قصة الجرح — الفصل السابع عشر
017
نظرت إليها.
«بالطبع، لن يستطيع أي منكما أكل البشر مهما اشتد به الجوع. لكن…… في هذه الحالة، لن تحصل هارت-أندر-بليد على التغذية الكافية، وستموت جوعًا في نهاية المطاف، وإن كان أراراغي-كن سيتمكن من الاستمرار في الحياة. لذلك، سيتعين على أراراغي-كن أن يمد هارت-أندر-بليد بدمه باستمرار. فالمادة الغذائية الوحيدة القادرة على إبقائها على قيد الحياة هي دمك ولحمك، أنت الذي جعلتها كائنًا وضيعًا كهذا. سيتعين عليك أن تكرس بقية حياتك لها، وسيتعين على هارت-أندر-بليد أن تظل إلى جانبك طوال بقية حياتها».
كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد.
«مكان تموتين فيه──»
مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والحار، والبارد.
طريقة القضاء على مصاص دماء بواسطة مصاص دماء آخر──
مصاصة الدماء الأسطورية.
إنها آخر عدوٍّ لي، أنا تابعها.
قاتلة الكايغي، ملكة الكايغي.
وتطاير جسدي كله متناثرًا──
إنها مصاصة دماء.
لقد قلت للتو إنني بخير نفسيًا──
مصاصة دماء جميلة، ذات شعر ذهبي يخطف الأبصار، وفستان أنيق يضفي عليها سحرًا خاصًا، جميلة إلى حد تجمّد الدم في العروق──لا حاجة إلى أي وصف آخر.
──أراراغي-كن الذي جعلتِه تابعًا لك──
وإن أردتُ أن أضيف شيئًا──فهي مصاصة الدماء الخاصة بي.
فنظرت إليها كيس-شوت ببرود.
إنها آخر عدوٍّ لي، أنا تابعها.
طريقة القضاء على مصاص دماء بواسطة مصاص دماء آخر──
«كيس-شوت……»
كيف أقضي عليها.
أزحت الحاجز بالقوة، وفتحت الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية──كانت الشمس قد غربت بالفعل في الخارج، وهناك، في وسط الملعب، كانت تقف هي.
هكذا كانت المواجهة──لا.
الأرض تحت قدميها متشققة.
فهي أكلت إنسانًا، أليس كذلك؟
لا بد أن ذلك ناجم عن صدمة هبوطها.
«هل أنتِ مازوخية أم ماذا؟!»
وفي الواقع، كانت قد غاصت في أرض الملعب حتى كاحليها.
«لكنّك استيقظت في النهاية. كنت أظن أن بقاءك مصاص دماء لا بأس به إن كنت تريد ذلك──لكن، كما توقعت، قلت إنك تريد العودة إلى إنسان. كنت قد أمضيت وقتًا طويلًا في التفكير في الأمر حتى بينما كنت فاقدًا للوعي. وحينها اتخذت قراري».
لم تكن الأجنحة الشبيهة بأجنحة الخفافيش تنبت من ظهر كيس-شوت──وبحكم أنني تابعها، أدرك ذلك حدسيًا. لا بد أنها انطلقت من فوق سطح مبنى المدرسة التحضيرية القديم، وقفزت قفزة واحدة بالوثب الطويل، من دون أي ركضة تمهيدية، قاطعةً المسافة حتى وصلت إلى هنا──دفعة واحدة.
ثم──
لقد انتظرت غروب الشمس.
«ا… اسمعي──كيس-شوت».
ثم قفزت──إلى حيث كنت.
لكنها لم تكن قادرة على الحركة.
ومع ذلك، فلا يمكن وصف ما فعلته إلا بأنه مذهل. حتى لو كان الأمر يتعلق بالوثب الطويل من دون ركضة تمهيدية، فقد كنت قد مدحت نفسي لمجرد أنني قفزت عشرين مترًا على الأكثر──بينما قطعت كيس-شوت عدة كيلومترات بقفزة واحدة، وكأن الأمر لا يستدعي أي جهد.
وكان يفترض أن يتواصل ذلك القتال العبثي، وذلك التبادل العبثي بين الموت والعودة إلى الحياة، من دون أن تكون هناك أي وسيلة لإيقافه──لكن في تلك اللحظة.
بالطبع، لم أكن أسعى إلى تحطيم رقم قياسي حينها، بل كنت أهدف فحسب إلى الهبوط في حفرة الرمل، ولذلك لا يصلح ما فعلته معيارًا للمقارنة──لكن لو سألني أحدهم إن كنت أستطيع القفز من هنا حتى مبنى المدرسة التحضيرية القديم، فلن يكون الأمر مجرد افتقاري إلى الثقة في قدرتي على ذلك.
ما ذلك الأمر الذي جعل هانيكاوا تندفع من مستودع الأدوات الرياضية──ما الذي كان يمكن أن يكون بهذه الأهمية؟
أغلقت الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية خلف ظهري.
ثم تابعت:
وتركت هانيكاوا في الداخل.
«كيس-شوت. أنا إنسان».
صحيح أن بابًا كهذا لن يشكل أي عائق أمام كيس-شوت──لكن ربما كان ذلك سيمنحنا شيئًا من الطمأنينة، ولو كانت مجرد طمأنينة زائفة.
سأردم فجوة الخبرة بالإرادة الصلبة──هذا هو السيناريو الذي أتبناه!
همست عبر الباب: «لا تُصدري أي صوت».
مع أنها كانت هادئة وواثقة إلى هذا الحد.
ثم خطوت خطوة إلى الأمام.
قال أوشينو ذلك بكل وقاحة.
باتجاه كيس-شوت.
لأنها كانت الطريقة التي أستطيع بها القضاء على كيس-شوت، وفي الوقت نفسه الطريقة التي تستطيع بها كيس-شوت القضاء عليّ.
«……أهلًا».
«لا تتصرفي وكأنكِ تملكين كل الوقت في العالم، كيس-شوت!»
اقتربت منها وأنا ألقي عليها هذه التحية.
قالت كيس-شوت ذلك وهي تضحك.
«لم أتوقع أن تأتي إليّ بنفسك».
«في الواقع، أيها التابع──إن القدرة الدفاعية لمصاصي الدماء ليست مرتفعة إلى ذلك الحد! بالطبع، لا يمكن مقارنتها بقدرة البشر الذين ليسوا سوى طعام لنا──لكن دفاعنا منخفض، وكأنه يتناسب عكسيًا مع قوتنا الهجومية الهائلة! لو افترضنا أن القوة الهجومية تبلغ مئة، فإن القوة الدفاعية تتوقف عند عشرة أو عشرين على الأكثر. هل تعرف السبب يا تابعي؟!»
كنت أظن أن ذلك سيكون أصعب عقبة على الإطلاق.
قالت كيس-شوت:
تحديد الوقت، وتحديد المكان.
دليلًا مؤكدًا على خضوعي لها.
كان الوضع مختلفًا عما حدث حين واجهتُ دراماتورغي وإبيسود وغيوتين كاتر──فأوشينو لم يكن موجودًا ليتوسط بيننا.
«آه──ماذا؟ لم تكوني مصاصة دماء أصلية؟!»
لم يكن أمامي سوى التفاوض معها بنفسي.
كانت معركة ستستمر حتى تنفد قوة الخلود لدى أحدنا.
لكننا، في نهاية المطاف، مصاصا دماء.
سيدة وتابع──أو بالأحرى، تابعها.
نظرت إليها.
وصولها في اللحظة التي غربت فيها الشمس تقريبًا يعني، على الأرجح، أن كيس-شوت، بعدما استعادت هيئتها الكاملة، كانت تعرف تحركاتي كلها، وكأنها تراها أمام عينيها.
«……أشفقتِ عليّ؟»
أين أنا.
كائنان ينتمي أحدهما إلى مرتبة أعلى والآخر إلى مرتبة أدنى.
وما الذي أفكر فيه.
هانيكاوا، راقبيني.
كل شيء مكشوف أمامها──لا شيء يخفى عليها.
قالت كيس-شوت.
كانت كيس-شوت تنظر إليّ بعينين أشد برودة من المعتاد──ثم بدأت أولًا بإخراج ساقها اليمنى من الأرض، تلتها اليسرى.
لا أعرف على وجه اليقين إن كانت غريزة الإنسان أم غريزة مصاص الدماء──لكنني كنت أعرف.
وبعد ذلك قالت:
«آآآآآآآآآآآآآآآآه!»
«لمرة واحدة فحسب».
مجرد مباراة.
قالت ذلك.
«أنا سعيد لأنني بقيت في هذه المدينة حتى بعد انتهاء أمر هارت-أندر-بليد. فلولا ذلك، لما تعرفت إليك».
«أيها التابع. خلال النهار، فهمتُ مشاعرك──وفهمتُ أيضًا سبب غضبك الشديد إلى ذلك الحد. لقد تحملت النعاس وأمضيت وقتي في التفكير في الأمر. وأظن أنني كنت عديمة الإحساس، وأنني لم أراعِ مشاعرك، أنت الذي كنت إنسانًا في السابق، بما يكفي. لذلك، سأخفض رأسي أمامك مرة واحدة فحسب».
ولا ينطبق على البشر وحدهم، بل على الحيوانات كذلك.
«…………»
«وماذا في ذلك؟!»
«عُد إلى جانبي».
«طعام».
قالت كيس-شوت.
«وما علاقة ذلك بك الآن؟»
كان صوتها جميلًا.
وأكلت ستة آلاف إنسان حتى الآن.
صوتًا آسرًا──كانت تحاول إغرائي به.
وضرباتها تنهش جسدي.
«عِش معي. لقد أنقذتَ حياتي──صحيح أنك شخص غريب الأطوار، لكنني أرى أنني أستطيع العيش معك لهذا السبب تحديدًا. ألا ترغب في أن تعيش معي أبد الآبدين، بدلًا من العودة إلى إنسانيتك؟»
«يا إلهي، لا تقولي هذا. أنا لا أكره الفتيات أبدًا. إن سمعتِ شيئًا غريبًا من أراراغي-كن، فأؤكد لك أنه مجرد إشاعة».
«……أرفض».
غريزتي تخبرني بذلك.
قلت ذلك وأنا أبادل عيني كيس-شوت الباردتين النظرات.
لا بد أن أوشينو قد توصل إلى تسوية بهذه الطريقة.
لقد حسمت أمري──وقلتها.
«كيس-شوت──»
«لقد أكلتِ إنسانًا. وهذا وحده كافٍ بالنسبة إليّ».
بمجرد أن نظرت إليه.
«لو كنتَ تعرف ذلك──ألم تكن لتنقذني؟ أكنت ستتركني أموت؟»
إذا كان الأمر كذلك──
«كيس-شوت──لم أكن أفهم شيئًا. لا، بل……»
«ما الذي يمكن لفتى لم يعش حتى عُشر عمري أن يفهمه؟! لا تتفوه بكلام مريح كهذا──فأنا لا أرغب في مواصلة الحياة في حالة كهذه! لا يمكن أن يكون هناك شيء أكثر إثارة للشفقة! لن أعيش حياة أكون فيها موضع عار! مكان موتي هو هنا! لقد وجدته أخيرًا──سأتمكن أخيرًا من الموت! أنا──سأموت من أجل تابعي! دعني أموت من أجله! اقتلني، اقتلني──أسرع واقتلني! أنا لا أريد أن أعيش!»
هززت رأسي.
«لذلك، لا تبالغ في تقدير نفسك، أيها التابع. ففي الأصل، المسؤولية مسؤوليتي──ولولا أنني تصرفت بشكل مثير للشفقة، لما وصلت الأمور إلى هذا الحد. ولولا أنك أنقذتني، لكنت قد متُّ في ذلك الوقت».
«لا، هذا ليس صحيحًا. أظن أنني كنت أعرف منذ البداية──كل ما في الأمر أنني كنت أصرف نظري عن الحقيقة. لقد كنت مستعدًا للموت من أجلك، أليس كذلك؟ وهذا يعني أنني تقبلتُ فكرة أكلك للبشر. لكنني لم أتخيل أن يؤدي ذلك إلى موت إنسان آخر. ربما كان فعلي نبيلًا، لكنه لم يكن صائبًا».
«حسنا. وأنا مصاصة دماء».
لا بأس أن أموت أنا──
لا أريد أن أختفي! لا أريد أن أُمحى من الوجود!
لكن موت الآخرين أمر يزعجني.
«كنت إنسانة──أي إنني كنت مثل دراماتورغي وأنت!»
حين أفكر في الأمر، أجد أن هذا رأي أناني للغاية.
«لم أتوقع أن تأتي إليّ بنفسك».
رأي كهذا──لا يمكن أن يُقبل ببساطة.
مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والحار، والبارد.
«……كنت أعلم أنك ستقول ذلك».
مهما تناثر الدم، ومهما تطايرت قطع اللحم، فإنها تتبخر قبل أن تصل إلى الأرض، وبحلول الوقت الذي تتبخر فيه تكون أجسادنا قد تجددت بالفعل.
قالت كيس-شوت بابتسامة تعلو وجهها.
جحيم يُحطم فيه الجسد إلى أشلاء، ثم يُرمَّم ويعود إلى حالته الأصلية مع هبوب نسمة من الرياح، ليُحطم من جديد، ثم يُرمَّم مرة أخرى، ويتكرر الأمر إلى الأبد، فلا يتوقف الجسد عن التحطم أبدًا──ذلك هو أحد الجحيمات الثمانية العظيمة.
«كنت أريد أن أسمعك تقول ذلك».
كانت معركة عبثية.
«كيس-شوت……»
ذلك الرجل الذي يرتدي قميص الهاواي، المتبجح والخفيف الظل.
«بهذا، زال ترددي──أيها التابع. أنا أيضًا، كنت أشعر بذلك منذ البداية، ولو بصورة مبهمة. كنت أظن أنك من هذا النوع من الأشخاص».
«مهلًا مهلًا، ما زال الوقت مبكرًا على قول ذلك، أيها التابع──ما الذي تندم عليه في وضع متكافئ كهذا؟!»
«من هذا النوع؟»
حتى هانيكاوا ابتلعت كلماتها للحظة.
«كنت أعلم أنك لن تكون لطيفًا معي إلا──ما دمتُ ضعيفة».
لم تكن الأجنحة الشبيهة بأجنحة الخفافيش تنبت من ظهر كيس-شوت──وبحكم أنني تابعها، أدرك ذلك حدسيًا. لا بد أنها انطلقت من فوق سطح مبنى المدرسة التحضيرية القديم، وقفزت قفزة واحدة بالوثب الطويل، من دون أي ركضة تمهيدية، قاطعةً المسافة حتى وصلت إلى هنا──دفعة واحدة.
لقد كنت أظن أنك لن تعود تهتم بي بعدما أستعيد كامل قوتي وأصبح كائنًا كاملًا.
حتى بعد أن أصبح المرء مصاص دماء──
كانت كلمات كيس-شوت قاسية، بل تكاد تكون جارحة.
«يا للعجب. لديك صدر جميل حقًا. سأعترف لك بهذه الميزة على الأقل».
«لم تنقذني لأنني أنا──بل لأنني كنت ضعيفة. كنت ستنقذ أي شخص ما دام في حالة ضعف».
وكانت هي الأخرى قد فقدت هدوءها.
«…………»
لكنني انقضضت على عنقها، وعضضته.
لكنني لا أفعل ذلك مع الجميع.
مهما كان الجزء الذي يتعرض للتدمير──
أنا أفعل ذلك لأنك أنت، أراراغي-كن.
«أن تقتلني، وأن أعيدك إلى إنسان، ثم أموت أخيرًا. شعرت بأنني وجدت أخيرًا المكان الذي سأموت فيه──المكان الذي كنت أبحث عنه منذ أربعمئة عام».
هذا ما قالته هانيكاوا.
مصاصة دماء جميلة، ذات شعر ذهبي يخطف الأبصار، وفستان أنيق يضفي عليها سحرًا خاصًا، جميلة إلى حد تجمّد الدم في العروق──لا حاجة إلى أي وصف آخر.
لكنني──
«خفت من أن تختفي ذاتي التي عاشت خمسمئة عام──خفت من أن أصبح معدومة، وخفت إلى حد لم أعد أستطيع معه احتمال الأمر. وفي تلك اللحظة، مررتَ أنت من هناك──فطلبت منك المساعدة».
حتى لو لم تكن كيس-شوت، ففي ذلك الوقت……
قدرة النظرات.
«لذا، حسنًا──كنت أتوقع أن تنتهي الأمور على هذا النحو. وبالمناسبة، أنا أنقذتك لأنك أنت، كما تعلم. فقد أشفق قلبي على ذلك الفتى المسكين الذي كان مستعدًا للتضحية بحياته من أجلي، ولم أعد أحتمل فكرة قتله».
قالتها بنبرة جادة.
«……أشفقتِ عليّ؟»
«لا تخيب أملي كثيرًا، أيها التابع».
«ولهذا، سأكرر شكري لك على ما بذلته من أجلي. هيا، اقترب أكثر، أيها التابع. أستطيع أن أستنتج من تعبير وجهك أنك تعرف ذلك بالفعل، أليس كذلك؟ أجل. إذا قتلتني بنفسك──فستتمكن من العودة إلى الإنسان الذي تحبه».
«ليست هذه هي المسألة يا كيس-شوت».
«…………»
هل كان ذلك أيضًا جزءًا من محاولتها لجعل فرصنا متكافئة؟ بدا وكأننا تحركنا في الوقت نفسه، لكنها في الواقع تركت لي المبادرة أولًا.
ابتلعت ريقي.
حتى لو لم تكن كيس-شوت، ففي ذلك الوقت……
أدركت مجددًا أنها كشفت خطتي──وأدركت مدى الفارق الهائل في القوة بيني وبينها.
أما كيس-شوت، فرغم أنها كانت تضحك، فإن ابتسامتها لم تكن تشبه ابتسامة الليلة الماضية إطلاقًا؛ لم يكن فيها أي شعور بالألفة.
حين وقفت أمامها هكذا──كان الأمر مختلفًا.
«أوشينوووو! أعرف أنك هنا──لا يمكن أن تكون قد غفلت عما يحدث في هذا المكان، وأنت الذي تدّعي الحياد! لقد فهمت كل ما كنت تقوله──ولا أريد أي تفسير إضافي! لذا اخرج! لقد فهمت أيضًا ما فعلته، وفهمت تمامًا أنني لست الضحية، بل الجاني! لذا اخرج──أوشينووو ميمييي!»
مختلفًا عن كل المواقف التي واجهت فيها أولئك الثلاثة──شعرت وكأن رهبةً وتوترًا هائلين يعصرانني من كل جانب.
حدقت في أوشينو──وكررت كلامي.
صحيح.
دموع تشبه الدم.
كان أكبر اختلاف هو أن القتال الذي نحن على وشك خوضه سيكون، بكل وضوح، «قتالًا حتى الموت».
«هاه! الأمر واضح──لم تكن لديّ أي نية لإعادة هذا التابع إلى إنسان من الأساس. كل ما في الأمر أنني كذبت عليه كي أجعله يجمع أطرافي. كنت مستعدة للكذب بأي قدر كي أستعيد هيئتي الكاملة──وحتى السبب الذي جعلني أحوله إلى تابعي لم يكن في الحقيقة سوى مصلحة شخصية تخصني».
لن تكون هناك أي قيود تمنعنا من قتل بعضنا بعضًا.
«كنت أنوي أن أترك ثغرة مناسبة في الوقت المناسب، وأسمح له بقتلي──لكن لا بأس. أيها التابع، ليس أمامك في نهاية المطاف سوى خيار واحد، وهو قتلي».
