نحلة كارين — الفصل السابع
007
وبعد عشرين دقيقة. وصلتُ إلى منزل كانبارو ذي الطراز الياباني التقليدي، الذي يستغرق الوصول إليه عادةً ثلاثين دقيقة كاملة. ولولا الوقت الذي أضعته في لقاء كارين، لربما وصلتُ قبل ذلك بثلاث دقائق أخرى. ضغطتُ جرس الباب المثبّت بجوار لوحة الأسماء، ذلك الجرس الذي بدا نشازًا في منزل ياباني تقليدي كهذا، فاستقبلتني جدة كانبارو؛ السيدة التي شهدت لتوّها حماقة حفيدتها، أو بالأحرى، جنونها الجنسي. حسنًا، بما أنني اعتدتُ زيارة منزلهم لتنظيف غرفة حفيدتها، فقد أصبحت أعرف جدتها جيدًا. لكن لو علمت هي وزوجها أن الشخص الذي كانت حفيدتهما تتحدث إليه عبر الهاتف وهي عارية تمامًا هو أنا، فربما لم يكونا ليسمحا لي بوطء عتبة منزلهما مجددًا. — اممم… — أستودعك سورغا يا كويومي-كن. نظرت إليّ الجدة وهي تنحني اعتذارًا، وقد بدا عليها الأسف الشديد. حسنًا، سواء أكانت حفيدتها نجمة في المدرسة أم لا، فإنها تظل بالنسبة إليها حفيدتها العزيزة اللطيفة. وبغض النظر عن مسألة التعري، فإنها تعرف جيدًا مدى الفوضى العارمة التي تعيش فيها حفيدتها. لا بد أنها قلقة عليها حقًا. حتى لو كانت تثق بها، فلا بد أنها قلقة. …… ومع ذلك، حين تكون في السنة الثالثة من المرحلة الثانوية، وتناديك جدة صديقتك بـ«كويومي-كن»، فلا بد أن تشعر بشيء من الخجل والحرج. ودّعتُ الجدة، ثم توجهت نحو غرفة كانبارو. كان الباب المنزلق، المعروف بالفوسوما، مغلقًا. تخيلتُ أنها لا بد أن تكون جالسة في زاوية الغرفة، تضم ركبتيها إلى صدرها، فغمرني الشوق إلى رؤية ذلك المشهد. ولأفاجئها وأخيفها قليلًا، فتحت الباب من دون أن أطرق حتى. كانت ممددة على بطنها فوق الفراش، عارية تمامًا، لا يستر جسدها خيط رفيع. «تبًّا!» كانبارو سورغا. فتاة تعترف بنفسها بأنها منحرفة. لعل رغباتها الجامحة لم تجد متنفسًا لها في الرياضة، فتحولت إلى سلسلة من الأرقام القياسية التي تحققها يومًا بعد يوم، فيما بلغت تصريحاتها المتحرشة بالآخرين حدًا يكفي لأن أُشكّل أنا وشينوبو وسينغوكو اتحادًا لرفع الدعاوي القضائية ضدها. لكن! يا للعجب! هذه أول مرة أرى فيها جسدها عاريًا بالكامل! أعني… كيف أقولها؟ ربما يعود الأمر جزئيًا إلى اعتزالها نادي كرة السلة، لكن كانبارو بدأت تطيل شعرها منذ يونيو الماضي، وأصبح مظهرها أكثر أنوثة بوضوح. ولهذا، حين يفاجئك أحدهم بمظهر كهذا وهو عارٍ… أعني، إنها مستلقية على بطنها، في نهاية المطاف! ومع ذلك، فإن خطوط ظهرها فاتنة ومثيرة إلى حد لا يُصدَّق! وعظمتا كتفيها رائعتان على نحو مبالغ فيه! وكما هو متوقع من رياضية، فإنها لم تتوقف عن ممارسة التمارين بمفردها حتى بعد اعتزالها، ولذلك أصبح جسدها المشدود بعضلاته فاتنًا إلى حد لا يُصدَّق! يقولون عن بعض النساء أن لهن ساقين كساقي الظبي، لكن هذه الفتاة بأكملها أشبه بظبي! بل أشبه بتمثال يوناني قديم! أهذا… أهذا هو الجمال الجسدي في أبهى صوره؟! كنت قد لاحظت منذ زمن مدى روعة عضلات ساقيها وتناسقها، لكن الأمر لا يقتصر على ساقيها فحسب. أليست هذه الفتاة سلاحًا حربيًا متنقلًا بكل ما للكلمة من معنى؟! لا عجب إذن أنها تفضّل خلع ملابسها والتعري باستمرار! إنه لظلم كبير ألّا يُتاح للناس الاستمتاع برؤية جسد كهذا! «……» كلا. فحتى وإن كانت عارية تمامًا، من دون أي شيء يسترها، فإن ضمادة ذراعها اليسرى على الأقل… لا تزال في مكانها. «كـ… كانبارو…» على ما يبدو، كانت جدتها قد رأت عريها، وعندما أغلقت الباب مستنفدةً آخر ما بقي لديها من قوة، انهارت تمامًا. لم أكن أعرف ماذا أقول لها، فخاطبتها بتردد: «مـ… هل أنت أراراغي-سينباي؟» رفعت كانبارو وجهها عن الوسادة التي كانت تدفنه فيها. ثم— «ا… انتظري يا كانبارو! لا تستديري الآن! إن استدرتِ، فستحدث أمور لا تُحمد عقباها!» أنا من سيتورط في المتاعب غالبًا! أنا من سيقع في مآزق شتى! «…أمم.» أومأت كانبارو برأسها. «آه… أعتذر عن هذا المنظر القبيح. حتى أمام أراراغي-سينباي، أشعر بالخجل حقًا.» «…واو.» إنها تشعر بالخجل كما يشعر أي إنسان طبيعي… ومع ذلك، لم تحاول ستر جسدها، بل ظلت ممددة باسترخاء تام، مادّةً ذراعيها وساقيها باستسلام. كل ما فعلته أنها رفعت وجهها. «ومع ذلك، فإن فتح الباب المنزلق من دون طرق لا يشبه تصرفات أراراغي-سينباي الذي أعرفه، أنت أكثر الناس استقامةً على وجه الأرض… أجل.» «لا، في الواقع… أردت أن أرى حالتك وأنتِ محبطة ويائسة.» «آه… إن كنت تستطيع تقبّل هذا المنظر المثير للشفقة، فلا مانع لديّ من أن تتأمله كما تشاء.» «……» «هيا، انظر كما تشاء. هذه هي حقيقة كانبارو سورغا… كانبارو سورغا على حقيقتها تمامًا.» «لا…» حسنًا، هذا صحيح تمامًا. إنها على حقيقتها، أو لنقل إنها على الهيئة التي خُلقت بها. «كيف أقولها… أمم، آسف.» لم أكن أتصور أن حالتها النفسية قد بلغت هذا القدر من الانهيار. كان ذلك أشبه بعقاب إلهي فوري، من دون أي مبالغة. لم أتخيل أن دعائي البائس سيؤدي إلى نتيجة كهذه. «أنا آسف يا كانبارو… دعيني أتحمل المسؤولية.» «المسؤولية؟» نظرت إليّ كانبارو بعينين شاحبتين زائغتين، فارغتين كعيني سمكة ميتة؛ عينين لم أتخيل قط أن هذه الفتاة قادرة على إظهارهما. ثم أخذت تكرر كلماتي آليًا، وكأنها آلة: «ما المسؤولية التي تقصدها يا أراراغي-سينباي؟» «تعلمين… بما أنني أنا من كان يتحدث إليك عبر الهاتف، فأعتقد أنني أتحمل نصف المسؤولية عن وصولك إلى هذه الحالة.» بالطبع، لم أستطع الاعتراف بأنني تمنيت لها أن تنال عقابًا إلهيًا. لم تُبدِ كانبارو أي رد فعل يُذكر تجاه كلامي، واكتفت بالقول: «لا أظن أن الأمر كذلك.» يبدو أن قدرتها الفائقة على تحميل نفسها المسؤولية لم تفارقها حتى في هذه الظروف. يا لها من فتاة! أكثر الشخصيات استقامةً ممن عرفتهم هي بلا شك هانيكاوا تسوباسا، لكن كانبارو ربما تكون الأوفر حظًا في نيل المركز الثاني. «حسنًا، ومع ذلك، إن كنت مصرًّا على تحمّل المسؤولية يا أراراغي-سينباي، فافعل ما تشاء. وبما أن الأمر هكذا، فكيف تنوي تحمّل المسؤولية تحديدًا؟» «لنتزوج.» «تبًّا!» جاء الدور على كانبارو هذه المرة لتشرق بما في فمها. ثم دفنت وجهها مجددًا في الوسادة. «لـ… لماذا تتحدث عن الزواج فجأة؟» «أعني، حتى لو كان ما رأيته هو النصف الخلفي من جسدك فحسب، فقد رأيتك عارية.» «لقد قفزتَ فوق مراحل عدة دفعة واحدة… وفقًا لمنطقك هذا، فكم امرأة ينبغي لأراراغي-سينباي أن يتزوج، يا ترى؟» «لا تقولي كلامًا يسيء إلى سمعتي ويشوّه صورتي!» كلام مسيء بالفعل. لكنه، على أي حال، كان حقيقة واقعة. «…أهريي.» آه، لقد ضحكت. كانت ضحكة واهنة، خالية من القوة، لكنها تظل ضحكة. «أراراغي-سينباي.» ثم أردفت كانبارو: «على الرغم من أن عرضك مغرٍ للغاية، فلا داعي لأن تتحمل المسؤولية. لو فعلت ذلك، فستغضب مني سينجوغاهارا-سينباي غضبًا شديدًا. لكن لديّ طلب أود أن أطلبه منك بدلًا من ذلك، يا أراراغي-سينباي.» «أجل، سأفعل أي شيء تطلبينه. أنا عبدك المطيع لهذا اليوم فحسب.» «أرغب في ارتداء ملابسي. فهل تسمح لي بأن أطلب منك الانتظار قليلًا في الرواق؟» «…هاها.» وجدت نفسي أضحك رغمًا عني. من كان يظن أن عبارة «أرغب في ارتداء ملابسي» ستخرج يومًا من فم كانبارو؟ كان الأمر أشبه بلحظة تاريخية تضاهي اللحظة التي بدأ فيها البشر المشي على قدمين؛ لحظة مؤثرة بعض الشيء. خرجت إلى الرواق كما طلبت، وانتظرت حتى ترتدي ملابسها. وكما هو متوقع من رياضية، كانت كانبارو سريعة للغاية في ارتداء ملابسها؛ لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة. وبالطبع، كانت سرعة خلعها للملابس تضاهي سرعة ارتدائها. وهكذا، حان أخيرًا وقت بدء مهمة التنظيف الكبرى. المهمة. كانت الخطوة الأولى فرز القمامة فرزًا مبدئيًا، ثم حشوها في أكياس قمامة سعة خمسة وأربعين لترًا، وإخراجها إلى الحديقة. المقصود هنا هو النفايات الواضحة التي لا جدوى من الاحتفاظ بها. أما الأشياء المجهولة التي لا نستطيع الجزم إن كانت قمامة أم لا، فسنتركها جانبًا في الوقت الحالي. وبما أن الغرفة ليست غرفتي، فلا بد أن يكون القرار النهائي بشأن ضرورة الاحتفاظ بتلك الأشياء من عدمها لكانبارو نفسها. —أجل، على الرغم من قولي هذا، فإن معظمها سينتهي به المطاف في سلة المهملات على أي حال. لكن الأمر لا يتجاوز التأجيل المؤقت، لا الاحتفاظ الدائم. وإذا أردت وصفه بدقة، فهو أشبه بإجراء قانوني في المحكمة. كانبارو سورغا. هذه الفتاة ثرية ومبذّرة على نحو غريب، لسبب لا أفهمه. تشتري أشياء لا معنى لها على الإطلاق، ثم تحوّلها، بمهارة كيميائية مذهلة، إلى نفايات وقمامة. ولذلك، ينتهي المطاف بمعظم مقتنياتها في سلة المهملات عاجلًا أم آجلًا. حسنًا، لم تكن هذه إلا مرحلة تمهيدية لتهيئة المكان. أما الترتيب والتنظيم الفعليان، فيأتيان بعد ذلك. حتى بعد أن ارتدت ملابسها، ظلت ترتدي سروالًا قصيرًا جدًا، من نوع الهوت بانتس، وقطعة علوية بلا حمالات. لم يكن مظهرها مختلفًا كثيرًا عن عريها السابق، وإن كانت سرعة ارتدائها للملابس مذهلة، كما هو متوقع من رياضية. لكنها، على الأقل، أصبحت ترتدي ما يسمح لها بالظهور أمام الناس. وبالنظر إلى مستوى الفوضى والخراب في غرفتها، لكان من الأفضل أن ترتدي ملابس أكثر سترًا، كبدلة رياضية مثل تلك التي ترتديها كارين عادةً… لكن الغريب أن الملابس الرياضية لا تليق بكانبارو على الإطلاق. أترى السبب هو قصر قامتها؟ مع أنها تبدو في غاية الروعة والحيوية حين تتحرك بزيها المدرسي. وبينما كانت أفكار الملابس تدور في ذهني وأنا أعمل، لفت انتباهي شيء ما. أخرجتُ من بين أكوام القمامة ما بدا أنه زيّ رياضي لكرة السلة. كان الرقم المطبوع عليه هو «4». أهو رقم قائد الفريق؟ أجل، معلوماتي عن كرة السلة لا تتجاوز ما تعلمته من مانغا «سلام دانك»، لذا لم أكن متأكدًا تمامًا. «كانبارو، ما هذا؟» «مم؟ آه.» بالمناسبة، كانت كانبارو تقف في الرواق. فعلى الرغم من لياقتها البدنية العالية، كانت خرقاء على نحو غريب. أما في الأعمال المنزلية فهي سيئة للغاية؛ وحالة هذه الغرفة المزرية خير دليل، ولا حاجة إلى مزيد من الشرح. لذلك، كان وجودها عائقًا في هذه المرحلة من العمل. شعرت بشيء من الإثارة لأنني أستطيع التعامل مع شخصية نجمة مثل كانبارو باعتبارها مصدر إزعاج وعقبة في طريقي، لكنني رأيت أن هذا الشعور لا يليق بإنسان، فكتمته وابتلعته من دون أن أنطق به. «إنه زيّ نادي كرة السلة. كنت أتساءل أين اختفى، فإذا به هنا.» «آه… أهو زيّ التدريب؟» «كلا، إنه تذكار من السنة الأولى، حين تأهلنا إلى البطولة الوطنية. اقلبه وانظر إلى داخله. ألا ترى رسائل أعضاء الفريق وتوقيعاتهم من ذلك الوقت؟» «…أليس لديك أي تقدير للذكريات أو رغبة في الاحتفاظ بها؟» «الذكريات محفورة في هذا القلب، وستظل راسخة فيه إلى الأبد.» «يا لها من عبارة جميلة! لكن…!» فالأصل المادي للذكريات موجود هنا أيضًا! هذا يذكرني بهاتشيكوجي وفقدانها للذاكرة، رغم أنها كانت كذبة اختلقتها. يا لها من قصة محزنة. «لكنكِ لم تكوني قائدة الفريق آنذاك، أليس كذلك؟ كنتِ في السنة الأولى، ومع ذلك ارتديتِ الرقم «4»؟» «لا يوجد قانون ينص على أن قائد الفريق وحده يحق له ارتداء الرقم «4». صحيح أن العرف جرى على ذلك، لكنني كنت اللاعبة الأساسية في الفريق، أو ما يُعرف بالـAce، ولذلك تنازل لي قائد الفريق آنذاك عن الرقم.» «آه، هذه قصة رائعة حقًا. لا بد أن قائد فريقك كان شخصًا عظيمًا. لكنني حين جئت لتنظيف غرفتك في المرة السابقة، لا أذكر أنني رأيت هذا الزي.» «كنت أعلّقه في غرفة النادي، ليكون مصدر إلهام وتشجيع للأعضاء الأصغر سنًا. وقبيل بدء العطلة الصيفية بقليل، أخذته وجئت به معي إلى المنزل.» «آه.» «لقد حان الوقت المناسب لتوديع أمجاد نادي كرة السلة والانتقال إلى المرحلة التالية من حياتي. فأنا الآن لاعبة معتزلة ومتقاعدة، ولو ظل أمثالي يفرضون هيمنتهم بلا داعٍ، فلن يكون لنادي كرة السلة أي مستقبل.» «أفهم الآن…» يبدو أن كانبارو، حتى بعد اعتزالها، ظلت تهتم كثيرًا بأمور نادي كرة السلة. لكن هل كان هذا هو السبب الحقيقي وراء فعلتها؟ ربما كانت تحاول التكفير عن ذنبها وطلب الصفح. فهي، في نهاية المطاف، كانت تهتم حقًا بنادي كرة السلة. «على كل حال، جئت به إلى المنزل وهو معلّق، ثم سرقته وأخذته معي، حتى كاد الأمر يتحول إلى قضية جنائية.» «أهذا ما تسبب في مجيء سيارة الشرطة إلى المدرسة يوم حفل الختام؟!» «بما أنني ارتكبت جريمة كاملة، فلم يكتشف أحد حتى الآن أنني الفاعلة…» «ولماذا تحتفظين بالأدلة الجنائية إذن؟!» ومع ذلك… فهي لم تفعل في نهاية المطاف سوى إحضار زيّها الخاص إلى المنزل، لذا لا أظن أن في الأمر مشكلة كبيرة. لكن بالنظر إلى الظروف، فلا يمكن التخلص من هذا الزي، بالطبع. لا، ليس خوفًا من أن تكتشف الشرطة أمرها، بل لأنه ذكرى عزيزة عليها. «بالمناسبة، لم أشاهدك تلعبين كرة السلة فعلًا إلا في مباراة واحدة. ما رأيك يا كانبارو؟ هل يمكنكِ ارتداء هذا الزي الآن؟» «لا مانع لديّ.» كنت أظن أن طلبي قد يكون جريئًا بعض الشيء، أو ربما يثقل عليها وهي التي اعتزلت اللعب بالفعل، لكنها وافقت بكل سرور. إنها فتاة شجاعة وحاسمة في مثل هذه الأمور. «بما أن شعري طال، فلا بد أن مظهري سيكون مختلفًا تمامًا عما كان عليه آنذاك.» «…شعرك ينمو بسرعة جنونية حقًا.» كان شعرها قصيرًا للغاية حين التقينا للمرة الأولى، بل أقصر من شعري. لكنه الآن أطول بكثير من شعري. توجد خلف رقبتي ندبة عميقة خلّفتها عضة شينوبو، ولإخفائها أترك شعري أطول قليلًا. أما شعر كانبارو، فقد أصبح طويلًا بما يكفي لربطه. «همم. أترى ذلك؟» «أجل. يُقال إن شعر الإنسان ينمو بمعدل سنتيمتر واحد في الشهر، لكن شعرك نما خمسة سنتيمترات كاملة.» «حسنًا، هذا لأنني فتاة منحرفة للغاية.» «لقد قلتِها بكل بساطة!» كنت أعرف ذلك في قرارة نفسي! لكنني كنت أحاول ألّا أقولها بصوت مرتفع! «نعم، وتحديدًا، ظللت لسنوات طويلة أظن أن كلمة بيبيرونتشينو، وهي اسم طبق إيطالي، كلمة بذيئة ومنحرفة، وذلك من فرط انحرافي.» «كان عليكِ أن تكتبيها وتتحققي منها في المرة التي أكلتِ فيها الطبق!» «وكنت أظن أيضًا أن عبارة «المكالمات بين أفراد العائلة» تعني زنا المحارم.» «…!» تجمدت في مكاني، عاجزًا عن الكلام من شدة الصدمة. «آه، لا… أقصد أنني كنت أظن أن عبارة «المكالمات العائلية المجانية» تعني أن المشاعر العائلية لا تُقدَّر بثمن.» «حتى لو صغتِ الأمر بعبارات دافئة وعائلية، فلن يغتفر لكِ ما تفوهتِ به!» «وأيضًا، كنت أظن أن الينابيع الساخنة المكشوفة في الهواء الطلق تعني حمامات التعري.» «هذا ليس مجرد سوء فهم، بل رغبة دفينة لديكِ! إن طريقة تفكيرك لا تنتمي إلى عصر البشر العقلاء!» «مم. في الواقع، جئت من عالم يبعد خمس ثوانٍ في المستقبل، مستخدمةً آلة زمن.» «حتى تقنيات الأحلام هذه تستعملينها في أمور عديمة الجدوى تمامًا!» «وبالمناسبة، من أحدث ذكرياتي أيضًا أنني كنت أظن أن كلمة «بريسليت» تعني: «لنأخذ نفسًا عميقًا!»» «هذا ليس انحرافًا، بل مجرد خطأ ساذج!» «في إحدى المباريات، صرختُ بكلمة «بريسليت!» ظنًا مني أنها تعني «لا بأس!»، فتعرضت لخزي شديد. لن أنسى أبدًا نظرات الدهشة والذهول على وجوه زميلاتي في الفريق آنذاك.» «توقفي! هذه القصة مؤلمة ومحرجة على نحو واقعي للغاية!» «أهي مؤلمة بقدر ألم أن تظني أنك تزورين أهلك في مسقط رأسك، ثم تكتشفي أنك في الحقيقة تقيمين عندهم كطفيليّة متطفلة؟» «مؤلمة حقًا!» تبًّا لكِ! أكاد أجزم بأننا سنتوافق وننسجم حتى في الحياة الآخرة، يا فتاة! «…لقد أقلعتِ عن تقليد سينجوغاهارا أيضًا، أليس كذلك؟» «هم؟ آه، أتقصد الغرّة؟» أجابت كانبارو بلا مبالاة تُذكر، وهي تُدخل ذراعيها في الزي الرياضي الذي ناولتها إياه. «لم أكن أنوي تقليد سينجوغاهارا-سينباي من الأساس… أو ربما لا أدري. بما أنني فتاة منحرفة، فلا يمكنني الوثوق حتى بنفسي.» «لم أقصد ذلك المعنى.» «هههه. حسنًا، تلك كلها قصص من الماضي على أي حال. لا داعي لكل هذا التكلف والقلق يا أراراغي-سينباي. انظر، ها أنا قد ارتديته. ما رأيك؟» «……» كان طلبها ارتداء الزي فكرة جيدة، لكن… بما أنها ارتدته فوق القطعة العلوية بلا حمالات والسروال القصير، فقد بدا الأمر كما لو أنها ترتدي الزي الرياضي فوق جسد عارٍ تمامًا. كان مظهرًا مثيرًا للغاية، على نحو مزعج. لم يكن فيه شيء من الحيوية والانتعاش اللذين يُفترض أن يوحي بهما الزي الرياضي. لم يكن هذا المنظر الذي أردت رؤيته إطلاقًا… مع أنه كان يليق بها حقًا، فما الفائدة من أن يليق بها بهذه الهيئة؟! «هههه.» لكن يبدو أن كانبارو لم تكن تدرك مدى الإثارة التي يوحي بها مظهرها، فابتسمت بلطف وقالت: «حين أفعل هذا، أشعر وكأننا عدنا إلى تلك الأيام الخوالي.» «تلك الأيام… أتقصدين أيام تألقك الرياضي؟» «كلا، معسكر التعري الجماعي.» «إذن فأنتِ واعية تمامًا بما تفعلينه، وتعيشين في الواقع!» ألم يكن ذلك مجرد مزاح عابر؟! إياكِ أن تنبشي الماضي من جديد! ومع ذلك، وبغض النظر عن الفترة التي كانت تستحضرها في ذاكرتها، فمن الواضح أن شعورها لم يكن سيئًا على الإطلاق. ولهذا لم تخلع كانبارو الزي الرياضي فورًا. حسنًا، لا بأس بذلك. فهو لا يعيق أعمال التنظيف. «لكن يا كانبارو، إذا كان لعب كرة السلة مستحيلًا بسبب ذراعك اليسرى، فلماذا لا تمارسين رياضة أخرى؟ كرة القدم مثلًا؟» «ألا توجد رياضة تخلو تمامًا من استخدام اليدين؟ حتى في كرة القدم، لا أقصد حارس المرمى فحسب، بل تُستخدم اليدان أيضًا في رميات التماس وما شابهها.» «آه.» «وفوق ذلك، لا أفهم حتى قوانين التسلل.» كانت تتحدث بهذه الطريقة بينما أواصل العمل. ومن تحت الطبقة التي عثرت فيها على الزي الرياضي مباشرة، وجدت شيئًا غير متوقع. حسنًا، قد لا يكون شيئًا نادرًا في هذا العصر، لكن وجوده في غرفة كانبارو كان مفاجئًا بالنسبة إليّ. «كانبارو، هل تملكين كاميرا رقمية؟» وفوق ذلك، بدت حديثة الإصدار. كانت نحيلة للغاية وخفيفة الوزن. «أجل، اشتريتها مؤخرًا.» أومأت كانبارو برأسها. إذن فهي ملكها فعلًا. وبالنظر إلى أنها أمية تقنيًا إلى حد أنها بالكاد تستطيع استخدام الهاتف المحمول، فقد اشترت جهازًا متقدمًا كهذا حقًا. «حسنًا، أعلم أنني لست بارعة في استخدام مثل هذه الأجهزة. لكن يا أراراغي-سينباي، هناك صور يصعب أخذها إلى محلات التحميض والطباعة.» «صور يصعب طباعتها؟» «مثل الصور الذاتية وأنا عارية.» سقطتُ بوجهي على كومة القمامة. كنت قد رتبت المكان للتو، فإذا بكل شيء يذهب سدى. «لا تشتري كاميرا رقمية لمجرد «مثل هذه الأسباب وحدها»! إنها تقنية متقدمة للغاية، وما زال الوقت مبكرًا عليكِ لاستخدامها!» «لا، ليس الأمر مقتصرًا على «تلك الأسباب وحدها». أنا أستفيد منها في أمور أخرى كثيرة.» «مثل ماذا؟» «تصوير طالبات السنة الأولى وهنّ عاريات.» «……» أعني بالطبع أنها تلتقط صورًا شخصية لقطط طالبات السنة الأولى، تلك القطط التي يربينها ويعتنين بها، أليس كذلك؟ ومن الطبيعي ألّا ترتدي الحيوانات ملابس، أليس كذلك؟ أليس كذلك؟! «طبعًا، بعد الحصول على إذن الطالبات أنفسهن، لذا لا يوجد في الأمر أي شيء غير قانوني.» «اسمعيني جيدًا يا كانبارو، استخدمي اللغة اليابانية استخدامًا صحيحًا! لا يمكن أخذ إذن من القطط، أليس كذلك؟ الطرف الذي أخذتِ منه الإذن هو صاحبة القطة، أليس كذلك؟» «همم؟ لا أحب هذا النوع من التفكير والتعابير التي تتجاهل حقوق الإنسان. لكن يا أراراغي-سينباي، إذا أردت التدقيق في مسألة الإذن، فأنا أعدّ نفسي صاحبة تلك القطط ومالكتها…» «يا إلهي، أنا أحب القطط حقًا!» قاطعتُها بعنف. مع أنني في الحقيقة أكره القطط لأنني أخاف منها. أرتعب منها! «همم، فهمت ذلك. إذن فأراراغي-سينباي يحب القطط. وبالنظر إلى مسائل الخصوصية، لا يصح عرض تلك الصور على الآخرين، لكن إن كنت ترغب في رؤيتها بشدة، فلا مانع لديّ من إعطائك بطاقة الذاكرة الموجودة داخل الكاميرا لتأخذها معك. وسأتحمل المسؤولية كاملة.» «لم أقل إنني أرغب في رؤيتها!» «ههههه. لا داعي للخجل هكذا.» استردّت كانبارو الكاميرا الرقمية مني، ثم تمتمت بأنها كانت تتساءل أين وضعتها. ومع ذلك، فإن الإنسان العادي لا يضيّع كاميراته الرقمية عادةً… قدرة هذه الفتاة على إضاعة الأشياء والتسبب في ضياعها تفوق قدرة البشرية جمعاء. إنها أرض الضائعات والمفقودات! «لقد أعددت مفاجأة بسيطة لشخص خجول لا يقل خجلًا عن سينغوكو-تشان، يا أراراغي-سينباي. أتمنى أن تنتظر الفصل الدراسي الجديد بشوق.» «هاه؟ مفاجأة؟» «المفتاح هو «السنة الأولى» و«الصدر».» «……» يبدو أن الفصل الدراسي الجديد يحمل في طياته نذير كارثة لا طائل منها. قلبي يخفق رعبًا منذ الآن. ثم عثرت هذه المرة على كتاب مدفون وسط أكوام القمامة. بدا أن مهمة التنظيف تحولت أخيرًا إلى رحلة للبحث عن الكنز. إذا كانت تملك المال لشراء كاميرا رقمية، فلماذا لا تحتفظ برف كتب حقيقي خاص بها؟ آه، لقد حكمت على الكتاب بأنه مانغا من غلافه، لكنه لم يكن مانغا، بل رواية. «سكرتيرة النظارات والأمير ذو النظارات.» كانت رواية من نوع «حب الفتيان»، أو ما يُعرف اختصارًا بـBL، وهو ما يتضح من عنوانها. «…سأرمي هذه. أظن أنها تنتمي إلى قمامة المواد القابلة للاحتراق.» «أراراغي-سينباي، هذه الأشياء تثير المشاعر المتقدة، وليست قمامة.» أمسكت كانبارو بذراعي التي كنت أمدها نحو كيس القمامة، وأوقفتني. متى اقتربتِ مني إلى هذا الحد، يا فتاة؟! هل كان الزي الرياضي الذي ترتدينه مزودًا بخاصية الانتقال الفوري؟! «حتى لو بدت بالية ومتهالكة، فهي أشياء لا غنى عنها.» «حقًا؟ إن كان الأمر كذلك، فعاملي كتبك المهمة باهتمام واحترام. أليس إهمالها وتركها في هذه الحالة إهانةً لمؤلفيها أيضًا؟» هذا الكلام يصدر عن الشاب نفسه الذي كان يحاول رمي الكتاب قبل ثانية واحدة. لكن، حسنًا، تراكم الكتب مشكلة عويصة بالفعل. «لكن كل هذه الكتب تبدو متشابهة تمامًا… هل تستطيع كانبارو قراءتها والتمييز بينها؟» «بالطبع. هذا يشبه أن يقول شخص ضيق الأفق إن أفلام الخيال العلمي كلها متشابهة. بالنسبة إلى الناس، يبدو كل ما يجهلونه متشابهًا. أما إصدار حكم سليم وتقييم الأمور بدقة، فيتطلب قدرًا كافيًا من المعرفة والثقافة.» «فهمت… ومع ذلك.» كانت هناك روايات أخرى من نوع BL مدفونة في طبقات القمامة القريبة، فقارنت أغلفتها وتصاميمها بالكتاب الذي أحمله. «في النهاية، يبدو جميع الفتيان فيها وسيمين ومثاليين.» «هاه؟» «لا شيء. خطر لي فقط أن كانبارو تحب الوسيمين أيضًا، في نهاية المطاف. ألا يعني هذا أنكِ لستِ منحرفة بالقدر الذي تتخيلينه؟» «غـ… آه…؟!» تعرضت كانبارو لصدمة حقيقية وعميقة. ولم يعد الأمر مقتصرًا على الخطوط السوداء العمودية التي تظهر عادةً على وجهها، بل امتد تأثيرها إلى الخلفية والجو المحيط بها، حتى بدا وكأن العالم كله قد غرق في تدرجات الأبيض والأسود. يبدو أن هذا كان أسوأ وصف يمكن أن تسمعه في حياتها. «حين تفكرين في الأمر، فإن قراءة فتاة لروايات BL في هذا العصر ليست أمرًا غريبًا. بل هي دليل على الصحة والعافية. شيء طبيعي تمامًا.» «طبيعي؟! أنا التي نصّبت نفسي خليفة لفرويد، تقول لي إنني طبيعية وعادية؟!» وهي التي نصّبت نفسها خليفة له، على أي حال… حسنًا، بما أنها تربط كل شيء بالانحراف، فربما كانت تملك بعض المؤهلات لتكون خليفته فعلًا. «لكن حب الوسيمين والشبان الجذابين أمر طبيعي لدى الفتيات، أليس كذلك؟ ومن الطبيعي أيضًا الاستمتاع برؤية مجموعة من الوسيمين مجتمعين معًا. ألا يشبه الأمر إذن فرق الآيدولز التي تضم فتيانًا وسيمين؟» «لا… لا تبسّط الأمر وتشرحه بهذه الطريقة البديهية!» «أعني، أنتِ لا تحبين مثلًا أن يزيد وزن الشخص على مئة وخمسين كيلوغرامًا، أو أن تثيرك رائحة الشيوخ المتقدمين في السن، وما شابه ذلك، أليس كذلك؟» «لـ… ليس الأمر كذلك! هذا…!» اضطربت كانبارو وارتبكت، وبدا أنها لا تعرف كيف ترد. «مـ… مهلاً، انتظر دقيقة! لا تقل أشياء كهذه! إذا قال لي أراراغي-سينباي كلامًا كهذا، فسأكون قد انتهيت تمامًا! سأتعرى! سأتعرى الآن، حالًا!» «لا، لا، لا، لا. حتى الجلوس في المنزل بملابس غير محتشمة، في وضعية كسولة، أمر طبيعي تمامًا إذا فكرتِ فيه. أما خارج المنزل، فلا تخلعين ملابسك إلا في الحمامات العامة، أليس كذلك؟ وبالنسبة إلى الصور الذاتية العارية، فليس في الأمر مشكلة أيضًا؛ إنما هو فحص لمستوى نمو العضلات، وهو أمر طبيعي جدًا بالنسبة إلى رياضية مثلك. أعتذر عن كل ما قلته سابقًا.» «أنا لا أطلب منك الاعتذار! أراراغي-سينباي، استمع إليّ أولًا!» «لكنني أدركت، بناءً على تجربة اليوم، أنك تحبين التعري، ثم تشعرين بالانهيار حين يراك أهلك عارية. لو اكتفيت بالاستماع إلى كلامك، لظننت أنك تقضين وقتك في المنزل عارية تمامًا. لكنني اكتشفت أن الأمر ليس سوى زوبعة في فنجان، وأنك لا تتجاوزين حدود عالمك الصغير الخاص، مثل ملك يحكم مملكة مغلقة.» إنه تنمّر على من هم أصغر سنًا. بل إنه أسوأ أشكال الروح الرياضية! «وكما قلتِ بنفسك قبل قليل عبر الهاتف، فربما كنتُ أنا الشخص الأكثر انحرافًا بيننا؟» «و… وااااه!» راحت عينا كانبارو تدوران في محجريهما بجنون. لقد دخلت في حالة ارتباك تامة. إنها حالة «ميداباني» الذهنية بعينها! «لـ… ليس الأمر كذلك! تلك الكتب لم توجد في تلك الطبقات إلا بمحض الصدفة! هناك طبقات أعمق تضم كتب BL عنيفة ومنحرفة حقًا! وأنا أعرف جيدًا أن هذا النوع من الروايات لا يقتصر على الوسيمين! هيا، ابحث جيدًا وفتّش بعناية!» «يا لكِ من فتاة يا كانبارو… الأشياء التي تحتاج إلى البحث والتنقيب لإثباتها لا تعبّر عن حقيقتكِ…» وقبل أن أتمكن من إكمال موعظتي التحذيرية ونقدي لظاهرة البحث عن الذات التي انتشرت في فترة من الفترات، كنت على وشك أن… فقد طرحتني كانبارو أرضًا. والمصيبة أن المكان الذي سقطت عليه لم يكن سوى فراش النوم. «لـ… ليس أمامي سوى أن أثبت براءة نيتي وطهارتي بالأفعال لا بالأقوال…!» بغض النظر عن إصابة ذراعها اليسرى، فإن قوة كانبارو تفوق قوتي بكثير. فطبيعة تدريبها تختلف تمامًا عن طبيعة تدريبي. وبما أنني سقطت أرضًا في وضعية لا تسمح لي بالحركة، فقد انعدمت أمامي كل فرص المقاومة والمناورة. «استعد يا أراراغي-سينباي!» «استعد لأي شيء؟!» «لا بأس، فأنا لست فتاة عذراء بريئة!» «أنا ذكر، ولست فتاة عذراء أصلًا!» «اطمئن، الألم لا يدوم إلا في البداية! وبعدها ستشعر بالراحة والسعادة فورًا!» «آه!» «هههه، أراراغي-سينباي يملك جسدًا رائعًا هو الآخر… يا له من جسد عضلي! إنه يناسب ذوقي تمامًا! ملمسه رائع ومثالي حقًا!» «آه! آآه! غاااه!» «مهلًا! لا تتخبط وتتحرك هكذا! ألا ترى كم يصعب خلع سروالك الداخلي بهذه الطريقة؟!» «غييييييييير كييييييييييّاااااااااا!» أنا… أقسمتُ مع نفسي أنني، مهما كانت حالتي المزاجية أو درجة حماسي حين أصادف هاتشيكوجي، فلن أُقدم أبدًا على التحرش بها فور اللقاء بها، مهما حدث.
