نحلة كارين — الفصل الثاني
002
002
نظرًا إلى أن الأحداث انتقلت إلى هذا الوضع من دون أي ترابط يُذكر، فأنا أعتذر عن ذلك، لكن يبدو أنني تعرضت للاختطاف والاحتجاز.
حدث ذلك في التاسع والعشرين من يوليو، بعد نحو عشرة أيام من بدء العطلة الصيفية. لا، أشعر أيضًا بأنني فقدت الوعي مدة طويلة، لذا ربما أصبح اليوم الثلاثين بالفعل. وربما انقضى حتى الحادي والثلاثون، وبدأ أغسطس بالفعل. كان بإمكاني معرفة التاريخ والوقت لو استطعت النظر إلى ساعة اليد الملفوفة حول معصمي الأيمن، لكنني مقيّد اليدين خلف ظهري إلى عمود حديدي، ولذلك لا أستطيع فعل ذلك. ولا يمكنني كذلك إخراج هاتفي المحمول من جيبي. ومع ذلك، يمكنني تخمين الوقت إلى حد ما؛ فالنافذة في الخارج مظلمة تمامًا، لذا أستطيع استنتاج أن الوقت ليل على الأرجح. مع أن كلمة «نافذة» لا تعني هنا سوى فتحة بلا زجاج، مكشوفة للهواء من الخارج. حتى في ذروة الصيف، كان المكان مفتوحًا أكثر مما ينبغي. ساقاي غير مقيّدتين، لذا يبدو أنني أستطيع الوقوف إن بذلت جهدًا، لكنني لم أجد فائدة من ذلك، فظللت جالسًا على الأرض، بل مددت ساقيّ بدلًا من النهوض.
في مكان كهذا… عاش أوشينو وشينوبو.
خطر لي ذلك بكل هدوء، حتى في هذا الوضع.
نعم، المكان الذي أُحتجز فيه هو أطلال معهد الدروس الخصوصية الذي أعرفه جيدًا. ذلك المبنى المكوّن من أربعة طوابق، والذي تتناثر فيه القمامة والأنقاض بصورة تضفي عليه طابعًا مناسبًا، وهو على وشك الانهيار. لو رآه شخص لا يعرفه، لبدت له جميع الغرف في جميع الطوابق متشابهة، لكن خبيرًا مثلي يستطيع تمييز الفروق الدقيقة. أعرف أن الغرفة التي أُحتجز فيها هي الغرفة الواقعة في أقصى اليسار، من بين الغرف الثلاث الموجودة في الطابق الرابع، إذا نظرت إليها من جهة الدرج.
لكن معرفتي بذلك لا تفيدني بشيء.
بالطبع، لم يعد أوشينو موجودًا في هذه الأطلال، بل لم يعد في هذه البلدة أصلًا. أما شينوبو، فقد نقلت مسكنها من هذه الأطلال إلى داخل ظلي. ربما تشعر الآن بشيء من الحنين إلى هذا المكان، وربما لا تشعر بأي شيء على الإطلاق. لا سبيل لي إلى فهم ما يدور في ذهن مصاصة دماء عاشت خمسمئة عام.
حسنًا، ماذا عساي أن أفعل؟
كنت أشعر بألم نابض في مؤخرة رأسي — يبدو أنهم ضربوني في ذلك الموضع عندما اختطفوني — بينما أفكر في الأمر بهدوء لا يناسب الموقف. من الغريب أن الإنسان لا يفزع بالضرورة في مثل هذه الظروف. ففي نهاية المطاف، لن يفيدني الذعر في شيء. الأجدر بي أن أحاول فهم وضعي الحالي.
كنت أظن أنهم قيّدوني بحبل أو ما شابه، لكن يبدو أن ما يثبت ذراعيّ هو أصفاد معدنية. لو كانت شيئًا أشبه بلعبة، لربما استطعت تمزيقها بالقوة… لكنني حاولت، ولم تتحرك قيد أنملة. بل بدا أن معصميّ سينقطعان قبل أن تنقطع الأصفاد. لا أظن أن هناك شيئًا اسمه أصفاد حقيقية وأخرى مزيفة، لكن إن كان لا بد لي من قول ذلك، فهذه الأصفاد حقيقية بلا أدنى شك.
«ومع ذلك… لو كانت لديّ قوة مصاص الدماء، لاستطعت الخروج من هذا المأزق بسهولة.»
بل لتمكنت من تحطيم العمود الحديدي نفسه، لا الأصفاد فحسب.