وفوق ذلك──كان خصمي هو قاتلة الكايغي نفسها.
رفعت جسدي فجأة، من دون أن أشعر، بينما كنت أطرح كيس-شوت أرضًا وأجلس فوقها.
«لا تخيب أملي كثيرًا، أيها التابع».
«كيس-شوت──»
قالت كيس-شوت.
لم يكن بإمكانها، بعدما امتصصت نصف دمها بالفعل، أن تفعل شيئًا سوى الصراخ، لأنها لم تكن قادرة على الحركة.
بل إنها بدت سعيدة قليلًا.
فلا بد أن غيوتين كاتر ظن أن أوشينو خدعه، وذهب بمفرده إلى مبنى المدرسة التحضيرية القديم.
«أنا الآن في أفضل حالة صحية مررت بها طوال هذه القرون الخمسمائة──حين واجهت أولئك الثلاثة معًا، كنت مريضة، وفوق ذلك كنت مستهينة بهم. لم أتوقع أن ينتزعوا قلبي مني، لكن مثل هذا الأمر نادر الحدوث مع مصاصة دماء من مستواي».
هز أوشينو كتفيه، وكأنه يقول إنني أحمق.
«……ما الذي تقصدينه؟»
تلقيت قدرة نظراتها مباشرة.
«الفرص التي أستطيع فيها القتال بكل قوتي».
كنتِ تبكين وتصرخين──
قالت كيس-شوت ذلك──ثم أشارت إليّ بيدها، داعيةً إياي إلى الاقتراب.
«هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا──اقتلني، أيها التابع».
«بصراحة، لا أعرف حتى أنا ما الذي سيحدث بالضبط──لكنني متأكدة من أنك أقوى خصم واجهته في حياتي، ولذلك لا داعي لأن أكبح قوتي. وهذا يسعدني كثيرًا».
«اصمتي!»
«لا تظني أنني سأكون عند حسن ظنك».
ومع أنني كنت على وشك أن أطير إلى الخلف──
جمعت شجاعتي، وبدأت أقترب منها خطوةً بعد خطوة.
حين أفكر في الأمر، أجد أن الأمر بسيط وواضح للغاية.
ربما كنت سأهرب لو كنت على طبيعتي──لكن الأمر مختلف الآن. خلفي، داخل مستودع الأدوات الرياضية، توجد صديقة عزيزة عليّ. هناك شخص يجب أن أحميه خلف ظهري──ولا يمكنني الهرب.
«من هذا النوع؟»
لا بد أن أواجهها.
قال أوشينو ذلك.
هانيكاوا، راقبيني.
من خلفي.
لن أريكِ مظهرًا مثيرًا للشفقة.
وصولها في اللحظة التي غربت فيها الشمس تقريبًا يعني، على الأرجح، أن كيس-شوت، بعدما استعادت هيئتها الكاملة، كانت تعرف تحركاتي كلها، وكأنها تراها أمام عينيها.
«فأنا في نهاية المطاف إنسان سابق──كنتُ طعامًا في الماضي».
قال أوشينو ذلك بكل وقاحة.
«……اطمئن. سأقتلك الآن بدافع الحقد والعداء، لكنني، رغم ذلك، سأمنحك أفضلية. ما الذي كان يقوله ذلك الفتى؟ آه، أجل، معركة متكافئة بنسبة خمسين إلى خمسين. سأضع قواعد تجعل النتيجة متكافئة».
لكنني انقضضت على عنقها، وعضضته.
إنها لعبة.
في الظروف الطبيعية، كان يفترض أن تنتهي المعركة هنا.
قالت كيس-شوت ذلك، ثم قفزت قفزة خفيفة.
وكان يفترض أن يُستأنف القتال──
وفي اللحظة التالية، كانت قد وصلت إلى أمامي مباشرة──إلى مسافة تقاطعت فيها ساقانا إحداهما مع الأخرى.
«إن شهية البشر أكثر شراهة بكثير، على أي حال».
كانت كيس-شوت في هيئتها الكاملة أطول مني.
وكأنني سأصدق ذلك.
ومن ذلك الارتفاع، نظرت إليّ من علٍ.
«مهلًا مهلًا، ما زال الوقت مبكرًا على قول ذلك، أيها التابع──ما الذي تندم عليه في وضع متكافئ كهذا؟!»
«لن أطير في السماء. لن أختبئ في الظلال. لن أتحول إلى ضباب. لن أصبح ظلامًا. لن أختفِ. لن أتحول إلى هيئة أخرى. لن أستخدم قوة النظرات. ولن أستخدم التجسيد المادي أيضًا. ومن نافلة القول أنني لن أستخدم النصل الشيطاني “كوكورو واتاري”──سيف قاتلة الكايغي. باختصار، أعدك بأنني لن أستخدم مهارات مصاصي الدماء الهجومية. بالطبع، يمكنك أنت استخدامها إن شئت──لكن أقصى ما تستطيع فعله على الأرجح هو تحويل ذراعيك وما دونهما».
«ولهذا، سأكرر شكري لك على ما بذلته من أجلي. هيا، اقترب أكثر، أيها التابع. أستطيع أن أستنتج من تعبير وجهك أنك تعرف ذلك بالفعل، أليس كذلك؟ أجل. إذا قتلتني بنفسك──فستتمكن من العودة إلى الإنسان الذي تحبه».
«…………»
«……كيس-شوت!»
حتى ذلك الأمر لم أتمكن من فعله إلا لأن هانيكاوا كانت رهينة آنذاك──أما الآن، وقد أصبحت إرادتي أقرب إلى الجانب البشري مما كانت عليه في السابق، فمن المؤكد أن تحويل أطراف أصابعي وحدها سيكون صعبًا عليّ.
طريقة القضاء على كيس-شوت.
ربما كان الأمر سيختلف لو امتلكت قوة إرادة دراماتورغي أو خبرته──لكنني، بصفتي مصاص دماء حديث العهد، لا أملك أيًّا منهما.
لقد حدقت في كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد بقوة وثبات، رغم كل شيء.
«في الأصل، وبصفتي سيدتك، يمكنني السيطرة إلى حد ما على أفعالك بوصفك تابعي──لكنني لن أفعل ذلك أيضًا. أعدك بأنني لن ألجأ إلى حيلة مبتذلة كهذه. ستكون المواجهة بالقوة الخالدة وحدها──وفي هذه الحالة، لن تكون الخبرة القتالية ضرورية. إذا تبادلنا الضربات من هذه المسافة، مع تثبيت أقدامنا في مكانها، فستكون فرصنا متكافئة بنسبة خمسين إلى خمسين، أليس كذلك؟»
قال أوشينو بوجه تعلوه ابتسامة ماكرة.
«……لا بد أنكِ تشعرين بملل شديد».
نظرت كيس-شوت إلى هانيكاوا مرة أخرى.
قلت ذلك وأنا أحدق في وجه كيس-شوت الذي صار على مقربة مني.
واندفعت بين هانيكاوا وكيس-شوت.
«إلى هذا الحد تريدين تجربة القتال بكل قوتك؟ أم أن ما تفعلينه يُسمى استهتارًا؟»
كنت أظن ذلك طوال الوقت.
«استهتار؟ يؤسفني أن أخيب ظنك، لكنني لست غبية إلى حد الاستهانة بتابعي. ومع ذلك، لا بد من منحك فرصة للفوز حتى تصبح اللعبة ممكنة، أليس كذلك؟ أريد أن أقاتل بكل قوتي. سيكون الأمر مملًا إن تخليتَ عن القتال في منتصف المواجهة».
وفوق ذلك──كان خصمي هو قاتلة الكايغي نفسها.
ثم اتخذت وضعية ضربة بحافة اليد.
«أراراغي-كن. يا لها من مصادفة نادرة أن نلتقي في مكان كهذا».
شكلت كلتا يديها على هيئة سيف──واستعدت للقتال من هذه المسافة القريبة للغاية.
حين انتبهت، وجدت أن خديّ مبتلان.
فقلدتها أنا أيضًا.
كان ما عليّ فعله واضحًا.
في هذا الموقف، تكون ضربة حافة اليد أفضل من القبضة.
لا أريد أن أموت! لا أريد أن أموت! لا أريد أن أموت!
فحين تبلغ القوة الجسدية مستوى قوة مصاص الدماء، يصبح الفرق بين قوة القبضة وقوة ضربة حافة اليد ضئيلًا إلى حد لا يُذكر. لذا، فإن ضربة حافة اليد، التي تتيح نطاقًا أوسع من الحركات، أسهل في الاستخدام──
كان حديثنا مختلفًا تمامًا عن الحديث الذي تبادلناه ليلة أمس على سطح مبنى المدرسة التحضيرية القديم──كان خشنًا وفوضويًا، وكأننا نتكلم بما يخطر ببالنا من دون تفكير.
«…………»
أجابت هانيكاوا عن اعتراض أوشينو.
عندها، ألقيت نظرة على محيطي.
«كما سمعت يا أراراغي-كن. لقد وضعتك الرئيسة في موقف صعب──إنها لطيفة أكثر من اللازم، إلى درجة تجعلها قاسية. إنها تتجاوز حدود المعقول فعلًا. أتساءل ما الذي يجعلها تثق بك إلى هذا الحد؟»
صحيح أن الشمس قد غربت، لكن الوقت لم يتأخر كثيرًا──ورغم أن المدرسة يُستبعد أن يكون فيها أحد، فإن احتمال ظهور شاهد ليس معدومًا، حتى لو كانت المدرسة بعيدة عن المنازل.
«أما التفاصيل…… حسنًا. أراراغي-كن، ستقضي على هارت-أندر-بليد إلى أقصى حد ممكن، لكن من دون أن تقتلها. ستنتزع منها معظم خصائص مصاصي الدماء ومهاراتهم──مع إبقائها على قيد الحياة. أما هارت-أندر-بليد، فستعود إلى حالة احتضار أشد مما كانت عليه سابقًا. ستصبح كائنًا لا يبقى منه شيء، لا جسد ولا ظل ولا أثر، حتى إن اسمها نفسه لن يبقى──كائنًا وضيعًا يشبه الإنسان الذي يتظاهر بأنه مصاص دماء. كائنًا لا يستطيع أكل البشر مهما اشتد به الجوع».
لا بد أن أنهي الأمر بسرعة.
أما عطلة الربيع الأخيرة في حياتي الثانوية──فقد انتهت بنهاية مأساوية، بلا سعادة لأي شخص، وبلا أي خلاص على الإطلاق.
لكن حين فكرت في ذلك، قالت كيس-شوت:
التفتُّ إلى الخلف رغم إدراكي للمخاطر.
«يا لك من جريء، أيها التابع، أن تصرف نظرك عني وأنا أمامك مباشرة».
رفعت جسدي فجأة، من دون أن أشعر، بينما كنت أطرح كيس-شوت أرضًا وأجلس فوقها.
«اطمئن. لم يعد أولئك الثلاثة هنا──أما عامة الناس، فلا يستطيعون حتى الاقتراب من مصاصة دماء في كامل قوتها. وحتى لو رآنا أحد، فلن يتجاوز الأمر انتشار شائعة في المدينة──»
إنه الشيء نفسه تمامًا، من دون أدنى اختلاف──!
«──شائعة».
عطلة ربيع كانت أشبه بالجحيم.
أحاديث الناس. والأساطير الحضرية. والأقاويل المتناقلة.
«أووشينووو ميميييي!»
شائعة تستدعي شائعة──وإذا ذكرتَ الذئب ظهر ذيله.
«……هذا أمر يقرره أراراغي-كن».
«لكن الأمر مختلف بالنسبة إلى طعامك المحمول الموجود في ذلك الكوخ خلفك، أليس كذلك؟»
كان دمها.
«……كيس-شوت. لديّ أنا أيضًا سؤال أخير أريد أن أطرحه عليك».
وفي الواقع، كانت قد غاصت في أرض الملعب حتى كاحليها.
«أوه؟ لا بأس، سيكون ذلك تذكارًا تأخذه معك إلى العالم الآخر──سأجيب عن أي سؤال. تفضل».
وفوق ذلك، أليس هذا التعبير مألوفًا لي؟
«ما الذي يمثله البشر بالنسبة إليك؟»
لا تلقِ الأمر على عاتقي، كما قال، بنبرة توحي بأنه يريد إبعادي عنه.
«طعام».
بخلاف قتل السيد.
«حسنًا».
شكلت كلتا يديها على هيئة سيف──واستعدت للقتال من هذه المسافة القريبة للغاية.
أجابتني من دون أدنى تردد.
فلا بد أن نضحي بحياة أخرى كي نعيش.
وبذلك، تمكنت من إزالة آخر عائق كان يمنعني من المضي قدمًا.
في الظروف الطبيعية، كان يفترض أن تنتهي المعركة هنا.
«كنت أريد أن أسمعك تقولين ذلك──أردت أن أسمعه من فمك أنتِ!»
──احذر من أن يسمح دراماتورغي لنفسه بامتصاص دمك──
ثم تحركت──وتحركت كيس-شوت أيضًا.
قوة الخلود لدينا متكافئة.
«موتي، يا سيدتي!»
«كيس-شوت──»
«مت، أيها التابع!»
«خفت من أن تختفي ذاتي التي عاشت خمسمئة عام──خفت من أن أصبح معدومة، وخفت إلى حد لم أعد أستطيع معه احتمال الأمر. وفي تلك اللحظة، مررتَ أنت من هناك──فطلبت منك المساعدة».
هل كان ذلك أيضًا جزءًا من محاولتها لجعل فرصنا متكافئة؟ بدا وكأننا تحركنا في الوقت نفسه، لكنها في الواقع تركت لي المبادرة أولًا.
طار الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية خلف هانيكاوا بعيدًا.
اندفعت ضربة حافة يدي أفقيًا نحو وجه كيس-شوت──فانفصل النصف العلوي من رأسها، وتطاير إلى الخلف مع شعرها الذهبي.
«أوه؟»
وكأنها كانت تنتظر حدوث ذلك، فجاءت ضربة حافة يد كيس-شوت وحطمت رأسي. ورغم أن كلينا استخدم الحركة نفسها، فإن القوة كانت مختلفة تمامًا──وبما أن مساحة نقطة الاصطدام كانت أصغر بكثير من قبضة دراماتورغي، بدا أن قوة الضربة قد تركزت في نقطة واحدة.
«إذن، ما الذي تريده؟»
طار رأسا كلينا.
سأردم فجوة الخبرة بالإرادة الصلبة──هذا هو السيناريو الذي أتبناه!
في الظروف الطبيعية، كان يفترض أن تنتهي المعركة هنا.
قالت كيس-شوت ذلك──ثم أشارت إليّ بيدها، داعيةً إياي إلى الاقتراب.
لكن──لا أنا ولا كيس-شوت بشر.
«سأدفع المال».
نحن وحوش.
لماذا؟
حتى لو طارت رؤوسنا، وحتى لو دُمِّرت أدمغتنا، فإن مهلة الدقائق الخمس لا تعني لنا شيئًا. لم يحدث سوى انقطاع الوعي والرؤية للحظة وجيزة──ثم عاد كل شيء إلى حاله.
لم يعد هناك شيء لم نفعله──ولا شيء تركناه من دون معالجة……
لم يبقَ أي ضرر لدى أيٍّ منا.
لكنني لا أفعل ذلك مع الجميع.
«هيها!»
«لن أطير في السماء. لن أختبئ في الظلال. لن أتحول إلى ضباب. لن أصبح ظلامًا. لن أختفِ. لن أتحول إلى هيئة أخرى. لن أستخدم قوة النظرات. ولن أستخدم التجسيد المادي أيضًا. ومن نافلة القول أنني لن أستخدم النصل الشيطاني “كوكورو واتاري”──سيف قاتلة الكايغي. باختصار، أعدك بأنني لن أستخدم مهارات مصاصي الدماء الهجومية. بالطبع، يمكنك أنت استخدامها إن شئت──لكن أقصى ما تستطيع فعله على الأرجح هو تحويل ذراعيك وما دونهما».
ضحكت كيس-شوت.
يا له من اهتزاز!
«ها! هاها! آهاها! هاهاها! آهاهاهاها!»
ظللت أنا والاثنتان مذهولين من كلماته──
كانت تضحك بصوت متذبذب، وكأنها تؤدي عدة أصوات متناغمة بمفردها──
«سأدفع المال».
ضحكت بمرح.
عندها، ألقيت نظرة على محيطي.
«يا له من شعور رائع──هذه هي متعة القتال حتى الموت بين مصاصي الدماء! المزيد، المزيد، المزيد──أيها التابع!»
فالدم الذي يتسرب منها قد يتجدد──لكن الدم الذي يُمتص لا يعود.
«اصمتي!»
«…………»
تقاطعت ضربات حافة اليد.
«ما إن تأكل إنسانًا واحدًا──حتى يختفي شعورك بالذنب من دون أن يترك أثرًا».
لم تعد الضربات تستهدف الرأس وحده، بل امتدت إلى الجسد والأطراف أيضًا.
«لا توجد طريقة كهذه، بالطبع».
كانت ضرباتي تنهش جسد كيس-شوت──
«ولهذا السبب تحديدًا سأجعلكِ تعيسة. لن تتحقق أمنيتك. لكن القرار يعود إلى أراراغي-كن. أجل، أظن أن الرئيسة محقة».
وضرباتها تنهش جسدي.
هل كان الألم الناتج عن تمزيق جسدها إربًا مجرد إحساس ألفته منذ زمن بعيد؟
تنهشني بعنف، مرة تلو الأخرى.
حين أفكر في الأمر، أجد أن الأمر بسيط وواضح للغاية.
«……!»
«لقد نسيت تقريبًا كل شيء عن حياتي حين كنت إنسانة──لكن يبدو أنني كنت أنتمي إلى عائلة ذات مكانة رفيعة! أيمكن القول إنني كنت من النبلاء؟ يبدو أن هذا الفستان من بقايا تلك الأيام──ها! على أي حال، حين يتجاوز عمر مصاص الدماء ثلاثمئة سنة، لا يعود هناك فرق يُذكر بين المصاص الأصلي والتابع!»
بالطبع، لم يكن إحساسي بالألم قد خَدِر.
ما هذا الوضع──هذا غير معقول.
فالألم يظل ألمًا.
نظرت إليها.
إذا دُمِّر الدماغ، توقف التفكير. وإذا دُمِّرت الرئتان، توقف التنفس. وإذا دُمِّر القلب، توقف تدفق الدم.
بالطبع، لم تكن كيس-شوت مثلي؛ فحتى لو كنتُ أنا واقفًا أمامها، لكانت قادرة حرفيًا على صرف نظرها عني. لكن الأمر مختلف الآن.
حتى بعد أن أصبح المرء مصاص دماء──
لكنها لم تكن قادرة على الحركة.
فإن جسده لم يتغير من الناحية الفيزيائية.
فنظرت إليها كيس-شوت ببرود.
كل ما في الأمر أن قدرته على التعافي والشفاء، وقوته التي تبقيه خالدًا، تتجاوز الحدود المعتادة بكثير.
«أيها التابع. خلال النهار، فهمتُ مشاعرك──وفهمتُ أيضًا سبب غضبك الشديد إلى ذلك الحد. لقد تحملت النعاس وأمضيت وقتي في التفكير في الأمر. وأظن أنني كنت عديمة الإحساس، وأنني لم أراعِ مشاعرك، أنت الذي كنت إنسانًا في السابق، بما يكفي. لذلك، سأخفض رأسي أمامك مرة واحدة فحسب».
ومع ذلك──كان ذلك كافيًا.
وكان يفترض أن يُستأنف القتال──
«آآآآآآآآآآآآآآآآه!»
