماتورغي، وإبيسود، وغيوتين-كاتر، وأوشينو. فإن هذا الذي جمع رجلها اليمنى ورجلها اليسرى وذراعيها وقلبها من أولئك الأربعة──أنا، أراراغي كويومي، هو من ينبغي عليه القيام بذلك! يتوجب عليّ أنا القيام به! وتلك هي──المسؤولية الحقيقية. بغض النظر عن مدى قدرتي أو عدم قدرتي. صحيح، لقد اقترفتُ آثامًا كثيرة، لكنني بعدُ… لم أفعل أي شيء للتكفير عنها! «أنا من سيقضي على──كيس-شوت» حين نطقتُ بها بصوت مسموع. تكرست المشاعر في داخلي بيقين جلي. نعم. ذلك شيء──لا يستطيع القيام به سواي. قاتلة الكايغي تلك──أنا من سيوقفها! إن كان ذلك ما ينبغي إنجازه──فلن يكون أمامي سوى المضي فيه! شعرتُ بأن التروس في عقلي قد استقرت وتعاشقت في موضعها الصحيح. «ملامح وجهك تغيرت» قالت هانيكاوا تسوباسا، ثم تابعت محاصرتي بكلامها: «بالمناسبة، هل أُخبرك بشيء مفيد يا أراراغي-كن؟» «ربما يكون أمرًا سيئًا في الوقت نفسه» «مم؟ أهو شيء جيد أم سيء إذن؟ لا تتحدثي بطريقة مبهمة هكذا» «ربما يكون أمرًا غير ملائم لأراراغي-كن في وضعه الحالي، لكنه كان ليكون ملائمًا جدًا لأراراغي-كن قبل قليل» «ازداد غموض الأمر أكثر…» «أنا، يوم أمس، ذهبتُ إلى المكتبة──وبحثتُ في الأمر. بعد أن هُزِم غيوتين-كاتر-سان أول من أمس واكتملت الأجزاء… ورغم أن القلب لم يكن قد اكتمل حينها، إلا أن المفترض كان أن تعود أنتَ بشريًا يا أراراغي-كن. لكني──شعرتُ ببعض القلق» «قلق من ماذا؟» «قلق بشأن ما إذا كانت هارت-أندر-بليد-سان ستعيد أراراغي-كن إلى بشريته حقًا أم لا» ليس وكأنني شككتُ فيها، هكذا أردفت هانيكاوا. «ولهذا، وضعتُ في الحسبان احتمال ألا تقوم بإعادتك بشريًا──وبحثتُ عما إذا كانت هناك طريقة أخرى تمكن أراراغي-كن من العودة إلى أصله البشري» بمعنى آخر. هل بحثت عن طريقة لإعادة “البشري السابق” الذي عُضَّ من قِبل مصاص دماء وأصبح تابعا، إلى هيئته البشرية الأصلية؟ «…وهل وجدتِ طريقة كهذه؟» «أجل، طريقة واحدة فقط» هزت هانيكاوا رأسها إيجابًا. «حين يقوم التابع الذي يُفترض به طاعة سيده، بإلحاق الضرر بسيده بالعكس، تفقد العلاقة بين السيد والخادم قوامها وتنهار، ويُجرَّد التابع من مقومات وصفة التابع» «لم أفهم المعنى تمامًا…» «بمعنى آخر، لو قمتَ أنتَ يا أراراغي-كن بالقضاء على هارت-أندر-بليد-سان──فسوف تعود بشريًا بغض النظر عن إرادة هارت-أندر-بليد-سان كليًا» «هـ» أنا. ذهلتُ في البداية أمام هذه القاعدة البسيطة. «هـ──هكذا إذن» انهيار رابطة التبعية بين السيد والخادم. حتى الآن يمكن القول أن تلك الرابطة متداعية، ولكن حسم الأمر والقضاء عليها كليًا… سيعيدني إلى بشريتي. أهكذا إذن تكون المعادلة؟ «عثرتُ على العبارة نفسها في عدة كتب، ولذا أظن أن درجة موثوقيتها عالية──بالنسبة لأراراغي-كن الذي لا يريد العودة بشريًا ويطلب الموت، قد يكون هذا غير ملائم، لكن لا بديل عن ذلك. لأنه لا أحد يستطيع هزيمة هارت-أندر-بليد-سان غير أراراغي-كن» «──هذا بالفعل غير ملائم على الإطلاق» آه. في النهاية، الوقاية خير من العلاج. تعبيرٌ يتجاوز مجرد ضرب عصفورين بحجر واحد، بل هو بحق── «بالفعل──غير ملائم للغاية. هذا يعني أن كل شيء يسير وفق مخططكِ تمامًا، أليس كذلك؟» «هذا ما يُسمى بالتدبير والتخطيط. وأنا أرى بنفسي──أنه تدبير قاسٍ ومحكم» «أنتِ──تعرفين كل شيء بحق» «أنا لا أعرف كل شيء. أنا أعرف فقط ما أعرفه» أراراغي-كن، هكذا قالت هانيكاوا: «بهذا لم يعد أمام أراراغي-كن سوى العودة بشريًا، أليس كذلك؟ لأن ترك هارت-أندر-بليد-سان شأنها هكذا──أمر مستحيل على أراراغي-كن الحالي» «مستحيل بالطبع──» «أم أنك ستفر مجددًا؟» قالت هانيكاوا ذلك كضربة قاضية وحاسمة: «إن كنتَ ستفر حتى بعد كل هذا، فسأقوم أنا بـ──إيقافك بكل ما أملك من قوة» أرجوكِ… كفي عن هذا. بالطبع تظل المسؤولية قائمة──مسؤولية تسببي في هذه الأزمة قائمة ولن تمحى للأبد. لكن. تنظيف هذا الهراء وإصلاحه──أمر مقدور عليه. أستطيع القيام بالتنظيف وتدارك الأمر. وإن كان بمقدوري، فلن يكون أمامي سوى القيام به. من الموت السهل. ومن الموت المريح، هذا يعتبر تكفيرًا حقيقيًا عن الخطيئة. نظرتُ إلى هانيكاوا مجددًا. وشعرتُ مجددًا بعظمتها. حتى قبل لحظات، لم أكن أفكر إلا في الموت──ومهما اختلفت الأسباب، لم أكن أركز إلا على معاقبة نفسي، ولكن بمجرد حديث قصير مع هانيكاوا، وجدتُ نفسي وقد أزحتُ تلك الفكرة جانباً دون أن أشعر. قبل أن أتحدث مع هانيكاوا، ظننتُ أنني أستطيع الموت بسهولة──ولكن بحديثي مع هانيكاوا، أصبحتُ بالعكس غير قادر على الموت. حتى لو قضيتُ على كيس-شوت. وعدتُ بشريًا، ورغبتُ في الموت مجددًا بعدها──فإن هانيكاوا لن تسمح لي بذلك حتمًا. وستستخدم كل الوسائل والحيل لتمنعني من فعل ذلك. لقد كسبتُ صديقة مزعجة للغاية. وفي الوقت نفسه──كسبتُ صديقة عظيمة. «إن كان الأمر كذلك، فالمشكلة الوحيدة المتبقية هي──ما إذا كنتُ قادرًا على هزيمة كيس-شوت أم لا» أنا أقرب مصاص دماء لرتبة كيس-شوت. حتى لو كنتُ كذلك──إلا أن الفارق في الرتبة بين السيد والتابع قاتل ومصيري. وإحداث الانقلاب والتفوق على السيد ليس بالأمر الهين إطلاقًا. «تلك هي النقطة. ورغم أنني دبرتُ الخطة──إلا أنها ليست خالية من الثغرات. لو خسر أراراغي-كن، فستكون هذه أسوأ نتيجة بالنسبة لي على الأقل. فأراراغي-كن سيموت كما يتمنى──في حين يبقى وجود هارت-أندر-بليد-سان كظاهرة غريبة قائماً. …وربما يتم أكلي أنا من قِبل هارت-أندر-بليد-سان. وبما أنها تعتبرني مجرد زاد محمول، فمن المؤكد أنها تحفظ وجهي على الأقل» «وهل تملكين أي تدابير أو خطة لمواجهة هذا الاحتمال؟» «همم؟ كلا، لم أصل إلى هذا الحد بعد» هزت هانيكاوا رأسها بحيرة وارتباك. «تُسمى بالنوع النادر المميز، أليس كذلك؟ يبدو أن هارت-أندر-بليد-سان لا تنطبق عليها صفات أي مصاص دماء معروف. وكما قلتَ أنتَ وأوشينو-سان، فإن قوة خلودها فائقة لدرجة تجعل نقاط ضعفها ملغاة كليًا» «بما أنني أملك الصفات ذاتها كخادم لها──فإن المشكلة تكمن في فارق الخبرة والتاريخ إذن…» «وفارق العامل النفسي أيضًا» «العامل النفسي؟» «هل يستطيع أراراغي-كن──أن يقضي على هارت-أندر-بليد-سان التي قضى معها العطلة الربيعية بأكملها؟» «…………» لقد ساعدتني وشفتني. وظلت بجانبي تعتني بي طوال الوقت. ولأجل إنقاذي وأنا أحترق تحت أشعة الشمس، ألقت بنفسها تحت هجير الضوء. وهي فوق هذا كله──منقذة حياتي. وحين هممتُ بالتضحية بحياتي، لم تشرب دمي حتى آخر قطرة ورأفت بي── ورغم أن تلك العاطفة تشبه حب الإنسان لحيوانه الأليف── لكن مع ذلك. تلك الأوقات التي قضيناها معًا فوق السطح مثلًا── وتلك اللحظات التي ضحكنا فيها معًا. «──العامل النفسي لا مشكلة فيه» مستحضرًا كل ذلك في عقلي، قلتُ لها: «سأقوم بالقضاء عليها يقينًا» «هكذا إذن» هزت هانيكاوا رأسها إيجابًا. بدا وكأنها تملك شيئًا آخر تريد قوله، لكنها قررت كتمانه وعدم الإفصاح عنه. وبدلاً من ذلك قالت: «إذن» «أنا بالطبع سأساعدك وأعاونك. بصفتي صاحبة المخطط، فأنا أتحمل الجانب الأكبر من المسؤولية. إن كان هناك شيء باستطاعتي فعله، فلا تتردد في طلبه» «بلا تردد… ها؟» «أهاها، مع ذلك، لست أظن أنني أستطيع تقديم خدمات منحرفة أكثر مما حدث سابقًا~» حين وصلت محادثتنا إلى هذا الفاصل، وربما رغبة منها في تلطيف الجو، ضحكت هانيكاوا بتلك الطريقة المرحة──كلا، كلا. قلتُ لكِ إن ذلك مجرد سوء فهم… يا إلهي، ألم تكن تلك المداعبات السابقة مجرد التمهيد لتسيير الحديث بسلاسة؟ لماذا تتجهين للتعاون في هذا المسار بالذات؟ ساعديني في وضع خطة معركة أو شيء من هذا القبيل! يا إلهي، ما هذا الهراء الذي تقوله لرجل نبيـل مثلي، أراراغي كويومي؟ “بلا تردد”… «هانيكاوا» «ماذا؟» أمَالت هانيكاوا رأسها، فقلتُ لها بمنتهى النبل والوقار: «هل لي أن ألمس صدركِ؟» «…………» تجمّدت ملامح هانيكاوا وهي تُتِيحُ رأسها جانبًا. ومع ذلك حافظت على ابتسامتها، وهو ما يُحسَب لها بحق. ساد جوٌّ خافق وثقيل داخل المستودع الرياضي. ما الفائدة من إثقال الجو هكذا…؟ «الصدر» «كلا، لقد سمعتُك بوضوح» إيييه… نظرت هانيكاوا لأعلى، ثم لأسفل. ثم التفتت إليّ مجددًا: «ولماذا يُعتَبَر هذا الأمر ضروريًا بالضبط؟» «إنه أمرٌ في غاية الضرورة حتمًا» قلتُ لها. مصطنعًا أقصى درجات الجدية على وجهي. «أنتِ لم تري كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد في هيئتها الكاملة، أليس كذلك؟» «همم؟ يعني… لكنني رأيتها في سن الثانية عشرة والسابعة عشرة، ولذا يمكنني تخيل هيئتها في سن السابعة والعشرين إلى حدٍ ما» «إنها حتمًا فوق ما تتخيلين» رفعتُ سبابتي وقلتُ: «إنها تمتلك صدرًا يتجاوز أعتى خيالاتكِ» «…صدرًا» «مخاوفي تكمن في أن أُهْزَم بينما يتشتت انتباهي بذاك الصدر. وعلى الأرجح فإن ذاك الصدر سيَهْتَزُّ بقوة شديدة أثناء المعركة. ولهذا، وكإجراء مضاد، أرغب في التدرب على التعامل مع صدور الفتيات» «أوه~» أصدرت هانيكاوا مثل هذا الصوت. «السبب أسخف بكثير مما توقعتُ…» «أ… أليس المنطق متماسكًا إلى حدٍ ما؟» «…همم» أغلقت هانيكاوا جفنيها ببطء، وقطّمت حاجبيها وكأنها تصارع صداعًا مفاجئًا. «…لا بأس بذلك» «ماذا!؟ أتوافقين!؟» لماذا؟ أي جزء في هذا المنطق الهزيل أقنعها بحق السماء!؟ «انتظر لحظة» قالت ذلك. وبدأت بنزع الوشاح أولاً، ثم خلعت سترة المدرسة الصوفية──ثم سحبت أطراف قميصها الخفيف المفروض داخل التنورة. والتفت يداها خلف ظهرها لتدخلهما تحت القميص. مرت بضع ثوانٍ. وفي تلك الأثناء. سحبت هانيكاوا حمالة صدرها التي حلتها من تحت القميص بمهارة وخفة. وبحركات متمرسة طوتها بسرعة وأخفتها تحت الإسفنجة التي تجلس عليها. ثم نظرت إليّ. وقالت: «تفضل، المسه» «…………!» كلا، أنا لم أطلب الوصول إلى هذا الحد! ما هذا الموقف الذي وجدتُ نفسي فيه! لستُ مستعدًا نفسيًا إطلاقًا! لم يكن هناك داعٍ بنزعها! لم يكن عليكِ خلع أي شيء! «إي… إييه؟» علاوة على ذلك، ما هذا؟ يبدو لي أنه بمجرد أن خلعت سترة المدرسة ونزعت الحمالة، بدا حجم صدر هانيكاوا وكأنه تضاعف فجأة… أهي خدعة بصرية؟ كلا، عين مصاص الدماء لا تخدعها البصريات. هانيكاوا الآن، وعلى أقل تقدير من خلال ملاحظتي لها عبر القميص، تمتلك حجم صدر لا يقل عن حجم صدر كيس-شوت إطلاقًا، بل ربما يضاهيه وينافسه! علاوة على أن الشكل مثالي بشكل مذهل. رغم نزع الحمالة وفقدان الدعم، إلا أنه يبدو وكأنه يتحدى قوانين الفيزياء──أيعقل أن هانيكاوا بشرية تعيش على الأرض ومع ذلك تتجاهل الجاذبية؟ هذا بالفعل يتجاوز أعتى الخيالات! بالطبع، السبب الذي دفعني لمثل هذا الطلب كان إدراكي مسبقًا لمؤهلات هانيكاوا في هذا المجال، ولكن رغم ذلك، فإن تسمية الأمر بـ “التدريب” كان قلة أدب ووقاحة مني. هانيكاوا تسوباسا. بمفردها قادرة تمامًا على منافسة كيس-شوت ندًا لند! لم أكن أتخيل إطلاقًا أن هانيكاوا تمتلك صدرًا بمثل هذا الحجم! لـ… لكن…؟ قامت هانيكاوا ومشت نحوي (ومع كل خطوة تخطوها، كان صدرها يتحرك بطريقة تتجاوز الوصف والتخيل، فتسمرت عيناي عليه ولم أستطع التحرك وكأنني أُصِبتُ بشلل تام)، ثم جلست أمامي مباشرة──وضمت ذراعيها إلى جانبيها، وانتصبت قامتها، ودفعت بصدرها للأمام بقوة. تلك الوضعية جعلت صدرها يبدو أكبر حجمًا. هذا ما يُسمى بالاستعراض الحقيقي للصدر. وبما أن القميص كان خفيفًا للغاية، فإن المعالم الكاملة لصدر هانيكاوا كانت واضحة كالشمس تقريبًا. «أراراغي-كن» «إييه؟ آه، ماذا؟» «طالما أنك ستدلكه، فعليك تدليكه على أصوله وبإتقان» «بـ… بإتقان؟» «أعتقد أنه يجب عليك تدليكه لمدة لا تقل عن ستين ثانية» «سـ… ستين ثانية…» كلا، كلا. العقبة عالية ومتطلبة للغاية. ماذا تعني بـ “على أصوله وبإتقان”؟ وكيف تحول الأمر فجأة من مجرد “اللمس” إلى “التدليك”؟ يا للهول، هل يعقل أن أقول لها الآن إنها كانت مجرد دعابة… ما الذي أجعل صديقتي الموقرة تفعله بحق السماء؟ «دون أي تساهل أو رفق!» «أوه، أجل!» حين قالت ذلك، رفعتُ يديّ تلقائيًا كمن يستعد للهجوم. رفعتُهما، لكني لم أستطع تحريكهما أبعد من ذلك. فبما أنني أملك قوة قبض مصاص دماء، فلابد لي من الحذر التام كي لا أؤذيها، لكني لا أعلم مقدار القوة المناسب. وهل البدء باللمس من الأعلى هو الصحيح أم من الأسفل… لا أملك أدنى فكرة عن الحركة الأولى التي ينبغي اتخاذها. من المؤكد أنه لن يتسع داخل كفيّ الاثنين… ولهذا يتردد عقلي في العبور من الأمام مباشرة. هل أضمه من الجانبين مثلًا──كلا، كلا. لكن هناك مشكلة أكثر إلحاحًا من ذلك بكثير. «أ… أقول، يا هانيكاوا» «مم؟ ماذا هناك؟» «هل يمكن أن تستديري وتعطيني ظهركِ؟» قلتُ لها بصوت يكاد يختفي من الخجل. «النظر إلى وجهكِ أثناء القيام بهذا يفوق قدرة تحملي» ففي ضوء المصباح اليدوي وحده قد لا تراني هانيكاوا بوضوح، لكني بصفتي مصاص دماء أرى تعابير وجه هانيكاوا بوضوح تام. وجهها المحمر بالكامل خجلًا. وشفتاها المطبقتان بشدة. هذا فوق طاقة تحملي حقًا. «…………» دون نطق كلمة، هزت هانيكاوا رأسها بوقار، واستدارت لتعطيني ظهرها. ظهرت أصول جديلتيها المجدولتين. لم أمعن النظر فيهما من قبل، لكنه شعر في غاية الجمال والنقاء… لا يبدو عليه أي تلف. ويتضح منه العناية الفائقة والدائمة به. «كـ…» آه، لكن هذا الخيار معقد جدًا أيضًا. فبما أنها أعطتني ظهرها، يتوجب عليّ لف ذراعيّ حول جسد هانيكاوا للوصول لأمام، لكن في هذه الحالة، ذراعا هانيكاوا المضغوطتان إلى جانبيها تعترضان طريقي نوعًا ما… «ا… ارفعي ذراعيكِ لأعلى» «أهذا تدريب الجمباز الإذاعي الصباحي؟» قالت ذلك وهي ترفع ذراعيها لأعلى. وبهذا انفتحت الطريق أمامي. أدخلتُ ذراعيّ تحت إبطيها──وبالطبع، عند الوصول إلى هذا الحد، أصبح جسدانا على وشك الالتصاق كليًا. بل وبما أنها تنظر للاتجاه الآخر، فإن محاولة لمس صدرها جعلت الوضعية تبدو وكأنني أحتضن جسد هانيكاوا من الخلف تمامًا… المسافة معقدة للغاية──هل أتقاطع بذراعيّ؟ كلا، اتباع الطريقة المباشرة العادية أنسب لضبط الإحساس. بسطتُ أصابعي. هانيكاوا التي لم تتحرك أنملة منذ فترة──يتضح توترها الشديد حتى من هيئة ظهرها. لكني بلا شك أكثر توترًا منها بأضعاف مضاعفة. قلبي يخفق كالمجانين. «أ… ألن تغضبي مني لاحقًا؟» «لا بأس. لن أغضب» «متأكدة؟» «متأكدة تمامًا» «…إذن، كيف أقولها، تحسبًا لوقوع محاكمة قضائية بيننا، هل لكِ أن تقولي: “أراراغي-كن، أرجوك دلك ثديي العاري الخالي من الحمالة، أتوسل إليك”؟» طاخ! تهيأ لي أنني سمعتُ مثل هذا الصوت. أهو صوت انفجار شريان في رأس هانيكاوا؟ أم هو صوت انقطاع عضلات وجهها المنكمش؟ «أ… أ، أراراغي-كن، أ، أرجوك، ا، دلك ثديي العاري الخالي من الحمالة، أتوسل… أتوسل إليك» «كلا، قولكِ لهذا بصوت خافت هكذا يضعني في موقف محرج. فهذا يظهر وكأنني أرغمكِ على القول ضد إرادتكِ. أرجوكِ قوليه بصوت أعلى، مع توضيح الجزء الذي تريدين تدليكه وكيفية ذلك وبإرادتكِ الصريحة التامة» «أراراغي-كن! أ، أرجوك دلك ثديي العاري الخالي من الحمالة، أتوسل إليك!» «… “إنه لشرف عظيم لي أن يقوم أراراغي-كن بتدليك ثديي”» «إنه… لشرف عظيم لي أن يقوم أراراغي-كن… بتدليك ثديي…» «أيضًا… “لقد بذلتُ قصارى جهدي لتنمية وتكبير هذا الثدي المنحرف فقط لأجل أن يدلكه أراراغي-كن”» «لقد بذلتُ… قصارى جهدي لتنمية وتكبير هذا الثدي المنحرف فقط لأجل… أن يدلكه أراراغي-كن!» «ياه. لم يبدُ عليّ ذلك من قبل، لكن اتضح أن هانيكاوا منحرفة تمامًا» «…نـ، نعم! أنا منحرفة للغاية، أنا آسفة!» «لا داعي للاعتذار. فمهما بلغتِ من الانحراف، فلن يتضرر أحد من ذلك» «صـ، صحيح، إهههـ!» «إذن، كيف هو منحرف بالتحديد ثدي رئيسة مجلس الطلبة المنحرفة والمجتهدة هذه؟» «حـ… حجمه، ونعومته… يمثلان أقصى درجات الانحراف… وأنا أفتخر بذلك…!» آه. هكذا إذن، هكذا كانت الحقيقة. طالما راودني في هذه المراهقة السؤال التقليدي حول سبب ولادتي في هذا العالم… والآن، وفي سن السابعة عشرة، انجلت إجابة ذلك السؤال كليًا. استنرتُ وتجلت لي الحقيقة. حياتي كانت مجرد تمهيد لهذا اليوم بالذات. وجودي كان لأجل هذه اللحظة بالذات. لم يُولَد الشخص المسمى بأراراغي كويومي في هذا العالم إلا لتذوق هذا اليوم بالذات… كلا، الأمر أكبر من ذلك بكثير. لم يعد يتسق التحدث عنه على مستواي الفردي الصغير. إن هذا العالم بأسره قد استمر في الوجود والترابط عبر كل هذه العصور فقط ليجعلني أختبر هذا اليوم بالذات. وما سيأتي من تاريخ البشرية بعد الآن مجرد شؤون هامشية استكمالية لا قيمة لها! «أعني، تدليك ثدي صديقتي أمرٌ مستحيلٌ بالمعايير الطبيعية!» فررتُ. استسلمتُ ورفعتُ يديّ متراجعًا ثلاث خطوات للوراء وأنا أنتحب. في وضعية أقرب ما تكون إلى السجود الاعتذاري (Dogeza). «مستحيل! هذا أمر لا يمكن قبوله إطلاقًا!» «…جبان» قالت هانيكاوا بنبرة منخفضة وخافتة للغاية. دون أن تلتفت نحوي إطلاقًا. ودون أن تتكلف عناء النظر إلى وضعيتي القريبة من السجود الاعتذاري. «جبان. جبان. جبان جبان جبان جبان» «أنا جبان. أنا رعديد ومثير للشفقة. أنا آسف جداً. لا أملك أي كلمة أرد بها مهما قلتِ عني. أرجوكِ سامحيني بحق. أنا المخطئ، ولقد تماديتُ وركبتني الموجة. استغللتُ طيبة هانيكاوا-سان، ولكن بفضل تضحيتكِ العظيمة بجسدكِ استفقِتُ وعاد إليّ عقلي!» «أتعتقد أن الأمر ينتهي باعتذار؟ أتعلم ما هو مقدار العزم والجاهزية التي امتلكتُها لأجلس هكذا هنا؟» «كـ… كلا، شخص ضئيل مثلي لا يملك أدنى فكرة، ولكن… هل لي أن أسأل عن مقدار ذاك العزم والجاهزية لو تكرمتِ؟» «بصراحة، ظننتُ أن الأمر لن يتوقف عند مجرد تدليك الصدر… وقلتُ في نفسي: أها، إذن هكذا ستكون المرة الأولى لي، فوق إسفنجة مستودع الرياضة في المدرسة» «أليس حسمكِ للأمر وتوقعكِ للأسوأ سريعًا جدًا!؟» «قلتُ في نفسي: لا بأس بذلك إذن» «لا بأس به!؟» يُقال إن الفتيات يكنّ أكثر جراءة وحسمًا حين تشتد الأزمات… ولكن هذا يتجاوز الحدود! «ومع ذلك، بعد كل هذا التعذيب والإحراج الشديد، لم تلمسني ولو بإصبع واحدة…!» «لهـ… لهذا السبب أنا أعتذر منكِ للتو!» «أهكذا إذن؟ تعتذر وينتهي الأمر؟ هاه. يبدو أنني في موقف يتوجب عليّ فيه غفران كل شيء لمجرد أن أراراغي-كن اعتذر. هاه» «أنا نادم وأشعر بالخزي حقًا، أرجوكِ سامحيني يا رئيسة مجلس الطلبة ذات النظارات الأنيقة!» «…هذه هي المرة الأولى في حياتي التي يُستَهَان بي فيها إلى هذا الحد» «هيـييي!» أتقصد الصدر؟ أم النظارات؟ أم كونها رئيسة مجلس الطلبة؟ «أراراغي-كن… ألهذا الحد أنا فتاة تفتقر إلى الجاذبية؟» «…………!» كفي، كفي، كفي! لا تؤذيني بعبارات درامية رائعة كهذه! «لـ… لأنني لو دلكتُ صدركِ بهذه الطريقة، فسأظل أندم على ذلك طوال حياتي!» رغم أنني قد أندم أيضًا لو لم أدلكه. لكنني أفضّل الندم على عدم التدليك على الندم بعد التدليك! «مـ… ما رأيكِ بأن أدلك كتفيكِ كبديل عن ذلك؟» «الكتفان؟» «نعم. الكتفان. أرغب شديدًا في تدليك كتفي هانيكاوا-سان» «…إذن، اتفقنا على هذا الحد» حُسِم الأمر. وقمتُ بتدليك كتفي هانيكاوا. تدليك، تدليك، تدليك، تدليك. واو، ليسا متشنجين إطلاقًا. سمعتُ أن ضعف النظر يسبب تشنج الكتفين عادة… لكنها صحية وجسدها سليم. وبما أنني لا أملك أية مهارة في التدليك، فلن تجد أي راحة في تدليكي هذا… في هذه المنطقة لا توجد شحوم بالطبع. عظامها واضحة المعالم تمامًا──أهذه هي الترقوة؟ أوه… هذا الملمس ممتاز بدوره. كلا كلا، ليس هذا هو الشاهد. تدليك، تدليك، تدليك، تدليك. واستمر ذلك ستين ثانية كاملة. «انـ… انتهيت. شكرًا جزيلًا لكِ» انتهى بي المطاف بتقديم الشكر بعد أن قمتُ بتدليك كتفيها. أي روح استعبادية وتذلل أحملها في داخلي؟ «اكتفيتَ بهذا؟» «نـ… نعم. يمكن متابعة البقية على الموقع الإلكتروني» «وهل تُدَلَّك الكتفان عبر الموقع الإلكتروني بحق السماء؟» «إذن… نتابع البقية في الفصل الدراسي الجديد، مثلًا» «مم. هذا صحيح» هزت هانيكاوا رأسها إيجابًا. واستجابت جديلتاها لتلك الحركة واهتزتا معها. «طالما أنك جعلتَ فتاة تذهب إلى كل هذا الحد لأجلك» حين رفعتُ يديّ عن كتفيها، قامت هانيكاوا ومشت مبتعدة، وعادت إلى موضع الإسفنجة التي كانت تجلس عليها، لكنها لم تجلس، بل وقفت والتفتت نحوي: «فلن تخسر حتمًا، أليس كذلك؟» «سأنتصر» كان عليّ استعادة نبرتي العادية، وإلا لكنتُ استمريتُ في التحدث مع هانيكاوا بتلك النبرة المفرطة في التهذيب للأبد. لكن، حتى مع ذلك. استطعتُ قولها بوضوح وقاطعية. «أنا سأنتصر» استطعتُ قول ذلك بثقة. «أقسم بصدركِ!» «كلا، لا داعي للقسم بأجزاء من الجسد» كان هناك تباين واضح في مستوى الحماس بيننا. تنحنحت هانيكاوا تنحنحة واحدة وقالت: «على أية حال» ثم أردفت: «هذه المرة، هي المعركة الأخيرة بحق» «أجل──خاتمة معركة القوى الخارقة في المدرسة» و… في اللحظة التي قلتُ فيها ذلك. خارج مستودع الأدوات الرياضية──دوى صوت انفجار هائل.