لا، حتى لو قطعت معصميّ، فإن مهارة التعافي التي أمتلكها بطبيعتي كانت ستعيد ترميمهما في لمح البصر، وبالتالي لن تتغير النتيجة.
«مصاص دماء…»
أعدت النظر في غرفة هذا الصف داخل الأطلال، وتأكدت من عدم وجود أي شيء في متناول يديّ، أو حتى قدميّ، ثم تمتمت بذلك.
كنت أراقب ظلي، الذي يتشكل على نحو يطابق هيئتي مهما بلغت العتمة.
«…»
كان ذلك في عطلة الربيع.
لقد هاجمتني مصاصة دماء.
مصاصة دماء جميلة ذات شعر ذهبي… وامتصت دمي حتى آخره.
بكل ما أوتيت من قوة.
وبكل ما يمكن تخيله.
حتى آخر قطرة، من دون أن تترك شيئًا.
ثم أصبحت أنا أيضًا مصاص دماء.
وكانت أطلال معهد الدروس الخصوصية هذا هي المكان الذي اتخذته مخبأً، بعيدًا عن أعين الناس، طوال عطلة الربيع التي قضيتها مصاص دماء لا إنسانًا.
حسنًا، من المفترض أن من يتحول إلى مصاص دماء ينتهي به الأمر إلى تلقي المساعدة من صيادي مصاصي الدماء، أو من وحدات العمليات الخاصة التابعة للكنيسة، أو من مصاص دماء يقتل أبناء جنسه، أي مصاص دماء يصطاد مصاصي الدماء. لكنني أنا، تلقيت المساعدة من رجل عابر للطريق… أوشينو ميمي.
مع أن أوشينو ظل يكره حتى النهاية أن أصف ما فعله بأنه «مساعدة»، وكأنني أفرض عليه فضلًا لم يطلبه.
وهكذا، عدت إنسانًا، أما مصاصة الدماء الجميلة ذات الشعر الذهبي، فقد سُلبت قوتها حتى لم يبقَ منها شيء يُذكر، بل سُلب اسمها أيضًا. والاسم الذي مُنح لها بدلًا من اسمها المسلوب كان «أوشينو شينوبو». وفي نهاية المطاف، حُبست داخل ظلي.
يمكنك أن تقول إن ذلك كان نتيجة أفعالها، وإنها جنت على نفسها، وينتهي الأمر عند هذا الحد.
شينوبو، وأنا أيضًا.
يمكنك أن تعتبر الأمر منتهيًا عند هذا الحد.
لكنني لم أرد أن ينتهي الأمر عند هذا الحد. ولهذا تحديدًا أصبحت أنا على ما أنا عليه الآن، وأصبحت شينوبو على ما هي عليه الآن. لا أعرف كيف تنظر شينوبو إلى الأمر، لكنني أعتقد أنني لم أكن أملك خيارًا آخر، حتى لو كان ما فعلته خطأً.
حسنًا، لهذا السبب…
كانت لديّ أنا أيضًا ذكريات كثيرة في أطلال معهد الدروس الخصوصية هذه. أو بالأحرى، ليست ذكريات كثيرة فحسب، بل ذكريات من الإخفاقات أيضًا. لكن دعونا نترك ذلك جانبًا.
المشكلة أن امتلاكي قوة مصاص الدماء في الماضي لم يعد سوى حكاية قديمة الآن، ولم يبقَ من تلك الصفة إلا آثار ضئيلة. لذا فإن تمزيق أصفاد معدنية حلم بعيد المنال. لو كنت لوبين الثالث، لاستطعت خلع عظام معصميّ والتخلص من الأصفاد كما لو كنت أخلع قفازين، لكنني بالطبع لست لوبين الثالث، بل مجرد طالب في السنة الثالثة من الثانوية، ولا أستطيع القيام بحيلة بارعة كهذه.
بالمناسبة…
بالمناسبة، حدث قبل وقت ليس ببعيد أن اختُطفت تسوكيهي. حسنًا، وصف ما حدث بالاختطاف قد يكون مبالغة، لكنه لم يكن أمرًا مضحكًا على أي حال. فقد رأت منظمة معادية — إن صح تسميتها منظمة — أنها لا تستطيع مجاراة كارين من حيث القدرة القتالية، فوضعت خطة بديلة، واختطفت تسوكيهي واتخذتها رهينة. قلت في نفسي قبل أن أقلق عليها: «ألا تستطيعون الامتناع عن فعل أشياء تشبه ما يحدث في مانغا شونين جمب الأسبوعية، ثم تنفيذها في الواقع؟!» لكن تسوكيهي لم تكن أقل دهاءً منهم؛ فقد تظاهرت بأنها اختُطفت عمدًا، ثم عملت على استمالة تلك المنظمة المعادية، ههه، من الداخل، إلى أن تسببت في انهيارها.