حتى لو لم تكن كيس-شوت، ففي ذلك الوقت……
«هاها! اصرخ أكثر──فأنا أحب زئير الرجال الرجولي الصادر من أعماق صدورهم!»
صحيح.
كانت كيس-شوت تضحك بصوت عالٍ، وتشن هجمات أشد عنفًا من اهتزاز صدرها العنيف المتوقع──
كنتِ تبكين وتصرخين──
كان الألم موجودًا لديها أيضًا، بالطبع.
«يا إلهي، لا تقولي هذا. أنا لا أكره الفتيات أبدًا. إن سمعتِ شيئًا غريبًا من أراراغي-كن، فأؤكد لك أنه مجرد إشاعة».
فليس الأمر وكأن إحساسها بالألم قد اختفى.
ابتلعت ريقي.
ومع ذلك، لم تُظهر أي علامة على ذلك. لم تكن تطبق أسنانها كما أفعل، ولم تكن تصرخ كما أصرخ.
لكن هانيكاوا──لم تفعل سوى أن عضّت شفتها السفلى، ولم تقل شيئًا آخر. بدا ذلك وكأنه يوضح مدى اليأس الذي وصلنا إليه.
مهما كان الجزء الذي يتعرض للتدمير──
«لو كنتَ تعرف ذلك──ألم تكن لتنقذني؟ أكنت ستتركني أموت؟»
سواء أُتلف دماغها، أو دُمِّرت رئتاها، أو تهشم قلبها، فإنها تواصل الضحك بصوت عالٍ وكأن الأمر لا يعنيها.
«لا، هذا ليس صحيحًا. أظن أنني كنت أعرف منذ البداية──كل ما في الأمر أنني كنت أصرف نظري عن الحقيقة. لقد كنت مستعدًا للموت من أجلك، أليس كذلك؟ وهذا يعني أنني تقبلتُ فكرة أكلك للبشر. لكنني لم أتخيل أن يؤدي ذلك إلى موت إنسان آخر. ربما كان فعلي نبيلًا، لكنه لم يكن صائبًا».
بعينين باردتين، وتعبير وجه يبدو مستمتعًا.
«آسف يا كيس-شوت».
كانت تضحك ضحكة مرعبة، وسط كل ذلك الدمار.
قالت كيس-شوت.
«تـ… تبًّا!»
«ما الأمر؟»
«مهلًا مهلًا، ما زال الوقت مبكرًا على قول ذلك، أيها التابع──ما الذي تندم عليه في وضع متكافئ كهذا؟!»
«وأنا──أنقذتك».
إذن، هل كانت معتادة على الألم؟
تحديد الوقت، وتحديد المكان.
هل كان الألم الناتج عن تمزيق جسدها إربًا مجرد إحساس ألفته منذ زمن بعيد؟
ولماذا فقدت كيس-شوت هدوءها إلى هذا الحد──لماذا غضبت بشدة لمجرد كلمات تافهة صدرت عن «طعامها المحمول»؟
إذا كان الأمر كذلك──
وضرباتها تنهش جسدي.
فما أنواع المعارك الشرسة التي خاضتها طوال هذه القرون الخمسمائة؟
فقد أخبرتني كيس-شوت بذلك بنفسها، أليس كذلك؟ قبل أن أقاتل دراماتورغي، أعطتني نصيحة لا يمكن وصفها بالنصيحة أصلًا──
وكم مرة واجهت الموت وتجاوزته؟
تريدين الانتحار؟
الفارق في الخبرة──الفارق في الخبرة القتالية!
«لـ… ليس الأمر كذلك».
«آآآآآآآآآه!»
«لن أطير في السماء. لن أختبئ في الظلال. لن أتحول إلى ضباب. لن أصبح ظلامًا. لن أختفِ. لن أتحول إلى هيئة أخرى. لن أستخدم قوة النظرات. ولن أستخدم التجسيد المادي أيضًا. ومن نافلة القول أنني لن أستخدم النصل الشيطاني “كوكورو واتاري”──سيف قاتلة الكايغي. باختصار، أعدك بأنني لن أستخدم مهارات مصاصي الدماء الهجومية. بالطبع، يمكنك أنت استخدامها إن شئت──لكن أقصى ما تستطيع فعله على الأرجح هو تحويل ذراعيك وما دونهما».
لكن!
«غـ……»
سأردم فجوة الخبرة بالإرادة الصلبة──هذا هو السيناريو الذي أتبناه!
«……آه».
«أجل، أجل، هكذا! استمر في الصراخ──أطلق صيحاتك بكل قوتك!»
«لن أطير في السماء. لن أختبئ في الظلال. لن أتحول إلى ضباب. لن أصبح ظلامًا. لن أختفِ. لن أتحول إلى هيئة أخرى. لن أستخدم قوة النظرات. ولن أستخدم التجسيد المادي أيضًا. ومن نافلة القول أنني لن أستخدم النصل الشيطاني “كوكورو واتاري”──سيف قاتلة الكايغي. باختصار، أعدك بأنني لن أستخدم مهارات مصاصي الدماء الهجومية. بالطبع، يمكنك أنت استخدامها إن شئت──لكن أقصى ما تستطيع فعله على الأرجح هو تحويل ذراعيك وما دونهما».
«لا تتصرفي وكأنكِ تملكين كل الوقت في العالم، كيس-شوت!»
نظر أوشينو إليها، ثم قال:
«من المؤسف أنني لن أسمعك تناديني بهذا الاسم مجددًا بعد اليوم!»
«لا تتصرفي وكأنكِ تملكين كل الوقت في العالم، كيس-شوت!»
كانت معركة عبثية.
هل تنوي التضحية بحياتها من أجلي──هي؟
مهما تناثر الدم، ومهما تطايرت قطع اللحم، فإنها تتبخر قبل أن تصل إلى الأرض، وبحلول الوقت الذي تتبخر فيه تكون أجسادنا قد تجددت بالفعل.
لكن──هذا ليس ما يهم.
وفوق ذلك، لا يتعرض أي منا لضرر دائم.
كنتِ تبكين وتصرخين──
ربما كان من الممكن أن أموت من الصدمة الناجمة عن الألم──لكن قوة الخلود لدى مصاص الدماء ربما كانت ستعيدني حتى من موت كهذا.
«الفكرة هي أن نتقاسم جميعًا التعاسة التي ستنجم عن هذه الحادثة، وأن يتحمل كل منا نصيبه منها. لن تتحقق أمنية أي شخص، لكن إن كنت مستعدًا لقبول ذلك، فهذه طريقة ممكنة».
ومع ذلك……كان ثمة أمر غريب.
وكان يفترض أن يُستأنف القتال──
قوة الخلود لدينا متكافئة.
«ولهذا، سأكرر شكري لك على ما بذلته من أجلي. هيا، اقترب أكثر، أيها التابع. أستطيع أن أستنتج من تعبير وجهك أنك تعرف ذلك بالفعل، أليس كذلك؟ أجل. إذا قتلتني بنفسك──فستتمكن من العودة إلى الإنسان الذي تحبه».
أما القوة الهجومية، فكيس-شوت تتفوق فيها.
كانت تضحك بصوت متذبذب، وكأنها تؤدي عدة أصوات متناغمة بمفردها──
لا غرابة في ذلك.
«آآآآآآآآآآآآآآآآه!»
لكن، ما رأيك؟ لم أكن أتوقع بصراحة أن تكون ضرباتي بحافة اليد قادرة على إحداث هذا القدر من الدمار في جسد كيس-شوت. كنت أظن أنني أضعف منها بفارق هائل في هذه الناحية──لكن هجماتي كانت تحطم جسدها من دون أن تواجه مقاومة تُذكر.
قاطعت هانيكاوا الحديث.
وكأنني أحطم قطعة من التوفو.
ثم قالت:
«هاهاهاهاها! هاها! آهاهاها!»
أجابت كيس-شوت عن تساؤلي، بينما كان خدها يتدمر، لتبدو ابتسامتها أشبه بابتسامة امرأة مشقوقة الفم.
بالطبع، لم يكن إحساسي بالألم قد خَدِر.
فهي سيدتي، وأنا تابعها.
كنت أحمّل كيس-شوت كل شيء فحسب.
ولا شيء مما أفكر فيه يخفى عليها──
«يا سيدة هارت-أندر-بليد».
«في الواقع، أيها التابع──إن القدرة الدفاعية لمصاصي الدماء ليست مرتفعة إلى ذلك الحد! بالطبع، لا يمكن مقارنتها بقدرة البشر الذين ليسوا سوى طعام لنا──لكن دفاعنا منخفض، وكأنه يتناسب عكسيًا مع قوتنا الهجومية الهائلة! لو افترضنا أن القوة الهجومية تبلغ مئة، فإن القوة الدفاعية تتوقف عند عشرة أو عشرين على الأكثر. هل تعرف السبب يا تابعي؟!»
«تـ… تبًّا!»
«……!»
فهمت ذلك بغريزتي.
حتى فستان كيس-شوت كان يُعاد ترميمه──لأنها تصنعه بإرادتها. أما أنا، فالأمر مختلف──ملابسي مجرد ملابس عادية.
ثم اقترب منا بتمهل.
كان الجزء العلوي من جسدي قد أصبح شبه عارٍ بالفعل.
«وما علاقة ذلك بك الآن؟»
«لأن قوة الخلود هي نفسها القدرة الدفاعية!»
هذا ما قالته هانيكاوا.
«أحسنت!»
«موتي، يا سيدتي!»
قالت كيس-شوت.
إنه دليل على أنك تهربين بقلبك، أليس كذلك؟!
«لذلك، لا داعي لأن تحاول صد هجماتي في هذه المعركة──كرّس نفسك للهجوم فحسب، وبكل ما لديك، وحطّم جسدي!»
«واو، يا لها من صداقة!»
«هل أنتِ مازوخية أم ماذا؟!»
كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد.
«لن أنكر ذلك!»
قلت:
أحيانًا، كانت ضربات حافة اليد تصطدم بعضها ببعض.
لا تلقِ الأمر على عاتقي، كما قال، بنبرة توحي بأنه يريد إبعادي عنه.
وفي تلك الحالة، كانت اليد التي تُكسر هي يدي أنا.
بمجرد أن نظرت إليه.
لم يكن هناك مجال للمناورات الصغيرة في هذه المعركة──لكن هذا لا يعني أن المناورات الكبيرة كانت ممكنة أيضًا.
«صحيح. لكن إن كان السؤال هو ما إذا كان أكل شيء ما جائزًا أم لا، فلا ينبغي أن يقتصر معيارنا على البشر وحدهم. هل يحرم أكل الأبقار؟ هل يحرم أكل الخنازير؟ هل يحرم أكل الحيتان؟ هل يحرم أكل الكلاب؟ وكما أشار غيوتين كاتر، فإن الثقافات تختلف حتى بين البشر أنفسهم. فما بالك بي، وأنا مصاصة دماء قاتلة الكايغي؟ يكفيني أن آكل إنسانًا واحدًا في الشهر──أي اثني عشر إنسانًا فحسب في السنة. وحتى لو حسبناها على مدى خمسمئة عام، فلن يتجاوز العدد ستة آلاف إنسان. ما حجم هذا العدد إذا نظرنا إليه من منظور التاريخ؟ كم إنسانًا قتل البشر حتى الآن؟»
كانت معركة ستستمر حتى تنفد قوة الخلود لدى أحدنا.
طريقة القضاء على مصاص دماء بواسطة مصاص دماء آخر──
أو حتى تنهار الحالة النفسية لأحدنا.
«كيس-شوت. أنا إنسان».
هكذا كانت المواجهة──لا.
لكن هانيكاوا──لم تفعل سوى أن عضّت شفتها السفلى، ولم تقل شيئًا آخر. بدا ذلك وكأنه يوضح مدى اليأس الذي وصلنا إليه.
لا، في الحقيقة، لم يكن الأمر كذلك.
«……كيس-شوت!»
فهذا القتال العبثي لم يكن سوى معركة تمهيدية──بالنسبة إلى كيس-شوت، كان الأمر أشبه باللعب، وبالنسبة إليّ، لم يكن لعبًا، لكنه كان لا يزال مرحلة من مراحل الاستعداد.
لم أحتج إلى أن يعلمني أحد كيف أمتص الدم──كنت أعرف ذلك بالفطرة.
كنت أعرف.
──ولهذا أنوي الاستفادة من الدرس الذي تعلمته هذه المرة.
كنت أفهم.
مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والحار، والبارد──قاتلة الكايغي!
و──كنت أشعر بذلك حدسيًا.
كنت أحمّل كيس-شوت كل شيء فحسب.
كيف أقتل كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد.
قالت هانيكاوا بحزم.
كيف أقضي عليها.
«أتفق معك تمامًا!»
حين واجهتها وجهًا لوجه.
هانيكاوا تسوباسا.
فهمت ذلك بغريزتي.
«……أريدك أن تخبرني بطريقة تجعل الجميع سعداء».
لم أكن أعرف إن كانت تلك غريزة الإنسان أم غريزة مصاص الدماء──لكنني كنت أشعر بذلك، على أي حال.
تحديد الوقت، وتحديد المكان.
وحين أفكر في الأمر، ألم أسمع تلك الطريقة من كيس-شوت نفسها؟──إذن، لا بد أن تكون تلك الخطة فعالة بلا شك.
إبيسود، على النقيض من ذلك، ألقى صليبًا على هانيكاوا بلا رحمة حين تدخلت في القتال بالطريقة نفسها──أما كيس-شوت، فلم تهاجم هانيكاوا، رغم أنها وصفتها بأنها طعامها المحمول.
كان ما عليّ فعله واضحًا.
«كنت أعلم أنك لن تكون لطيفًا معي إلا──ما دمتُ ضعيفة».
لكن──لم تسنح لي الفرصة المناسبة.
ثغرة في دفاعات كيس-شوت، لم يكن من الممكن أن تظهر لو ظللنا نتبادل القتل بلا جدوى──ظهرت أخيرًا!
لأنها كانت الطريقة التي أستطيع بها القضاء على كيس-شوت، وفي الوقت نفسه الطريقة التي تستطيع بها كيس-شوت القضاء عليّ.
سيدة وتابع──أو بالأحرى، تابعها.
ولهذا السبب تحديدًا، كان الأمر بالنسبة إليها مجرد لعبة.
مختلف تمامًا.
مجرد مباراة.
«يـ… يناسبني؟»
فمن المؤكد أن كيس-شوت تستطيع قتلي في أي وقت──ليس لأنها تستهين بي، بل لأنها تريد الاستمتاع بأقصى قوتها لأطول فترة ممكنة.
طريقة القضاء على مصاصة دماء.
لذلك──إذا سنحت لي فرصة استغلال ثغرة لديها.
وبذلك──
فلا بد أن أنتظر تلك اللحظة، وأواصل تبادل الضربات معها من دون أن أتحرك من مكاني.
هانيكاوا تسوباسا.
هذا القتال العبثي، قتال الموت والعودة إلى الحياة، مرة بعد مرة.
«لكن هذا مذهل حقًا. فأنتِ لا علاقة لك بالكايغي، ومع ذلك تورطتِ في هذه المسألة إلى هذا الحد. حقًا، فتيات الثانوية نشيطات للغاية. هل حدث شيء سار؟»
«هاها، لقد أعجبتني، أيها التابع──لديك عزيمة لا بأس بها! حتى مع امتلاكك قوة نابعة من كونك تابعي، فإن مصاص الدماء الحديث العهد لا يستطيع عادةً أن يقاتل بهذه الروح الانتحارية!»
«……آه».
«هذا هو السيناريو الذي أتبناه! يسعدني أنه نال إعجابك!»
«تشرفت بلقائك. أنا هانيكاوا».
«ولهذا السبب تحديدًا، أشعر بالأسف! فربما كان بإمكانك أن تصبح أسطورة مثلي!»
ثم──
«أسطورة؟ لا أريد أن أصبح شيئًا كهذا──مجرد التفكير في أن أناسًا لا أعرفهم يعرفون اسمي يصيبني بالقشعريرة!»
قال أوشينو ذلك.
«أتفق معك تمامًا!»
«أما التفاصيل…… حسنًا. أراراغي-كن، ستقضي على هارت-أندر-بليد إلى أقصى حد ممكن، لكن من دون أن تقتلها. ستنتزع منها معظم خصائص مصاصي الدماء ومهاراتهم──مع إبقائها على قيد الحياة. أما هارت-أندر-بليد، فستعود إلى حالة احتضار أشد مما كانت عليه سابقًا. ستصبح كائنًا لا يبقى منه شيء، لا جسد ولا ظل ولا أثر، حتى إن اسمها نفسه لن يبقى──كائنًا وضيعًا يشبه الإنسان الذي يتظاهر بأنه مصاص دماء. كائنًا لا يستطيع أكل البشر مهما اشتد به الجوع».
تبادلنا الحديث بينما كنا نقتل بعضنا بعضًا.
كانت هانيكاوا تتحدث مع كيس-شوت بهدوء بالغ.
نتحدث ونحن نمزق أجساد بعضنا.
«ولهذا السبب تحديدًا سأجعلكِ تعيسة. لن تتحقق أمنيتك. لكن القرار يعود إلى أراراغي-كن. أجل، أظن أن الرئيسة محقة».
كان حديثنا مختلفًا تمامًا عن الحديث الذي تبادلناه ليلة أمس على سطح مبنى المدرسة التحضيرية القديم──كان خشنًا وفوضويًا، وكأننا نتكلم بما يخطر ببالنا من دون تفكير.
يا له من اهتزاز!
لم تكن لديّ رفاهية الضحك.
«في النهاية، أصبحت خائفة من الموت».
أما كيس-شوت، فرغم أنها كانت تضحك، فإن ابتسامتها لم تكن تشبه ابتسامة الليلة الماضية إطلاقًا؛ لم يكن فيها أي شعور بالألفة.
بهذا الشكل، فإن حالتي النفسية──
ومع أنني كنت على وشك أن أطير إلى الخلف──
«كنت إنسانة──أي إنني كنت مثل دراماتورغي وأنت!»
فقد ثبتُّ قدميّ في الأرض.
«ما الذي يمكن لفتى لم يعش حتى عُشر عمري أن يفهمه؟! لا تتفوه بكلام مريح كهذا──فأنا لا أرغب في مواصلة الحياة في حالة كهذه! لا يمكن أن يكون هناك شيء أكثر إثارة للشفقة! لن أعيش حياة أكون فيها موضع عار! مكان موتي هو هنا! لقد وجدته أخيرًا──سأتمكن أخيرًا من الموت! أنا──سأموت من أجل تابعي! دعني أموت من أجله! اقتلني، اقتلني──أسرع واقتلني! أنا لا أريد أن أعيش!»
إنه ما يُعرف بجحيم التمزيق المتواصل.
«سأدفع المال».
جحيم يُحطم فيه الجسد إلى أشلاء، ثم يُرمَّم ويعود إلى حالته الأصلية مع هبوب نسمة من الرياح، ليُحطم من جديد، ثم يُرمَّم مرة أخرى، ويتكرر الأمر إلى الأبد، فلا يتوقف الجسد عن التحطم أبدًا──ذلك هو أحد الجحيمات الثمانية العظيمة.
«أنتِ…… كيف كنتِ تنوين إعادتي إلى إنسان؟»
إذن، ما نعيشه هنا الآن──هو الجحيم بعينه.
«لقد أكلتِ إنسانًا. وهذا وحده كافٍ بالنسبة إليّ».
«بالمناسبة، هل تريد أن أخبرك بشيء مفيد──أيها التابع؟ لن يفيدك أن تعرفه الآن، بما أننا على وشك الافتراق، لكن──»
حين اتخذت القرار الصحيح.