وبعد عشرين دقيقة. وصلتُ إلى منزل كانبارو ذي الطراز الياباني التقليدي، الذي يستغرق الوصول إليه عادةً ثلاثين دقيقة كاملة. ولولا الوقت الذي أضعته في لقاء كارين، لربما وصلتُ قبل ذلك بثلاث دقائق أخرى. ضغطتُ جرس الباب المثبّت بجوار لوحة الأسماء، ذلك الجرس الذي بدا نشازًا في منزل ياباني تقليدي كهذا، فاستقبلتني جدة كانبارو؛ السيدة التي شهدت لتوّها حماقة حفيدتها، أو بالأحرى، جنونها الجنسي. حسنًا، بما أنني اعتدتُ زيارة منزلهم لتنظيف غرفة حفيدتها، فقد أصبحت أعرف جدتها جيدًا. لكن لو علمت هي وزوجها أن الشخص الذي كانت حفيدتهما تتحدث إليه عبر الهاتف وهي عارية تمامًا هو أنا، فربما لم يكونا ليسمحا لي بوطء عتبة منزلهما مجددًا. — اممم… — أستودعك سورغا يا كويومي-كن. نظرت إليّ الجدة وهي تنحني اعتذارًا، وقد بدا عليها الأسف الشديد. حسنًا، سواء أكانت حفيدتها نجمة في المدرسة أم لا، فإنها تظل بالنسبة إليها حفيدتها العزيزة اللطيفة. وبغض النظر عن مسألة التعري، فإنها تعرف جيدًا مدى الفوضى العارمة التي تعيش فيها حفيدتها. لا بد أنها قلقة عليها حقًا. حتى لو كانت تثق بها، فلا بد أنها قلقة. …… ومع ذلك، حين تكون في السنة الثالثة من المرحلة الثانوية، وتناديك جدة صديقتك بـ«كويومي-كن»، فلا بد أن تشعر بشيء من الخجل والحرج. ودّعتُ الجدة، ثم توجهت نحو غرفة كانبارو. كان الباب المنزلق، المعروف بالفوسوما، مغلقًا. تخيلتُ أنها لا بد أن تكون جالسة في زاوية الغرفة، تضم ركبتيها إلى صدرها، فغمرني الشوق إلى رؤية ذلك المشهد. ولأفاجئها وأخيفها قليلًا، فتحت الباب من دون أن أطرق حتى. كانت ممددة على بطنها فوق الفراش، عارية تمامًا، لا يستر جسدها خيط رفيع. «تبًّا!» كانبارو سورغا. فتاة تعترف بنفسها بأنها منحرفة. لعل رغباتها الجامحة لم تجد متنفسًا لها في الرياضة، فتحولت إلى سلسلة من الأرقام القياسية التي تحققها يومًا بعد يوم، فيما بلغت تصريحاتها المتحرشة بالآخرين حدًا يكفي لأن أُشكّل أنا وشينوبو وسينغوكو اتحادًا لرفع الدعاوي القضائية ضدها. لكن! يا للعجب! هذه أول مرة أرى فيها جسدها عاريًا بالكامل! أعني… كيف أقولها؟ ربما يعود الأمر جزئيًا إلى اعتزالها نادي كرة السلة، لكن كانبارو بدأت تطيل شعرها منذ يونيو الماضي، وأصبح مظهرها أكثر أنوثة بوضوح. ولهذا، حين يفاجئك أحدهم بمظهر كهذا وهو عارٍ… أعني، إنها مستلقية على بطنها، في نهاية المطاف! ومع ذلك، فإن خطوط ظهرها فاتنة ومثيرة إلى حد لا يُصدَّق! وعظمتا كتفيها رائعتان على نحو مبالغ فيه! وكما هو متوقع من رياضية، فإنها لم تتوقف عن ممارسة التمارين بمفردها حتى بعد اعتزالها، ولذلك أصبح جسدها المشدود بعضلاته فاتنًا إلى حد لا يُصدَّق! يقولون عن بعض النساء أن لهن ساقين كساقي الظبي، لكن هذه الفتاة بأكملها أشبه بظبي! بل أشبه بتمثال يوناني قديم! أهذا… أهذا هو الجمال الجسدي في أبهى صوره؟! كنت قد لاحظت منذ زمن مدى روعة عضلات ساقيها وتناسقها، لكن الأمر لا يقتصر على ساقيها فحسب. أليست هذه الفتاة سلاحًا حربيًا متنقلًا بكل ما للكلمة من معنى؟! لا عجب إذن أنها تفضّل خلع ملابسها والتعري باستمرار! إنه لظلم كبير ألّا يُتاح للناس الاستمتاع برؤية جسد كهذا! «……» كلا. فحتى وإن كانت عارية تمامًا، من دون أي شيء يسترها، فإن ضمادة ذراعها اليسرى على الأقل… لا تزال في مكانها. «كـ… كانبارو…» على ما يبدو، كانت جدتها قد رأت عريها، وعندما أغلقت الباب مستنفدةً آخر ما بقي لديها من قوة، انهارت تمامًا. لم أكن أعرف ماذا أقول لها، فخاطبتها بتردد: «مـ… هل أنت أراراغي-سينباي؟» رفعت كانبارو وجهها عن الوسادة التي كانت تدفنه فيها. ثم— «ا… انتظري يا كانبارو! لا تستديري الآن! إن استدرتِ، فستحدث أمور لا تُحمد عقباها!» أنا من سيتورط في المتاعب غالبًا! أنا من سيقع في مآزق شتى! «…أمم.» أومأت كانبارو برأسها. «آه… أعتذر عن هذا المنظر القبيح. حتى أمام أراراغي-سينباي، أشعر بالخجل حقًا.» «…واو.» إنها تشعر بالخجل كما يشعر أي إنسان طبيعي… ومع ذلك، لم تحاول ستر جسدها، بل ظلت ممددة باسترخاء تام، مادّةً ذراعيها وساقيها باستسلام. كل ما فعلته أنها رفعت وجهها. «ومع ذلك، فإن فتح الباب المنزلق من دون طرق لا يشبه تصرفات أراراغي-سينباي الذي أعرفه، أنت أكثر الناس استقامةً على وجه الأرض… أجل.» «لا، في الواقع… أردت أن أرى حالتك وأنتِ محبطة ويائسة.» «آه… إن كنت تستطيع تقبّل هذا المنظر المثير للشفقة، فلا مانع لديّ من أن تتأمله كما تشاء.» «……» «هيا، انظر كما تشاء. هذه هي حقيقة كانبارو سورغا… كانبارو سورغا على حقيقتها تمامًا.» «لا…» حسنًا، هذا صحيح تمامًا. إنها على حقيقتها، أو لنقل إنها على الهيئة التي خُلقت بها. «كيف أقولها… أمم، آسف.» لم أكن أتصور أن حالتها النفسية قد بلغت هذا القدر من الانهيار. كان ذلك أشبه بعقاب إلهي فوري، من دون أي مبالغة. لم أتخيل أن دعائي البائس سيؤدي إلى نتيجة كهذه. «أنا آسف يا كانبارو… دعيني أتحمل المسؤولية.» «المسؤولية؟» نظرت إليّ كانبارو بعينين شاحبتين زائغتين، فارغتين كعيني سمكة ميتة؛ عينين لم أتخيل قط أن هذه الفتاة قادرة على إظهارهما. ثم أخذت تكرر كلماتي آليًا، وكأنها آلة: «ما المسؤولية التي تقصدها يا أراراغي-سينباي؟» «تعلمين… بما أنني أنا من كان يتحدث إليك عبر الهاتف، فأعتقد أنني أتحمل نصف المسؤولية عن وصولك إلى هذه الحالة.» بالطبع، لم أستطع الاعتراف بأنني تمنيت لها أن تنال عقابًا إلهيًا. لم تُبدِ كانبارو أي رد فعل يُذكر تجاه كلامي، واكتفت بالقول: «لا أظن أن الأمر كذلك.» يبدو أن قدرتها الفائقة على تحميل نفسها المسؤولية لم تفارقها حتى في هذه الظروف. يا لها من فتاة! أكثر الشخصيات استقامةً ممن عرفتهم هي بلا شك هانيكاوا تسوباسا، لكن كانبارو ربما تكون الأوفر حظًا في نيل المركز الثاني. «حسنًا، ومع ذلك، إن كنت مصرًّا على تحمّل المسؤولية يا أراراغي-سينباي، فافعل ما تشاء. وبما أن الأمر هكذا، فكيف تنوي تحمّل المسؤولية تحديدًا؟» «لنتزوج.» «تبًّا!» جاء الدور على كانبارو هذه المرة لتشرق بما في فمها. ثم دفنت وجهها مجددًا في الوسادة. «لـ… لماذا تتحدث عن الزواج فجأة؟» «أعني، حتى لو كان ما رأيته هو النصف الخلفي من جسدك فحسب، فقد رأيتك عارية.» «لقد قفزتَ فوق مراحل عدة دفعة واحدة… وفقًا لمنطقك هذا، فكم امرأة ينبغي لأراراغي-سينباي أن يتزوج، يا ترى؟» «لا تقولي كلامًا يسيء إلى سمعتي ويشوّه صورتي!» كلام مسيء بالفعل. لكنه، على أي حال، كان حقيقة واقعة. «…أهريي.» آه، لقد ضحكت. كانت ضحكة واهنة، خالية من القوة، لكنها تظل ضحكة. «أراراغي-سينباي.» ثم أردفت كانبارو: «على الرغم من أن عرضك مغرٍ للغاية، فلا داعي لأن تتحمل المسؤولية. لو فعلت ذلك، فستغضب مني سينجوغاهارا-سينباي غضبًا شديدًا. لكن لديّ طلب أود أن أطلبه منك بدلًا من ذلك، يا أراراغي-سينباي.» «أجل، سأفعل أي شيء تطلبينه. أنا عبدك المطيع لهذا اليوم فحسب.» «أرغب في ارتداء ملابسي. فهل تسمح لي بأن أطلب منك الانتظار قليلًا في الرواق؟» «…هاها.» وجدت نفسي أضحك رغمًا عني. من كان يظن أن عبارة «أرغب في ارتداء ملابسي» ستخرج يومًا من فم كانبارو؟ كان الأمر أشبه بلحظة تاريخية تضاهي اللحظة التي بدأ فيها البشر المشي على قدمين؛ لحظة مؤثرة بعض الشيء. خرجت إلى الرواق كما طلبت، وانتظرت حتى ترتدي ملابسها. وكما هو متوقع من رياضية، كانت كانبارو سريعة للغاية في ارتداء ملابسها؛ لم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة. وبالطبع، كانت سرعة خلعها للملابس تضاهي سرعة ارتدائها. وهكذا، حان أخيرًا وقت بدء مهمة التنظيف الكبرى. المهمة. كانت الخطوة الأولى فرز القمامة فرزًا مبدئيًا، ثم حشوها في أكياس قمامة سعة خمسة وأربعين لترًا، وإخراجها إلى الحديقة. المقصود هنا هو النفايات الواضحة التي لا جدوى من الاحتفاظ بها. أما الأشياء المجهولة التي لا نستطيع الجزم إن كانت قمامة أم لا، فسنتركها جانبًا في الوقت الحالي. وبما أن الغرفة ليست غرفتي، فلا بد أن يكون القرار النهائي بشأن ضرورة الاحتفاظ بتلك الأشياء من عدمها لكانبارو نفسها. —أجل، على الرغم من قولي هذا، فإن معظمها سينتهي به المطاف في سلة المهملات على أي حال. لكن الأمر لا يتجاوز التأجيل المؤقت، لا الاحتفاظ الدائم. وإذا أردت وصفه بدقة، فهو أشبه بإجراء قانوني في المحكمة. كانبارو سورغا. هذه الفتاة ثرية ومبذّرة على نحو غريب، لسبب لا أفهمه. تشتري أشياء لا معنى لها على الإطلاق، ثم تحوّلها، بمهارة كيميائية مذهلة، إلى نفايات وقمامة. ولذلك، ينتهي المطاف بمعظم مقتنياتها في سلة المهملات عاجلًا أم آجلًا. حسنًا، لم تكن هذه إلا مرحلة تمهيدية لتهيئة المكان. أما الترتيب والتنظيم الفعليان، فيأتيان بعد ذلك. حتى بعد أن ارتدت ملابسها، ظلت ترتدي سروالًا قصيرًا جدًا، من نوع الهوت بانتس، وقطعة علوية بلا حمالات. لم يكن مظهرها مختلفًا كثيرًا عن عريها السابق، وإن كانت سرعة ارتدائها للملابس مذهلة، كما هو متوقع من رياضية. لكنها، على الأقل، أصبحت ترتدي ما يسمح لها بالظهور أمام الناس. وبالنظر إلى مستوى الفوضى والخراب في غرفتها، لكان من الأفضل أن ترتدي ملابس أكثر سترًا، كبدلة رياضية مثل تلك التي ترتديها كارين عادةً… لكن الغريب أن الملابس الرياضية لا تليق بكانبارو على الإطلاق. أترى السبب هو قصر قامتها؟ مع أنها تبدو في غاية الروعة والحيوية حين تتحرك بزيها المدرسي. وبينما كانت أفكار الملابس تدور في ذهني وأنا أعمل، لفت انتباهي شيء ما. أخرجتُ من بين أكوام القمامة ما بدا أنه زيّ رياضي لكرة السلة. كان الرقم المطبوع عليه هو «4». أهو رقم قائد الفريق؟ أجل، معلوماتي عن كرة السلة لا تتجاوز ما تعلمته من مانغا «سلام دانك»، لذا لم أكن متأكدًا تمامًا. «كانبارو، ما هذا؟» «مم؟ آه.» بالمناسبة، كانت كانبارو تقف في الرواق. فعلى الرغم من لياقتها البدنية العالية، كانت خرقاء على نحو غريب. أما في الأعمال المنزلية فهي سيئة للغاية؛ وحالة هذه الغرفة المزرية خير دليل، ولا حاجة إلى مزيد من الشرح. لذلك، كان وجودها عائقًا في هذه المرحلة من العمل. شعرت بشيء من الإثارة لأنني أستطيع التعامل مع شخصية نجمة مثل كانبارو باعتبارها مصدر إزعاج وعقبة في طريقي، لكنني رأيت أن هذا الشعور لا يليق بإنسان، فكتمته وابتلعته من دون أن أنطق به. «إنه زيّ نادي كرة السلة. كنت أتساءل أين اختفى، فإذا به هنا.» «آه… أهو زيّ التدريب؟» «كلا، إنه تذكار من السنة الأولى، حين تأهلنا إلى البطولة الوطنية. اقلبه وانظر إلى داخله. ألا ترى رسائل أعضاء الفريق وتوقيعاتهم من ذلك الوقت؟» «…أليس لديك أي تقدير للذكريات أو رغبة في الاحتفاظ بها؟» «الذكريات محفورة في هذا القلب، وستظل راسخة فيه إلى الأبد.» «يا لها من عبارة جميلة! لكن…!» فالأصل المادي للذكريات موجود هنا أيضًا! هذا يذكرني بهاتشيكوجي وفقدانها للذاكرة، رغم أنها كانت كذبة اختلقتها. يا لها من قصة محزنة. «لكنكِ لم تكوني قائدة الفريق آنذاك، أليس كذلك؟ كنتِ في السنة الأولى، ومع ذلك ارتديتِ الرقم «4»؟» «لا يوجد قانون ينص على أن قائد الفريق وحده يحق له ارتداء الرقم «4». صحيح أن العرف جرى على ذلك، لكنني كنت اللاعبة الأساسية في الفريق، أو ما يُعرف بالـAce، ولذلك تنازل لي قائد الفريق آنذاك عن الرقم.» «آه، هذه قصة رائعة حقًا. لا بد أن قائد فريقك كان شخصًا عظيمًا. لكنني حين جئت لتنظيف غرفتك في المرة السابقة، لا أذكر أنني رأيت هذا الزي.» «كنت أعلّقه في غرفة النادي، ليكون مصدر إلهام وتشجيع للأعضاء الأصغر سنًا. وقبيل بدء العطلة الصيفية بقليل، أخذته وجئت به معي إلى المنزل.» «آه.» «لقد حان الوقت المناسب لتوديع أمجاد نادي كرة السلة والانتقال إلى المرحلة التالية من حياتي. فأنا الآن لاعبة معتزلة ومتقاعدة، ولو ظل أمثالي يفرضون هيمنتهم بلا داعٍ، فلن يكون لنادي كرة السلة أي مستقبل.» «أفهم الآن…» يبدو أن كانبارو، حتى بعد اعتزالها، ظلت تهتم كثيرًا بأمور نادي كرة السلة. لكن هل كان هذا هو السبب الحقيقي وراء فعلتها؟ ربما كانت تحاول التكفير عن ذنبها وطلب الصفح. فهي، في نهاية المطاف، كانت تهتم حقًا بنادي كرة السلة. «على كل حال، جئت به إلى المنزل وهو معلّق، ثم سرقته وأخذته معي، حتى كاد الأمر يتحول إلى قضية جنائية.» «أهذا ما تسبب في مجيء سيارة الشرطة إلى المدرسة يوم حفل الختام؟!» «بما أنني ارتكبت جريمة كاملة، فلم يكتشف أحد حتى الآن أنني الفاعلة…» «ولماذا تحتفظين بالأدلة الجنائية إذن؟!» ومع ذلك… فهي لم تفعل في نهاية المطاف سوى إحضار زيّها الخاص إلى المنزل، لذا لا أظن أن في الأمر مشكلة كبيرة. لكن بالنظر إلى الظروف، فلا يمكن التخلص من هذا الزي، بالطبع. لا، ليس خوفًا من أن تكتشف الشرطة أمرها، بل لأنه ذكرى عزيزة عليها. «بالمناسبة، لم أشاهدك تلعبين كرة السلة فعلًا إلا في مباراة واحدة. ما رأيك يا كانبارو؟ هل يمكنكِ ارتداء هذا الزي الآن؟» «لا مانع لديّ.» كنت أظن أن طلبي قد يكون جريئًا بعض الشيء، أو ربما يثقل عليها وهي التي اعتزلت اللعب بالفعل، لكنها وافقت بكل سرور. إنها فتاة شجاعة وحاسمة في مثل هذه الأمور. «بما أن شعري طال، فلا بد أن مظهري سيكون مختلفًا تمامًا عما كان عليه آنذاك.» «…شعرك ينمو بسرعة جنونية حقًا.» كان شعرها قصيرًا للغاية حين التقينا للمرة الأولى، بل أقصر من شعري. لكنه الآن أطول بكثير من شعري. توجد خلف رقبتي ندبة عميقة خلّفتها عضة شينوبو، ولإخفائها أترك شعري أطول قليلًا. أما شعر كانبارو، فقد أصبح طويلًا بما يكفي لربطه. «همم. أترى ذلك؟» «أجل. يُقال إن شعر الإنسان ينمو بمعدل سنتيمتر واحد في الشهر، لكن شعرك نما خمسة سنتيمترات كاملة.» «حسنًا، هذا لأنني فتاة منحرفة للغاية.» «لقد قلتِها بكل بساطة!» كنت أعرف ذلك في قرارة نفسي! لكنني كنت أحاول ألّا أقولها بصوت مرتفع! «نعم، وتحديدًا، ظللت لسنوات طويلة أظن أن كلمة بيبيرونتشينو، وهي اسم طبق إيطالي، كلمة بذيئة ومنحرفة، وذلك من فرط انحرافي.» «كان عليكِ أن تكتبيها وتتحققي منها في المرة التي أكلتِ فيها الطبق!» «وكنت أظن أيضًا أن عبارة «المكالمات بين أفراد العائلة» تعني زنا المحارم.» «…!» تجمدت في مكاني، عاجزًا عن الكلام من شدة الصدمة. «آه، لا… أقصد أنني كنت أظن أن عبارة «المكالمات العائلية المجانية» تعني أن المشاعر العائلية لا تُقدَّر بثمن.» «حتى لو صغتِ الأمر بعبارات دافئة وعائلية، فلن يغتفر لكِ ما تفوهتِ به!» «وأيضًا، كنت أظن أن الينابيع الساخنة المكشوفة في الهواء الطلق تعني حمامات التعري.» «هذا ليس مجرد سوء فهم، بل رغبة دفينة لديكِ! إن طريقة تفكيرك لا تنتمي إلى عصر البشر العقلاء!» «مم. في الواقع، جئت من عالم يبعد خمس ثوانٍ في المستقبل، مستخدمةً آلة زمن.» «حتى تقنيات الأحلام هذه تستعملينها في أمور عديمة الجدوى تمامًا!» «وبالمناسبة، من أحدث ذكرياتي أيضًا أنني كنت أظن أن كلمة «بريسليت» تعني: «لنأخذ نفسًا عميقًا!»» «هذا ليس انحرافًا، بل مجرد خطأ ساذج!» «في إحدى المباريات، صرختُ بكلمة «بريسليت!» ظنًا مني أنها تعني «لا بأس!»، فتعرضت لخزي شديد. لن أنسى أبدًا نظرات الدهشة والذهول على وجوه زميلاتي في الفريق آنذاك.» «توقفي! هذه القصة مؤلمة ومحرجة على نحو واقعي للغاية!» «أهي مؤلمة بقدر ألم أن تظني أنك تزورين أهلك في مسقط رأسك، ثم تكتشفي أنك في الحقيقة تقيمين عندهم كطفيليّة متطفلة؟» «مؤلمة حقًا!» تبًّا لكِ! أكاد أجزم بأننا سنتوافق وننسجم حتى في الحياة الآخرة، يا فتاة! «…لقد أقلعتِ عن تقليد سينجوغاهارا أيضًا، أليس كذلك؟» «هم؟ آه، أتقصد الغرّة؟» أجابت كانبارو بلا مبالاة تُذكر، وهي تُدخل ذراعيها في الزي الرياضي الذي ناولتها إياه. «لم أكن أنوي تقليد سينجوغاهارا-سينباي من الأساس… أو ربما لا أدري. بما أنني فتاة منحرفة، فلا يمكنني الوثوق حتى بنفسي.» «لم أقصد ذلك المعنى.» «هههه. حسنًا، تلك كلها قصص من الماضي على أي حال. لا داعي لكل هذا التكلف والقلق يا أراراغي-سينباي. انظر، ها أنا قد ارتديته. ما رأيك؟» «……» كان طلبها ارتداء الزي فكرة جيدة، لكن… بما أنها ارتدته فوق القطعة العلوية بلا حمالات والسروال القصير، فقد بدا الأمر كما لو أنها ترتدي الزي الرياضي فوق جسد عارٍ تمامًا. كان مظهرًا مثيرًا للغاية، على نحو مزعج. لم يكن فيه شيء من الحيوية والانتعاش اللذين يُفترض أن يوحي بهما الزي الرياضي. لم يكن هذا المنظر الذي أردت رؤيته إطلاقًا… مع أنه كان يليق بها حقًا، فما الفائدة من أن يليق بها بهذه الهيئة؟! «هههه.» لكن يبدو أن كانبارو لم تكن تدرك مدى الإثارة التي يوحي بها مظهرها، فابتسمت بلطف وقالت: «حين أفعل هذا، أشعر وكأننا عدنا إلى تلك الأيام الخوالي.» «تلك الأيام… أتقصدين أيام تألقك الرياضي؟» «كلا، معسكر التعري الجماعي.» «إذن فأنتِ واعية تمامًا بما تفعلينه، وتعيشين في الواقع!» ألم يكن ذلك مجرد مزاح عابر؟! إياكِ أن تنبشي الماضي من جديد! ومع ذلك، وبغض النظر عن الفترة التي كانت تستحضرها في ذاكرتها، فمن الواضح أن شعورها لم يكن سيئًا على الإطلاق. ولهذا لم تخلع كانبارو الزي الرياضي فورًا. حسنًا، لا بأس بذلك. فهو لا يعيق أعمال التنظيف. «لكن يا كانبارو، إذا كان لعب كرة السلة مستحيلًا بسبب ذراعك اليسرى، فلماذا لا تمارسين رياضة أخرى؟ كرة القدم مثلًا؟» «ألا توجد رياضة تخلو تمامًا من استخدام اليدين؟ حتى في كرة القدم، لا أقصد حارس المرمى فحسب، بل تُستخدم اليدان أيضًا في رميات التماس وما شابهها.» «آه.» «وفوق ذلك، لا أفهم حتى قوانين التسلل.» كانت تتحدث بهذه الطريقة بينما أواصل العمل. ومن تحت الطبقة التي عثرت فيها على الزي الرياضي مباشرة، وجدت شيئًا غير متوقع. حسنًا، قد لا يكون شيئًا نادرًا في هذا العصر، لكن وجوده في غرفة كانبارو كان مفاجئًا بالنسبة إليّ. «كانبارو، هل تملكين كاميرا رقمية؟» وفوق ذلك، بدت حديثة الإصدار. كانت نحيلة للغاية وخفيفة الوزن. «أجل، اشتريتها مؤخرًا.» أومأت كانبارو برأسها. إذن فهي ملكها فعلًا. وبالنظر إلى أنها أمية تقنيًا إلى حد أنها بالكاد تستطيع استخدام الهاتف المحمول، فقد اشترت جهازًا متقدمًا كهذا حقًا. «حسنًا، أعلم أنني لست بارعة في استخدام مثل هذه الأجهزة. لكن يا أراراغي-سينباي، هناك صور يصعب أخذها إلى محلات التحميض والطباعة.» «صور يصعب طباعتها؟» «مثل الصور الذاتية وأنا عارية.» سقطتُ بوجهي على كومة القمامة. كنت قد رتبت المكان للتو، فإذا بكل شيء يذهب سدى. «لا تشتري كاميرا رقمية لمجرد «مثل هذه الأسباب وحدها»! إنها تقنية متقدمة للغاية، وما زال الوقت مبكرًا عليكِ لاستخدامها!» «لا، ليس الأمر مقتصرًا على «تلك الأسباب وحدها». أنا أستفيد منها في أمور أخرى كثيرة.» «مثل ماذا؟» «تصوير طالبات السنة الأولى وهنّ عاريات.» «……» أعني بالطبع أنها تلتقط صورًا شخصية لقطط طالبات السنة الأولى، تلك القطط التي يربينها ويعتنين بها، أليس كذلك؟ ومن الطبيعي ألّا ترتدي الحيوانات ملابس، أليس كذلك؟ أليس كذلك؟! «طبعًا، بعد الحصول على إذن الطالبات أنفسهن، لذا لا يوجد في الأمر أي شيء غير قانوني.» «اسمعيني جيدًا يا كانبارو، استخدمي اللغة اليابانية استخدامًا صحيحًا! لا يمكن أخذ إذن من القطط، أليس كذلك؟ الطرف الذي أخذتِ منه الإذن هو صاحبة القطة، أليس كذلك؟» «همم؟ لا أحب هذا النوع من التفكير والتعابير التي تتجاهل حقوق الإنسان. لكن يا أراراغي-سينباي، إذا أردت التدقيق في مسألة الإذن، فأنا أعدّ نفسي صاحبة تلك القطط ومالكتها…» «يا إلهي، أنا أحب القطط حقًا!» قاطعتُها بعنف. مع أنني في الحقيقة أكره القطط لأنني أخاف منها. أرتعب منها! «همم، فهمت ذلك. إذن فأراراغي-سينباي يحب القطط. وبالنظر إلى مسائل الخصوصية، لا يصح عرض تلك الصور على الآخرين، لكن إن كنت ترغب في رؤيتها بشدة، فلا مانع لديّ من إعطائك بطاقة الذاكرة الموجودة داخل الكاميرا لتأخذها معك. وسأتحمل المسؤولية كاملة.» «لم أقل إنني أرغب في رؤيتها!» «ههههه. لا داعي للخجل هكذا.» استردّت كانبارو الكاميرا الرقمية مني، ثم تمتمت بأنها كانت تتساءل أين وضعتها. ومع ذلك، فإن الإنسان العادي لا يضيّع كاميراته الرقمية عادةً… قدرة هذه الفتاة على إضاعة الأشياء والتسبب في ضياعها تفوق قدرة البشرية جمعاء. إنها أرض الضائعات والمفقودات! «لقد أعددت مفاجأة بسيطة لشخص خجول لا يقل خجلًا عن سينغوكو-تشان، يا أراراغي-سينباي. أتمنى أن تنتظر الفصل الدراسي الجديد بشوق.» «هاه؟ مفاجأة؟» «المفتاح هو «السنة الأولى» و«الصدر».» «……» يبدو أن الفصل الدراسي الجديد يحمل في طياته نذير كارثة لا طائل منها. قلبي يخفق رعبًا منذ الآن. ثم عثرت هذه المرة على كتاب مدفون وسط أكوام القمامة. بدا أن مهمة التنظيف تحولت أخيرًا إلى رحلة للبحث عن الكنز. إذا كانت تملك المال لشراء كاميرا رقمية، فلماذا لا تحتفظ برف كتب حقيقي خاص بها؟ آه، لقد حكمت على الكتاب بأنه مانغا من غلافه، لكنه لم يكن مانغا، بل رواية. «سكرتيرة النظارات والأمير ذو النظارات.» كانت رواية من نوع «حب الفتيان»، أو ما يُعرف اختصارًا بـBL، وهو ما يتضح من عنوانها. «…سأرمي هذه. أظن أنها تنتمي إلى قمامة المواد القابلة للاحتراق.» «أراراغي-سينباي، هذه الأشياء تثير المشاعر المتقدة، وليست قمامة.» أمسكت كانبارو بذراعي التي كنت أمدها نحو كيس القمامة، وأوقفتني. متى اقتربتِ مني إلى هذا الحد، يا فتاة؟! هل كان الزي الرياضي الذي ترتدينه مزودًا بخاصية الانتقال الفوري؟! «حتى لو بدت بالية ومتهالكة، فهي أشياء لا غنى عنها.» «حقًا؟ إن كان الأمر كذلك، فعاملي كتبك المهمة باهتمام واحترام. أليس إهمالها وتركها في هذه الحالة إهانةً لمؤلفيها أيضًا؟» هذا الكلام يصدر عن الشاب نفسه الذي كان يحاول رمي الكتاب قبل ثانية واحدة. لكن، حسنًا، تراكم الكتب مشكلة عويصة بالفعل. «لكن كل هذه الكتب تبدو متشابهة تمامًا… هل تستطيع كانبارو قراءتها والتمييز بينها؟» «بالطبع. هذا يشبه أن يقول شخص ضيق الأفق إن أفلام الخيال العلمي كلها متشابهة. بالنسبة إلى الناس، يبدو كل ما يجهلونه متشابهًا. أما إصدار حكم سليم وتقييم الأمور بدقة، فيتطلب قدرًا كافيًا من المعرفة والثقافة.» «فهمت… ومع ذلك.» كانت هناك روايات أخرى من نوع BL مدفونة في طبقات القمامة القريبة، فقارنت أغلفتها وتصاميمها بالكتاب الذي أحمله. «في النهاية، يبدو جميع الفتيان فيها وسيمين ومثاليين.» «هاه؟» «لا شيء. خطر لي فقط أن كانبارو تحب الوسيمين أيضًا، في نهاية المطاف. ألا يعني هذا أنكِ لستِ منحرفة بالقدر الذي تتخيلينه؟» «غـ… آه…؟!» تعرضت كانبارو لصدمة حقيقية وعميقة. ولم يعد الأمر مقتصرًا على الخطوط السوداء العمودية التي تظهر عادةً على وجهها، بل امتد تأثيرها إلى الخلفية والجو المحيط بها، حتى بدا وكأن العالم كله قد غرق في تدرجات الأبيض والأسود. يبدو أن هذا كان أسوأ وصف يمكن أن تسمعه في حياتها. «حين تفكرين في الأمر، فإن قراءة فتاة لروايات BL في هذا العصر ليست أمرًا غريبًا. بل هي دليل على الصحة والعافية. شيء طبيعي تمامًا.» «طبيعي؟! أنا التي نصّبت نفسي خليفة لفرويد، تقول لي إنني طبيعية وعادية؟!» وهي التي نصّبت نفسها خليفة له، على أي حال… حسنًا، بما أنها تربط كل شيء بالانحراف، فربما كانت تملك بعض المؤهلات لتكون خليفته فعلًا. «لكن حب الوسيمين والشبان الجذابين أمر طبيعي لدى الفتيات، أليس كذلك؟ ومن الطبيعي أيضًا الاستمتاع برؤية مجموعة من الوسيمين مجتمعين معًا. ألا يشبه الأمر إذن فرق الآيدولز التي تضم فتيانًا وسيمين؟» «لا… لا تبسّط الأمر وتشرحه بهذه الطريقة البديهية!» «أعني، أنتِ لا تحبين مثلًا أن يزيد وزن الشخص على مئة وخمسين كيلوغرامًا، أو أن تثيرك رائحة الشيوخ المتقدمين في السن، وما شابه ذلك، أليس كذلك؟» «لـ… ليس الأمر كذلك! هذا…!» اضطربت كانبارو وارتبكت، وبدا أنها لا تعرف كيف ترد. «مـ… مهلاً، انتظر دقيقة! لا تقل أشياء كهذه! إذا قال لي أراراغي-سينباي كلامًا كهذا، فسأكون قد انتهيت تمامًا! سأتعرى! سأتعرى الآن، حالًا!» «لا، لا، لا، لا. حتى الجلوس في المنزل بملابس غير محتشمة، في وضعية كسولة، أمر طبيعي تمامًا إذا فكرتِ فيه. أما خارج المنزل، فلا تخلعين ملابسك إلا في الحمامات العامة، أليس كذلك؟ وبالنسبة إلى الصور الذاتية العارية، فليس في الأمر مشكلة أيضًا؛ إنما هو فحص لمستوى نمو العضلات، وهو أمر طبيعي جدًا بالنسبة إلى رياضية مثلك. أعتذر عن كل ما قلته سابقًا.» «أنا لا أطلب منك الاعتذار! أراراغي-سينباي، استمع إليّ أولًا!» «لكنني أدركت، بناءً على تجربة اليوم، أنك تحبين التعري، ثم تشعرين بالانهيار حين يراك أهلك عارية. لو اكتفيت بالاستماع إلى كلامك، لظننت أنك تقضين وقتك في المنزل عارية تمامًا. لكنني اكتشفت أن الأمر ليس سوى زوبعة في فنجان، وأنك لا تتجاوزين حدود عالمك الصغير الخاص، مثل ملك يحكم مملكة مغلقة.» إنه تنمّر على من هم أصغر سنًا. بل إنه أسوأ أشكال الروح الرياضية! «وكما قلتِ بنفسك قبل قليل عبر الهاتف، فربما كنتُ أنا الشخص الأكثر انحرافًا بيننا؟» «و… وااااه!» راحت عينا كانبارو تدوران في محجريهما بجنون. لقد دخلت في حالة ارتباك تامة. إنها حالة «ميداباني» الذهنية بعينها! «لـ… ليس الأمر كذلك! تلك الكتب لم توجد في تلك الطبقات إلا بمحض الصدفة! هناك طبقات أعمق تضم كتب BL عنيفة ومنحرفة حقًا! وأنا أعرف جيدًا أن هذا النوع من الروايات لا يقتصر على الوسيمين! هيا، ابحث جيدًا وفتّش بعناية!» «يا لكِ من فتاة يا كانبارو… الأشياء التي تحتاج إلى البحث والتنقيب لإثباتها لا تعبّر عن حقيقتكِ…» وقبل أن أتمكن من إكمال موعظتي التحذيرية ونقدي لظاهرة البحث عن الذات التي انتشرت في فترة من الفترات، كنت على وشك أن… فقد طرحتني كانبارو أرضًا. والمصيبة أن المكان الذي سقطت عليه لم يكن سوى فراش النوم. «لـ… ليس أمامي سوى أن أثبت براءة نيتي وطهارتي بالأفعال لا بالأقوال…!» بغض النظر عن إصابة ذراعها اليسرى، فإن قوة كانبارو تفوق قوتي بكثير. فطبيعة تدريبها تختلف تمامًا عن طبيعة تدريبي. وبما أنني سقطت أرضًا في وضعية لا تسمح لي بالحركة، فقد انعدمت أمامي كل فرص المقاومة والمناورة. «استعد يا أراراغي-سينباي!» «استعد لأي شيء؟!» «لا بأس، فأنا لست فتاة عذراء بريئة!» «أنا ذكر، ولست فتاة عذراء أصلًا!» «اطمئن، الألم لا يدوم إلا في البداية! وبعدها ستشعر بالراحة والسعادة فورًا!» «آه!» «هههه، أراراغي-سينباي يملك جسدًا رائعًا هو الآخر… يا له من جسد عضلي! إنه يناسب ذوقي تمامًا! ملمسه رائع ومثالي حقًا!» «آه! آآه! غاااه!» «مهلًا! لا تتخبط وتتحرك هكذا! ألا ترى كم يصعب خلع سروالك الداخلي بهذه الطريقة؟!» «غييييييييير كييييييييييّاااااااااا!» أنا… أقسمتُ مع نفسي أنني، مهما كانت حالتي المزاجية أو درجة حماسي حين أصادف هاتشيكوجي، فلن أُقدم أبدًا على التحرش بها فور اللقاء بها، مهما حدث.