يا لهما من أختَين مرعبتين.
وبالمناسبة، فقد توسلت إليّ الأختان معًا، وهما تنحنيان حتى تلامس جبهتاهما الأرض:
«أرجوك، لا تخبر أبي وأمي!»
لم أكن أنوي إخبار والدينا بقصة سخيفة كهذه حتى لو لم تطلبا مني ذلك، لكنني أعتقد أن انضمام كارين إليها وانحنائها معها بهذه الطريقة هو أحد جوانبها الجيدة والسيئة في الوقت نفسه.
ثم إنكما فتاتان في عمر المراهقة، فلا تنحنيا على الأرض بهذه السهولة!
هذا بالضبط ما يجعلكما طفلتين.
«لكنني أشك في أن الأمر سينتهي بانحنائي على الأرض وحده في حالتي… هاتان الاثنتان تبكيان، ثم تتصرفان وكأنهما لم تفعلا شيئًا. حسنًا، ماذا سأفعل؟»
بل في الحقيقة…
لديّ تصور لا بأس به عما يجري. أو بالأحرى، أستطيع تخمين معظم ما حدث حتى انتهى بي المطاف في هذا الوضع.
أو يمكن القول إنني أفهم الأمر رغمًا عني.
أو إنه لا مفر من أن أفهمه.
أو بالأحرى، يا لها من ورطة.
«…همم.»
حدث ذلك في تلك اللحظة.
وكأن الأمر جرى بالتزامن مع لحظة استيقاظي، سمعت وقع أقدام تصعد الدرج داخل الأطلال. تسرب الضوء من جهة باب الصف. وبما أن جميع أنظمة الكهرباء في هذا المبنى معطلة، فلا بد أنه ضوء مصباح يدوي. وقد أخذ الضوء يتجه مباشرة نحو الصف الذي أُحتجز فيه.
انفتح الباب.
كان الضوء ساطعًا لدرجة أنه أعمى عيني للحظة، لكنني اعتدت عليه سريعًا.
وهناك، أمامي…
كانت امرأة أعرفها جيدًا.
«أوه؟ هل استيقظت يا أراراغي؟»
كانت سينجوغاهارا هيتاغي.
قالت ذلك بنبرتها الباردة المعتادة، من دون أن تبتسم أو تغيّر تعبير وجهها، بينما وجّهت ضوء المصباح اليدوي نحوي.
«هذا جيد. لقد خشيت أن تموت وأنت على هذه الحال.»
«…»
لم أجد ما أقوله.
كان لديّ ما لا يُحصى من الأشياء التي أريد قولها، لكن لم يستطع أيٌّ منها أن يتخذ شكل الكلمات. لم تُبدِ سينجوغاهارا أي اهتمام بتعبير وجهي الذي يشبه ابتسامة ساخرة، بل أغلقت الباب وسارت نحوي بخطوات ثابتة.
لم يكن في مشيتها أي تردد.
كانت تلك هيئة شخص لا يساوره أدنى شك في أفعاله.
«هل أنت بخير؟ ألا يؤلمك مؤخر رأسك؟»
وضعت المصباح اليدوي جانبًا وسألتني ذلك. حسنًا، كان هذا الاهتمام في حد ذاته أمرًا يسعدني كثيرًا.
لكن مع ذلك…
«سينجوغاهارا.»
قلت:
«أزيلي الأصفاد.»
«لا.»
أجابت فورًا.
من دون أن تحتاج إلى أي وقت للتفكير، ولو لجزء من الثانية.
أعني…
قبل أن أصرخ في وجهها، أخذت نفسًا متعمدًا لأملأ رئتيّ بالأكسجين.
ثم صرخت:
«إذًا أنتِ الجانية فعلًا؟!»
«همم، يا لها من ملاحظة حادة. لكن ذلك يتوقف على وجود دليل، أليس كذلك؟»
قالت سينجوغاهارا جملة من النوع الذي يُقال عادةً في فصل حل لغز رواية بوليسية.
لكن بمجرد أن نطقت بها، تأكدت أنها الجانية.