«هاه؟!»
«لكن».
«يبدو أن دراماتورغي وإبيسود وغيوتين كاتر، بل وحتى جميع المتخصصين في صيد مصاصي الدماء الذين حاولوا قتلي حتى الآن، لم يعرفوا ذلك، وكذلك الفتى صاحب القميص الصارخ──لكنني أنا أيضًا كنت إنسانة في السابق!»
«كيس-شوت──لم أكن أفهم شيئًا. لا، بل……»
قالت كيس-شوت ذلك وهي تضحك.
«هاهاهاهاها! هاها! آهاهاها!»
قالتها بينما كانت رقبتها مقطوعة وتتعافى من جديد.
لكنها لم تؤذِ هانيكاوا نفسها.
«كنت إنسانة──أي إنني كنت مثل دراماتورغي وأنت!»
«انتظر لحظة!»
«آه──ماذا؟ لم تكوني مصاصة دماء أصلية؟!»
إذا كان الأمر كذلك──
كنت أظن ذلك طوال الوقت.
«وما علاقة ذلك بك الآن؟»
لكن حين أفكر في الأمر──فإن كيس-شوت نفسها لم تقل ذلك قط.
«هاها، حقًا، أنت مفعم بالحيوية يا أراراغي-كن──هل حدث لك شيء سار؟»
«لقد نسيت تقريبًا كل شيء عن حياتي حين كنت إنسانة──لكن يبدو أنني كنت أنتمي إلى عائلة ذات مكانة رفيعة! أيمكن القول إنني كنت من النبلاء؟ يبدو أن هذا الفستان من بقايا تلك الأيام──ها! على أي حال، حين يتجاوز عمر مصاص الدماء ثلاثمئة سنة، لا يعود هناك فرق يُذكر بين المصاص الأصلي والتابع!»
ومع أنني كنت على وشك أن أطير إلى الخلف──
«وماذا في ذلك؟!»
«صحيح. لكن إن كان السؤال هو ما إذا كان أكل شيء ما جائزًا أم لا، فلا ينبغي أن يقتصر معيارنا على البشر وحدهم. هل يحرم أكل الأبقار؟ هل يحرم أكل الخنازير؟ هل يحرم أكل الحيتان؟ هل يحرم أكل الكلاب؟ وكما أشار غيوتين كاتر، فإن الثقافات تختلف حتى بين البشر أنفسهم. فما بالك بي، وأنا مصاصة دماء قاتلة الكايغي؟ يكفيني أن آكل إنسانًا واحدًا في الشهر──أي اثني عشر إنسانًا فحسب في السنة. وحتى لو حسبناها على مدى خمسمئة عام، فلن يتجاوز العدد ستة آلاف إنسان. ما حجم هذا العدد إذا نظرنا إليه من منظور التاريخ؟ كم إنسانًا قتل البشر حتى الآن؟»
«لا شيء، سوى أنني نسيت الأمر منذ زمن بعيد──ثم تذكرتُه بعد جدالك معي الليلة الماضية! تذكرت أنني أنا أيضًا كنت أتردد في البداية في أكل البشر!»
وما أحاول فعله أنا.
«إذن!»
أنا أفعل ذلك لأنك أنت، أراراغي-كن.
«وأنت أيضًا!»
قاطعت هانيكاوا الحديث.
أوقفت كيس-شوت هجماتها للحظة.
ومع ذلك، اقتربت هانيكاوا حتى صارت بجوارنا.
ثم قالت:
وبكت، وتوسلت، واعتذرت……
«ما إن تأكل إنسانًا واحدًا──حتى يختفي شعورك بالذنب من دون أن يترك أثرًا».
«إن كانت مشكلة أراراغي-كن، فهي مشكلتي أنا أيضًا».
«…………»
قالتها بينما كانت رقبتها مقطوعة وتتعافى من جديد.
توقفت هجماتي أنا أيضًا──بالتزامن معها.
واندفعت بين هانيكاوا وكيس-شوت.
وبدأت جراحنا تتعافى في لمح البصر.
قالت كيس-شوت ذلك وهي تضحك.
«دراماتورغي كان إنسانًا في السابق أيضًا…… ومع ذلك، كان يأكل البشر رغم كونه صيادًا لمصاصي الدماء! حسنًا، يبدو أنه كان يقتصر على أكل المحكوم عليهم بالإعدام الذين كانت كنيسة غيوتين كاتر تمده بهم──»
في النهاية──لم أكن سوى شخص حقق أمنيته.
«كونهم محكومًا عليهم بالإعدام لا يعني أنه يجوز أكلهم…… ولا سيما إن كانت الكنيسة التابعة لغيوتين كاتر هي التي قررت أنهم مجرمون».
قدرة النظرات──قدرة النظرات لدى مصاصة الدماء، لكن!
«صحيح. لكن إن كان السؤال هو ما إذا كان أكل شيء ما جائزًا أم لا، فلا ينبغي أن يقتصر معيارنا على البشر وحدهم. هل يحرم أكل الأبقار؟ هل يحرم أكل الخنازير؟ هل يحرم أكل الحيتان؟ هل يحرم أكل الكلاب؟ وكما أشار غيوتين كاتر، فإن الثقافات تختلف حتى بين البشر أنفسهم. فما بالك بي، وأنا مصاصة دماء قاتلة الكايغي؟ يكفيني أن آكل إنسانًا واحدًا في الشهر──أي اثني عشر إنسانًا فحسب في السنة. وحتى لو حسبناها على مدى خمسمئة عام، فلن يتجاوز العدد ستة آلاف إنسان. ما حجم هذا العدد إذا نظرنا إليه من منظور التاريخ؟ كم إنسانًا قتل البشر حتى الآن؟»
فالدم الذي يتسرب منها قد يتجدد──لكن الدم الذي يُمتص لا يعود.
«……إنها حجة مغالطة».
شائعة تستدعي شائعة──وإذا ذكرتَ الذئب ظهر ذيله.
«أنا لست تهديدًا للعالم بأي حال من الأحوال. إن التأثير الذي أستطيع إحداثه في العالم ضئيل للغاية. ومع ذلك، أتريدني أن أموت لأنني آكل البشر؟»
ثم.
قالت كيس-شوت:
«لا شيء، سوى أنني نسيت الأمر منذ زمن بعيد──ثم تذكرتُه بعد جدالك معي الليلة الماضية! تذكرت أنني أنا أيضًا كنت أتردد في البداية في أكل البشر!»
«إن شهية البشر أكثر شراهة بكثير، على أي حال».
«لا، هذا ليس صحيحًا. أظن أنني كنت أعرف منذ البداية──كل ما في الأمر أنني كنت أصرف نظري عن الحقيقة. لقد كنت مستعدًا للموت من أجلك، أليس كذلك؟ وهذا يعني أنني تقبلتُ فكرة أكلك للبشر. لكنني لم أتخيل أن يؤدي ذلك إلى موت إنسان آخر. ربما كان فعلي نبيلًا، لكنه لم يكن صائبًا».
إن لم نأكل، فسنموت.
كان أكبر اختلاف هو أن القتال الذي نحن على وشك خوضه سيكون، بكل وضوح، «قتالًا حتى الموت».
وهذا لا ينطبق على مصاصي الدماء وحدهم، بل على البشر أيضًا.
ثم اتخذت وضعية ضربة بحافة اليد.
ولا ينطبق على البشر وحدهم، بل على الحيوانات كذلك.
بعينين فارغتين──نظرت إليها ببرود.
حتى النباتات التي تمنيت أن أصبح مثلها──ينطبق عليها الأمر نفسه.
ونظرت إليّ كيس-شوت بدهشة.
ما لم نكن كائنات غير عضوية.
لم أكن أريد أن أرى وجهها الباكي.
ما لم نكن حجرًا أو حديدًا.
«كيس-شوت──لم أكن أفهم شيئًا. لا، بل……»
فلا بد أن نضحي بحياة أخرى كي نعيش.
«كنت أظن أن الموت لا بأس به. هكذا كان الأمر يفترض أن يكون».
«ليست هذه هي المسألة يا كيس-شوت».
«لا تتدخلي فيما لا يعنيك».
قلت ذلك.
فقد أخبرتني كيس-شوت بذلك بنفسها، أليس كذلك؟ قبل أن أقاتل دراماتورغي، أعطتني نصيحة لا يمكن وصفها بالنصيحة أصلًا──
«وأنت محقة فيما تقولينه. فأنا أقول لك هذا──موتي لأنك تأكلين البشر».
لأن هذا استنزاف للطاقة.
«…………»
طريقة القضاء على مصاصة دماء.
أبدت كيس-شوت دهشتها.
لكن──هذا ليس ما يهم.
ثم──ضيقت عينيها الباردتين ببطء.
«موتي، يا سيدتي!»
«كيس-شوت. أنا إنسان».
«لا تتدخلي فيما لا يعنيك».
«حسنا. وأنا مصاصة دماء».
ربتُّ برفق على شعرها.
وكان يفترض أن يُستأنف القتال──
«أنا الآن في أفضل حالة صحية مررت بها طوال هذه القرون الخمسمائة──حين واجهت أولئك الثلاثة معًا، كنت مريضة، وفوق ذلك كنت مستهينة بهم. لم أتوقع أن ينتزعوا قلبي مني، لكن مثل هذا الأمر نادر الحدوث مع مصاصة دماء من مستواي».
وكان يفترض أن يتواصل ذلك القتال العبثي، وذلك التبادل العبثي بين الموت والعودة إلى الحياة، من دون أن تكون هناك أي وسيلة لإيقافه──لكن في تلك اللحظة.
وفوق ذلك──كان خصمي هو قاتلة الكايغي نفسها.
من خلفي.
ما ذلك الأمر الذي جعل هانيكاوا تندفع من مستودع الأدوات الرياضية──ما الذي كان يمكن أن يكون بهذه الأهمية؟
من الجهة الخلفية، دوى صوت يقول:
لكنها لم تؤذِ هانيكاوا نفسها.
«انتظر لحظة!»
حين أفكر في الأمر، أجد أن هذا رأي أناني للغاية.
تردد الصوت في ملعب مدرسة ناويِتسو الثانوية.
قالت كيس-شوت ذلك، ثم قفزت قفزة خفيفة.
لم يكن هناك أي شك في أن الصوت صوت هانيكاوا──والآن بعد أن فكرت في الأمر، ربما كنت قد سمعت صوت فتح الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية قبل لحظات.
لم أفكر في الأمر أصلًا.
«آه──أراراغي-كن، هناك شيء غريب!»
ربما كان الأمر سيختلف لو امتلكت قوة إرادة دراماتورغي أو خبرته──لكنني، بصفتي مصاص دماء حديث العهد، لا أملك أيًّا منهما.
حين سمعت كلمات هانيكاوا من خلفي، فكرت أن الغريب هو أنتِ.
«افعل شيئًا».
كيف استطعتِ الخروج من المستودع في هذا الوضع؟ أليس لديك أي شعور بالخوف؟ حتى أنا، الذي أعرف نظريًا أن جسدي خالد، قد ينهار قلبي في أي لحظة لمجرد وقوفي أمام كيس-شوت──وقد أخبرتك بوضوح أنها تمتلك قدرة النظرات التي تتيح لها تدمير كتل الخرسانة بمجرد النظر إليها!
لأنها كانت الطريقة التي أستطيع بها القضاء على كيس-شوت، وفي الوقت نفسه الطريقة التي تستطيع بها كيس-شوت القضاء عليّ.
فلماذا──تظهرين نفسك أمامها؟
وبمجرد أن فعلت ذلك──
«هانيكاوا! لا يهم، اختبئي فحسب!»
«……أيها الفتى، لا تتفوه بمثل هذا الهراء!»
التفتُّ إلى الخلف رغم إدراكي للمخاطر.
هل كان الألم الناتج عن تمزيق جسدها إربًا مجرد إحساس ألفته منذ زمن بعيد؟
«لا──اهربي! اهربي فحسب! لا تبقي هنا! ابتعدي عن هذا المكان قدر الإمكان!»
بدت كيس-شوت يائسة.
«لـ… ليس الأمر كذلك يا أراراغي-كن──»
كل ما في الأمر أنني──
كانت هانيكاوا مضطربة.
كان ما عليّ فعله واضحًا.
حتى حين جرحتها بشدة، وحتى حين مزق إبيسود جانبها، وحتى حين اتخذها غيوتين كاتر رهينة، ظلت هانيكاوا محافظة على هدوئها──لكنها الآن كانت مضطربة بوضوح.
وما فعلتِه أنتِ.
«منذ قليل، أشعر أن هناك شيئًا غريبًا جدًا──أراراغي-كن، أظن أننا ما زلنا نغفل عن أمر بالغ الأهمية……»
«ما الأمر؟»
نغفل عن شيء؟
لكن كيس-شوت قالت:
هل ما زال هناك شيء آخر نغفل عنه؟
نقرت كيس-شوت بلسانها في استياء واضح.
لا، لا بد أن هذا غير ممكن الآن.
التفت أوشينو نحوي──
لم يعد هناك شيء لم نفعله──ولا شيء تركناه من دون معالجة……
كيف أقتل كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد.
«كفى ثرثرة!»
صحيح أن الشمس قد غربت، لكن الوقت لم يتأخر كثيرًا──ورغم أن المدرسة يُستبعد أن يكون فيها أحد، فإن احتمال ظهور شاهد ليس معدومًا، حتى لو كانت المدرسة بعيدة عن المنازل.
صرخت كيس-شوت──
وحين أفكر في الأمر، ألم أسمع تلك الطريقة من كيس-شوت نفسها؟──إذن، لا بد أن تكون تلك الخطة فعالة بلا شك.
وكانت هي الأخرى قد فقدت هدوءها.
قالت كيس-شوت بابتسامة تعلو وجهها.
كان رد فعلها مفاجئًا للغاية.
حين وقفت أمامها هكذا──كان الأمر مختلفًا.
لا، لكنني رأيت كيس-شوت تفقد هدوءها مرة واحدة من قبل──حين كنت لا أزال إنسانًا، وحين كدت أتخلى عنها.
مهما كانت كميته، شعرت بأنني أستطيع الاستمرار في شربه إلى الأبد──
حين اتخذت القرار الصحيح.
قالت كيس-شوت.
فقد اضطربت──
سيصبح الجميع تعساء.
وبكت، وتوسلت، واعتذرت……
«كنت أنوي أن أترك ثغرة مناسبة في الوقت المناسب، وأسمح له بقتلي──لكن لا بأس. أيها التابع، ليس أمامك في نهاية المطاف سوى خيار واحد، وهو قتلي».
«لا تتدخلي فيما لا يعنيك──أيتها الطعام المحمول!»
تحديد الوقت، وتحديد المكان.
حدقت إليها.
«يبدو أن نصف دمي لا يزال باقيًا──»
وبمجرد أن فعلت ذلك──
جمعت شجاعتي، وبدأت أقترب منها خطوةً بعد خطوة.
طار الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية خلف هانيكاوا بعيدًا.
نظرت كيس-شوت إليّ بعينيها الفارغتين نفسيهما.
قدرة النظرات.
──ثغرة!
وعلى خلاف ما حدث حين ركلت الباب وأسقطته، لن يكون من الممكن إصلاحه هذه المرة──فقد انكمش الباب الحديدي وصار صغيرًا، كما لو أنه ورقة من رقائق الألومنيوم كُرْمِشت بقوة، ثم اختفى متطايرًا إلى داخل المستودع.
كيف يمكن أن ينتهي الأمر هكذا؟
كما تشققت الأرض حول هانيكاوا بعنف.
الأمر الذي أغفلناه؟
لقد مُحي كل ما حولها وخلفها──
«إن شهية البشر أكثر شراهة بكثير، على أي حال».
بمجرد أن نظرت إليه.
«……!»
بمجرد النظر فحسب.
لقد مُحي كل ما حولها وخلفها──
مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والحار، والبارد──قاتلة الكايغي!
كل ما في الأمر أن قدرته على التعافي والشفاء، وقوته التي تبقيه خالدًا، تتجاوز الحدود المعتادة بكثير.
«……آه».
وبدأ يشرح بالتفصيل.
حتى هانيكاوا ابتلعت كلماتها للحظة.
قالت كيس-شوت:
لكنني كنت أعرف.
وضرباتها تنهش جسدي.
كنت أعرف الآن──
ثم تابع أوشينو:
كنت أعرف مدى خطورة الأمر.
«……ما الأمر؟ هل تبكي؟»
هانيكاوا تسوباسا.
وما تحاولين فعله.
لم تكن لتتوقف بسبب شيء كهذا──كنت أعرف ذلك.
ضحكت بمرح.
لقد حدقت في كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد بقوة وثبات، رغم كل شيء.
نظرت إلى هانيكاوا، وكأنني أطلب منها المساعدة.
«يا سيدة هارت-أندر-بليد──أنتِ، أيمكن أن تكوني──»
«ها».
«كيف تجرؤ إنسانة مثلك على التدخل!»
أنقذوني! أنقذوني! أنقذوني!
نظرت كيس-شوت إلى هانيكاوا مرة أخرى.
──احذر من أن يسمح دراماتورغي لنفسه بامتصاص دمك──
نظرت إليها.
«──تبًّا!»
قدرة النظرات──قدرة النظرات لدى مصاصة الدماء، لكن!
«إذن، ماذا ستفعل؟»
──ثغرة!
«بالطبع، لن يستطيع أي منكما أكل البشر مهما اشتد به الجوع. لكن…… في هذه الحالة، لن تحصل هارت-أندر-بليد على التغذية الكافية، وستموت جوعًا في نهاية المطاف، وإن كان أراراغي-كن سيتمكن من الاستمرار في الحياة. لذلك، سيتعين على أراراغي-كن أن يمد هارت-أندر-بليد بدمه باستمرار. فالمادة الغذائية الوحيدة القادرة على إبقائها على قيد الحياة هي دمك ولحمك، أنت الذي جعلتها كائنًا وضيعًا كهذا. سيتعين عليك أن تكرس بقية حياتك لها، وسيتعين على هارت-أندر-بليد أن تظل إلى جانبك طوال بقية حياتها».
ثغرة في دفاعات كيس-شوت، لم يكن من الممكن أن تظهر لو ظللنا نتبادل القتل بلا جدوى──ظهرت أخيرًا!
التفت أوشينو نحوي──
بالطبع، لم تكن كيس-شوت مثلي؛ فحتى لو كنتُ أنا واقفًا أمامها، لكانت قادرة حرفيًا على صرف نظرها عني. لكن الأمر مختلف الآن.
«إن كانت مشكلة أراراغي-كن، فهي مشكلتي أنا أيضًا».
مختلف تمامًا.
نظرت إليها.
لقد فقدت هدوءها──وكانت تنظر إلى هانيكاوا.
ذلك الاسم الذي ربما لن أنطقه مرة أخرى أبدًا.
كانت مكشوفة تمامًا.
«……ومع ذلك، أنا……»
«……كيس-شوت!»
«أنا الآن في أفضل حالة صحية مررت بها طوال هذه القرون الخمسمائة──حين واجهت أولئك الثلاثة معًا، كنت مريضة، وفوق ذلك كنت مستهينة بهم. لم أتوقع أن ينتزعوا قلبي مني، لكن مثل هذا الأمر نادر الحدوث مع مصاصة دماء من مستواي».
صرخت باسمها──
فلا بد أن غيوتين كاتر ظن أن أوشينو خدعه، وذهب بمفرده إلى مبنى المدرسة التحضيرية القديم.
واندفعت بين هانيكاوا وكيس-شوت.