لم أكن أعرف أين ينبغي لي أن ألوذ بفراري في موقف كهذا──فالعودة إلى المنزل كانت غير واردة بالطبع، وحتى لو كانت هناك أنقاض أخرى تشبه ذلك المعهد التحضيري المهجور، فلم أكن أملك الترف الروحي الذي يسمح لي بالبحث عنها. كان الوقت يلاحقني. ولحظة شروق الشمس تقترب حثيثًا ودقيقة بعد دقيقة──حتى وجدتُ نفسي محاصرًا ببساطة. في النهاية. أدخلتُ ليس يدي الواحدة فحسب بل كلتا يديّ داخل رأسي، ورحتُ أعبث بمخي عبثًا وأعصر تفكيري عصرًا──حتى اخترتُ مستودع المعدات الرياضية في مدرسة ناويتسو الثانوية ليكون ملاذي المؤقت. ملاذ مؤقت──مؤقت بامتياز. ومع ذلك، فإن هذا المستودع الرياضي المخفي خلف الباب الحديدي والخالي من النوافذ بدا مناسبًا إلى حد ما ليختبئ فيه──مصاص دماء مثلي──حتى في وضح النهار. بالنسبة لقرار اتُّخذ تحت وطأة العجز، لم يكن المكان سيئًا إلى هذه الدرجة. شعرتُ من أعماق قلبي بالامتنان لأنني لم أستسلم في ذلك اليوم الذي قاتلتُ فيه دراماتورغي، وقمتُ بإصلاح الباب الحديدي بالقوة وإعادة تركيبه بمكانه──كلا، لم أشعر بالامتنان إطلاقًا. لم يكن هناك شيء يدعو للارتياح. كل شيء كان خاطئًا. «أُ… أُووووووووووو» تطكك أسناني دون توقف──طق، طق. وجسدي لا يكف عن الارتجاف. لماذا؟ لماذا؟ لماذا لم أنتبه لأمر كهذا؟ كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد──مصاصة دماء. مصاص دماء. ضعيف أمام الشمس. يكره الصليب. يكره الرصاص الفضي. يكره الماء المقدس. يكره الثوم. يكره السموم. يموت إذا غُرِس وتدٌ في قلبه. لا ظل له، ولا ينعكس في المرايا. نابان. خلود. قدرة شفاء شبه أبدية. عينان تريان في الظلام الدامس. قدرة على التحول. دمه يملك قدرة علاجية. و──يأكل البشر. «أُوووووو…… أُوواااااااااااع!» مهما أننتُ وأننتُ وأننتُ── لم يكن يتفجر في داخلي سوى الندم. أدخل يدي في رأسي، وأواصل العبث بمخي──أين أخطأتُ، وكيف أخطأتُ حتى آلت الأمور إلى هذا الحد؟──أواصل التفكير. لكن. في النهاية، كان كل شيء خاطئًا من الأساس. بالنسبة لمصاص الدماء، البشر هم مجرد وجبة. بالنسبة لهم ككائنات أسمى، فإن البشر الكائنات الأدنى يقفون في درك أدنى ضمن هرم السلسلة الغذائية. ألم يكن ذلك… شيئًا كان ينبغي أن أدركه منذ البداية؟ في الواقع──ألم تحاول هي قتلي؟ ألم تحاول أكلي؟ ألم تحاول تجريف دمي حتى آخر قطرة؟ مجرد بشري لا قيمة له. في الأساس، حتى أنا── لم أكن بالنسبة لها سوى طعام. حتى لو توهمتُ وجود تفاهم بيننا. حتى لو شعرتُ برابطة من طرف واحد. في النهاية──أنا مجرد طعام. «…………» بالنسبة لكيس-شوت──كل البشر سواسيّة. كل إنسان بالنسبة لها متساوٍ تمامًا. بالطبع، كانت تقدر مهارة أوشينو. كان ذلك الوغد يملك مهارة تفرض احترامها. بل ربما دار بينهما مثل هذا الحديث في مكان لا أراه فيه──هكذا ظننت، ولكن رغم ذلك، فالبشر هم البشر. والطعام هو الطعام. وحتى أوشينو كان مدركًا لذلك. والدليل على ذلك──أنه غادر الأنقاض قبل أن تستعيد كيس-شوت جسدها الكامل ومهاراتها كمصاصة دماء، أليس كذلك؟ ثم. حين أستحضر الأمر بتمعن──نجد أن كيس-شوت لم تكد تتحدث مع هانيكاوا على الإطلاق. بل لم تكن تراها في الحسبة أصلًا. وهذا طبيعي. فبالنسبة لكيس-شوت، كانت هانيكاوا مجرد طعام. لم تكن تنظر إليها كصديقة لي── بل كانت تعتبرها زادي المحمول. زادي المحمول أنا، مصاص الدماء. أو ربما، لو كانت قد التقت بهانيكاوا بعد أن استعادت قدرتها على مص الدماء، لكانت هانيكاوا قد وقعت ضحية لتلك القدرة──هكذا ظننت. تمامًا كما حدث مع غيوتين-كاتر. لكانت قد قُطِّعَت إربًا وتم التهامها. «جرت العادة على أن لحوم رجال الدين رديئة الطعم──لكنه كان لذيذًا على نحو غير متوقع. لم أكن أظن أن لدي تفضيلًا في الطعام، لكن القول بأن الجوع أفضل توابل الطعام صحيح بحق.» «كلا…» وهي تمسح بلسانها بغنج الدماء وقطع اللحم الملتصقة حول فمها، قلـتُ لها──متعصرًا كل ذرة فيّ. مستجمعًا شجاعتي. وخوفي. متعصرًا كل ما أملك لقولها: «…كـ… لا يجوز لكِ أكل البشر.» «مم؟» ويبدو أنها لم تفهم حقًا، فأمالت كيس-شوت رأسها بدهشة شديدة. «ولكن يا خادمي، إن لم آكل فسوف أموت؟» معها كل الحق. كانت محقة تمامًا. سبب في غاية البساطة والوضوح. بسيط إلى أقصى حد ممكن. وأمام ذلك السبب، لم تكن كيس-شوت تراودها أدنى شكوك──ولم تحاول حتى إقناعي، أنا الذي كنت بشريًا سابقًا وأسعى للعودة إلى بشريتي. كانت تراها مجرد بديهيات عامة. ولعلها بديهيات بالفعل بالنسبة لها. طوال الوقت──كانت تأكل البشر. لابد أنها ظلت تأكل البشر طوال عهدها. واستمرت في أكلهم. مصاصة دماء. الخادم الأول──ثم الخادم الثاني. عاشت خمسمائة عام، ومن المستحيل أن يكون الشخصان اللذان مصت دماءهما هما هذين الاثنين فقط──وكل البشر الآخرين، تمت تجزئتهم على ذلك النحو، والتهام لحومهم وعظامهم دون ترك أثر. كانت تلك هي طريقة تزويدها بالطاقة عندما لا تخلق خادمًا. بحسب ما سمعته منها. فإن القول بأن أية شائعة تقول إن الإنسان يتحول إلى مصاص دماء بلا استثناء إذا مص مصاص الدماء دمه──ليست كذبًا محضًا. فإذا لم تُتَّخذ الإجراءات المناسبة بعد مص الدم، يتحول أي شخص بالفعل إلى مصاص دماء. إذا مُصت منه قطرة دم واحدة. يتحول الشخص حتمًا إلى──مصاص دماء. والإجراء المناسب الذي تحدثت عنه هو──التهام جسد ذلك البشري حتى لا تبقى منه قطعة لحم واحدة. وبهذا يحصل مصاص الدماء على قدر أكبر من الغذاء──وتسْلَم جثة البشري المستنزَف من التحول إلى مصاص دماء. هكذا إذن هي الحقيقة. أنا، لأن دمي مُصَّ فحسب──تحولتُ إلى مصاص دماء. أما غيوتين-كاتر. فقد تم التهام لحمه──كوجبة طعام. ولكن هذا لم يقتصر على غيوتين-كاتر وحده، بل كان هو ما ظلت كيس-شوت تفعله طوال الخمسمائة عام الماضية. شيء بديهي. شيء أعدم من البداهة ما يجعله بغنى عن التفكير──ومع ذلك، لم أنتبه له، ولم أحاول الانتباه له، وظللتُ أغمض عينيّ عنه باستمرار. صحيح. أنا الوحيد الذي لم يفهم شيئًا. حتى حين التقيتها أول مرة، وهي في حالة إشراف على الموت، لم تكن كيس-شوت تفهم إطلاقًا في البداية لماذا لا أحاول إنقاذها وهي تحتضر. لماذا لا يُقدّم لها العون؟ كانت عاجزة عن الاستيعاب. لماذا لا يقوم البشري──الذي هو مجرد طعام──بإنقاذ مصاصة الدماء؟ المفترس والفريسة. لا توجد بينهما سوى هذه العلاقة فحسب. «أُ، أُوووو…… آه» غيوتين-كاتر. كان رجلًا كريهًا. جبانًا وخسيسًا، لا يستحق حتى أن يُحسب على البشرية. ومع ذلك── لم يكن إنسانًا يستحق القتل. صحيح أن هانيكاوا تعرضت لمكروه بسببه──لكن ذلك كان خطئي أنا في النهاية. لأنني كنت مصاص دماء. غيوتين-كاتر. مهما كانت أسبابه وسائله، كان يحاول فقط إبادة الوحوش. «لا… أكره هذا. أكره هذا، أكره هذا، أكره هذا… أكره هذا. لا أملك أدنى رغبة في التفكير──لا أريد التفكير!» سحبتُ يدي من داخل مخي──وأمسكتُ برأسي بكلا يديّ. «لا أريد!» لكن عقلي لم يتوقف عن التفكير. لم يكن الأمر مقتصرًا على غيوتين-كاتر. دراماتورغي. وإبيسود. حتى هما اللذان قيل أنهما عادا إلى ديارهما، كان هدفهما القضاء على مصاصة الدماء──والشخص الذي أعاق هدفهما لم يكن سوى أنا. بعد كل الجهد. أطراف كيس-شوت التي انتزعوها بمشقة──قمتُ أنا بانتزاعها منهم مجددًا. بل وأدهى من ذلك وأمرّ، أعدتُ تلك مصاصة الدماء الأسطورية إلى هيئتها الكاملة──أعدتُ إحياءها! فضلاً عن غيوتين-كاتر. في المستقبل، كلما أكلت كيس-شوت بشريًا──كلما تناولت وجبة، فسيكون ذلك كله تحت مسؤوليتي أنا. لو أُكِلَت هانيكاوا. لو أُكِلَت أختاي. لو أُكِل والداي. كل ذلك سيكون──بسببي. لأنني أنقذتها. الأمر لا يقتصر على أطرافها وقلبها فحسب. في الأساس، في ذلك اليوم الأول، وفي تلك اللحظة بالذات. تحت عمود الإنارة ذاك، لو لم أنقذ كيس-شوت──لو استطعتُ تركها ومغادرة المكان، لكانت القصة قد انتهت عند ذلك الحد. فشلي في التخلي عن كيس-شوت في ذلك الوقت──أدركته الآن بعد فوات الأوان، كان مجرد ضعف في قلبي. ليس قوة كالقوة التي تملكها هانيكاوا. ولا تشبه إطلاقًا تلك الطيبة التي وصفها أوشينو بالمقززة وأثارت خوفي؛ بل هي ضعف محض. إنه ليس إيثارًا للتضحية بالنفس، بل مجرد إرضاء للذات. لمجرد أنني عشتُ حياتي بلا مبالاة──فهذا لا يعني أنني أملك الحق في الموت بلا مبالاة! لو أنني مُتُّ هكذا، مأكولًا من قِبل مصاصة دماء. كيف كانت أختاي ستشعران مثلًا؟ هل كنت أظن حقا أنهما لن تبكيا؟ «──غِ، إيغ!» شعرتُ برغبة في التقيؤ، فصارعتُ لإمساك نفسي. وكدتُ أبكي، لكنني كتمتُ دموعي أيضًا. كتمتها لأنني لم أعرف ما الذي سيحدث لو انهارت السدود دفعة واحدة──كنت خائفًا من أن أفقد السيطرة على نفسي. في هذه اللحظة. أردتُ الحفاظ على أدنى قدر من تماساكي العقلي. بعد أن دخلتُ مع كيس-شوت في جدال وشجار حاد لدرجة أنني لم أعد أتذكر ما قلناه فيه──انتهى بي الأمر بالفرار من أنقاض المعهد التحضيري بلا وجهة محددة. وكان المكان الذي وصلتُ إليه هو هذا المستودع الرياضي. الظلام الوحيد المتبقي في ذاكرتي. لابد أن الشمس قد أشرقت بالخارج الآن──ورغم أنها العطلة الربيعية، فقد يأتي أصحاب الأنشطة الرياضية إلى المدرسة، لكن لحسن الحظ اليوم هو اليوم الأخير من العطلة الربيعية. ويُفترض أن الأنشطة الطلابية محظورة فيه. لا داعي للقلق من أن يفتح طلاب الأندية الرياضية هذا المستودع. بالطبع، لقد صنعتُ ساترًا حاجزًا من الداخل للاحتياط. «بسببي» أفكاري… تسربت من بين شفتي دون أن أشعر. «بسببي، سيستمر أكل البشر──من الآن فصاعدًا» من قِبل تلك مصاصة الدماء التي لا يستطيع أحد إيقافها. مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، الحار و البارد. كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد! «بسببي──بسببي، بسببي!» حين أفكر في الأمر. يتضح أن أوشينو كان يتوقع هذا السيناريو بالفعل. في الأساس، رغم كلامه عن “التوازن”، فإنه عندما انتزع قلب كيس-شوت في البداية، لم يكن يملك أي تكليف من أحد──لأنه لم يلتقِ بأولئك الثلاثة إلا بعد ذلك. إذن، كان ذلك قرارًا ذاتيًا منه. تصرفًا خرج به عن نطاق عمله. وسيطًا بين هذا الطرف وذاك. وهذا يعني──أنه على الأقل تصرف وفق انحيازه للجانب البشري حين انتزع قلب كيس-شوت. ولم يذهب إلى حد إبادتها. لأن مبدأه هو تحقيق التوازن. “الانتهازية” أو “الوقوف على الحياد”──أتذكر أن كيس-شوت وصفت أوشينو بذلك. وهذا التوازن الذي أقامه──قمتُ أنا بتدميره. وإذا كان إيجاد كيس-شوت لخادم أمرًا غير متوقع، فلا شك أن وجود بشري ينقذ كيس-شوت وهي تفارق الحياة كان أمرًا غير متوقع بالقدر نفسه. تفكيري الأرعن، وتصرفي الأحمق── كانا خارج حسابات الجميع بلا استثناء. جعلتُ جهود الثلاثة تذهب أدراج الرياح. وجررتُ أوشينو الذي سلبها قلبها إلى هذه المعمعة. ألسـتُ أنا من عقّد الأمور برمتها؟ “يبدو أن أحدًا ما يدبر هذا؟” أي هراء أقوله؟──الشخص الذي دبر هذا هو أنا بالذات! هذه الوضعية برمتها، من ألفها إلى يائها، وبلا أي استثناء──هي خطئي أنا بالكامل! تصرفي الطائش. وهذا الجزاء والعقاب الناتجان عن ضعف قلبي الذي لم يستطع التخلي عن مصاصة دماء تحتضر──هذا هو النتاج! غيوتين-كاتر مات. أُكِل ومات. قُضِم رأسه، والتُهِم مخه مع جمجمته──لا توجد طريقة لإعادته للحياة مهما حدث. حتى لو استخدمنا دم مصاص الدماء أو أي شيء آخر──لن يعود للحياة. مات. الموت. أمر لا يمكن تداركه بحال من الأحوال. «لماذا آلت الأمور إلى هذا الحد──» ولم يكن غيوتين-كاتر سوى البداية لا النهاية. مجرد نقطة انطلاق جديدة لمصاصة الدماء، كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد. ستواصل من الآن فصاعدًا──تناول طعامها بشكل “عادي”. “العادي هو الألم.” أظن أنني سمعتُ مثل هذه العبارة من أحد ما. لم يعد في الإمكان إيقافها──فالرأس الثالث المهم في ذلك المثلث القيادي قد أُكِل، ناهيك عن أنهم لم يكونوا ليقدروا عليها حتى لو هاجموها مجتمعين في وضعها الأصلي. دراماتورغي. وإبيسود. مهما كان ذلك دافع عمل أو دافعًا شخصيًا، فلن يحاولا الخروج لمواجهة كيس-شوت وهي في هيئتها الكاملة بعد الآن──وحين أفكر في هذا، أدرك أن الحس بالمسؤولية لدى غيوتين-كاتر الذي واجه كيس-شوت بمفرده كان شيئًا استثنائيًا بحق. رغم أنه لم يكن رجلًا يستحق الثناء. لكن مع ذلك، كان ذلك تجسيدًا لقوة البشر. وحتى لو هُزِم وقُتِل──فإن ذرات حقيقته لن تبهت. الذي بَهُت وفَقَد قيمته──هو أنا. أوشينو ميمي──أوشينو الذي تمكن من انتزاع قلب كيس-شوت دون أن تلاحظ، ربما يكون قادرًا على إيقافها، لكنه على الأرجح لن يفعل. فالتوازن قد أُقيم وانتهى الأمر بالنسبة له. اللعبة. والموقف، كلاهما قد انتهى. لقد خسر البشر. أمام كيس-شوت──خسروا. وفي الأساس، بأي وجه يمكنني أن أطلب منه──الآن بعد كل ما حدث──أن يوقف كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد؟ مستحيل أن أقول ذلك. لو قُطِّع لساني، لن أستطيع القول. «──لم أعد أحتمل هذا» هذه العطلة الربيعية. لم يخطر ببالي قط أن كل ما فعلته في هذه العطلة الربيعية كان خاطئًا بالكامل──رغم التقلبات الشديدة، حين كنت ألتفت للوراء، كانت تبدو كعطلة ربيعية ليست بالسيئة──كان ينبغي ألا تكون سيئة── لكنها في الحقيقة كانت أسوأ عطلة ربيعية على الإطلاق. جحيم محض. مهزلة أليمة شبيهة بالجحيم. ولم أكن سوى أحمق لا يفهم أي شيء. «رغم أنني أكره هذا» ومع ذلك. كان هناك شيء آخر يشتعل ويتأجج في داخلي. حقيقة مرعبة أدركتُ وجودها، وأنا أحاول بشتى الطرق تحويل نظري عنها بالندم وبجلد الذات. لكن غض البصر كان قد وصل إلى حده الأقصى. أجل. تلك أيضًا حقيقة جليّة كالشمس. «رغم أنني أكره هذا، فإنني أنا أيضًا» حقيقة واضحة للغاية──ومعروفة تمامًا. «فإنني أنا أيضًا──مصاص دماء» مهما خفتُ من وجود مصاصي الدماء، ومهما كرهتهم ومقتُّهم──أنا نفسي أحمل هذا الوجود ذاته. أجل. كلمات أوشينو تطبق فوق صدري بثقلها. تثقل كاهل قلبي. وتستقر ثقيلة في معدتي── ──آه، صحيح صحيح. ──أراراغي-كن، أسألك هذا بدافع الفضول المحض فقط── ──ألم تشعر بالجوع مؤخرًا؟ «………………!» أشعر… ببعض الجوع. أشعر بهسيس الجوع الآن. ──هكذا إذن. ──لكن بطبيعة الحال── ──أظن أنه قد حان الوقت لتشعر بالجوع تقريبًا. ──فقد مضى أسبوعان على أي حال── «تبًا، تبًا، تبًا، تبًا……!» الآن──ما زلتُ أستطيع التحمل. إنه مجرد جوع خفيف. لكن──إذا كانت إشارات أوشينو تلك تلمح إلى الوضع الحالي──فسوف يرغب عقلي قريبًا في مص دماء البشر. سأشعر بدافع وميل لامتصاص الدماء. وسأرغب في أكل البشر. لأنني──أنا نفسي وحش. لأنني كائن أسمى. «تبًا!» الخادم الأول. لا طريقة لدي لمعرفة أي رجل كان──لكن سبب انتحاره بعد سنوات قليلة فقط كان على الأرجح يرجع إلى هذا التحديد. ربما كان مختلفًا عني──لكنه كان يشبهني في النهاية. لم يستطع تحمّل فكرة سقوطه إلى مرتبة الوحوش──بل ارتقائه إلى مرتبة الوحش. وكيس-شوت بالطبع لم تفهم مشاعره تلك──وليس بمقدورها فهمها. تلك مشاعر بشرية. وبعد أربعمائة عام من ذلك. أنا، الخادم الثاني──أواجه المصير ذاته. «ها… هاهاماهاماهاماه» أخيرًا──بدأت الضحكات تخرج من حلقي. لا يملك المرء سوى الضحك. حين أفكر في الأمر، هذه ملحمة هيكلية من المهزلة والمضحكات. أقصوصة هزلية ممتازة بكل المقاييس. تتخبط يمينًا وشمالاً، لتكتشف في نهاية المطاف أن كل ما فعلته كان خاطئًا بالكامل──لو كان هناك جمهور يتابع هذه المأساة، لكنتُ بصلابة مهرجًا بارعًا للغاية. أحمق إلى أقصى الحدود. أحمق بدرجة تجعل الأمر مضحكًا بحق. «ما الذي ينبغي لي فعله الآن إذن──ليس أمامي سوى الموت» كان ذلك. فكرًا بديهيًا، إن جاز التعبير. عديم الفائدة كليًا. الآن بعد كل ما حدث. لم أعد أرغب في العودة بشريًا الآن بعد فوات الأوان. فبعد اقتراف كل هذه الآثام، لا يمكنني الاستمرار في التفكير بأنانيّة ونيل ما أرغب فيه وحده──كلا. هذا مجرد تجميل للواقع. أنا حتمًا لا أفكر بذلك النبل والتقوى. كل ما في الأمر──أنني خائف. خائف من أن أعود بشريًا──وفي تلك اللحظة بالذات، تلتهمُني كيس-شوت. هذا مؤكد. أنا خائف فقط من السقوط إلى القاع الأدنى من السلسلة الغذائية. لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع البقاء كمصاص دماء. أكره مص الدماء وأكره أكل البشر. وحتى هذا الجسد الخالد بات مقيتًا بالنسبة لي الآن. لذلك. «ليس أمامي سوى الموت» ليس موتًا بلا مبالاة──بل موت حقيقي منظم. السبب الرئيسي لموت تسعين بالمائة من مصاصي الدماء. صحيح أن الأمر مختلف عن الموت من الملل. لكن الشعور بالذنب يقتل الإنسان أيضًا──لذلك. تمامًا كالخادم الأول، ليس أمامي سوى اختيار الموت──لم تعد أمامي أي طريق أخرى سوى هذه. في الحقيقة──لماذا اختبأتُ في مستودع الأدوات الرياضية هكذا من الأساس؟ لماذا حاولت البقاء حياً خلال النهار بهذه الطريقة؟ نعم، مثلًا. مثلًا لو أزلت الساتر الحاجز الآن، وفتحت الباب الحديدي، وقفزت بجسدي إلى الملعب──لسقطت قتيلًا واستطعت الموت. “نزعة انتحارية”──ألم يُقَل لي شيء من هذا القبيل؟ بالطبع، مع قدرة التجدد الذي أملكه بصفتي تابعا لكيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد، فلن أموت بتلك السهولة بمجرد إلقاء نفسي تحت الشمس──بل سأستمر فقط في التبخر والتجدد مرارًا وتكرارًا، ولكن مع ذلك. سأكون قد متُّ بحلول غروب الشمس. لو خلعتُ ملابسي ووقفتُ عاريًا أستقبل أشعة الشمس بجسدي كله──ستكون تلك أول وآخر تجربة تعرٍّ استعراضي في حياتي. ملك الظواهر الماورائية “ملك بلا حياة” (No-Life King)… أم ملك عارٍ يحب الاستعراض (Streak-King)؟ دعابة غير مضحكة إطلاقًا، هكذا فكرتُ. لهذا السبب أقول دائمًا أن دوري الطبيعي هو التعقيب الساخر (Tsukkomi). «…آآه» لقد فشلتُ بحق. فشلتُ تمامًا وبلا أمل. ظننتُ أنني أستطيع إدارة الأمر بشكل أفضل──ظننتُ أنني أحسن الصنع. لكن الواقع يمثل في هذه الصورة المزرية. مثير للشفرة والشماتة. ولم يعد أمامي سوى الموت. «…آه، صحيح» وبمجرد أن اتخذتُ ذلك القرار. انقشع الغمام عن عقلي وهدأتُ فجأة وكأن روحًا خبيثة غادرتني. فكرتُ أنه يلزمني الاتصال بالمنزل. لقد نسيتُ الأمر تمامًا، لكن البلاغ القائم هو أنني خرجتُ في “رحلة للبحث عن الذات”──بينما الحقيقة البسيطة هي أنني فقدتُ ذاتي ليس إلا. كلا──أليس من الأفضل ألا أتصل؟ كيف عساي أن أبلغهم بأنني على وشك الموت؟──وليس بإمكاني إطلاقًا الإفصاح عن السبب. إذن لعل الأفضل البقاء على سيناريو الشقيق الأكبر الذي اختفى في رحلة البحث عن الذات. لا أعلم كيف سيتلقون الخبر، لكن بغض النظر عن والديّ، لعل أختيَّ ستحولان الأمر إلى أضحوكة──الفتى الهارب من المنزل. ليس هروبًا مؤقتًا، بل هروب حقيقي. أظن أن ذلك قد يكون خيارًا غير سيئ. «لكنني كنتُ أريد القول لـ هانيكاوا──على الأقل» بل وينبغي عليّ القول لها. هانيكاوا التي تورطت إلى هذا الحد، وهانيكاوا التي جُرَّت إلى هذه المعمعة، لا يمكن بأي حال أن تظل جاهلة بكل شيء──ولكن لسوء الحظ، لا أملك الآن، في هذا المستودع الرياضي الذي فررتُ إليه هربًا من ضوء الشمس ومن كيس-شوت، أي طريقة للتواصل مع هانيكاوا. لقد مسحتُ رقم هاتفها وعنوان بريدها الإلكتروني بنفسي. أمام عينيها مباشرة. مسحتهما من أجل جرح مشاعرها. ومنذ أن التقيتُ بهانيكاوا مجددًا بعد ذلك──لم أستطع سؤالها عن بيانات تواصلها من شدة الإحراج. ورغم أن ذلك الحرج كان مجرد شعور فردي أوهَمْتُ نفسي به──إلا أنني أتحسر عليه بشدة الآن. أي جبان ورعديد أنا؟ صحيح أنني جيد في الرياضيات، لكن هذا لا يعني أنني ممتاز في حفظ الأرقام، فمن المستحيل أن أحفظ تسلسل رقم هاتف من أحد عشر رقمًا، وناهيك عن عنوان البريد الإلكتروني المكتوب بالأحرف الأجنبية. لو كنتُ اتصلتُ بها ولو مرة واحدة لكان الرقم حُفِظ في السجل──لكنني لم أتصل بهانيكاوا ولا مرة، وهانيكاوا بدورها لم تتصل بي. وحين أفكر في الأمر، بتلك الطريقة التي مسحتُ بها معلوماتها، لم تصلها أرقامي ولا عنوان بريدي أيضًا. هي الأخرى لا تعرف بيانات التواصل معي. لو أنني أخذتُ رقمها في ذلك الوقت. …لو أنني أخذته في ذلك الوقت، فماذا بعد؟ هل كنتُ أتوقع أن تتصل بي هانيكاوا في هذا التوقيت بالذات كأنها قادرة على قراءة الأفكار؟ هراء. مهما كانت خارقة، فلن تستطيع القيام بأشياء تشبه قدرات الأبطال الخارقين──ولن توجد حبكة مريحة إلى هذا الحد الملائم. لو كان الإله يوفر مثل هذه التسهيلات الملائمة، لما أصبحتُ في هذا الوضع المرير ولما اقترفتُ تلك الخطايا. وبينما كنتُ أمارس هذه المحاولات اليائسة العديمة الفائدة، أخرجتُ هاتفي المحمول لمجرد التأكد من الوقت الحالي. كان الوقت يشير إلى الخامسة مساءً. يبدو أنني حبستُ نفسي هنا لأكثر من اثنتي عشرة ساعة──رغم أنني لا أشعر بذلك إطلاقًا. ومع ذلك، فإن معرفة الوقت الحالي غير المهمة دخلت ناظريّ واستقرّت في ذهني دون أدنى أهمية. لكن ما ضرب قلبي بصدمة شبيهة بطعنة أداة حادة، كان أن محاولتي اليائسة في فتح قائمة الأسماء──لم تكن يائسة إطلاقًا. هناك. كان اسم هانيكاوا تسوباسا مسجلًا. «…قلتُ لكِ» تمتمتُ بصوت خافت. يا لدهشتي، رغم هذا الموقف العصيب، وجدتُ نفسي متأثرًا للغاية──لم أكن أتخيل إطلاقًا أن يغمرني التأثر لمجرد النظر إلى الشاشة الجافة لهاتفي المحمول. رغم أنني ظننتُ ألا شيء جيد ينتظرني، وأن هذه العطلة الربيعية مليئة بالشرور والمصائب فقط. «تبًا، لا تعبثي بهاتف الآخرين دون إذنهم…!» كانت الفرص متاحة لها في أي وقت. حين أتت إلى هذا الملعب لتعيد لي الهاتف أثناء معركتي مع إبيسود، أو في أي وقت آخر. فأنا غير مهتم بحماية هاتفي ولا أضع عليه رمز حماية. لأنه لا يحتوي تقريبًا على أي معلومات شخصية قيمة──لكن. في قائمة الأسماء التي كانت فارغة. أُعيد تسجيل اسم هانيكاوا تسوباسا مجددًا. رقم الهاتف──والبريد الإلكتروني أيضًا. «…………!» رغم أنني فكرتُ في البداية أن عدم إخبارها لا بأس به أيضًا. كنتُ أرغب في قول ذلك لهانيكاوا، وفكرتُ أنه ينبغي عليّ إخبارها، ولكن في مكان ما في عقلي، فكرتُ أنه حتى لو لم أستطع إخبارها فلعل ذلك أفضل. مع أنه لا يمكن بأي حال تركها دون معرفة شيء. ولكنني في الوقت نفسه لم أكن أرغب في إخبارها بأي شيء. ولهذا السبب──حين تحدثتُ عن التيسيرات والمصادفات، لعل ذلك السيناريو كان يلائم أنانيتي أكثر. ولكن، هذا محال. ما إن حدث هذا، حتى أصبح ما يتوجب عليّ فعله واضحًا ومحددًا. بل كلا──لقد اتخذتُ القرار بنفسي. كتبتُ بريدًا إلكترونيًا إلى هانيكاوا. لأنني لو اتصلتُ بها هاتفياً، فلربما انفجرتُ في البكاء. يا ترى ماذا تفعل هانيكاوا في اليوم الأخير من العطلة الربيعية؟──هل تدرس في المكتبة؟ لكني لا أعرف أين تقع المكتبة، ولو كانت هناك بالفعل فمن المحتمل أن تكون قد أوقفت تشغيل هاتفها. لا بأس على أي حال. سأنتظر الرد بطول بال. وبينما كنتُ أفكر في ذلك، وصلني الرد فورًا. حين تحققتُ من الرسالة، كان وقت استلامها هو نفسه وقت إرسالي لرسالتي تمامًا. لم يكن هناك فارق ولا حتى دقيقة واحدة. مستحيل… هذا يعني أنها ردت في غضون ستين ثانية كحد أقصى. ظننتُ أن الرسالة تحتوي على رد ملخص وموجز، وحين قرأتُ نصها، كانت رسالة رسمية كاملة الأركان تبدأ بـ «عزيزي المحترم» وتستفتح بالمجاملات التقليدية وتختتم بـ «وتقبلوا خالص التحيات». مذهل. صحيح أنني سمعتُ أن الفتيات يكتبن الرسائل بسرعة، ولكن… تذكرتُ أنه في يوم حفل ختام الفصل الدراسي، حين أدخلت بياناتها في هاتفي للمرة الأولى، كانت سرعة كتابتها فائقة… لكن هذا مذهل مجددًا. علاوة على ذلك، وبما أنني لا أتبادل الرسائل إلا مع أفراد عائلتي تقريبًا، فلم أكن أعلم أن البريد الإلكتروني يتطلب كتابة نصوص رسمية ومؤدبة إلى هذا الحد… ظننتُ أنها وسيلة تواصل أكثر عفوية. على أي حال، كان ملخص رسالة هانيكاوا هو: «سآتي فورًا، فانتظرني». وفي النهاية، ونظرًا لعدم قدرتي على كتابة شرح وافٍ، لم أرسل سوى ملخص مقتضب للغاية للموقف، ولكن كما هو متوقع من هانيكاوا، يبدو أنها أدركت كل شيء من ذلك القليل. حقًا. لو أن هانيكاوا هي التي التقت بكيس-شوت بدلًا مني، لكان ذلك أفضل بكثير. “اذكر الشرير وتجهز بالهراوة”، أليس كذلك؟ هانيكاوا بدورها كانت تتحدث عن شائعات مصاصي الدماء تمامًا مثلي──لكن هانيكاوا التقت بي أنا، وأنا من التقى بكيس-شوت. وفجأة يخطر ببالي خاطر. يقال إن شائعة كيس-شوت كانت منتشرة بين الفتيات──إذن، أيعقل أن فتيات أخريات، حتى من مدارس أخرى غير هانيكاوا وغيري، قد التقين بكيس-شوت بشكل منفصل تمامًا؟ ولو حدث ذلك، فماذا كان المصير؟ هل مجرد مرور عابر؟ أم امتُصّت دماؤهن──وأُكِلن؟ إن حدث ذلك لكان أثار ضجة هائلة، لكن من ناحية أخرى، لو التُهِم الجسد بالكامل فلن يتبقى أي دليل، ورغم أنه قد يتسبب في قلق العائلة أو الحديث داخل الفصل الدراسي، إلا أنه قد لا ينتشر في المحيط الخارجي بسهولة. رحلة بحث عن الذات، أو هروب مؤقت من المنزل── بل ربما يُظن أن الأمر مجرد شيء من هذا القبيل. لو كان العدد كبيرًا لما مر الأمر هكذا──لكن كيس-شوت، ولعل هذا يعود لرتبتها العالية كمصادمة دماء، لا تحتاج إلى كميات هائلة من “المؤن”، ولذلك… فهذا احتمال وارد. «قال أوشينو إن الأمر يستغرق نحو أسبوعين تقريبًا. إن كان الأمر كذلك، ففي حالة كيس-شوت، ربما تكتفي بشخص واحد في الشهر تقريبًا… إذن هل يعني هذا أن الضحايا، بما فيهم غيوتين-كاتر، اثنان أو ثلاثة أشخاص فقط حتى الآن…؟» رغم أن القضية ليست قضية أرقام. لكن إن كان الأمر كذلك──فلن ينكشف السر. «…ما هذا الشعور؟ أشعر وكأنني أغفلتُ شيئًا ما مجددًا──» ليس إغفالًا فحسب. بل وكأن هناك عملًا لم أستكمله بعد. الآن وقد تواصلتُ مع هانيكاوا، يُفترض ألا يكون هناك أي شيء متبقٍ لم أنجزه── وفي تلك اللحظة بالذات، وصلت هانيكاوا. صوت طرقات على الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية. طق، طق. «هناك شحنة فتاة وصلت إليك» «…………» كلا، هذا ليس مضحكًا إطلاقًا. اتجاه مراعاتها للظروف كان خاطئًا كليًا. على أية حال، قمتُ بتفكيك الساتر الحاجز (بما أنني أملك قوة مصاص دماء، فإن بناءه وتفكيكه أمر بغاية السهولة)، ثم طلبتُ من هانيكاوا أن تفتح الباب بأقل قدر ممكن وأن تتسلل بجسدها جانبياً، والتصقتُ بالجدار كي لا تصيبني أشعة الشمس التي ستدخل حتمًا لحظة دخولها. ورغم أن الوقت قد قرب من الغروب، إلا أن شفق الغروب لا يزال ساطعًا. صحيح أنني سأتعرض لأشعة الشمس لاحقًا. وسأقوم باستحمام شتوي للشمس بكل جسدي. لكن ذلك سيكون بعد أن أتحدث مع هانيكاوا. كانت هانيكاوا ترتدي الزي المدرسي اليوم أيضًا. ألا تملك هذه الفتاة أي نية لإظهار ملابسها المدنية لي؟… أم أنها تكره أن أراها بملابسها العادية إلى هذا الحد؟… كلا، ليس وكأنني مهتم بهذه التفصيلة بالذات. ابتسمت هانيكاوا ابتسامة عريضة ومسترخية. كانت ابتسامتها المعتادة. وكان ذلك بدورها──مراعاة منها لمشاعري. «يا للغرابة~» علاوة على ذلك، بينما كنتُ أعيد إغلاق الباب الحديدي بالساتر، قالت لي من خلف ظهري بنبرة حيوية ومرحة للغاية: «يبدو أننا احتُجزنا داخل مستودع الرياضة بطريقة مثالية. يا ترى ماذا سأفعل لو قام أراراغي-كن بمداعبات خبيثة ومنحرفة معي؟» «…أي مداعبات منحرفة» هذه الفتاة… أيعقل أنها تعتقد أنني شخص منحرف للغاية؟ صحيح أنني أظهرتُ مثل هذا الجانب مرارًا وتكرارًا، لكني لستُ شخصًا يعشق الحديث المنحرف بالضرورة! بل إنني رجل نبيـل وشريف. «تشغيل المصباح اليدوي» أضاءت المصباح ووضعته فوق منصة القفز الخشبية. وبما أنه مصباح مربع الشكل، فلن يتدحرج. وبعد ذلك، جلست هانيكاوا فوق الإسفنج. وأنا جلستُ في المواجهة مباشرة. «آه. لقد جلستَ في المواجهة كي تحاول النظر إلى ملابسي الداخلية» «أنتِ تسيئين فهم نوعية الرجل الذي أكونه!» قلتُ لها أخيرًا دون أن أستطيع الإمساك بنفسي، وهي تقوم بحركة تشد بها طرف تنورتها لأسفل: «أنا رجلٌ لو كانت أمامي فتاة عارية وقالت لي “لا تنظر”، فسوف أمتنع عن النظر إليها!» «هذا هو التصرف الطبيعي» «كـ…!» تبًا، أحقًا؟ متى تغيرت معايير المجتمع إذن؟ «كلا، يا هانيكاوا، أنتِ فقط لا تعرفين كم أنا رجلٌ نبيـل (Gentlemen)!» «كلمة Gentlemen بالجمع، والمفرد هو Gentleman» قالت هانيكاوا، ثم أردفت: «عمومًا، إن كان كلامك صحيحًا، فهذا يتسبب في تطلعي للأمر بشغف» «تطلعكِ لماذا بالضبط؟» «حين يبدأ الفصل الدراسي الجديد، سأتمكن من رؤية الكثير من نبل وشرف أراراغي-كن، أليس كذلك؟» «…………» علاوة على ذلك. حدسكِ قوي بشكل مرعب──يا هذه. في الرسالة، لم أُلمح إطلاقًا إلى أي شيء من هذا القبيل──وكنت أتنوي كتمان الأمر حتى النهاية. لأن هانيكاوا ستمنعني حتمًا. «لذلك، لا يجوز لك الموت» «…هانيكاوا» «لا يجوز لك الموت» قالت ذلك. وهي تنظر إليّ بوضوح وثبات في عتمة الظلام. «التفكير بتلك الطريقة ليس سوى دليل على أن روحك تفر من الواقع» «…أنتِ، مذهلة حقًا» استوعبتُ كلمات هانيكاوا في قلبي، ثم نطقتُ بما كان يخطر في بالي مباشرة: «أنتِ رائعة. حين أكون أمامكِ──أشعر بأنني إنسان ضئيل ومبتذل للغاية. لو لم ألتقِ بكِ، لأظن أنني كنتُ سأموت أبكر بكثير. فقد كانت هناك مواقف لا تُحصى كادت تنتهي بي إلى ذلك» «كلا، لهذا السبب بالذات أقول لك لا تمُت──استمع إليّ!» «كل هذا بسببي» قلتُ. وكان شعوري ينطوي على حالة من الاعتراف والاعتذار بالذنب. «تصرفي الطائش هو ما قاد إلى هذه النتيجة──أنا، في ذلك الوقت حين أعطيتُ دمي لكيس-شوت، لم أكن أتخيل إطلاقًا أن يحدث هذا──لو فكرتُ قليلًا لكان الأمر واضحًا كالشمس. ما الذي يعنيه تقديم الدم لمصاص دماء──ومع ذلك فإنني» أن تقوم هي──بأكل البشر. وأن يسقط ضحايا بسبب ذلك. لم يخطر ببالي مطلقًا──لقد هربتُ من التفكير في هذا. وحتى بعد ذلك، ورغم أنني أصبحتُ مصاص دماء واستهلكتُ بإنقاذ نفسي──فقد كان هناك متسع كبير من الوقت للتفكير. بل كلا. في الأساس، أنا نفسي من قالها في البداية. في يوم حفل ختام الفصل الدراسي، لهانيكاوا. أنا من قال لها بنفسي: سوف تُمَصُّ دماؤك──وتُقتَل. وكان ذلك دقيقًا للغاية. غيوتين-كاتر، مُصَّت دماؤه. وُقِتِل. ومات. شيء كان ينبغي أن أدركه── لكني لم أكن أدركه إطلاقًا. «بسببي، مات إنسان» «ليس هذا بسببك يا أراراغي-كن. علاوة على ذلك… بالنسبة لمصاصة الدماء… لهارت-أندر-بليد-سان، فلعل ذلك أمر بديهي