«لقد شعرت بذلك منذ أن اخترتِ أطلال معهد الدروس الخصوصية مكانًا لاحتجازي! وأنتِ الوحيدة من بين معارفي التي يُحتمل أن تمتلك أصفادًا بهذه المتانة!»
«يا لك من شخص مسلٍّ يا أراراغي. دعني أدوّن كلامك قليلًا، من فضلك. سأستفيد منه عندما أكتب روايتي القادمة.»
«لا يهمني تنويع الحبكات عندما يكون المجرم كاتب روايات بوليسية! أزيلي هذه الأصفاد اللعينة فورًا!»
«لا.»
كررت سينجوغاهارا الجواب نفسه.
وزاد ضوء المصباح اليدوي من هيبة تعبيرها الخالي من المشاعر، الذي كان مخيفًا بما يكفي حتى في الأحوال العادية.
مخيف، مخيف فعلًا.
ثم كررت، بالتعبير نفسه:
«لا.»
«كما أن الأمر مستحيل. لقد تخلصت من المفتاح.»
«حقًا؟!»
«ولكي لا تتمكن من فتح القفل باستخدام أدوات فتح الأقفال، فقد ملأت ثقب المفتاح بالمعجون أيضًا.»
«لماذا تفعلين شيئًا كهذا؟!»
«وتخلصت كذلك من الترياق.»
«هل دسستِ السم في جسدي أيضًا؟!»
كانت حكاية مرعبة بحق.
وأخيرًا، ابتسمت سينجوغاهارا ابتسامة خفيفة وقالت:
«أما الترياق، فهذه كذبة.»
شعرت بالارتياح عند سماع ذلك، لكنني في الوقت نفسه أدركت أن مسألة التخلص من المفتاح وملء ثقب القفل بالمعجون تبدو حقيقية، فأسقطت كتفيّ بخيبة أمل. إذًا كيف سأخلع هذه الأصفاد؟
«حسنًا، لا بأس… سأعتبر أن كون الترياق كذبة أمر كافٍ في الوقت الحالي.»
«نعم. لا تقلق، لم أتخلص منه.»
«إذًا هل دسستِ السم أم لا؟!»
اندفعت بجسدي إلى الأمام لأعترض، لكن الأصفاد كانت عالقة بالعمود الحديدي، فلم أستطع التحرك كما ينبغي. قد يبدو الأمر صغيرًا، لكنه مصدر توتر هائل لشخص مثلي.
«التسميم كذبة أيضًا.»
قالت سينجوغاهارا:
«لكن إن لم تُحسن التصرف يا أراراغي، فقد يصبح الأمر حقيقة.»
«…»
يا للرعب.
يا له من رعب حقيقي.
«سأحوم كالفراشة، وألسع كالفراشة.»
«الفراشات لا تلسع!»
«أخطأت. أليس من حسن حظك أنك تمكنت من تصحيح خطئي؟ لا بد أن ذلك سيكون مصدر فخر لك طوال حياتك، أليس كذلك؟»
«ما هذه الطريقة المبتكرة للاعتراف بالخطأ؟!»
«الصحيح هو النحلة.»
«سم النحل… قوي، أليس كذلك؟»
ابتلعت ريقي بصعوبة، ثم أعدت النظر في المرأة التي تقف أمامي: سينجوغاهارا هيتاغي.
سينجوغاهارا هيتاغي.
إنها زميلتي في الصف.
ملامحها متناسقة، وتبدو ذكية من النظرة الأولى، وهي ذكية فعلًا. درجاتها دائمًا ضمن أعلى الدرجات على مستوى السنة الدراسية، وقد ذاع صيتها بوصفها الجميلة الباردة، التي يصعب الاقتراب منها. وهناك معلومة داخلية لا يعرفها سوى عدد محدود من الناس: كل من اقترب منها فعلًا انتهى به الأمر إلى معاناة شديدة، من دون أي استثناء.
ليس الأمر مجرد تعبير مجازي من قبيل أن الوردة الجميلة لها أشواك؛ فسينجوغاهارا نفسها شوكة جميلة.
إذا أردنا مقارنة التناقض بين المظهر والجوهر، فإن أختي تسوكيهي أراراغي منافسة قوية لها، لكن سينجوغاهارا ليست هستيرية على الإطلاق؛ إنها تمتلك نزعة عدوانية وهي في كامل برودها. تسوكيهي متقلبة وحادة الطباع، أما سينجوغاهارا فتظل في حالة تأهب قتالي دائم، وبدرجة حرارة منخفضة لا تتغير. بعبارة أخرى، إنها أشبه بجهاز أمني بُرمج لمهاجمة كل إنسان يقترب منه إلى مسافة معينة.