«اصمتي!»
تلقيت قدرة نظراتها مباشرة.
لا، لكنني رأيت كيس-شوت تفقد هدوءها مرة واحدة من قبل──حين كنت لا أزال إنسانًا، وحين كدت أتخلى عنها.
وتطاير جسدي كله متناثرًا──
«وماذا في ذلك؟!»
لكنني انقضضت على عنقها، وعضضته.
«في الأصل، وبصفتي سيدتك، يمكنني السيطرة إلى حد ما على أفعالك بوصفك تابعي──لكنني لن أفعل ذلك أيضًا. أعدك بأنني لن ألجأ إلى حيلة مبتذلة كهذه. ستكون المواجهة بالقوة الخالدة وحدها──وفي هذه الحالة، لن تكون الخبرة القتالية ضرورية. إذا تبادلنا الضربات من هذه المسافة، مع تثبيت أقدامنا في مكانها، فستكون فرصنا متكافئة بنسبة خمسين إلى خمسين، أليس كذلك؟»
عضضته──بأنيابي الطويلة.
أخرج السيجارة من فمه وأعادها إلى جيبه.
«…………!»
كنتِ تقولين إنك لا تريدين الموت.
طريقة القضاء على كيس-شوت.
«من أجلي».
طريقة القضاء على مصاصة دماء.
غريزتي تخبرني بذلك.
طريقة القضاء على مصاص دماء بواسطة مصاص دماء آخر──
«لا تقولي مثل هذا الكلام السخيف، أيتها الوجبة المحمولة──ما الدليل الذي لديك؟»
حين أفكر في الأمر، أجد أن الأمر بسيط وواضح للغاية.
«أووشينووو ميميييي!»
غريزتي تخبرني بذلك.
«آه، لا، أخطأت. كنت أريد أن أقول إن لديك جرأة كبيرة، وسأعترف لك بهذه الجرأة على الأقل».
لا أعرف على وجه اليقين إن كانت غريزة الإنسان أم غريزة مصاص الدماء──لكنني كنت أعرف.
لا أعرف على وجه اليقين إن كانت غريزة الإنسان أم غريزة مصاص الدماء──لكنني كنت أعرف.
فقد أخبرتني كيس-شوت بذلك بنفسها، أليس كذلك؟ قبل أن أقاتل دراماتورغي، أعطتني نصيحة لا يمكن وصفها بالنصيحة أصلًا──
لا، في الحقيقة، لم يكن الأمر كذلك.
──على أي حال──
لأنه ليس حتى وجبة بالمعنى الحقيقي.
──احذر من أن يسمح دراماتورغي لنفسه بامتصاص دمك──
«لـ… لكنكِ……»
──فإذا امتص مصاص دماء دم مصاص دماء آخر، فإنه يستنزف وجوده ذاته حتى آخر قطرة──
بعينين فارغتين──نظرت إليها ببرود.
في ذلك الوقت، لم تكن لديّ رغبة في امتصاص الدماء──لكن الأمر مختلف الآن.
آه.
فأنا أشعر بالجوع قليلًا.
باتجاه كيس-شوت.
وبصوت مكتوم، بدأت أمتص دمها.
«كنت إنسانة──أي إنني كنت مثل دراماتورغي وأنت!»
غرست أنيابي في بشرتها البيضاء الناعمة.
لكن──لا أنا ولا كيس-شوت بشر.
لم أحتج إلى أن يعلمني أحد كيف أمتص الدم──كنت أعرف ذلك بالفطرة.
«هيها!»
تمامًا كما يتناول الإنسان طعامه.
ذلك الرجل الذي كان يعرف كل شيء منذ البداية، لكنه لم يقل شيئًا──وكان يكتفي بالتظاهر باللامبالاة، واضعًا سيجارة غير مشتعلة بين شفتيه.
«غـ……»
لأنه ليس حتى وجبة بالمعنى الحقيقي.
تأوهت كيس-شوت.
«يبدو أن دراماتورغي وإبيسود وغيوتين كاتر، بل وحتى جميع المتخصصين في صيد مصاصي الدماء الذين حاولوا قتلي حتى الآن، لم يعرفوا ذلك، وكذلك الفتى صاحب القميص الصارخ──لكنني أنا أيضًا كنت إنسانة في السابق!»
فالدم الذي يتسرب منها قد يتجدد──لكن الدم الذي يُمتص لا يعود.
قالت كيس-شوت:
لأن هذا استنزاف للطاقة.
كنت أظن أن ذلك سيكون أصعب عقبة على الإطلاق.
لأنها مواجهة بين كايغي وكايغي.
بدت كيس-شوت يائسة.
لأنه ليس حتى وجبة بالمعنى الحقيقي.
«……آه».
إنه ليس طعامًا، رغم أنه لا يختلف عن الطعام.
وسيظل مصاصا الدماء على قيد الحياة.
فهذا ليس سوى──قتل للكايغي.
«هذا هو السيناريو الذي أتبناه! يسعدني أنه نال إعجابك!»
لقد تلقيت قدرة نظراتها بجسدي، وحميت هانيكاوا──لذا، من المفترض أنها لم تصل إليها. وإذا واصلت امتصاص دم كيس-شوت حتى آخر قطرة──كما فعلت هي بي في ذلك اليوم، واستنزفت دمها بالكامل، فعندها──
وفوق ذلك، أليس هذا التعبير مألوفًا لي؟
«ها».
لكي تنقذني.
كانت كيس-شوت.
وسيظل مصاصا الدماء على قيد الحياة.
تترنح إلى الخلف، بينما كنت أضغط عليها من الأعلى──ومع ذلك.
همست عبر الباب: «لا تُصدري أي صوت».
ظلت تضحك.
حدقت في أوشينو──وكررت كلامي.
«هاها! هاهاها! هاهاهاها! آهاهاها! هاهاهاهاهاها! هاها! هاهاهاها! ها! هاهاهاها! هاها! آهاهاها! آهاهاهاهاهاهاهاهاها──!»
ولهذا السبب تحديدًا، كان الأمر بالنسبة إليها مجرد لعبة.
ستموت وهي تضحك.
──روحك التي تريد أن تعيد──
لا بأس بذلك أيضًا.
فهي سيدتي، وأنا تابعها.
كان دمها.
في ذلك الوقت.
دم كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد──لذيذًا إلى أقصى حد.
«لا تتدخل. لم يكن هذا هو الاتفاق».
مهما كانت كميته، شعرت بأنني أستطيع الاستمرار في شربه إلى الأبد──
هانيكاوا، راقبيني.
بل أردت أن أستمر في شربه إلى الأبد.
أرجوكم!
كان لذيذًا.
شائعة تستدعي شائعة──وإذا ذكرتَ الذئب ظهر ذيله.
كيس-شوت.
لا غرابة في ذلك.
سأقضي عليك الآن، من دون أن أشعر بأي امتلاء أو رضا، ومن دون أن أحصل على أي إحساس بالإنجاز، وبخطى ثابتة لا يشوبها تردد──سأقضي عليك.
لا، لقد أبعدني عنه بالفعل.
سأقتلك.
دم كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد──لذيذًا إلى أقصى حد.
سأقتل الحياة التي أنقذتها بيدي.
«أوشينو──أنا……»
هذه مسؤوليتي──حتى لو متِّ الآن وعدتُ أنا إلى بشريتي، فلن أشعر بالامتلاء أو الإنجاز. لن يكون ذلك سوى نتيجة فحسب!
«……!»
«……هاه؟»
«أنا الآن في أفضل حالة صحية مررت بها طوال هذه القرون الخمسمائة──حين واجهت أولئك الثلاثة معًا، كنت مريضة، وفوق ذلك كنت مستهينة بهم. لم أتوقع أن ينتزعوا قلبي مني، لكن مثل هذا الأمر نادر الحدوث مع مصاصة دماء من مستواي».
فجأة.
أوقفت كيس-شوت هجماتها للحظة.
فجأة، خطرت ببالي فكرة غير متوقعة.
لحظة……انتظري قليلًا.
الأمر الذي أغفلناه؟
وأكلت ستة آلاف إنسان حتى الآن.
ما الذي أغفلناه──بالضبط؟
أحاديث الناس. والأساطير الحضرية. والأقاويل المتناقلة.
ما ذلك الأمر الذي جعل هانيكاوا تندفع من مستودع الأدوات الرياضية──ما الذي كان يمكن أن يكون بهذه الأهمية؟
لن تتحقق أمنية أي شخص.
ولماذا فقدت كيس-شوت هدوءها إلى هذا الحد──لماذا غضبت بشدة لمجرد كلمات تافهة صدرت عن «طعامها المحمول»؟
«حسنًا».
مع أنها كانت هادئة وواثقة إلى هذا الحد.
«أيها الفتى».
وفوق ذلك، أليس هذا التعبير مألوفًا لي؟
ما الذي أغفلناه──بالضبط؟
«لا تتدخلي فيما لا يعنيك».
كان حديثنا مختلفًا تمامًا عن الحديث الذي تبادلناه ليلة أمس على سطح مبنى المدرسة التحضيرية القديم──كان خشنًا وفوضويًا، وكأننا نتكلم بما يخطر ببالنا من دون تفكير.
ذلك ما قالته كيس-شوت──ألم أسمع منها شيئًا مشابهًا في مكان آخر من قبل؟
«هاها! هاهاها! هاهاهاها! آهاهاها! هاهاهاهاهاها! هاها! هاهاهاها! ها! هاهاهاها! هاها! آهاهاها! آهاهاهاهاهاهاهاهاها──!»
──لا أعلم إن كنت مفاوضًا أم ماذا──
«على أي حال، كلامك مثالي من ناحية التفوق الأخلاقي، لكن أخبريني يا رئيسة اللجنة، ماذا تنوين أن تفعلي في هذا الوضع؟»
──لكن لا تتفوه بما لا يعنيك──
قالت كيس-شوت.
──أيها الفتى.
ربما كان سؤالًا لا ينبغي لي أن أطرحه أصلًا.
صحيح.
فكيف يحدث هذا الآن؟!
لقد قالت كيس-شوت ذلك لأوشينو──فما الذي كانا يتحدثان عنه حينها؟
وكم مرة واجهت الموت وتجاوزته؟
أتذكر ذلك.
«طعام».
أتذكر ما قاله أوشينو قبلها مباشرة──
قالت كيس-شوت.
──لقد أعجبتني، يا هارت-أندر-بليد──
كنتِ تبكين وتصرخين──
──روحك التي تريد أن تعيد──
إنه الشيء نفسه تمامًا، من دون أدنى اختلاف──!
──أراراغي-كن الذي جعلتِه تابعًا لك──
كنت أفهم.
──إلى إنسان كما ينبغي──
مصاصة دماء جميلة، ذات شعر ذهبي يخطف الأبصار، وفستان أنيق يضفي عليها سحرًا خاصًا، جميلة إلى حد تجمّد الدم في العروق──لا حاجة إلى أي وصف آخر.
«…………!»
«هل كنتِ تنوين منذ البداية أن يقتلك أراراغي-كن؟»
رفعت جسدي فجأة، من دون أن أشعر، بينما كنت أطرح كيس-شوت أرضًا وأجلس فوقها.
«آآآآآآآآآه!»
وبطبيعة الحال، نزعت أنيابي من عنقها──ثم.
عطلة ربيع كانت أشبه بالجحيم.
نظرت إلى تعبير وجهها.
قالت كيس-شوت:
نظرت إليها.
إذا دُمِّر الدماغ، توقف التفكير. وإذا دُمِّرت الرئتان، توقف التنفس. وإذا دُمِّر القلب، توقف تدفق الدم.
كانت عينا كيس-شوت الباردتان لا تزالان باردتين، لكنهما بدتا فارغتين، بل إن بؤبؤيها بدوا وكأنهما قد تعكرا قليلًا──ومع ذلك، التوت زاوية فمها.
كان الجزء العلوي من جسدي قد أصبح شبه عارٍ بالفعل.
«ما الأمر──أيها التابع؟»
هانيكاوا، راقبيني.
قالت كيس-شوت.
حتى حين جرحتها بشدة، وحتى حين مزق إبيسود جانبها، وحتى حين اتخذها غيوتين كاتر رهينة، ظلت هانيكاوا محافظة على هدوئها──لكنها الآن كانت مضطربة بوضوح.
«يبدو أن نصف دمي لا يزال باقيًا──»
وبدأ يشرح بالتفصيل.
«…………»
فلا بد أن أنتظر تلك اللحظة، وأواصل تبادل الضربات معها من دون أن أتحرك من مكاني.
«صحيح أنني لا أستطيع التحرك الآن بعدما استنزفتَ هذا القدر من دمي، لكن إن لم تتعجل، فسأستعيد قوتي قريبًا، أليس كذلك؟»
«لكنّك استيقظت في النهاية. كنت أظن أن بقاءك مصاص دماء لا بأس به إن كنت تريد ذلك──لكن، كما توقعت، قلت إنك تريد العودة إلى إنسان. كنت قد أمضيت وقتًا طويلًا في التفكير في الأمر حتى بينما كنت فاقدًا للوعي. وحينها اتخذت قراري».
لا بد أن هذا صحيح.
حتى بعد أن أصبح المرء مصاص دماء──
فكونها لا تستطيع التحرك الآن، وكونها ستستعيد قوتها قريبًا، كلاهما صحيح.
حالتي النفسية.
لكن──هذا ليس ما يهم.
«…………»
كان هناك شيء لا بد أن أسألها عنه.
ومع ذلك، لم تتراجع هانيكاوا.
مع أنني كنت قد سألتها بالفعل عن آخر شيء أردت معرفته──فإن هناك سؤالًا آخر لا بد أن أطرحه.
وكأنها كانت تنتظر حدوث ذلك، فجاءت ضربة حافة يد كيس-شوت وحطمت رأسي. ورغم أن كلينا استخدم الحركة نفسها، فإن القوة كانت مختلفة تمامًا──وبما أن مساحة نقطة الاصطدام كانت أصغر بكثير من قبضة دراماتورغي، بدا أن قوة الضربة قد تركزت في نقطة واحدة.
ربما كان سؤالًا لا ينبغي لي أن أطرحه أصلًا.
لكنني لا أفعل ذلك مع الجميع.
«ا… اسمعي──كيس-شوت».
مع أنها كانت هادئة وواثقة إلى هذا الحد.
«ما الأمر؟»
أيُعقل أن تنتهي الأمور هكذا؟
«أنتِ…… كيف كنتِ تنوين إعادتي إلى إنسان؟»
«كنت أنوي أن أترك ثغرة مناسبة في الوقت المناسب، وأسمح له بقتلي──لكن لا بأس. أيها التابع، ليس أمامك في نهاية المطاف سوى خيار واحد، وهو قتلي».
حين سمعت سؤالي.
فكيف يحدث هذا الآن؟!
نقرت كيس-شوت بلسانها في استياء واضح.
«أوه؟ لا بأس، سيكون ذلك تذكارًا تأخذه معك إلى العالم الآخر──سأجيب عن أي سؤال. تفضل».
«وما علاقة ذلك بك الآن؟»
لأنها مواجهة بين كايغي وكايغي.
«له علاقة. إنه أمر مهم».
صوتًا آسرًا──كانت تحاول إغرائي به.
«كان ينبغي لذلك الطعام المحمول أن يصمت فحسب، بدلًا من أن يتدخل فيما لا يعنيه».
──في ذلك الوقت، لم أستطع إعادة ذلك الرجل إلى إنسان──
وبعد أن وجهت تلك الإهانة إلى هانيكاوا، أطبقت كيس-شوت شفتيها.
«أعتقد أن ما يحدث خطأ».
أما هانيكاوا، التي كانت قد تلقت الإهانة، فقد اقتربت منا بخطوات هادئة. كانت قد أعادت ارتداء سترتها المدرسية، وأحكمت ربط وشاحها، لكن اهتزاز صدرها كان عنيفًا إلى حد يجعل المرء يتخيل أن صوتًا مثل «طَبْطَبْ» قد رُسم في الخلفية. وبالنظر إلى ذلك، يبدو أنها لم تجد الوقت الكافي لإعادة ارتداء حمالة صدرها.
إنه ما يُعرف بجحيم التمزيق المتواصل.
ومع ذلك، اقتربت هانيكاوا حتى صارت بجوارنا.
«……كنت أظن أنك تكرهني، يا سيد أوشينو».
ثم قالت:
مع أنني كنت قد سألتها بالفعل عن آخر شيء أردت معرفته──فإن هناك سؤالًا آخر لا بد أن أطرحه.
«يا سيدة هارت-أندر-بليد».
وتطاير جسدي كله متناثرًا──
قالتها بنبرة جادة.
«قررت أن أموت من أجلك».
«هل كنتِ تنوين منذ البداية أن يقتلك أراراغي-كن؟»
كنت مذهولًا تمامًا──لكن، في الوقت نفسه، كان صحيحًا أن كل شيء أصبح منطقيًا حين فكرت فيه.
«…………»
لا أريد أن أختفي! لا أريد أن أُمحى من الوجود!
«لكي تعيديه إلى إنسان».
«إذن أخبرينا كيف كنتِ تنوين إعادة أراراغي-كن إلى إنسان. لقد بحثت في الأمر، لكنني لم أجد، حين أفكر في الأمر، أي طريقة أخرى يستطيع بها مصاص الدماء العودة إلى إنسان».
لقد أغفلت ذلك.
ضحكت كيس-شوت.
لو لم يحدث ما حدث──لو لم أشهد، مثلًا، مشهد أكل كيس-شوت لغيوتين كاتر.
فقد أخبرتني كيس-شوت بذلك بنفسها، أليس كذلك؟ قبل أن أقاتل دراماتورغي، أعطتني نصيحة لا يمكن وصفها بالنصيحة أصلًا──
فكيف كانت تنوي إعادتي إلى إنسان؟ ما الطريقة الأخرى التي كان يمكن أن تستخدمها، بخلاف الطريقة التي بحثت عنها هانيكاوا؟
سيدة وتابع──أو بالأحرى، تابعها.
لم أفكر في الأمر أصلًا.
«كنت أريد أن أسمعك تقولين ذلك──أردت أن أسمعه من فمك أنتِ!»
لقد أغفلت ذلك تمامًا──
حين انتبهت، وجدت أن خديّ مبتلان.
ثم.
كنتِ تقولين إنك لا تريدين الموت.
«لا تقولي مثل هذا الكلام السخيف، أيتها الوجبة المحمولة──ما الدليل الذي لديك؟»
رفعت رأسي نحو السماء──
«إذن أخبرينا كيف كنتِ تنوين إعادة أراراغي-كن إلى إنسان. لقد بحثت في الأمر، لكنني لم أجد، حين أفكر في الأمر، أي طريقة أخرى يستطيع بها مصاص الدماء العودة إلى إنسان».
كان ما عليّ فعله واضحًا.
طريقة أخرى.
«……إنها حجة مغالطة».
بخلاف قتل السيد.
هل كان سبب ابتهاج كيس-شوت إلى هذا الحد هو أنها استعادت هيئتها الكاملة، أم أن ذلك جعل الشروط اللازمة لإعادتي إلى إنسان متوافرة──؟
بخلاف إنهاء علاقة السيد والتابع.
تمامًا كما يتناول الإنسان طعامه.
«هاه! الأمر واضح──لم تكن لديّ أي نية لإعادة هذا التابع إلى إنسان من الأساس. كل ما في الأمر أنني كذبت عليه كي أجعله يجمع أطرافي. كنت مستعدة للكذب بأي قدر كي أستعيد هيئتي الكاملة──وحتى السبب الذي جعلني أحوله إلى تابعي لم يكن في الحقيقة سوى مصلحة شخصية تخصني».