للغاية. تمامًا كما نأكل نحن الأبقار والمواشي──الأمر ذاته، أليس كذلك؟» «…………» إن لم آكل فسوف أموت. هكذا قالت هي. «لكن──هي كانت تعتبركِ أنتِ أيضًا مجرد زاد محمول لي. لم تكن تحسب لكِ أي حساب──ولم تضعكِ في حسبانها» «لكن، الأمر بالنسبة لك أنت بالذات كان مختلفًا، أليس كذلك؟» منقذ الحياة. كل منهما منقذ لحياة الآخر. أنا أنقذتُ كيس-شوت── وكيس-شوت أنقذتني. إذن لربما كانت هناك علاقة ثقة بيننا. ولكن، تلك العلاقة كانت. «كان الأمر أشبه بالعناية ببقرة ذكية للغاية… أتعرفين، حتى لو لم تكن بقرة، هناك أمثلة كثيرة──كالكلب العبقري، أو القرد الذكي» «تقصد كأنه حيوان أليف؟» علقت هانيكاوا. بالضبط. في الواقع، حتى أوشينو──قال شيئًا من هذا القَبيل. عاطفة شبيهة بتلك التي تُوجَّه لحيوان أليف── «لكن، حتى هذا التصرف يُعتبر أمرًا طبيعيًا وبديهيًا من وجهة نظرها──بما في ذلك نظرتها إليّ» «أجل. لهذا السبب ليست كيس-شوت هي المخطئة. المخطئ هو أنا. أنا المخطئ الوحيد──وليس هناك أحد آخر خاطئ» «وأنا بدور لا أرى أن أراراغي-كن مخطئ. فالخير والشر يتغيران بمقدار مائة وثمانين درجة لمجرد تغيير زاوية الرؤية والموقف» «صحيح تمامًا» تلك أيضًا──قالها أوشينو. تعريف العدالة يختلف من شخص لآخر── ولهذا السبب بالذات. يتمسك أوشينو بموقفه المحايد──بإصرار شديد. «لم يخطر ببالي مطلقًا──أن دراماتورغي، وإبيسود، وغيوتين-كاتر… أولئك الثلاثة كانوا يُجَسِّدون العدالة من منظور البشر» «لكنك كنتَ مصاص دماء في ذلك الوقت يا أراراغي-كن──فلم يكن أمامك خيار آخر. …ورغم أنني أقول هذا، أعلم أن تقبُّل الأمر ليس بهذه السهولة» «ليس صعبًا بل مستحيل التقبل. لقد أصبحتُ عدوًا للبشرية» «ولهذا السبب، ستتخلى عن العودة بشريًا؟» قالت هانيكاوا. لم تكن نبرتها استجوارية──لكنها كانت سؤالًا قاسيًا للغاية بالنسبة لي في وضعي الحالي. «هل استسلمتَ عن كونك بشريًا يا أراراغي-كن؟ ألم تكن تقول أنك تريد العودة بشريًا──تريد العودة إلى الواقع؟» «لقد سقط ضحايا بالفعل. أن أنال رغبتي بمفردي الآن بعد كل هذا، أمر في غاية الأنانية والجشع» «إن كنتَ تتحدث عن الأنانية، فإن موقف أراراغي-كن الحالي هو الأشد أنانية وجشعًا على الإطلاق» «ماذا؟» «لأنك» ضغطت هانيكاوا على إطار نظارتها لتعديل موضعها، واستغرقت نفسًا واحدًا──ثم قالت: «تحاول التخلي عن كل ما اقترفته والفرار منه» «…كلا» أردتُ القول بأن الأمر ليس كذلك، لكن الكلمات لم تخرج من فمي بسهولة. فواصلت هانيكاوا كلامها محاصِرةً إياي: «روحك تفر، وجسدك يفر أيضًا» «…………» «تحاول الفرار من هنا. ومجرد لأنك فشلتَ، تحاول إعادة تصفير كل شيء. ولأن الحياة لا تملك زر إعادة ضبط──تحاول سحب القابس من المقبس الكهربائي. أليس كذلك؟» «…ليس كذلك» ليس كذلك. هكذا أظن. «لستُ أرغب في الفرار، بل أرغب في تحمل المسؤولية. أن إنهاء هذه الحياة الخالدة بيدي هو أضعف الإيمان لكفارة ذنبي» «أنتَ فقط تراكم الإثم فوق الإثم» قالت هانيكاوا: «الانتحار إثم وخطيئة» «ماذا… أنتِ ضد الانتحار يا هانيكاوا؟» «لستُ أتخذ موقفًا حاسمًا بهذا المعنى الصريح، لكني أظن أنني في هذا الجانب أشبه بأراراغي-كن تمامًا» «تشبهينني؟» «موت البشر يبعث على الاشمئزاز والضيق» أردفت هانيكاوا بنبرة تحمل دلالات عميقة: «لا بأس إن متُّ أنا──لكن رؤية الآخرين يموتون تثير ضيقي واشمئزازي» «…………» «مهما كان ذلك الإنسان» «…تقصدين غيوتين-كاتر؟» تذكرتُه. رغم أن ما جمعني به لم يتعدَّ بضع مرات معدودة. «هناك بشر يستحقون الموت──لكن لا يوجد بشر يمكن القول أنه “لا بأس بموتهم”. هذا ما أؤمن به، وهذا هو تعريفي الشخصي. وإن أردنا الانطلاق من هذا التعريف، فأنا أصبحتُ الآن من البشر الذين يستحقون الموت» «أنتَ لستَ بشريًا في الوقت الحالي يا أراراغي-كن» «هذا مجرد اصطياد في الماء المعكر وتمسك بالشكليات» «سأتمسك بالشكليات وأفعل أي شيء لأجل صديقي» «هانيكاوا» قلتُ. رغم أن قول أمرٍ كهذا أمام هانيكاوا لم يكن بحاجة للذكر، وكنت أخشى أن تتصدى له بأي تفنيد وتفحمني ببراعة── لكني قلته على أية حال. «صحيح أنني لستُ بشريًا الآن، بل مصاص دماء. وولهذا السبب──أنا أيضًا سألتهم البشر تمامًا كما تفعل كيس-شوت» «…………» «لقد حاولتُ تخيل الأمر قليلًا… ومجرد التفكير فيه يثير غثياني واشمئزازي. لا أريد أن أظل حيًا على حساب التهام البشر» ولهذا السبب ليس أمامي سوى الموت، هكذا قلتُ لها. إن لم أستطع العودة بشريًا──فلا بديل عن الموت. «أنا لستُ قويًا مثلكِ بل بشري ضعيف، وإن لم أمُت الآن، فسوف أستمر في الانجراف حتمًا──وفي النهاية لن أستطيع مقاومة رغبة الجوع» زاد محمول. تلك كانت عبارة كيس-شوت. «هانيكاوا──أنتِ أيضًا، سأراكِ قريبًا كمجرد وجبة طعام لا غير» هذا ما يرعبني. رغم أن جثة غيوتين-كاتر كانت مرعبة للغاية──إلا أن وصف كيس-شوت لهانيكاوا بذات الطريقة كان يرعبني بالقدر نفسه. ذلك الإدراك. تلك البديهية، ستصبح بديهيتي أنا قريبًا. وحين تتلاشى بديهياتي التي امتلكتها يوم كنتُ بشريًا──وتتكرس فيّ بديهيات مصاصي الدماء. فإنني حتمًا لن أعود أرى هانيكاوا سوى كوجبة طعام. وسأرغب في التهامها. «إذن، كلني» هانيكاوا. ولكنها، لم تقدم أي تفنيد من ذلك النوع الذي توقعتُه إطلاقًا──ولم تحاول تفنيد كلامي على الإطلاق، بل قالت بنبرة هادئة ومتزنة للغاية: «أعتقد أنه لا بأس بأن يأكلني أراراغي-كن» «…ما الذي تقولينه يا هذه؟» لم أفهم قصدها إطلاقًا. ليس المعنى اللفظي لكلامها، بل مشاعرها التي تقف خلفه. «إن لم أستطع الموت من أجل الطرف الآخر، فلن أسمي ذلك الشخص صديقًا لي» «…كلا» هذا التعريف متطرف وعنيف للغاية. من عساه يستطيع الوفاء بمثل هذا التعريف التعجيزي؟ «صحيح. ألم أذكر لك ذلك سابقًا؟ قلتُ لك أنك ستصاب بالخيبة لو عرفتَ حقيقتي» قالت هانيكاوا ذلك وهي ترسم ابتسامة على وجهها. «…من تكونين بحق السماء؟» «همم؟ صديقة أراراغي-كن. هذا ما أعتبر نفسي عليه» «وهل يتورط المرء عادة إلى هذا الحد لمجرد كونه هكذا؟ لماذا تفعلين كل هذا لأجل شخص مثلي──أأنتِ تقمصٌ لقطة أنقذتُها حين كنتُ في المرحلة الابتدائية، أم صديقة طفولة انتقلت لعيش في مكان آخر، أم رفيقة سلاح من حياة سابقة مثلًا؟» «كلا، ليس أيًا من ذلك إطلاقًا» «أجل، أعلم» علماً بأنني لم أنقذ قطة قط. ولم تكن لدي صديقة طفولة انتقلت بعيدًا. أما الحياة السابقة فلا علم لي بها. «كما قلتُ لك سابقًا──لماذا تذهبين إلى هذا الحد البعيد لأجل شخص التقيته للتو؟ لو كنتِ تفعلين هذا لكل أحد، فلن تكفيكِ أجساد الأرض قاطبة» «أنا لا أفعل هذا لأي أحد» قالت هانيكاوا: «أنا أفعل هذا لأنك أراراغي-كن، أتعلم؟» «حتى لو فعلتِ كل هذا لأجلي، فأنا قاصر ولن أستطيع أن أكون ضامنًا قانونيًا لكِ في أية معاملة مالية، أتعلمين؟» «كلا، لستُ أخطط لأي شيء من هذا القبيل» «وحتى لو بلغتُ سن الرشد، فسأكون عاطلًا عن العمل حتمًا، ولن أتمكن من ضمانكِ أيضًا» «هذه مسألة أخرى، ولكني أرجو أن تحصل على وظيفة على أية حال» «لا تضعيني في موقف محرج بمثل هذا الكلام!» «بالتأكيد الشخص الذي سيواجه الإحراج هو أراراغي-كن، ولكن…» ثم أردفت هانيكاوا: «على أية حال، إن كان الأمر يقتصر على إنقاذ أراراغي-كن وحده، فجسد واحد يكفي وزيادة» «…تقصدين: “لا بأس إن متُّ أنا”؟» «لستُ أرغب في الموت، ولكن، بما أن أراراغي-كن أنقذ حياتي مرتين بالكامل──فأظن أنني لن أشتكي حتى لو أكلني أراراغي-كن» مع أنني أظن أنني سأصرخ من الألم وما شابه ذلك. قالت هانيكاوا ذلك ببالغ الأريحية والهدوء. رغم أنني لم أُفْحَم بحجة جدلية── إلا أن الكلمات أُلْجِمَت في فمي. هذه الفتاة──عظيمة ومذهلة حقًا. لدرجة تجعل المرء عاجزًا عن الاستيعاب بصراحة. «لهذا السبب، لا تمُت» قالت هانيكاوا مجددًا: «ارجوك، لا تمُت» «…وماذا عن المسؤولية؟» سألتُها──دون أن أتوقع إجابة محددة. «أنا من أعاد كيس-شوت التي كانت على شفا الموت إلى الحياة──جمعتُ لها أطرافها بعناية، واستعدتُ لها قلبها الذي لم تطلبه حتى. ماذا عن تلك المسؤولية؟ إن كان الموت فرارًا، فهل سأكون قادرًا على تحمل المسؤولية لو لم أمُت؟» «وهل ستتحمل المسؤولية لو مُتَّ؟» «لا أعلم» كل شيء قد انتهى بالفعل. ولا مجال لتداركه الآن──ولا يمكن تغيير الموقف. لا أحد يستطيع إيقاف كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد بعد استعادتها لجسدها الكامل. وتلك التي بُعِثَت تحت مسؤوليتي──ستواصل التهام البشر بلا أدنى خجل أو تردد. تمامًا كما فعلت طوال تاريخها. ولكن ابتداءً من الآن، تحت مسؤوليتي أنا. «غيوتين-كاتر لم يستطع المضي في ذلك──بينما ذهبتُ للتسوق في متجر البقالة، قُطِّع وأُكِل وكأنه وجبة خفيفة بين الوجبات. ودراماتورغي وإبيسود اللذان عادا إلى موطنهما لن يستطيعا مواجهتها بحال من الأحوال. ولو استثنينا ذلك لقلنا أوشينو، لكن ذلك الوغد لن يفعل أكثر من حفظ التوازن مطلقًا. إنه يضع حدًا حاسمًا لا يتجاوزه──وبالنسبة له، قضية كيس-شوت قد انتهت وطُوِيَت صفحتها. ناهيك عن أن كيس-شوت لن تسمح لأحد بسلب قلبها بسهولة بعد الآن. لم يعد بمقدور أي أحد إيقاف تلك مصاصة الدماء» «ولا حتى أراراغي-كن؟» قالت هانيكاوا ذلك بأسلوب يقطع الشك باليقين. «أليس بإمكان أراراغي-كن──إيقافها؟ بل أليس أراراغي-كن الوحيد المتبقي الذي يستطيع إيقافها؟» كانت تلك. عبارة خارج جميع توقعاتي كليًا. وكانت──الشيء الذي غفلتُ عنه. «كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد… مصاصة الدماء ذات الدم الحار، البارد والحديدي، أليس كذلك؟ وأنتَ تابعها الوحيد يا أراراغي-كن──أليس هذا يعني بالعكس أنك الوجود الوحيد القادر على إيقافها؟» «…آه» الشيء الذي أغفلتُه. والشيء الذي لم أنجزه بعد. بالتأكيد. لماذا لم أنتبه لأمر في غاية البساطة كهذا؟