على سبيل المثال، أنا شخصيًا خُيط داخل فمي باستخدام دباسة. لقد كانت حادثة كان من الممكن أن تتحول إلى قضية خطيرة بسبب خطأ بسيط، بل إن مجرد مرور الأمر من دون عواقب كان أمرًا يدعو إلى الاستغراب.
حسنًا، هناك أسباب حقيقية وراء طبيعة شخصيتها، وقد توصلنا في مايو، على ما أظن، إلى حل ينطوي على قدر من التسوية بشأن تلك الأسباب. لكن للأسف، كان من الصعب تعطيل ذلك البرنامج الذي ترسخ في طبيعتها، ولا يزال الأمر على حاله حتى الآن.
«ومع ذلك، كنتِ هادئة في الآونة الأخيرة. لماذا تحتجزين حبيبك فجأة؟ لم أسمع قط عن عنف منزلي من هذا النوع.»
وبالمناسبة، أنا وسينجوغاهارا نتواعد.
نحن حبيبان.
نحن عاشقان.
ربما يكون من المناسب القول إن الدباسة هي التي ربطت مصيرينا. لا، ليست عبارة موفقة إلى هذا الحد. ففي النهاية، الدباسة لا تربط الأشياء، بل تدبسها.
«اطمئن.»
قالت سينجوغاهارا.
كان ردها مثالًا مثاليًا على شخص لا يستمع إطلاقًا إلى ما أقوله.
«اطمئن. أنا سأحميك يا أراراغي.»
«…»
يا للرعب!
هذا مخيف فعلًا!
«لن تموت. فأنا سأحميك.»
«لا، لا تخلطي مرجع إيفانجيليون في الحديث وكأنك فكرتِ فيه للتو… اسمعي يا غاهارا-سان.»
غاهارا-سان.
هذا لقب مستحدث فكرت فيه مؤخرًا لسينجوغاهارا.
لكنه لم ينتشر كثيرًا.
أشعر بأنني الوحيد الذي يبذل جهدًا لنشره.
«أنا جائع… وأظن أنني عطشان أيضًا. ما رأيك أن نذهب لتناول شيء ما في مكان قريب؟»
لم يكن أمامي خيار سوى التحدث بنبرة تحاول استرضاءها؛ ففي وضعي الحالي، أصبحت سينجوغاهارا تمسك بزمام حياتي وموتي إحكامًا. وإذا استفززتها بلا داعٍ، فقد تطعنني بعنف، من دون أن يكون الأمر مزحة. قد لا يكون الأمر كذلك في الظروف العادية، لكن يستحيل أن تكون سينجوغاهارا غير مسلحة في وضع كهذا. لا أعرف حتى نوع الأدوات المكتبية التي تحملها معها…
«هه.»
ضحكت سينجوغاهارا ضحكة مزعجة.
كان ذلك هو التعبير المثالي عن السخرية والاستهزاء.
«جائع وعطشان… يا لك من حيوان. كل ما تفعله طوال الوقت هو الأكل والنوم… حقًا، إن الأمر يثير الاشمئزاز. ألا يمكنك أن تعيش حياة منتجة ولو قليلًا؟ آه، عذرًا. لقد طلبت منك أن تعيش، لكن يبدو أن كلمة العيش نفسها مطلب يفوق قدراتك يا أراراغي.»
«…»
هل قلت شيئًا يستحق كل هذا؟
لم أقل شيئًا من هذا القبيل، أليس كذلك؟
«ومع ذلك، لا أحد يضاهيك في الموت بطريقة منتجة. هناك مثل يقول إن النمر يترك جلده بعد موته. ومن هذه الناحية، أنت تشبه النمر يا أراراغي.»
«هذا ليس مديحًا، أليس كذلك؟»
في النهاية، تقصد أنني مجرد حيوان، أليس كذلك؟
أتظنين أنني لن أفهم؟
ومع ذلك…
بالنظر إلى مدى لذع لسانها، يبدو أن سينجوغاهارا ليست غاضبة، ولا سيئة المزاج على وجه الخصوص. …لكن في هذا العالم الواسع، لا أظن أن هناك من يستطيع فهم ما يدور في قلب سينجوغاهارا، التي تنثر السم باستمرار، سوى أنا، وربما كانبارو، ووالد سينجوغاهارا على أقصى تقدير. فمن ينظر إليها بصورة عادية سيظن أنها شخص سيئ المزاج طوال الوقت.