«…………»
«هذا غير صحيح. لقد جعلتِه يجمع أجزاء جسدك الناقصة لأنك كنتِ تعرفين أنه حتى لو قتلك أراراغي-كن وأنتِ في هيئة غير مكتملة، فلن يعود إلى إنسان، أليس كذلك؟ كان لا بد أن تستعيدي هيئتك الكاملة أولًا، وإلا فلن يكون لذلك أي معنى──»
لكنها لم تكن قادرة على الحركة.
في ذلك الوقت.
هل كان ذلك أيضًا جزءًا من محاولتها لجعل فرصنا متكافئة؟ بدا وكأننا تحركنا في الوقت نفسه، لكنها في الواقع تركت لي المبادرة أولًا.
هل كان سبب ابتهاج كيس-شوت إلى هذا الحد هو أنها استعادت هيئتها الكاملة، أم أن ذلك جعل الشروط اللازمة لإعادتي إلى إنسان متوافرة──؟
«هذا طلب مثالي إلى حد مبالغ فيه. إنه موضوع تعبير يكتبه تلاميذ المرحلة الابتدائية في حصة الأخلاق. إنه غير واقعي».
«يا لكِ من حمقاء. لقد أخطأتِ الفهم تمامًا».
كنت أعرف الآن──
«إذن──لماذا جئتِ إلى هنا؟»
«يبدو أن نصف دمي لا يزال باقيًا──»
كانت هانيكاوا تتحدث مع كيس-شوت بهدوء بالغ.
أما كيس-شوت، فرغم أنها كانت تضحك، فإن ابتسامتها لم تكن تشبه ابتسامة الليلة الماضية إطلاقًا؛ لم يكن فيها أي شعور بالألفة.
مفترسة وفريسة.
قلت ذلك.
كائنان ينتمي أحدهما إلى مرتبة أعلى والآخر إلى مرتبة أدنى.
حين أفكر في الأمر، أجد أن هذا رأي أناني للغاية.
ومع ذلك، كانتا تتحدثان بشكل طبيعي تمامًا.
نظرت إليها.
«كان لدى أراراغي-كن سبب يدفعه إلى قتالك، لكنك أنتِ لم يكن لديك أي سبب. لقد اختلقتِ أسبابًا تبدو مقنعة، مثل رغبتك في الحصول على فرصة للقتال بكامل قوتك، لكن──في الحقيقة، جئتِ كي يقتلك أراراغي-كن، أليس كذلك؟ هذا كل ما في الأمر، أليس كذلك؟ حتى إنك جعلتِ فرص القتال متكافئة، واستفززته عمدًا».
ومع أنني كنت على وشك أن أطير إلى الخلف──
«هانيكاوا……»
كان الوضع مختلفًا عما حدث حين واجهتُ دراماتورغي وإبيسود وغيوتين كاتر──فأوشينو لم يكن موجودًا ليتوسط بيننا.
«أراراغي-كن، اصمت».
سأقتل الحياة التي أنقذتها بيدي.
أسكتتني هانيكاوا بحزم.
أسكتتني هانيكاوا بحزم.
ثم تابعت:
«يا لك من بكّاء──أيها التابع المسكين. كم أنت مثير للشفقة».
«بالطبع، لم يكن لدي دليل──لم أكن أستطيع سوى الشعور بأن هناك شيئًا غير طبيعي. لكنني فهمت الأمر عندما أدركت أنك لم تقتليني، رغم أنني تدخلت في القتال قبل قليل. أنتِ──»
«انتظر لحظة!»
لقد استخدمت قدرة نظراتها.
ومع ذلك، كانتا تتحدثان بشكل طبيعي تمامًا.
فدمّرت كل ما حول هانيكاوا──
لقد حدقت في كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد بقوة وثبات، رغم كل شيء.
لكنها لم تؤذِ هانيكاوا نفسها.
«وماذا في ذلك؟!»
إبيسود، على النقيض من ذلك، ألقى صليبًا على هانيكاوا بلا رحمة حين تدخلت في القتال بالطريقة نفسها──أما كيس-شوت، فلم تهاجم هانيكاوا، رغم أنها وصفتها بأنها طعامها المحمول.
لا بد أن غيوتين كاتر كان يفكر بالطريقة نفسها.
كل ما فعلته هو تهديدها.
كنت أظن ذلك طوال الوقت.
«أنتِ تنوين الموت».
ضحكت كيس-شوت.
«……كان ينبغي لك أن تصمتي».
مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والحار، والبارد.
كررت كيس-شوت العبارة نفسها التي قالتها قبل قليل.
«…………»
«وماذا ستستفيدين من قول ذلك؟ هل تظنين أن هذا التابع يستطيع قتلي لمجرد أنك أخبرته بذلك؟»
لم أفكر في الأمر أصلًا.
«ماذا؟»
وما أحاول فعله أنا.
«أنا سيدته، وأعرفه جيدًا──إنه أحمق إلى حد أنه قد ينقذ مصاصة دماء على شفا الموت. فإذا عرف ما سماه ذلك الفتى “نبلك”، فهل سيتمكن حقًا من امتصاص دمي؟»
لا بد أن أوشينو قد توصل إلى تسوية بهذه الطريقة.
«ذ… ذلك──لكن……»
فهمت ذلك بغريزتي.
عجزت هانيكاوا عن الكلام.
حين اتخذت القرار الصحيح.
فنظرت إليها كيس-شوت ببرود.
«لم ينقذني إنسان ولا مصاص دماء من قبل. وبينما كنت أمتص دمك──بدأت أتساءل عما أفعله. لذلك، حين انتهيت من امتصاص دمك، توقفت عن التهامك، وقررت أن أجعلك تابعي──التابع الثاني في حياتي كلها».
بعينين فارغتين──نظرت إليها ببرود.
هانيكاوا، راقبيني.
«كنت أظن أن هذا هو الأمر الأصعب──كيف أجعل هذا التابع يقتلني؟ كان ذلك أكثر ما يشغلني. ولهذا السبب أبقيت الطريقة سرًا حتى اللحظة الأخيرة. ظننت أنني لن أملك خيارًا سوى أن أخوض الأمر على نحو مرتجل…… لكن، رغم أن ما حدث كان مفاجئًا بالنسبة إليّ، فإن غيوتين كاتر هيأ الظروف من حيث لا يقصد. فإذا كان أكل إنسان واحد يجعل هذا التابع يغضب إلى ذلك الحد، فلم تكن هناك حاجة إلى أن أشغل نفسي بالتفكير في الأمر أصلًا──»
«طلبك غامض».
«أنا──»
«استهتار؟ يؤسفني أن أخيب ظنك، لكنني لست غبية إلى حد الاستهانة بتابعي. ومع ذلك، لا بد من منحك فرصة للفوز حتى تصبح اللعبة ممكنة، أليس كذلك؟ أريد أن أقاتل بكل قوتي. سيكون الأمر مملًا إن تخليتَ عن القتال في منتصف المواجهة».
نظرت كيس-شوت إليّ بعينيها الفارغتين نفسيهما.
«…………»
«──كان ينبغي لي أن أبقى الشريرة التي تكرهها، وأن أسمح لك بقتلي. لم تكن هناك حاجة لأن تعرف ما كنت أنويه».
«أن تقتلني، وأن أعيدك إلى إنسان، ثم أموت أخيرًا. شعرت بأنني وجدت أخيرًا المكان الذي سأموت فيه──المكان الذي كنت أبحث عنه منذ أربعمئة عام».
«لماذا؟»
أخرج السيجارة من فمه وأعادها إلى جيبه.
تمتمت بذلك.
«بهذا، زال ترددي──أيها التابع. أنا أيضًا، كنت أشعر بذلك منذ البداية، ولو بصورة مبهمة. كنت أظن أنك من هذا النوع من الأشخاص».
كنت مذهولًا تمامًا──لكن، في الوقت نفسه، كان صحيحًا أن كل شيء أصبح منطقيًا حين فكرت فيه.
«لن أكتفي بالانحناء أمامك مرة واحدة──سأفعل ذلك مرارًا، كما يليق بالتابع. لذا، لا تحاولي أن تموتي بطريقة تبدو رائعة──بل عيشي حياة بائسة لا تليق بك. ابحثي عن مكان تعيشين فيه، لا عن مكان تموتين فيه».
«لماذا فعلتِ──كل هذا؟»
قلت ما أريده من أعماق قلبي.
«أيها التابع».
حين اتخذت القرار الصحيح.
قالت كيس-شوت:
كنت أعرف الآن──
«كنت أبحث عن مكان أموت فيه».
ما الذي أغفلناه──بالضبط؟
«مكان تموتين فيه──»
إنه ما يُعرف بجحيم التمزيق المتواصل.
تسعون بالمئة من أسباب موت مصاصي الدماء.
وسيظل مصاصا الدماء على قيد الحياة.
الانتحار.
«أنا الآن في أفضل حالة صحية مررت بها طوال هذه القرون الخمسمائة──حين واجهت أولئك الثلاثة معًا، كنت مريضة، وفوق ذلك كنت مستهينة بهم. لم أتوقع أن ينتزعوا قلبي مني، لكن مثل هذا الأمر نادر الحدوث مع مصاصة دماء من مستواي».
الملل──يقتل مصاصي الدماء.
حتى ذلك الأمر لم أتمكن من فعله إلا لأن هانيكاوا كانت رهينة آنذاك──أما الآن، وقد أصبحت إرادتي أقرب إلى الجانب البشري مما كانت عليه في السابق، فمن المؤكد أن تحويل أطراف أصابعي وحدها سيكون صعبًا عليّ.
لا بد أنكِ كنت تشعرين بملل شديد.
لا بد أن هذا صحيح.
«كان هذا هو سبب مجيئي إلى هذا البلد أيضًا──لم أعد إليه منذ موت تابعي الأول. لم آتِ بغرض السياحة أو ما شابه──»
«صحيح. سنتخلى عن القضاء على مصاص الدماء، ذلك الكائن الخطير. سنتخلى عن الإزالة التامة لقاتلة الكايغي، مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والحار، والبارد، وتابعها. فبعد أن تفقد هذا القدر من قوتها، لن يتمكن أمثال دراماتورغي وإبيسود من العثور على هارت-أندر-بليد أصلًا. أي إننا سنترك هذا الخطر قائمًا. سنترك احتمال عودة هارت-أندر-بليد وأراراغي-كن إلى مصاصي دماء، وربما أكلهما البشر، بدرجة لا يمكن تجاهلها».
«لـ… لكنكِ……»
صحيح.
كنتِ تقولين إنك لا تريدين الموت.
تترنح إلى الخلف، بينما كنت أضغط عليها من الأعلى──ومع ذلك.
كنتِ تبكين وتصرخين──
قلت:
بعدما انتُزع قلبك وقُطعت أطرافك──
وعلى خلاف ما حدث حين ركلت الباب وأسقطته، لن يكون من الممكن إصلاحه هذه المرة──فقد انكمش الباب الحديدي وصار صغيرًا، كما لو أنه ورقة من رقائق الألومنيوم كُرْمِشت بقوة، ثم اختفى متطايرًا إلى داخل المستودع.
هربتِ بالكاد على قيد الحياة.
في ذلك الوقت، لم تكن لديّ رغبة في امتصاص الدماء──لكن الأمر مختلف الآن.
«كنت أظن أن الموت لا بأس به. هكذا كان الأمر يفترض أن يكون».
«يا لكِ من حمقاء. لقد أخطأتِ الفهم تمامًا».
لكن كيس-شوت قالت:
«…………»
«في النهاية، أصبحت خائفة من الموت».
«──تبًّا!»
«…………»
فلماذا──تظهرين نفسك أمامها؟
«خفت من أن تختفي ذاتي التي عاشت خمسمئة عام──خفت من أن أصبح معدومة، وخفت إلى حد لم أعد أستطيع معه احتمال الأمر. وفي تلك اللحظة، مررتَ أنت من هناك──فطلبت منك المساعدة».
باتجاه كيس-شوت.
«وأنا──أنقذتك».
«ما الأمر──أيها التابع؟»
لم أكن أفكر في أي شيء عظيم.
أوقفت كيس-شوت هجماتها للحظة.
لم أفكر في العواقب، لا فيما سيحدث لاحقًا ولا فيما حدث قبله.
لا تلقِ الأمر على عاتقي، كما قال، بنبرة توحي بأنه يريد إبعادي عنه.
كل ما في الأمر أنني──
نتقاسمها.
لم أكن أريد أن أرى وجهها الباكي.
«هل أنتِ مازوخية أم ماذا؟!»
لم أستطع تحمّل رؤيته.
كان دمها.
«لقد أنقذني شخص آخر──لأول مرة في حياتي».
بمجرد النظر فحسب.
«…………»
طريقة أخرى.
«لم ينقذني إنسان ولا مصاص دماء من قبل. وبينما كنت أمتص دمك──بدأت أتساءل عما أفعله. لذلك، حين انتهيت من امتصاص دمك، توقفت عن التهامك، وقررت أن أجعلك تابعي──التابع الثاني في حياتي كلها».
«لقد نسيت تقريبًا كل شيء عن حياتي حين كنت إنسانة──لكن يبدو أنني كنت أنتمي إلى عائلة ذات مكانة رفيعة! أيمكن القول إنني كنت من النبلاء؟ يبدو أن هذا الفستان من بقايا تلك الأيام──ها! على أي حال، حين يتجاوز عمر مصاص الدماء ثلاثمئة سنة، لا يعود هناك فرق يُذكر بين المصاص الأصلي والتابع!»
ثم قالت كيس-شوت أنها ظنت أنني سأفقد السيطرة وأتحول إلى وحش، لأنني لم أستيقظ طوال ذلك الوقت.
وفي الواقع، كانت قد غاصت في أرض الملعب حتى كاحليها.
لقد بقيت إلى جانبي طوال الوقت.
«هاها، لقد أعجبتني، أيها التابع──لديك عزيمة لا بأس بها! حتى مع امتلاكك قوة نابعة من كونك تابعي، فإن مصاص الدماء الحديث العهد لا يستطيع عادةً أن يقاتل بهذه الروح الانتحارية!»
كانت تعتني بي.
قالت كيس-شوت ذلك بصوت واهن، لكنه حازم:
«لكنّك استيقظت في النهاية. كنت أظن أن بقاءك مصاص دماء لا بأس به إن كنت تريد ذلك──لكن، كما توقعت، قلت إنك تريد العودة إلى إنسان. كنت قد أمضيت وقتًا طويلًا في التفكير في الأمر حتى بينما كنت فاقدًا للوعي. وحينها اتخذت قراري».
قالت كيس-شوت ذلك، ثم قفزت قفزة خفيفة.
قالت كيس-شوت ذلك بصوت واهن، لكنه حازم:
«لـ… ليس هذا بكاءً. هذه ليست دموعًا. إنها……»
«قررت أن أموت من أجلك».
«مكان تموتين فيه──»
«……من أجلي؟»
«قررت أن أموت من أجلك».
«أن تقتلني، وأن أعيدك إلى إنسان، ثم أموت أخيرًا. شعرت بأنني وجدت أخيرًا المكان الذي سأموت فيه──المكان الذي كنت أبحث عنه منذ أربعمئة عام».
ومع ذلك──كان ذلك كافيًا.
«منذ أربعمئة عام──»
لم تكن لتتوقف بسبب شيء كهذا──كنت أعرف ذلك.
كان ذلك──تابعها الأول.
كنت أظن أن ذلك سيكون أصعب عقبة على الإطلاق.
لقد قالت ذلك من قبل.
بالطبع، لم يكن إحساسي بالألم قد خَدِر.
لم تستطع كيس-شوت إعادته إلى إنسان.
لا، لا بد أن هذا غير ممكن الآن.
──في ذلك الوقت، لم أستطع إعادة ذلك الرجل إلى إنسان──
باتجاه كيس-شوت.
──ولهذا أنوي الاستفادة من الدرس الذي تعلمته هذه المرة.
ذلك الرجل الذي يرتدي قميص الهاواي، المتبجح والخفيف الظل.
«لم أستطع أن أموت من أجله. لم أستطع التضحية بحياتي من أجله. ولم أستطع إعادته إلى إنسان──ولهذا……»
وبدأت جراحنا تتعافى في لمح البصر.
«من أجلي».
لا تلقِ الأمر على عاتقي، كما قال، بنبرة توحي بأنه يريد إبعادي عنه.
لكي تعيدني إلى إنسان.
قالت كيس-شوت.
لكي تنقذني.
لم تكن لتتوقف بسبب شيء كهذا──كنت أعرف ذلك.
هل تنوي التضحية بحياتها من أجلي──هي؟
لا تلقِ الأمر على عاتقي، كما قال، بنبرة توحي بأنه يريد إبعادي عنه.
«لذلك، لا تبالغ في تقدير نفسك، أيها التابع. ففي الأصل، المسؤولية مسؤوليتي──ولولا أنني تصرفت بشكل مثير للشفقة، لما وصلت الأمور إلى هذا الحد. ولولا أنك أنقذتني، لكنت قد متُّ في ذلك الوقت».
صحيح.
«…………!»
«لن أنكر ذلك!»
هاه؟
ربما كان الأمر سيختلف لو امتلكت قوة إرادة دراماتورغي أو خبرته──لكنني، بصفتي مصاص دماء حديث العهد، لا أملك أيًّا منهما.
لحظة……انتظري قليلًا.
فلا بد أن أنتظر تلك اللحظة، وأواصل تبادل الضربات معها من دون أن أتحرك من مكاني.
ما هذا الوضع──هذا غير معقول.
لأن هذا استنزاف للطاقة.
بهذا الشكل، فإن حالتي النفسية──
«صحيح. لكن إن كان السؤال هو ما إذا كان أكل شيء ما جائزًا أم لا، فلا ينبغي أن يقتصر معيارنا على البشر وحدهم. هل يحرم أكل الأبقار؟ هل يحرم أكل الخنازير؟ هل يحرم أكل الحيتان؟ هل يحرم أكل الكلاب؟ وكما أشار غيوتين كاتر، فإن الثقافات تختلف حتى بين البشر أنفسهم. فما بالك بي، وأنا مصاصة دماء قاتلة الكايغي؟ يكفيني أن آكل إنسانًا واحدًا في الشهر──أي اثني عشر إنسانًا فحسب في السنة. وحتى لو حسبناها على مدى خمسمئة عام، فلن يتجاوز العدد ستة آلاف إنسان. ما حجم هذا العدد إذا نظرنا إليه من منظور التاريخ؟ كم إنسانًا قتل البشر حتى الآن؟»
لقد قلت للتو إنني بخير نفسيًا──
«يا للعجب. لديك صدر جميل حقًا. سأعترف لك بهذه الميزة على الأقل».
فكيف يحدث هذا الآن؟!
مع أنني كنت قد سألتها بالفعل عن آخر شيء أردت معرفته──فإن هناك سؤالًا آخر لا بد أن أطرحه.
«……ما الأمر؟ هل تبكي؟»
إذن، أليس الأمر واحدًا في النهاية؟
«آه……»
لكنني انقضضت على عنقها، وعضضته.
حين انتبهت، وجدت أن خديّ مبتلان.
لم أفكر في العواقب، لا فيما سيحدث لاحقًا ولا فيما حدث قبله.
لماذا؟
لقد حسمت أمري──وقلتها.
حتى لو كان الأمر كذلك──فإن ما يجب عليّ فعله لم يتغير، أليس كذلك؟
عضضته──بأنيابي الطويلة.
حتى لو كانت تنوي الموت من أجلي.
رأي كهذا──لا يمكن أن يُقبل ببساطة.