──إن كان هذا أمرًا يعجز عنه دراماتورغي، وإبيسود، وغيوتين-كاتر، وأوشينو. فإن هذا الذي جمع رجلها اليمنى ورجلها اليسرى وذراعيها وقلبها من أولئك الأربعة──أنا، أراراغي كويومي، هو من ينبغي عليه القيام بذلك! يتوجب عليّ أنا القيام به! وتلك هي──المسؤولية الحقيقية. بغض النظر عن مدى قدرتي أو عدم قدرتي. صحيح، لقد اقترفتُ آثامًا كثيرة، لكنني بعدُ… لم أفعل أي شيء للتكفير عنها! «أنا من سيقضي على──كيس-شوت» حين نطقتُ بها بصوت مسموع. تكرست المشاعر في داخلي بيقين جلي. نعم. ذلك شيء──لا يستطيع القيام به سواي. قاتلة الكايغي تلك──أنا من سيوقفها! إن كان ذلك ما ينبغي إنجازه──فلن يكون أمامي سوى المضي فيه! شعرتُ بأن التروس في عقلي قد استقرت وتعاشقت في موضعها الصحيح. «ملامح وجهك تغيرت» قالت هانيكاوا تسوباسا، ثم تابعت محاصرتي بكلامها: «بالمناسبة، هل أُخبرك بشيء مفيد يا أراراغي-كن؟» «ربما يكون أمرًا سيئًا في الوقت نفسه» «مم؟ أهو شيء جيد أم سيء إذن؟ لا تتحدثي بطريقة مبهمة هكذا» «ربما يكون أمرًا غير ملائم لأراراغي-كن في وضعه الحالي، لكنه كان ليكون ملائمًا جدًا لأراراغي-كن قبل قليل» «ازداد غموض الأمر أكثر…» «أنا، يوم أمس، ذهبتُ إلى المكتبة──وبحثتُ في الأمر. بعد أن هُزِم غيوتين-كاتر-سان أول من أمس واكتملت الأجزاء… ورغم أن القلب لم يكن قد اكتمل حينها، إلا أن المفترض كان أن تعود أنتَ بشريًا يا أراراغي-كن. لكني──شعرتُ ببعض القلق» «قلق من ماذا؟» «قلق بشأن ما إذا كانت هارت-أندر-بليد-سان ستعيد أراراغي-كن إلى بشريته حقًا أم لا» ليس وكأنني شككتُ فيها، هكذا أردفت هانيكاوا. «ولهذا، وضعتُ في الحسبان احتمال ألا تقوم بإعادتك بشريًا──وبحثتُ عما إذا كانت هناك طريقة أخرى تمكن أراراغي-كن من العودة إلى أصله البشري» بمعنى آخر. هل بحثت عن طريقة لإعادة “البشري السابق” الذي عُضَّ من قِبل مصاص دماء وأصبح تابعا، إلى هيئته البشرية الأصلية؟ «…وهل وجدتِ طريقة كهذه؟» «أجل، طريقة واحدة فقط» هزت هانيكاوا رأسها إيجابًا. «حين يقوم التابع الذي يُفترض به طاعة سيده، بإلحاق الضرر بسيده بالعكس، تفقد العلاقة بين السيد والخادم قوامها وتنهار، ويُجرَّد التابع من مقومات وصفة التابع» «لم أفهم المعنى تمامًا…» «بمعنى آخر، لو قمتَ أنتَ يا أراراغي-كن بالقضاء على هارت-أندر-بليد-سان──فسوف تعود بشريًا بغض النظر عن إرادة هارت-أندر-بليد-سان كليًا» «هـ» أنا. ذهلتُ في البداية أمام هذه القاعدة البسيطة. «هـ──هكذا إذن» انهيار رابطة التبعية بين السيد والخادم. حتى الآن يمكن القول أن تلك الرابطة متداعية، ولكن حسم الأمر والقضاء عليها كليًا… سيعيدني إلى بشريتي. أهكذا إذن تكون المعادلة؟ «عثرتُ على العبارة نفسها في عدة كتب، ولذا أظن أن درجة موثوقيتها عالية──بالنسبة لأراراغي-كن الذي لا يريد العودة بشريًا ويطلب الموت، قد يكون هذا غير ملائم، لكن لا بديل عن ذلك. لأنه لا أحد يستطيع هزيمة هارت-أندر-بليد-سان غير أراراغي-كن» «──هذا بالفعل غير ملائم على الإطلاق» آه. في النهاية، الوقاية خير من العلاج. تعبيرٌ يتجاوز مجرد ضرب عصفورين بحجر واحد، بل هو بحق── «بالفعل──غير ملائم للغاية. هذا يعني أن كل شيء يسير وفق مخططكِ تمامًا، أليس كذلك؟» «هذا ما يُسمى بالتدبير والتخطيط. وأنا أرى بنفسي──أنه تدبير قاسٍ ومحكم» «أنتِ──تعرفين كل شيء بحق» «أنا لا أعرف كل شيء. أنا أعرف فقط ما أعرفه» أراراغي-كن، هكذا قالت هانيكاوا: «بهذا لم يعد أمام أراراغي-كن سوى العودة بشريًا، أليس كذلك؟ لأن ترك هارت-أندر-بليد-سان شأنها هكذا──أمر مستحيل على أراراغي-كن الحالي» «مستحيل بالطبع──» «أم أنك ستفر مجددًا؟» قالت هانيكاوا ذلك كضربة قاضية وحاسمة: «إن كنتَ ستفر حتى بعد كل هذا، فسأقوم أنا بـ──إيقافك بكل ما أملك من قوة» أرجوكِ… كفي عن هذا. بالطبع تظل المسؤولية قائمة──مسؤولية تسببي في هذه الأزمة قائمة ولن تمحى للأبد. لكن. تنظيف هذا الهراء وإصلاحه──أمر مقدور عليه. أستطيع القيام بالتنظيف وتدارك الأمر. وإن كان بمقدوري، فلن يكون أمامي سوى القيام به. من الموت السهل. ومن الموت المريح، هذا يعتبر تكفيرًا حقيقيًا عن الخطيئة. نظرتُ إلى هانيكاوا مجددًا. وشعرتُ مجددًا بعظمتها. حتى قبل لحظات، لم أكن أفكر إلا في الموت──ومهما اختلفت الأسباب، لم أكن أركز إلا على معاقبة نفسي، ولكن بمجرد حديث قصير مع هانيكاوا، وجدتُ نفسي وقد أزحتُ تلك الفكرة جانباً دون أن أشعر. قبل أن أتحدث مع هانيكاوا، ظننتُ أنني أستطيع الموت بسهولة──ولكن بحديثي مع هانيكاوا، أصبحتُ بالعكس غير قادر على الموت. حتى لو قضيتُ على كيس-شوت. وعدتُ بشريًا، ورغبتُ في الموت مجددًا بعدها──فإن هانيكاوا لن تسمح لي بذلك حتمًا. وستستخدم كل الوسائل والحيل لتمنعني من فعل ذلك. لقد كسبتُ صديقة مزعجة للغاية. وفي الوقت نفسه──كسبتُ صديقة عظيمة. «إن كان الأمر كذلك، فالمشكلة الوحيدة المتبقية هي──ما إذا كنتُ قادرًا على هزيمة كيس-شوت أم لا» أنا أقرب مصاص دماء لرتبة كيس-شوت. حتى لو كنتُ كذلك──إلا أن الفارق في الرتبة بين السيد والتابع قاتل ومصيري. وإحداث الانقلاب والتفوق على السيد ليس بالأمر الهين إطلاقًا. «تلك هي النقطة. ورغم أنني دبرتُ الخطة──إلا أنها ليست خالية من الثغرات. لو خسر أراراغي-كن، فستكون هذه أسوأ نتيجة بالنسبة لي على الأقل. فأراراغي-كن سيموت كما يتمنى──في حين يبقى وجود هارت-أندر-بليد-سان كظاهرة غريبة قائماً. …وربما يتم أكلي أنا من قِبل هارت-أندر-بليد-سان. وبما أنها تعتبرني مجرد زاد محمول، فمن المؤكد أنها تحفظ وجهي على الأقل» «وهل تملكين أي تدابير أو خطة لمواجهة هذا الاحتمال؟» «همم؟ كلا، لم أصل إلى هذا الحد بعد» هزت هانيكاوا رأسها بحيرة وارتباك. «تُسمى بالنوع النادر المميز، أليس كذلك؟ يبدو أن هارت-أندر-بليد-سان لا تنطبق عليها صفات أي مصاص دماء معروف. وكما قلتَ أنتَ وأوشينو-سان، فإن قوة خلودها فائقة لدرجة تجعل نقاط ضعفها ملغاة كليًا» «بما أنني أملك الصفات ذاتها كخادم لها──فإن المشكلة تكمن في فارق الخبرة والتاريخ إذن…» «وفارق العامل النفسي أيضًا» «العامل النفسي؟» «هل يستطيع أراراغي-كن──أن يقضي على هارت-أندر-بليد-سان التي قضى معها العطلة الربيعية بأكملها؟» «…………» لقد ساعدتني وشفتني. وظلت بجانبي تعتني بي طوال الوقت. ولأجل إنقاذي وأنا أحترق تحت أشعة الشمس، ألقت بنفسها تحت هجير الضوء. وهي فوق هذا كله──منقذة حياتي. وحين هممتُ بالتضحية بحياتي، لم تشرب دمي حتى آخر قطرة ورأفت بي── ورغم أن تلك العاطفة تشبه حب الإنسان لحيوانه الأليف── لكن مع ذلك. تلك الأوقات التي قضيناها معًا فوق السطح مثلًا── وتلك اللحظات التي ضحكنا فيها معًا. «──العامل النفسي لا مشكلة فيه» مستحضرًا كل ذلك في عقلي، قلتُ لها: «سأقوم بالقضاء عليها يقينًا» «هكذا إذن» هزت هانيكاوا رأسها إيجابًا. بدا وكأنها تملك شيئًا آخر تريد قوله، لكنها قررت كتمانه وعدم الإفصاح عنه. وبدلاً من ذلك قالت: «إذن» «أنا بالطبع سأساعدك وأعاونك. بصفتي صاحبة المخطط، فأنا أتحمل الجانب الأكبر من المسؤولية. إن كان هناك شيء باستطاعتي فعله، فلا تتردد في طلبه» «بلا تردد… ها؟» «أهاها، مع ذلك، لست أظن أنني أستطيع تقديم خدمات منحرفة أكثر مما حدث سابقًا~» حين وصلت محادثتنا إلى هذا الفاصل، وربما رغبة منها في تلطيف الجو، ضحكت هانيكاوا بتلك الطريقة المرحة──كلا، كلا. قلتُ لكِ إن ذلك مجرد سوء فهم… يا إلهي، ألم تكن تلك المداعبات السابقة مجرد التمهيد لتسيير الحديث بسلاسة؟ لماذا تتجهين للتعاون في هذا المسار بالذات؟ ساعديني في وضع خطة معركة أو شيء من هذا القبيل! يا إلهي، ما هذا الهراء الذي تقوله لرجل نبيـل مثلي، أراراغي كويومي؟ “بلا تردد”… «هانيكاوا» «ماذا؟» أمَالت هانيكاوا رأسها، فقلتُ لها بمنتهى النبل والوقار: «هل لي أن ألمس صدركِ؟» «…………» تجمّدت ملامح هانيكاوا وهي تُتِيحُ رأسها جانبًا. ومع ذلك حافظت على ابتسامتها، وهو ما يُحسَب لها بحق. ساد جوٌّ خافق وثقيل داخل المستودع الرياضي. ما الفائدة من إثقال الجو هكذا…؟ «الصدر» «كلا، لقد سمعتُك بوضوح» إيييه… نظرت هانيكاوا لأعلى، ثم لأسفل. ثم التفتت إليّ مجددًا: «ولماذا يُعتَبَر هذا الأمر ضروريًا بالضبط؟» «إنه أمرٌ في غاية الضرورة حتمًا» قلتُ لها. مصطنعًا أقصى درجات الجدية على وجهي. «أنتِ لم تري كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد في هيئتها الكاملة، أليس كذلك؟» «همم؟ يعني… لكنني رأيتها في سن الثانية عشرة والسابعة عشرة، ولذا يمكنني تخيل هيئتها في سن السابعة والعشرين إلى حدٍ ما» «إنها حتمًا فوق ما تتخيلين» رفعتُ سبابتي وقلتُ: «إنها تمتلك صدرًا يتجاوز أعتى خيالاتكِ» «…صدرًا» «مخاوفي تكمن في أن أُهْزَم بينما يتشتت انتباهي بذاك الصدر. وعلى الأرجح فإن ذاك الصدر سيَهْتَزُّ بقوة شديدة أثناء المعركة. ولهذا، وكإجراء مضاد، أرغب في التدرب على التعامل مع صدور الفتيات» «أوه~» أصدرت هانيكاوا مثل هذا الصوت. «السبب أسخف بكثير مما توقعتُ…» «أ… أليس المنطق متماسكًا إلى حدٍ ما؟» «…همم» أغلقت هانيكاوا جفنيها ببطء، وقطّمت حاجبيها وكأنها تصارع صداعًا مفاجئًا. «…لا بأس بذلك» «ماذا!؟ أتوافقين!؟» لماذا؟ أي جزء في هذا المنطق الهزيل أقنعها بحق السماء!؟ «انتظر لحظة» قالت ذلك. وبدأت بنزع الوشاح أولاً، ثم خلعت سترة المدرسة الصوفية──ثم سحبت أطراف قميصها الخفيف المفروض داخل التنورة. والتفت يداها خلف ظهرها لتدخلهما تحت القميص. مرت بضع ثوانٍ. وفي تلك الأثناء. سحبت هانيكاوا حمالة صدرها التي حلتها من تحت القميص بمهارة وخفة. وبحركات متمرسة طوتها بسرعة وأخفتها تحت الإسفنجة التي تجلس عليها. ثم نظرت إليّ. وقالت: «تفضل، المسه» «…………!» كلا، أنا لم أطلب الوصول إلى هذا الحد! ما هذا الموقف الذي وجدتُ نفسي فيه! لستُ مستعدًا نفسيًا إطلاقًا! لم يكن هناك داعٍ بنزعها! لم يكن عليكِ خلع أي شيء! «إي… إييه؟» علاوة على ذلك، ما هذا؟ يبدو لي أنه بمجرد أن خلعت سترة المدرسة ونزعت الحمالة، بدا حجم صدر هانيكاوا وكأنه تضاعف فجأة… أهي خدعة بصرية؟ كلا، عين مصاص الدماء لا تخدعها البصريات. هانيكاوا الآن، وعلى أقل تقدير من خلال ملاحظتي لها عبر القميص، تمتلك حجم صدر لا يقل عن حجم صدر كيس-شوت إطلاقًا، بل ربما يضاهيه وينافسه! علاوة على أن الشكل مثالي بشكل مذهل. رغم نزع الحمالة وفقدان الدعم، إلا أنه يبدو وكأنه يتحدى قوانين الفيزياء──أيعقل أن هانيكاوا بشرية تعيش على الأرض ومع ذلك تتجاهل الجاذبية؟ هذا بالفعل يتجاوز أعتى الخيالات! بالطبع، السبب الذي دفعني لمثل هذا الطلب كان إدراكي مسبقًا لمؤهلات هانيكاوا في هذا المجال، ولكن رغم ذلك، فإن تسمية الأمر بـ “التدريب” كان قلة أدب ووقاحة مني. هانيكاوا تسوباسا. بمفردها قادرة تمامًا على منافسة كيس-شوت ندًا لند! لم أكن أتخيل إطلاقًا أن هانيكاوا تمتلك صدرًا بمثل هذا الحجم! لـ… لكن…؟ قامت هانيكاوا ومشت نحوي (ومع كل خطوة تخطوها، كان صدرها يتحرك بطريقة تتجاوز الوصف والتخيل، فتسمرت عيناي عليه ولم أستطع التحرك وكأنني أُصِبتُ بشلل تام)، ثم جلست أمامي مباشرة──وضمت ذراعيها إلى جانبيها، وانتصبت قامتها، ودفعت بصدرها للأمام بقوة. تلك الوضعية جعلت صدرها يبدو أكبر حجمًا. هذا ما يُسمى بالاستعراض الحقيقي للصدر. وبما أن القميص كان خفيفًا للغاية، فإن المعالم الكاملة لصدر هانيكاوا كانت واضحة كالشمس تقريبًا. «أراراغي-كن» «إييه؟ آه، ماذا؟» «طالما أنك ستدلكه، فعليك تدليكه على أصوله وبإتقان» «بـ… بإتقان؟» «أعتقد أنه يجب عليك تدليكه لمدة لا تقل عن ستين ثانية» «سـ… ستين ثانية…» كلا، كلا. العقبة عالية ومتطلبة للغاية. ماذا تعني بـ “على أصوله وبإتقان”؟ وكيف تحول الأمر فجأة من مجرد “اللمس” إلى “التدليك”؟ يا للهول، هل يعقل أن أقول لها الآن إنها كانت مجرد دعابة… ما الذي أجعل صديقتي الموقرة تفعله بحق السماء؟ «دون أي تساهل أو رفق!» «أوه، أجل!» حين قالت ذلك، رفعتُ يديّ تلقائيًا كمن يستعد للهجوم. رفعتُهما، لكني لم أستطع تحريكهما أبعد من ذلك. فبما أنني أملك قوة قبض مصاص دماء، فلابد لي من الحذر التام كي لا أؤذيها، لكني لا أعلم مقدار القوة المناسب. وهل البدء باللمس من الأعلى هو الصحيح أم من الأسفل… لا أملك أدنى فكرة عن الحركة الأولى التي ينبغي اتخاذها. من المؤكد أنه لن يتسع داخل كفيّ الاثنين… ولهذا يتردد عقلي في العبور من الأمام مباشرة. هل أضمه من الجانبين مثلًا──كلا، كلا. لكن هناك مشكلة أكثر إلحاحًا من ذلك بكثير. «أ… أقول، يا هانيكاوا» «مم؟ ماذا هناك؟» «هل يمكن أن تستديري وتعطيني ظهركِ؟» قلتُ لها بصوت يكاد يختفي من الخجل. «النظر إلى وجهكِ أثناء القيام بهذا يفوق قدرة تحملي» ففي ضوء المصباح اليدوي وحده قد لا تراني هانيكاوا بوضوح، لكني بصفتي مصاص دماء أرى تعابير وجه هانيكاوا بوضوح تام. وجهها المحمر بالكامل خجلًا. وشفتاها المطبقتان بشدة. هذا فوق طاقة تحملي حقًا. «…………» دون نطق كلمة، هزت هانيكاوا رأسها بوقار، واستدارت لتعطيني ظهرها. ظهرت أصول جديلتيها المجدولتين. لم أمعن النظر فيهما من قبل، لكنه شعر في غاية الجمال والنقاء… لا يبدو عليه أي تلف. ويتضح منه العناية الفائقة والدائمة به. «كـ…» آه، لكن هذا الخيار معقد جدًا أيضًا. فبما أنها أعطتني ظهرها، يتوجب عليّ لف ذراعيّ حول جسد هانيكاوا للوصول لأمام، لكن في هذه الحالة، ذراعا هانيكاوا المضغوطتان إلى جانبيها تعترضان طريقي نوعًا ما… «ا… ارفعي ذراعيكِ لأعلى» «أهذا تدريب الجمباز الإذاعي الصباحي؟» قالت ذلك وهي ترفع ذراعيها لأعلى. وبهذا انفتحت الطريق أمامي. أدخلتُ ذراعيّ تحت إبطيها──وبالطبع، عند الوصول إلى هذا الحد، أصبح جسدانا على وشك الالتصاق كليًا. بل وبما أنها تنظر للاتجاه الآخر، فإن محاولة لمس صدرها جعلت الوضعية تبدو وكأنني أحتضن جسد هانيكاوا من الخلف تمامًا… المسافة معقدة للغاية──هل أتقاطع بذراعيّ؟ كلا، اتباع الطريقة المباشرة العادية أنسب لضبط الإحساس. بسطتُ أصابعي. هانيكاوا التي لم تتحرك أنملة منذ فترة──يتضح توترها الشديد حتى من هيئة ظهرها. لكني بلا شك أكثر توترًا منها بأضعاف مضاعفة. قلبي يخفق كالمجانين. «أ… ألن تغضبي مني لاحقًا؟» «لا بأس. لن أغضب» «متأكدة؟» «متأكدة تمامًا» «…إذن، كيف أقولها، تحسبًا لوقوع محاكمة قضائية بيننا، هل لكِ أن تقولي: “أراراغي-كن، أرجوك دلك ثديي العاري الخالي من الحمالة، أتوسل إليك”؟» طاخ! تهيأ لي أنني سمعتُ مثل هذا الصوت. أهو صوت انفجار شريان في رأس هانيكاوا؟ أم هو صوت انقطاع عضلات وجهها المنكمش؟ «أ… أ، أراراغي-كن، أ، أرجوك، ا، دلك ثديي العاري الخالي من الحمالة، أتوسل… أتوسل إليك» «كلا، قولكِ لهذا بصوت خافت هكذا يضعني في موقف محرج. فهذا يظهر وكأنني أرغمكِ على القول ضد إرادتكِ. أرجوكِ قوليه بصوت أعلى، مع توضيح الجزء الذي تريدين تدليكه وكيفية ذلك وبإرادتكِ الصريحة التامة» «أراراغي-كن! أ، أرجوك دلك ثديي العاري الخالي من الحمالة، أتوسل إليك!» «… “إنه لشرف عظيم لي أن يقوم أراراغي-كن بتدليك ثديي”» «إنه… لشرف عظيم لي أن يقوم أراراغي-كن… بتدليك ثديي…» «أيضًا… “لقد بذلتُ قصارى جهدي لتنمية وتكبير هذا الثدي المنحرف فقط لأجل أن يدلكه أراراغي-كن”» «لقد بذلتُ… قصارى جهدي لتنمية وتكبير هذا الثدي المنحرف فقط لأجل… أن يدلكه أراراغي-كن!» «ياه. لم يبدُ عليّ ذلك من قبل، لكن اتضح أن هانيكاوا منحرفة تمامًا» «…نـ، نعم! أنا منحرفة للغاية، أنا آسفة!» «لا داعي للاعتذار. فمهما بلغتِ من الانحراف، فلن يتضرر أحد من ذلك» «صـ، صحيح، إهههـ!» «إذن، كيف هو منحرف بالتحديد ثدي رئيسة مجلس الطلبة المنحرفة والمجتهدة هذه؟» «حـ… حجمه، ونعومته… يمثلان أقصى درجات الانحراف… وأنا أفتخر بذلك…!» آه. هكذا إذن، هكذا كانت الحقيقة. طالما راودني في هذه المراهقة السؤال التقليدي حول سبب ولادتي في هذا العالم… والآن، وفي سن السابعة عشرة، انجلت إجابة ذلك السؤال كليًا. استنرتُ وتجلت لي الحقيقة. حياتي كانت مجرد تمهيد لهذا اليوم بالذات. وجودي كان لأجل هذه اللحظة بالذات. لم يُولَد الشخص المسمى بأراراغي كويومي في هذا العالم إلا لتذوق هذا اليوم بالذات… كلا، الأمر أكبر من ذلك بكثير. لم يعد يتسق التحدث عنه على مستواي الفردي الصغير. إن هذا العالم بأسره قد استمر في الوجود والترابط عبر كل هذه العصور فقط ليجعلني أختبر هذا اليوم بالذات. وما سيأتي من تاريخ البشرية بعد الآن مجرد شؤون هامشية استكمالية لا قيمة لها! «أعني، تدليك ثدي صديقتي أمرٌ مستحيلٌ بالمعايير الطبيعية!» فررتُ. استسلمتُ ورفعتُ يديّ متراجعًا ثلاث خطوات للوراء وأنا أنتحب. في وضعية أقرب ما تكون إلى السجود الاعتذاري (Dogeza). «مستحيل! هذا أمر لا يمكن قبوله إطلاقًا!» «…جبان» قالت هانيكاوا بنبرة منخفضة وخافتة للغاية. دون أن تلتفت نحوي إطلاقًا. ودون أن تتكلف عناء النظر إلى وضعيتي القريبة من السجود الاعتذاري. «جبان. جبان. جبان جبان جبان جبان» «أنا جبان. أنا رعديد ومثير للشفقة. أنا آسف جداً. لا أملك أي كلمة أرد بها مهما قلتِ عني. أرجوكِ سامحيني بحق. أنا المخطئ، ولقد تماديتُ وركبتني الموجة. استغللتُ طيبة هانيكاوا-سان، ولكن بفضل تضحيتكِ العظيمة بجسدكِ استفقِتُ وعاد إليّ عقلي!» «أتعتقد أن الأمر ينتهي باعتذار؟ أتعلم ما هو مقدار العزم والجاهزية التي امتلكتُها لأجلس هكذا هنا؟» «كـ… كلا، شخص ضئيل مثلي لا يملك أدنى فكرة، ولكن… هل لي أن أسأل عن مقدار ذاك العزم والجاهزية لو تكرمتِ؟» «بصراحة، ظننتُ أن الأمر لن يتوقف عند مجرد تدليك الصدر… وقلتُ في نفسي: أها، إذن هكذا ستكون المرة الأولى لي، فوق إسفنجة مستودع الرياضة في المدرسة» «أليس حسمكِ للأمر وتوقعكِ للأسوأ سريعًا جدًا!؟» «قلتُ في نفسي: لا بأس بذلك إذن» «لا بأس به!؟» يُقال إن الفتيات يكنّ أكثر جراءة وحسمًا حين تشتد الأزمات… ولكن هذا يتجاوز الحدود! «ومع ذلك، بعد كل هذا التعذيب والإحراج الشديد، لم تلمسني ولو بإصبع واحدة…!» «لهـ… لهذا السبب أنا أعتذر منكِ للتو!» «أهكذا إذن؟ تعتذر وينتهي الأمر؟ هاه. يبدو أنني في موقف يتوجب عليّ فيه غفران كل شيء لمجرد أن أراراغي-كن اعتذر. هاه» «أنا نادم وأشعر بالخزي حقًا، أرجوكِ سامحيني يا رئيسة مجلس الطلبة ذات النظارات الأنيقة!» «…هذه هي المرة الأولى في حياتي التي يُستَهَان بي فيها إلى هذا الحد» «هيـييي!» أتقصد الصدر؟ أم النظارات؟ أم كونها رئيسة مجلس الطلبة؟ «أراراغي-كن… ألهذا الحد أنا فتاة تفتقر إلى الجاذبية؟» «…………!» كفي، كفي، كفي! لا تؤذيني بعبارات درامية رائعة كهذه! «لـ… لأنني لو دلكتُ صدركِ بهذه الطريقة، فسأظل أندم على ذلك طوال حياتي!» رغم أنني قد أندم أيضًا لو لم أدلكه. لكنني أفضّل الندم على عدم التدليك على الندم بعد التدليك! «مـ… ما رأيكِ بأن أدلك كتفيكِ كبديل عن ذلك؟» «الكتفان؟» «نعم. الكتفان. أرغب شديدًا في تدليك كتفي هانيكاوا-سان» «…إذن، اتفقنا على هذا الحد» حُسِم الأمر. وقمتُ بتدليك كتفي هانيكاوا. تدليك، تدليك، تدليك، تدليك. واو، ليسا متشنجين إطلاقًا. سمعتُ أن ضعف النظر يسبب تشنج الكتفين عادة… لكنها صحية وجسدها سليم. وبما أنني لا أملك أية مهارة في التدليك، فلن تجد أي راحة في تدليكي هذا… في هذه المنطقة لا توجد شحوم بالطبع. عظامها واضحة المعالم تمامًا──أهذه هي الترقوة؟ أوه… هذا الملمس ممتاز بدوره. كلا كلا، ليس هذا هو الشاهد. تدليك، تدليك، تدليك، تدليك. واستمر ذلك ستين ثانية كاملة. «انـ… انتهيت. شكرًا جزيلًا لكِ» انتهى بي المطاف بتقديم الشكر بعد أن قمتُ بتدليك كتفيها. أي روح استعبادية وتذلل أحملها في داخلي؟ «اكتفيتَ بهذا؟» «نـ… نعم. يمكن متابعة البقية على الموقع الإلكتروني» «وهل تُدَلَّك الكتفان عبر الموقع الإلكتروني بحق السماء؟» «إذن… نتابع البقية في الفصل الدراسي الجديد، مثلًا» «مم. هذا صحيح» هزت هانيكاوا رأسها إيجابًا. واستجابت جديلتاها لتلك الحركة واهتزتا معها. «طالما أنك جعلتَ فتاة تذهب إلى كل هذا الحد لأجلك» حين رفعتُ يديّ عن كتفيها، قامت هانيكاوا ومشت مبتعدة، وعادت إلى موضع الإسفنجة التي كانت تجلس عليها، لكنها لم تجلس، بل وقفت والتفتت نحوي: «فلن تخسر حتمًا، أليس كذلك؟» «سأنتصر» كان عليّ استعادة نبرتي العادية، وإلا لكنتُ استمريتُ في التحدث مع هانيكاوا بتلك النبرة المفرطة في التهذيب للأبد. لكن، حتى مع ذلك. استطعتُ قولها بوضوح وقاطعية. «أنا سأنتصر» استطعتُ قول ذلك بثقة. «أقسم بصدركِ!» «كلا، لا داعي للقسم بأجزاء من الجسد» كان هناك تباين واضح في مستوى الحماس بيننا. تنحنحت هانيكاوا تنحنحة واحدة وقالت: «على أية حال» ثم أردفت: «هذه المرة، هي المعركة الأخيرة بحق» «أجل──خاتمة معركة القوى الخارقة في المدرسة» و… في اللحظة التي قلتُ فيها ذلك. خارج مستودع الأدوات الرياضية──دوى صوت انفجار هائل.