«لكن لا بأس. سأمنحك عطفًا استثنائيًا وأسـامحك. توقعت أن يقول أراراغي الغبي، الذي يشبه الحشرات، شيئًا كهذا، ولذلك اشتريت لك مسبقًا أشياء مختلفة.»
قالت ذلك عني، أنا الغبي الذي يشبه الحشرات، ثم رفعت بكبرياء كيس متجر صغير كانت تحمله على ما يبدو في اليد الأخرى، غير تلك التي تمسك بالمصباح اليدوي.
كان الكيس شبه شفاف، لذا أمكنني رؤية محتوياته جزئيًا.
زجاجات بلاستيكية، وكرات أرز، وأشياء من هذا القبيل.
آه، إذًا هذه مؤونة الاحتجاز.
إنها تهتم بالتفاصيل على نحو غير متوقع… لا، إذا فكرت في الأمر، فهذا اهتمام بالتفاصيل من النوع المزعج.
«حسنًا، لا بأس… أعطيني شيئًا أشربه أولًا. شيئًا فيه سوائل.»
كنت أطلب الطعام والشراب لأنني أريد أن أتحرر، لكنني كنت جائعًا وعطشانًا فعلًا. صحيح أنني أستطيع التحمل إلى حد ما فيما يتعلق بالطعام، بفضل الآثار الجانبية لظاهرة مصاص الدماء، لكن حتى لذلك حدودًا. لا أعرف كم من الوقت قضيت فاقدًا للوعي، لكن الماء مهم خصوصًا للإنسان.
أخرجت سينجوغاهارا زجاجة من الكيس البلاستيكي. كانت مياهًا معدنية، ثم نزعت غطاءها. وبما أنني مقيّد، افترضت بطبيعة الحال أنها ستساعدني على الشرب، لكنها قرّبت حافة الزجاجة من شفتيّ إلى أقصى حد، ثم سحبتها فجأة إلى الخلف.
ها هي تبدأ من جديد…
كم نوعًا من الأذى تستطيع اختراعه؟
«هل تريد أن تشرب؟»
«حسنًا… بالطبع.»
«حقًا؟ لكنني سأشربها أنا.»
ثم بدأت تشربها بجرعات كبيرة.
لا أدري إن كان هناك سر في طريقة تصرفها، لكن حتى وهي تشرب مباشرة من الزجاجة، لم تبدُ سينجوغاهارا مبتذلة على الإطلاق. بل بدت أنيقة وهي تفعل ذلك.
«آه… لذيذة.»
«…»
«ما هذه النظرة المتلهفة؟ لم أقل إنني سأعطيك شيئًا، أليس كذلك؟»
بحسب هذا السياق، يبدو أنك اشتريتِ المياه المعدنية تحديدًا لتري شخصًا عطشانًا مثلي وأنتِ تشربينها أمامه. هل هذا ما تقصدينه؟
حسنًا، ربما تفعلين شيئًا كهذا فعلًا.
«ههه. أم أنك توقعت أن أسقيك من فمي إلى فمك؟ يا لك من شخص بذيء يا آراراغي.»
«الشخص الوحيد الذي قد تخطر له فكرة كهذه في هذا الوضع هو كانبارو.»
«حقًا؟ لكن، أتذكر حين تبادلتَ معي قبلة باللسان في المرة السابقة…»
«لا تتحدثي عن قبلتنا باللسان في هذا الوضع!»
صرخت.
ليس أن هناك أحدًا يسمعنا، لكنني لا أريد أن يُكشف مثل هذا الأمر بهذه الصراحة.
الأولاد حساسون.
«حسنًا، لا بأس. إن كنت تريد الشرب إلى هذا الحد، فسأسقيك.»
«…أريد أن أشرب إلى هذا الحد.»
«هاه! ألا يملك هذا الرجل أي كبرياء؟ أن ينطق بكلمات مخزية كهذه لمجرد رغبته في شرب الماء… أليس من الأفضل لك أن تموت؟ لو كنت مكانك، لعضضت لساني حتى الموت بدلًا من قول شيء كهذا.»
إنها مستمتعة حقًا…
منذ مدة طويلة لم أرَ سينجوغاهارا بهذا القدر من الحيوية… لا بد أنها كانت تجبر نفسها على الهدوء في الآونة الأخيرة…
«حسنًا. ما دمت قد قلت ذلك، فأنت مثير للشفقة إلى درجة لا أستطيع معها مشاهدة معاناتك، لذا سأمنحك الماء شفقةً عليك. اشكرني، أيها الطائر الذي يشرب الماء.»