فهي أكلت إنسانًا، أليس كذلك؟
شكلت كلتا يديها على هيئة سيف──واستعدت للقتال من هذه المسافة القريبة للغاية.
«يا لك من بكّاء──أيها التابع المسكين. كم أنت مثير للشفقة».
حين وقفت أمامها هكذا──كان الأمر مختلفًا.
«لـ… ليس هذا بكاءً. هذه ليست دموعًا. إنها……»
لقد مُحي كل ما حولها وخلفها──
قلت:
لا، لكنني رأيت كيس-شوت تفقد هدوءها مرة واحدة من قبل──حين كنت لا أزال إنسانًا، وحين كدت أتخلى عنها.
«إنه الدم».
لأنها مواجهة بين كايغي وكايغي.
«أوه؟»
غرست أنيابي في بشرتها البيضاء الناعمة.
«إنه دم يسيل──»
«دراماتورغي كان إنسانًا في السابق أيضًا…… ومع ذلك، كان يأكل البشر رغم كونه صيادًا لمصاصي الدماء! حسنًا، يبدو أنه كان يقتصر على أكل المحكوم عليهم بالإعدام الذين كانت كنيسة غيوتين كاتر تمده بهم──»
كيف يمكن أن ينتهي الأمر هكذا؟
أوقفت كيس-شوت هجماتها للحظة.
كيس-شوت مصاصة دماء.
طريقة القضاء على مصاص دماء بواسطة مصاص دماء آخر──
لقد أكلت غيوتين كاتر.
قالت كيس-شوت:
وأكلت ستة آلاف إنسان حتى الآن.
لو لم يحدث ما حدث──لو لم أشهد، مثلًا، مشهد أكل كيس-شوت لغيوتين كاتر.
لكن──
كان ما عليّ فعله واضحًا.
«──حتى أنتِ يسري الدم في عروقك، أليس كذلك؟!»
كانت مكشوفة تمامًا.
إنك حية.
في ذلك الوقت.
إذن، أليس الأمر واحدًا في النهاية؟
──ثغرة!
ما فعلته أنا.
«……آه».
وما تحاولين فعله.
هل ما زال هناك شيء آخر نغفل عنه؟
وما فعلتِه أنتِ.
ما فعلته أنا.
وما أحاول فعله أنا.
«هل أنتِ مازوخية أم ماذا؟!»
إنه الشيء نفسه تمامًا، من دون أدنى اختلاف──!
التفتُّ إلى الخلف رغم إدراكي للمخاطر.
«حقًا، لقد تسببتِ في متاعب لا داعي لها، أيتها الوجبة المحمولة».
في الظروف الطبيعية، كان يفترض أن تنتهي المعركة هنا.
قالت كيس-شوت.
«آه──أراراغي-كن، هناك شيء غريب!»
«كنت أنوي أن أترك ثغرة مناسبة في الوقت المناسب، وأسمح له بقتلي──لكن لا بأس. أيها التابع، ليس أمامك في نهاية المطاف سوى خيار واحد، وهو قتلي».
ثم قالت:
«لـ… ليس الأمر كذلك».
لكن──لم تسنح لي الفرصة المناسبة.
حالتي النفسية.
«كيس-شوت……»
حالتي النفسية بخير.
وبصوت مكتوم، بدأت أمتص دمها.
«إن لم تقتلني، فسأبدأ من الغد بأكل ألف إنسان كل يوم. إذا قلت لك هذا، فلن يبقى أمامك سوى قتلي، أليس كذلك؟ وإن أردت دليلًا على أنني لا أهددك فحسب، فربما سيكون من الأسهل عليك اتخاذ القرار إذا بدأت باختطاف تلك الوجبة المحمولة وأكلها».
باتجاه كيس-شوت.
«……!»
«من المؤسف أنني لن أسمعك تناديني بهذا الاسم مجددًا بعد اليوم!»
«اقتل الحياة التي أنقذتها بيدك. أليس هذا ما يسمونه──تحمّل المسؤولية؟»
مصاصة دماء جميلة، ذات شعر ذهبي يخطف الأبصار، وفستان أنيق يضفي عليها سحرًا خاصًا، جميلة إلى حد تجمّد الدم في العروق──لا حاجة إلى أي وصف آخر.
«كيس-شوت──»
لو لم يحدث ما حدث──لو لم أشهد، مثلًا، مشهد أكل كيس-شوت لغيوتين كاتر.
«أنت ثاني شخص يناديني بهذا الاسم. وستكون آخرهم».
«حقًا، لقد تسببتِ في متاعب لا داعي لها، أيتها الوجبة المحمولة».
نظرت إلى هانيكاوا، وكأنني أطلب منها المساعدة.
وبصوت مكتوم، بدأت أمتص دمها.
لكن هانيكاوا──لم تفعل سوى أن عضّت شفتها السفلى، ولم تقل شيئًا آخر. بدا ذلك وكأنه يوضح مدى اليأس الذي وصلنا إليه.
«فأنا في نهاية المطاف إنسان سابق──كنتُ طعامًا في الماضي».
حتى هانيكاوا لم يعد لديها ما تفعله.
«لا أذكر أنني عقدت معك أي اتفاق، يا هارت-أندر-بليد──كل ما أردته هو ترتيب الظروف بالطريقة التي تناسبني. وإذا كنتِ تنوين اختيار الموت بنفسك كي تعيدي أراراغي-كن إلى إنسان، فهذا أمر يصب في مصلحتي. مصلحتي أنا──أي مصلحة البشر».
آه.
بهذا الشكل، فإن حالتي النفسية──
كيس-شوت محقة.
فهمت ذلك بغريزتي.
في هذه الحالة، لم تكن هناك حاجة إلى أن تخرج هانيكاوا من مستودع الأدوات الرياضية وتكشف نوايا كيس-شوت──فحتى بعد كل ذلك، لم يتغير ما يجب عليّ فعله إطلاقًا، ولم يؤدِّ الأمر سوى إلى جعل الوضع أسوأ، كما ترون.
لا، لقد أبعدني عنه بالفعل.
لكن──
«ها! هاها! آهاها! هاهاها! آهاهاهاها!»
لو لم أعرف الحقيقة، لبقيت أسيء فهم كيس-شوت إلى الأبد──ولعدت إلى إنسان من دون أن أتمكن حتى من الندم أو مراجعة نفسي.
«إذن!»
كنت سأعود إلى إنسان، مجرد مهرج أحمق.
كيس-شوت محقة.
أيُعقل أن تنتهي الأمور هكذا؟
«كنت إنسانة──أي إنني كنت مثل دراماتورغي وأنت!»
في النهاية──لم أكن سوى شخص حقق أمنيته.
كان أكبر اختلاف هو أن القتال الذي نحن على وشك خوضه سيكون، بكل وضوح، «قتالًا حتى الموت».
ولم يكن أحد سعيدًا.
ولن أعود أنا إلى إنسان.
كنت أحمّل كيس-شوت كل شيء فحسب.
«أيها التابع».
«هيا».
ظلت تضحك.
ابتسمت كيس-شوت.
كان ذلك──نعم.
«هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا──اقتلني، أيها التابع».
شعرها الذهبي.
«──تبًّا!»
أجابت كيس-شوت عن تساؤلي، بينما كان خدها يتدمر، لتبدو ابتسامتها أشبه بابتسامة امرأة مشقوقة الفم.
كنتِ تبحثين عن مكان تموتين فيه؟
«لقد أكلتِ إنسانًا. وهذا وحده كافٍ بالنسبة إليّ».
تريدين الانتحار؟
إذا دُمِّر الدماغ، توقف التفكير. وإذا دُمِّرت الرئتان، توقف التنفس. وإذا دُمِّر القلب، توقف تدفق الدم.
هذا مجرد هروب، أليس كذلك؟!
نحن وحوش.
إنه دليل على أنك تهربين بقلبك، أليس كذلك؟!
«صحيح أنني لا أستطيع التحرك الآن بعدما استنزفتَ هذا القدر من دمي، لكن إن لم تتعجل، فسأستعيد قوتي قريبًا، أليس كذلك؟»
مهما حاولتِ التظاهر بالنبل، فإن ما تشعرين به حقًا──هو ما سمعته منك في ذلك اليوم، تحت ضوء مصباح الشارع!
«……كنت أعلم أنك ستقول ذلك».
لا أريد! لا أريد! لا أريد!
تسعون بالمئة من أسباب موت مصاصي الدماء.
لا أريد أن أموت! لا أريد أن أموت! لا أريد أن أموت!
«……أريدك أن تخبرني بطريقة تجعل الجميع سعداء».
أنقذوني! أنقذوني! أنقذوني!
وصرخت بأقصى ما أستطيع.
أرجوكم!
لكن!
لا أريد الموت! لا أريد الموت!
كل شيء مكشوف أمامها──لا شيء يخفى عليها.
لا أريد أن أختفي! لا أريد أن أُمحى من الوجود!
كنت أفهم.
أيّ أحد! أيّ أحد! أيّ أحد──!
«كونهم محكومًا عليهم بالإعدام لا يعني أنه يجوز أكلهم…… ولا سيما إن كانت الكنيسة التابعة لغيوتين كاتر هي التي قررت أنهم مجرمون».
أنا آسفة!
لن تكون هناك أي قيود تمنعنا من قتل بعضنا بعضًا.
«أوشينووو!»
وصولها في اللحظة التي غربت فيها الشمس تقريبًا يعني، على الأرجح، أن كيس-شوت، بعدما استعادت هيئتها الكاملة، كانت تعرف تحركاتي كلها، وكأنها تراها أمام عينيها.
رفعت رأسي نحو السماء──
«من أجلي».
وصرخت بأقصى ما أستطيع.
ثم اتخذت وضعية ضربة بحافة اليد.
أطلقت زئيرًا بكل سعة رئتيّ، وقد أصبحتا رئتي مصاص دماء.
«سأدفع المال».
«أووشينووو ميميييي!»
فإن جسده لم يتغير من الناحية الفيزيائية.
ثم──ناديت اسم ذلك الرجل.
ما فعلته أنا.
ذلك الرجل الذي يرتدي قميص الهاواي، المتبجح والخفيف الظل.
«هاها، حقًا، أنت مفعم بالحيوية يا أراراغي-كن──هل حدث لك شيء سار؟»
ذلك الرجل الذي كان يعرف كل شيء منذ البداية، لكنه لم يقل شيئًا──وكان يكتفي بالتظاهر باللامبالاة، واضعًا سيجارة غير مشتعلة بين شفتيه.
«……هاه؟»
«أعرف أنك تراقبنا من مكان ما──كفّ عن التظاهر بالغموض واخرج فورًا! لديّ عمل أريد تكليفك به، أيها الوغد!»
عطلة ربيع كانت أشبه بالجحيم.
نظرت إليّ هانيكاوا بدهشة.
«في الواقع، أيها التابع──إن القدرة الدفاعية لمصاصي الدماء ليست مرتفعة إلى ذلك الحد! بالطبع، لا يمكن مقارنتها بقدرة البشر الذين ليسوا سوى طعام لنا──لكن دفاعنا منخفض، وكأنه يتناسب عكسيًا مع قوتنا الهجومية الهائلة! لو افترضنا أن القوة الهجومية تبلغ مئة، فإن القوة الدفاعية تتوقف عند عشرة أو عشرين على الأكثر. هل تعرف السبب يا تابعي؟!»
ونظرت إليّ كيس-شوت بدهشة.
كانت كلمات كيس-شوت قاسية، بل تكاد تكون جارحة.
لكنني لم ألتفت إلى أيٍّ من النظرتين──بل واصلت الصراخ.
قالت كيس-شوت.
«أوشينوووو! أعرف أنك هنا──لا يمكن أن تكون قد غفلت عما يحدث في هذا المكان، وأنت الذي تدّعي الحياد! لقد فهمت كل ما كنت تقوله──ولا أريد أي تفسير إضافي! لذا اخرج! لقد فهمت أيضًا ما فعلته، وفهمت تمامًا أنني لست الضحية، بل الجاني! لذا اخرج──أوشينووو ميمييي!»
لكن──
«──لا داعي إلى الصراخ هكذا، فأنا أسمعك».
قلت ذلك.
وفجأة.
ثم──ناديت اسم ذلك الرجل.
كان أوشينو جالسًا فوق سطح مستودع الأدوات الرياضية، محافظًا على سلوكه اللامبالي المعتاد.
──لقد أعجبتني، يا هارت-أندر-بليد──
كان جالسًا متربعًا، واضعًا خده على يده.
«مـ… ماذا؟!»
وبدا عليه الضجر الشديد.
لقد استخدمت قدرة نظراتها.
لا أعرف منذ متى كان هناك──أو ربما ظهر فجأة فحسب.
«لأن قوة الخلود هي نفسها القدرة الدفاعية!»
«أراراغي-كن. يا لها من مصادفة نادرة أن نلتقي في مكان كهذا».
شعرها الناعم الأملس.
«……أوشينو».
«أوشينووو!»
«هاها، حقًا، أنت مفعم بالحيوية يا أراراغي-كن──هل حدث لك شيء سار؟»
──أيها الفتى.
«لديّ عمل أريد تكليفك به».
«…………»
كررت كلامي.
وبدأ يشرح بالتفصيل.
حدقت في أوشينو──وكررت كلامي.
«…………»
«افعل شيئًا».
«──شائعة».
«شيئًا؟»
وبدأت جراحنا تتعافى في لمح البصر.
ابتسم أوشينو ابتسامة ساخرة، ثم قفز من فوق سطح المستودع──لم يكن يبدو شخصًا يتمتع بلياقة بدنية عالية، ومع ذلك هبط على الأرض بخفة، من دون أن يثني ركبتيه.
إن لم نأكل، فسنموت.
ثم اقترب منا بتمهل.
«……!»
«طلبك غامض».
في ذلك الوقت.
«سأدفع المال».
«…………»
«المسألة ليست مسألة مال».
«سأدفع المال».
«إذن ما المشكلة؟»
لكنها لم تؤذِ هانيكاوا نفسها.
«مشكلتك أنت».
هذه مسؤوليتي──حتى لو متِّ الآن وعدتُ أنا إلى بشريتي، فلن أشعر بالامتلاء أو الإنجاز. لن يكون ذلك سوى نتيجة فحسب!
لا تلقِ الأمر على عاتقي، كما قال، بنبرة توحي بأنه يريد إبعادي عنه.
بل إنها بدت سعيدة قليلًا.
لا، لقد أبعدني عنه بالفعل.
هل ما زال هناك شيء آخر نغفل عنه؟
«مرحبًا، أيتها رئيسة اللجنة».
صحيح أن الشمس قد غربت، لكن الوقت لم يتأخر كثيرًا──ورغم أن المدرسة يُستبعد أن يكون فيها أحد، فإن احتمال ظهور شاهد ليس معدومًا، حتى لو كانت المدرسة بعيدة عن المنازل.
ثم رفع أوشينو إحدى يديه محييًا هانيكاوا.
إذن، هل كانت معتادة على الألم؟
«إنه لقاؤنا الأول، أليس كذلك؟»
قلت ذلك وأنا أحدق في وجه كيس-شوت الذي صار على مقربة مني.
«……نعم».
«…………»
انحنت هانيكاوا تحيةً له، وردت:
لم تكن لديّ رفاهية الضحك.
«تشرفت بلقائك. أنا هانيكاوا».
«الفكرة هي أن نتقاسم جميعًا التعاسة التي ستنجم عن هذه الحادثة، وأن يتحمل كل منا نصيبه منها. لن تتحقق أمنية أي شخص، لكن إن كنت مستعدًا لقبول ذلك، فهذه طريقة ممكنة».
«أنا سعيد لأنني بقيت في هذه المدينة حتى بعد انتهاء أمر هارت-أندر-بليد. فلولا ذلك، لما تعرفت إليك».
صحيح أن الشمس قد غربت، لكن الوقت لم يتأخر كثيرًا──ورغم أن المدرسة يُستبعد أن يكون فيها أحد، فإن احتمال ظهور شاهد ليس معدومًا، حتى لو كانت المدرسة بعيدة عن المنازل.
«……كنت أظن أنك تكرهني، يا سيد أوشينو».
«مت، أيها التابع!»
«يا إلهي، لا تقولي هذا. أنا لا أكره الفتيات أبدًا. إن سمعتِ شيئًا غريبًا من أراراغي-كن، فأؤكد لك أنه مجرد إشاعة».
«إذن، ما الذي تريده؟»
قال أوشينو ذلك بكل وقاحة.
شعرها الذهبي.
كان يتفوه بكلام منافق، وكأنه لا يعرف شيئًا.
«…………»
«لكن هذا مذهل حقًا. فأنتِ لا علاقة لك بالكايغي، ومع ذلك تورطتِ في هذه المسألة إلى هذا الحد. حقًا، فتيات الثانوية نشيطات للغاية. هل حدث شيء سار؟»
──روحك التي تريد أن تعيد──
«بل لي علاقة بالأمر».
لا غرابة في ذلك.
قالت هانيكاوا بحزم.
الأرض تحت قدميها متشققة.
«إن كانت مشكلة أراراغي-كن، فهي مشكلتي أنا أيضًا».
لم يبقَ أي ضرر لدى أيٍّ منا.
«واو، يا لها من صداقة!»
«……من أجلي؟»
ضحك أوشينو ضحكة مكتومة.
«هاها! هاهاها! هاهاهاها! آهاهاها! هاهاهاهاهاها! هاها! هاهاهاها! ها! هاهاهاها! هاها! آهاهاها! آهاهاهاهاهاهاهاهاها──!»
كان يتصرف بطريقة تستفز المرء من أعماق قلبه، وكأنه يسخر من الجميع.
طار الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية خلف هانيكاوا بعيدًا.
«أم أنها أجواء الشباب؟»
ظللت أنا والاثنتان مذهولين من كلماته──
«أيها الفتى».
«لأن قوة الخلود هي نفسها القدرة الدفاعية!»
خاطبت كيس-شوت أوشينو──
ثم ضحك.
«لا تتدخل. لم يكن هذا هو الاتفاق».
كنت أعرف مدى خطورة الأمر.
«لا أذكر أنني عقدت معك أي اتفاق، يا هارت-أندر-بليد──كل ما أردته هو ترتيب الظروف بالطريقة التي تناسبني. وإذا كنتِ تنوين اختيار الموت بنفسك كي تعيدي أراراغي-كن إلى إنسان، فهذا أمر يصب في مصلحتي. مصلحتي أنا──أي مصلحة البشر».
رأي كهذا──لا يمكن أن يُقبل ببساطة.
قال أوشينو ذلك.
لكن──
صحيح.
«──تبًّا!»
لا بد أن غيوتين كاتر كان يفكر بالطريقة نفسها.
مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والحار، والبارد──قاتلة الكايغي!
كنت أرى أنه من الغريب أن يعيد غيوتين كاتر ذراعي كيس-شوت بسهولة، لكن أوشينو كان قد أخبره بالفعل، على ما أذكر، بأنني أحاول العودة إلى إنسان، وأن كيس-شوت وافقت على ذلك.
وكانت هي الأخرى قد فقدت هدوءها.
ولهذا أعاد ذراعيها.
──احذر من أن يسمح دراماتورغي لنفسه بامتصاص دمك──
لا بد أن أوشينو قد توصل إلى تسوية بهذه الطريقة.
ستموت وهي تضحك.
أقنعه──وجعله يقبل التنازل لهذا السبب.
«لذا، حسنًا──كنت أتوقع أن تنتهي الأمور على هذا النحو. وبالمناسبة، أنا أنقذتك لأنك أنت، كما تعلم. فقد أشفق قلبي على ذلك الفتى المسكين الذي كان مستعدًا للتضحية بحياته من أجلي، ولم أعد أحتمل فكرة قتله».