«ليس وصف الطائر الذي يشرب الماء إهانةً بحد ذاته، أليس كذلك؟»
«أوهـوهـو.»
ضحكت ضحكة أشد خبثًا، ثم مالت بزجاجة المياه المعدنية وبدأت تبلل أصابع يدها الأخرى، التي لا تمسك بالزجاجة. ماذا تفعلين… لا، في الواقع، أستطيع أن أتوقع تمامًا ما الذي ستفعله كتلة الشر هذه بعد ذلك.
مدت سينجوغاهارا أصابعها المبللة بالمياه المعدنية نحو فمي، وقالت:
«الْعَقْها.»
«ما الأمر؟ ألست عطشانًا؟ إذًا أخرج لسانك والْعَقْها بوقاحة، مثل الزرافة.»
«…»
الزرافة ليست إهانة أيضًا… لكن من الغريب أن كل ما تقوله هذه المرأة يبدو إهانة.
«اسمعي يا سينجوغاهارا…»
«ما الأمر؟ من المفترض أنك عطشان يا آراراغي. أم أنك كنت تكذب؟ لا بد من معاقبة الكاذبين…»
«سألعقها، سألعقها، دعيني ألعقها!»
أن تتحدث عن العقاب في هذا الوضع أمر مرعب حقًا.
نفذت ما طلبته، ومددت عنقي ولساني نحو أصابع سينجوغاهارا، مثل الزرافة — لا أعرف كيف يفترض أن تفعل الزرافة ذلك، على أي حال.
«آه، يا له من مشهد مثير للشفقة. لقد بلغتَ أقصى درجات البؤس. لا يفعل الناس عادةً شيئًا كهذا لمجرد رغبتهم في شرب الماء. لا بد أنك منحرف يحب لعق أصابع الفتيات منذ البداية يا أراراغي.»
واستمر تعذيبها بالكلمات.
لقد عادت سينجوغاهارا إلى كامل نشاطها.
لكن، على أي حال، تمكنت من تخفيف عطشي قليلًا عن طريق لعق أصابعها.
حسنًا إذًا.
«كان مشهدًا رائعًا لدرجة أنني أريد وضعه خلفيةً لهاتفي يا أراراغي.»
«حقًا؟ يا له من شرف عظيم… حسنًا، أريد الآن أن آكل كرة أرز.»
«لا بأس. أنا في مزاج كريم على نحو غير معتاد.»
بالطبع، بعد كل ما فعلته بي، فلا عجب أن تكون كريمة.
«ما الحشوة التي تريدها في كرة الأرز؟»
«أي شيء.»
«يا له من جواب لا مبالاة فيه. هل أنت من محبي الخبز، بالمناسبة؟»
«ليس الأمر كذلك… ثم إنك، بحسب ما أرى، لم تشتري أي خبز.»
«صحيح. ليس لدينا سوى كرات الأرز.»
«لن أطلب شيئًا غير موجود.»
«إذا لم يكن هناك خبز، فكان عليك أن تقدمي الحلوى.»
«يا له من استبداد!»
ستندلع ثورة في الحال.
وفي اليابان، ستحدث انتفاضة فلاحين.
«لقد نشأت في بيئة مترفة، لذا فأنا جاهلة بأمور العالم.»
«أظن أن المشكلة أعمق من مجرد الجهل بأمور العالم.»
«كما تعلم، لقد ربوني كما تُربّى الفراشات والنحل.»
«المقصود الزهور، أليس كذلك؟!»
وبينما كانت تتحدث بهذه التفاهات، راحت سينجوغاهارا تنزع الغلاف البلاستيكي عن كرة الأرز بعناية، ثم دفعتها فجأة، من دون أي إنذار، إلى داخل فمي.
«مممغ! غغغ!»
اختنقت.
لم أعد قادرًا حتى على التنفس كما ينبغي.
ولم أعد أحتمل، فصرخت:
«ماذا تفعلين؟!»
واعترضت على سينجوغاهارا.
«لا، كما ترى، أشعر بالخجل من قول: هيا، افتح فمك.»
«لا يعني ذلك أن تدفعيها إلى فمي فجأة! كح! لقد علقت في حلقي… ماء! ماء! أعطيني الزجاجة كلها!»
«ماذا؟ لا، لا يمكن. ستصبح قبلة غير مباشرة.»