فحتى لو أعاد ذراعيها، فلن يكون ذلك مخالفًا لعقيدته.
نظرت كيس-شوت إليّ بعينيها الفارغتين نفسيهما.
وكان من المفترض أن يحافظ ذلك على مكانته بوصفه كبير الأساقفة.
ثم اقترب منا بتمهل.
لكنني كنت قد أطلت الحديث مع كيس-شوت، وذهبت إلى المتجر، وأمضيت وقتي في توديعها──ولأنني لم أكن أبادر إلى قتلها مهما طال الوقت.
قال أوشينو ذلك بكل وقاحة.
فلا بد أن غيوتين كاتر ظن أن أوشينو خدعه، وذهب بمفرده إلى مبنى المدرسة التحضيرية القديم.
كررت كلامي.
أما كيس-شوت في هيئتها الكاملة──فلا يمكن إخفاؤها حتى بالحاجز.
أسكتتني هانيكاوا بحزم.
«لذا، يمكن القول إن الأمور سارت كما توقعت إلى حد كبير…… لكن أيتها الرئيسة، لقد تدخلتِ فيما لا يعنيك حقًا».
أسكتتني هانيكاوا بحزم.
«أنا……»
قلت ذلك وأنا أحدق في وجه كيس-شوت الذي صار على مقربة مني.
ومع ذلك، لم تتراجع هانيكاوا.
«إذن، ما الذي تريده؟»
«أعتقد أن ما يحدث خطأ».
ومع ذلك، لم تُظهر أي علامة على ذلك. لم تكن تطبق أسنانها كما أفعل، ولم تكن تصرخ كما أصرخ.
«يا للعجب. لديك صدر جميل حقًا. سأعترف لك بهذه الميزة على الأقل».
«هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا. هيا──اقتلني، أيها التابع».
«مـ… ماذا؟!»
بل أردت أن أستمر في شربه إلى الأبد.
وضعت هانيكاوا يديها على صدرها على عجل.
«إذن──لماذا جئتِ إلى هنا؟»
يا له من اهتزاز!
ثم اتخذت وضعية ضربة بحافة اليد.
نظر أوشينو إليها، ثم قال:
«كنت أنوي أن أترك ثغرة مناسبة في الوقت المناسب، وأسمح له بقتلي──لكن لا بأس. أيها التابع، ليس أمامك في نهاية المطاف سوى خيار واحد، وهو قتلي».
«آه، لا، أخطأت. كنت أريد أن أقول إن لديك جرأة كبيرة، وسأعترف لك بهذه الجرأة على الأقل».
ما هذا الوضع──هذا غير معقول.
ثم ضحك.
صرخت كيس-شوت من تحتي.
وكأنني سأصدق ذلك.
«أنا لست تهديدًا للعالم بأي حال من الأحوال. إن التأثير الذي أستطيع إحداثه في العالم ضئيل للغاية. ومع ذلك، أتريدني أن أموت لأنني آكل البشر؟»
إنه مجرد تحرش لفظي.
«كونهم محكومًا عليهم بالإعدام لا يعني أنه يجوز أكلهم…… ولا سيما إن كانت الكنيسة التابعة لغيوتين كاتر هي التي قررت أنهم مجرمون».
«على أي حال، كلامك مثالي من ناحية التفوق الأخلاقي، لكن أخبريني يا رئيسة اللجنة، ماذا تنوين أن تفعلي في هذا الوضع؟»
حين سمعت سؤالي.
«……هذا أمر يقرره أراراغي-كن».
ما الذي أغفلناه──بالضبط؟
أجابت هانيكاوا عن اعتراض أوشينو.
فلا بد أن أنتظر تلك اللحظة، وأواصل تبادل الضربات معها من دون أن أتحرك من مكاني.
«لكن إنهاء الأمر من دون أن يعرف الحقيقة سيكون قاسيًا للغاية، على أقل تقدير».
لم تكن الأجنحة الشبيهة بأجنحة الخفافيش تنبت من ظهر كيس-شوت──وبحكم أنني تابعها، أدرك ذلك حدسيًا. لا بد أنها انطلقت من فوق سطح مبنى المدرسة التحضيرية القديم، وقفزت قفزة واحدة بالوثب الطويل، من دون أي ركضة تمهيدية، قاطعةً المسافة حتى وصلت إلى هنا──دفعة واحدة.
«كما سمعت يا أراراغي-كن. لقد وضعتك الرئيسة في موقف صعب──إنها لطيفة أكثر من اللازم، إلى درجة تجعلها قاسية. إنها تتجاوز حدود المعقول فعلًا. أتساءل ما الذي يجعلها تثق بك إلى هذا الحد؟»
فهمت ذلك بغريزتي.
«…………»
«لذا، يمكن القول إن الأمور سارت كما توقعت إلى حد كبير…… لكن أيتها الرئيسة، لقد تدخلتِ فيما لا يعنيك حقًا».
«إذن، ماذا ستفعل؟»
ضحك أوشينو ضحكة مكتومة.
التفت أوشينو نحوي──
كنت أظن ذلك طوال الوقت.
ثم وضع السيجارة غير المشتعلة بين شفتيه، كما يفعل دائمًا.
──فإذا امتص مصاص دماء دم مصاص دماء آخر، فإنه يستنزف وجوده ذاته حتى آخر قطرة──
«كنت أنوي فقط أن أشهد ما يحدث بعد انتهاء هذه المهزلة، لكن بما أنني وجدت نفسي متورطًا في الأمر، فسأستمع إلى طلبك على الأقل. إنه طلب عمل موجَّه إلى متخصص مثلي، أليس كذلك؟ أما الأجر، فلنقل إننا سنحسب المبلغ الذي أعفيتك من دفعه، خمسة ملايين ين، ضمن الحساب».
017
قال أوشينو بوجه تعلوه ابتسامة ماكرة.
مهما كانت كميته، شعرت بأنني أستطيع الاستمرار في شربه إلى الأبد──
«إذن، ما الذي تريده؟»
أنقذوني! أنقذوني! أنقذوني!
«……أريدك أن تخبرني بطريقة تجعل الجميع سعداء».
لكن كيس-شوت قالت:
قلت ذلك.
قالت كيس-شوت بابتسامة تعلو وجهها.
قلت ما أريده من أعماق قلبي.
ولم يكن أحد سعيدًا.
«طريقة لا ينتهي بها الأمر إلى تعاسة أي شخص».
حتى بعد أن أصبح المرء مصاص دماء──
«لا توجد طريقة كهذه، بالطبع».
تمتمت بذلك.
هز أوشينو كتفيه، وكأنه يقول إنني أحمق.
«تشرفت بلقائك. أنا هانيكاوا».
«هذا طلب مثالي إلى حد مبالغ فيه. إنه موضوع تعبير يكتبه تلاميذ المرحلة الابتدائية في حصة الأخلاق. إنه غير واقعي».
حين سمعت كلمات هانيكاوا من خلفي، فكرت أن الغريب هو أنتِ.
«أوشينو──أنا……»
«…………»
«لكن».
فحين تبلغ القوة الجسدية مستوى قوة مصاص الدماء، يصبح الفرق بين قوة القبضة وقوة ضربة حافة اليد ضئيلًا إلى حد لا يُذكر. لذا، فإن ضربة حافة اليد، التي تتيح نطاقًا أوسع من الحركات، أسهل في الاستخدام──
أخرج السيجارة من فمه وأعادها إلى جيبه.
في ذلك الوقت.
ثم نظر إلى هانيكاوا، فكيس-شوت، ثم إليّ، وقال أوشينو ميمي:
بعدما انتُزع قلبك وقُطعت أطرافك──
«هناك طريقة تجعل الجميع تعساء».
كيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد.
ظللت أنا والاثنتان مذهولين من كلماته──
لقد اتخذت قراري، وتحملت مسؤوليته بوضوح.
وبدأ يشرح بالتفصيل.
وكان من المفترض أن يحافظ ذلك على مكانته بوصفه كبير الأساقفة.
«الفكرة هي أن نتقاسم جميعًا التعاسة التي ستنجم عن هذه الحادثة، وأن يتحمل كل منا نصيبه منها. لن تتحقق أمنية أي شخص، لكن إن كنت مستعدًا لقبول ذلك، فهذه طريقة ممكنة».
──لكن لا تتفوه بما لا يعنيك──
«…………»
«لا تتصرفي وكأنكِ تملكين كل الوقت في العالم، كيس-شوت!»
الجميع سيصبح تعيسًا──وسيتحمل الجميع نصيبهم من التعاسة.
لو لم يحدث ما حدث──لو لم أشهد، مثلًا، مشهد أكل كيس-شوت لغيوتين كاتر.
نتقاسمها.
بالطبع، لم يكن إحساسي بالألم قد خَدِر.
نوزعها إلى أجزاء صغيرة──ونحملها معًا.
لم تستطع حتى المقاومة.
من دون أن نلقيها على عاتق شخص واحد فحسب.
«…………»
«أما التفاصيل…… حسنًا. أراراغي-كن، ستقضي على هارت-أندر-بليد إلى أقصى حد ممكن، لكن من دون أن تقتلها. ستنتزع منها معظم خصائص مصاصي الدماء ومهاراتهم──مع إبقائها على قيد الحياة. أما هارت-أندر-بليد، فستعود إلى حالة احتضار أشد مما كانت عليه سابقًا. ستصبح كائنًا لا يبقى منه شيء، لا جسد ولا ظل ولا أثر، حتى إن اسمها نفسه لن يبقى──كائنًا وضيعًا يشبه الإنسان الذي يتظاهر بأنه مصاص دماء. كائنًا لا يستطيع أكل البشر مهما اشتد به الجوع».
لا بد أن غيوتين كاتر كان يفكر بالطريقة نفسها.
ثم تابع أوشينو:
«أنا أريدك أن تعيشي».
«وفي المقابل، لن يعود أراراغي-كن إنسانًا أيضًا──لكنه سيقترب من ذلك إلى أقصى حد. سيصبح كائنًا يشبه مصاص دماء يتظاهر بأنه إنسان. ستبقى لديه بعض خصائص مصاصي الدماء ومهاراتهم──ولن يمكن اعتباره إنسانًا بالمعنى الدقيق، لكنه سيكون بعيدًا جدًا عن مصاص الدماء، وقريبًا جدًا من الإنسان. وبالطبع، لن يكون شبيهًا بنصف مصاص الدماء أيضًا، بل كائنًا ناقصًا في منتصف الطريق. إنه يناسبك تمامًا».
لم أستطع تحمّل رؤيته.
«يـ… يناسبني؟»
هكذا كانت المواجهة──لا.
«بالطبع، لن يستطيع أي منكما أكل البشر مهما اشتد به الجوع. لكن…… في هذه الحالة، لن تحصل هارت-أندر-بليد على التغذية الكافية، وستموت جوعًا في نهاية المطاف، وإن كان أراراغي-كن سيتمكن من الاستمرار في الحياة. لذلك، سيتعين على أراراغي-كن أن يمد هارت-أندر-بليد بدمه باستمرار. فالمادة الغذائية الوحيدة القادرة على إبقائها على قيد الحياة هي دمك ولحمك، أنت الذي جعلتها كائنًا وضيعًا كهذا. سيتعين عليك أن تكرس بقية حياتك لها، وسيتعين على هارت-أندر-بليد أن تظل إلى جانبك طوال بقية حياتها».
وكأنني سأصدق ذلك.
«إذن──»
«انتظر لحظة!»
قاطعت هانيكاوا الحديث.
ولا ينطبق على البشر وحدهم، بل على الحيوانات كذلك.
«يعني ذلك أن البشر……»
«ها! هاها! آهاها! هاهاها! آهاهاهاها!»
«صحيح. سنتخلى عن القضاء على مصاص الدماء، ذلك الكائن الخطير. سنتخلى عن الإزالة التامة لقاتلة الكايغي، مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي، والحار، والبارد، وتابعها. فبعد أن تفقد هذا القدر من قوتها، لن يتمكن أمثال دراماتورغي وإبيسود من العثور على هارت-أندر-بليد أصلًا. أي إننا سنترك هذا الخطر قائمًا. سنترك احتمال عودة هارت-أندر-بليد وأراراغي-كن إلى مصاصي دماء، وربما أكلهما البشر، بدرجة لا يمكن تجاهلها».
كانت كلمات كيس-شوت قاسية، بل تكاد تكون جارحة.
وبذلك──
«إن لم تقتلني، فسأبدأ من الغد بأكل ألف إنسان كل يوم. إذا قلت لك هذا، فلن يبقى أمامك سوى قتلي، أليس كذلك؟ وإن أردت دليلًا على أنني لا أهددك فحسب، فربما سيكون من الأسهل عليك اتخاذ القرار إذا بدأت باختطاف تلك الوجبة المحمولة وأكلها».
سيصبح الجميع تعساء.
ومن ذلك الارتفاع، نظرت إليّ من علٍ.
لن تتحقق أمنية أي شخص.
في هذا الموقف، تكون ضربة حافة اليد أفضل من القبضة.
لن تموت كيس-شوت.
«هذا طلب مثالي إلى حد مبالغ فيه. إنه موضوع تعبير يكتبه تلاميذ المرحلة الابتدائية في حصة الأخلاق. إنه غير واقعي».
ولن أعود أنا إلى إنسان.
«لا تخيب أملي كثيرًا، أيها التابع».
وسيظل مصاصا الدماء على قيد الحياة.
«يعني ذلك أن البشر……»
«……أيها الفتى، لا تتفوه بمثل هذا الهراء!»
جمعت شجاعتي، وبدأت أقترب منها خطوةً بعد خطوة.
صرخت كيس-شوت من تحتي.
ولهذا أعاد ذراعيها.
رفعت صوتها.
لقد كنت أظن أنك لن تعود تهتم بي بعدما أستعيد كامل قوتي وأصبح كائنًا كاملًا.
لم يكن بإمكانها، بعدما امتصصت نصف دمها بالفعل، أن تفعل شيئًا سوى الصراخ، لأنها لم تكن قادرة على الحركة.
فلماذا──تظهرين نفسك أمامها؟
«ما الذي يمكن لفتى لم يعش حتى عُشر عمري أن يفهمه؟! لا تتفوه بكلام مريح كهذا──فأنا لا أرغب في مواصلة الحياة في حالة كهذه! لا يمكن أن يكون هناك شيء أكثر إثارة للشفقة! لن أعيش حياة أكون فيها موضع عار! مكان موتي هو هنا! لقد وجدته أخيرًا──سأتمكن أخيرًا من الموت! أنا──سأموت من أجل تابعي! دعني أموت من أجله! اقتلني، اقتلني──أسرع واقتلني! أنا لا أريد أن أعيش!»
لكن حين فكرت في ذلك، قالت كيس-شوت:
«ولهذا السبب تحديدًا سأجعلكِ تعيسة. لن تتحقق أمنيتك. لكن القرار يعود إلى أراراغي-كن. أجل، أظن أن الرئيسة محقة».
أما عطلة الربيع الأخيرة في حياتي الثانوية──فقد انتهت بنهاية مأساوية، بلا سعادة لأي شخص، وبلا أي خلاص على الإطلاق.
«أيها التابع!»
لم أستطع تحمّل رؤيته.
ربما أدركت كيس-شوت أن الحديث مع أوشينو لن يجدي نفعًا، فوجهت نظرها إليّ.
حتى لو كان الأمر كذلك──فإن ما يجب عليّ فعله لم يتغير، أليس كذلك؟
«كما قلت لك──لا تنخدع بكلام ذلك الفتى. أنا لا أريد أن أعيش».
ومع ذلك، اقتربت هانيكاوا حتى صارت بجوارنا.
«……ومع ذلك، أنا……»
لكنني لم ألتفت إلى أيٍّ من النظرتين──بل واصلت الصراخ.
لم أحتج إلى التردد.
«لا تتدخلي فيما لا يعنيك».
لقد اتخذت قراري، وتحملت مسؤوليته بوضوح.
«……أيها الفتى، لا تتفوه بمثل هذا الهراء!»
فكرت في العواقب جيدًا──ثم قلت:
حتى فستان كيس-شوت كان يُعاد ترميمه──لأنها تصنعه بإرادتها. أما أنا، فالأمر مختلف──ملابسي مجرد ملابس عادية.
«أنا أريدك أن تعيشي».
ومع ذلك، كانتا تتحدثان بشكل طبيعي تمامًا.
«…………!»
«لم ينقذني إنسان ولا مصاص دماء من قبل. وبينما كنت أمتص دمك──بدأت أتساءل عما أفعله. لذلك، حين انتهيت من امتصاص دمك، توقفت عن التهامك، وقررت أن أجعلك تابعي──التابع الثاني في حياتي كلها».
ثم──
لحظة……انتظري قليلًا.
ربتُّ برفق على شعرها.
صحيح أن الشمس قد غربت، لكن الوقت لم يتأخر كثيرًا──ورغم أن المدرسة يُستبعد أن يكون فيها أحد، فإن احتمال ظهور شاهد ليس معدومًا، حتى لو كانت المدرسة بعيدة عن المنازل.
شعرها الذهبي.
«لن أنكر ذلك!»
شعرها الناعم الأملس.
هل ما زال هناك شيء آخر نغفل عنه؟
كان ذلك──نعم.
لا غرابة في ذلك.
دليلًا مؤكدًا على خضوعي لها.
«هانيكاوا! لا يهم، اختبئي فحسب!»
«لن أكتفي بالانحناء أمامك مرة واحدة──سأفعل ذلك مرارًا، كما يليق بالتابع. لذا، لا تحاولي أن تموتي بطريقة تبدو رائعة──بل عيشي حياة بائسة لا تليق بك. ابحثي عن مكان تعيشين فيه، لا عن مكان تموتين فيه».
مهما حاولتِ التظاهر بالنبل، فإن ما تشعرين به حقًا──هو ما سمعته منك في ذلك اليوم، تحت ضوء مصباح الشارع!
بدت كيس-شوت يائسة.
«حسنًا».
لكنها لم تكن قادرة على الحركة.
«موتي، يا سيدتي!»
لم تستطع حتى المقاومة.
──ثغرة!
لم يكن بوسعها سوى التوسل، والدموع تملأ عينيها──
ضحكت بمرح.
دموع تشبه الدم.
لم تعد الضربات تستهدف الرأس وحده، بل امتدت إلى الجسد والأطراف أيضًا.
«أ… أرجوك…… أرجوك، أيها التابع. أرجوك…… أرجوك اقتلني. اقتلني وأعد نفسك إلى إنسان. أرجوك، أنقذني──»
لكنني كنت أعرف.
«آسف يا كيس-شوت».
أيُعقل أن تنتهي الأمور هكذا؟
ناديتها باسمها الحقيقي.
ثم خطوت خطوة إلى الأمام.
ذلك الاسم الذي ربما لن أنطقه مرة أخرى أبدًا.
كانت معركة ستستمر حتى تنفد قوة الخلود لدى أحدنا.
لن أنقذك.
الأمر الذي أغفلناه؟
وهكذا──انتهت عطلة الربيع.
لا غرابة في ذلك.
عطلة ربيع كانت أشبه بالجحيم.
ولن أعود أنا إلى إنسان.
أما عطلة الربيع الأخيرة في حياتي الثانوية──فقد انتهت بنهاية مأساوية، بلا سعادة لأي شخص، وبلا أي خلاص على الإطلاق.
حتى لو لم تكن كيس-شوت، ففي ذلك الوقت……
لقد فقدت هدوءها──وكانت تنظر إلى هانيكاوا.