«أنتِ التي جعلتني ألعق أصابعك مرارًا، وفي أي لحظة قررتِ أن تخجلي؟!»
وفي النهاية، أعطتني سينجوغاهارا الماء.
لكنها دفعته إلى فمي بعنف أيضًا، فتمكنت من دفع حبات الأرز العالقة في حلقي إلى الأسفل، لكنني كدت أغرق بدلًا من ذلك. من غير المعقول أن يموت المرء غرقًا على اليابسة.
«يا إلهي، انظر كم بعثرت الطعام. أنت حقًا طفل فاشل يا أراراغي.»
قالت سينجوغاهارا ذلك بنبرتها الباردة المسطحة.
لقد أوشكتِ على تجاوز حدود اللسان السليط.
لو اختفت حرية التعبير من اليابان، فستكون هذه المرأة أول من يُعتقل بلا شك.
«حسنًا، سأسمح لنفسي بتناول الطعام أيضًا… لم يكن لديّ وقت اليوم، لذا أحضرت طعامًا من المتجر، لكن لا تقلق يا أراراغي. ابتداءً من الغد، سأعد لك وجبات منزلية كما ينبغي.»
«…»
«ما الأمر؟ هل لديك اعتراض على طبخي؟ أنا أعتقد أن مهاراتي في الطهي تتحسن يومًا بعد يوم.»
لم يكن اعتراضي على الطعام، بل على أن حياة الاحتجاز هذه تبدو وكأنها خطة طويلة الأمد. كنت أسايرها حتى الآن لأنني ظننت أن الأمر ربما يكون نوعًا من اللعب، لكنني لم أستطع فهم هدف سينجوغاهارا.
همم؟
آه، صحيح.
هدفها… واضح تمامًا، أليس كذلك؟
«اطمئن.»
«سأحميك يا آراراغي.»
تحميني… ها؟
لا بد أنها تعني ذلك بجدية، على الأرجح.
وحين أفكر في الأمر بهذه الطريقة، لا أستطيع رفضه بقسوة.
قد يكون هذا أقرب إلى التساهل منه إلى اللطف.
ربما لأنني تلقيت ضربة على مؤخرة رأسي، كانت ذاكرتي مشوشة، لكنني بدأت أتذكر شيئًا فشيئًا.
الحماية.
المعنى الذي تقصده سينجوغاهارا بكلمتها.
والأحداث التي قادت إلى ذلك.
«لكن يا سينجوغاهارا، إن ضرب شخص على مؤخرة رأسه حتى يفقد الوعي بضربة واحدة أمر يتطلب مهارة كبيرة. أختي أخبرتني أن جعل شخص يفقد وعيه أصعب مما يبدو.»
«لم أقل إنها كانت ضربة واحدة.»
«أوه، حقًا؟»
«لم يكن يفقد وعيه بسهولة، لذا ضربته عشرين مرة.»
«كان من الممكن أن أموت!»
يا لها من قصة لا تُصدّق.
لا…
وبما أننا نتحدث عن الأمور التي لا تُصدّق، هناك شيء آخر أريد التأكد منه.
في الحقيقة، لا أريد التأكد منه.
لكن لا بد لي من ذلك.
«…وبالمناسبة يا سينجوغاهارا، لا بأس بأنك ستعدين لي الطعام، وأنا ممتن لذلك حقًا، لكن… كيف سأقضي حاجتي؟»
طرحت السؤال.
كان سؤالًا بالغ الحرج.
لكن سينجوغاهارا، ببرودها المعتاد ومن دون أن تحرك حاجبًا واحدًا، أخرجت من كيس المتجر مجموعة حفاضات، وكأنها تريد أن تقول إن كل شيء قد أُعدّ بعناية.
«…غـ، غاهارا-سان؟ لا تقصدين ذلك حقًا، أليس كذلك؟ إنها مزحة، أو أداة دعابة من هذا النوع، صحيح؟ لطالما كان ذوقك غريبًا.»
«لا تقلق. أستطيع تغيير حفاضاتك يا أراراغي.»
قالت سينجوغاهارا ذلك.
بسهولة تامة، ومن دون أن يتغير تعبير وجهها.
«ألم تكن تعرف؟ أنا أحبك يا أراراغي. أحبك إلى درجة أنني أستطيع احتضانك من دون تردد حتى لو غطت القذارة جسدك كله. سأدير جسدك بالكامل إدارة دقيقة، من التنفس إلى الإخراج، بما في ذلك دماغك.»
…
يا له من حب ثقيل!
