تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل04

عنقاء تسوكيهي — الفصل الرابع

المشاهدات 0 نشر في تاريخ أكتوبر 27, 2026
sorasenpa001
ترجمة ورفع الفصل sorasenpa001
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

 

004

 

انتهى مشهد استرجاع الذكريات.

أي إنني، في الوقت الحاضر، كنت في طريقي إلى منزل كانبارو، مصطحبًا كارين معي.

الوعد وعد، صحيح، لكن ما دمت لم أقطعه كتابةً، فلم يكن هناك، لو فكرت في الأمر، أي واجب يُلزمنا بالوفاء به، أو يكاد. ومع ذلك، حسنًا، الوعد يظل وعدًا.

سأكون حلقة الوصل.

سأتولى مهمة التوفيق بين الطرفين.

وبناءً على هذا القرار، كان الشرط الوحيد الذي فرضته على كارين هو: «أن تبدّل ملابسها فورًا». ولهذا كانت ترتدي حاليًا بدلة رياضية.

بالطبع، بما أنها ذاهبة لمقابلة المعلمة كانبارو، التي طالما أعجبت بها، فلم تكن تلك البدلة الرياضية مجرد بدلة عادية.

بل كانت من أندر ما لديها، ومن خيرة ما انتقته بعناية.

إطلالة ساحرة صُممت لتخطف القلوب في الموعد الحاسم.

بدلة رياضية صارخة الألوان، فلورية تقريبًا، من النوع المخصص لسباقات الدراجات الهوائية.

حتى إنها أكملت إطلالتها بسروال ركوب الدراجات الضيق، فبدت في أبهى حلة من الخصر إلى الأسفل.

… يا لها من معلومة لا تهم أحدًا على الإطلاق.

لكنني كنت أجد الأمر محيرًا للغاية: لماذا تمتلك أختي بدلة رياضية مخصصة لركوب الدراجات، مع أنها لا تملك دراجة أصلًا؟

وبالمناسبة، أنا أملك دراجة واحدة، لكنني لا أستخدمها حاليًا.

لم يكن منزل كانبارو بعيدًا إلى حد يستحيل معه الوصول إليه سيرًا على الأقدام، وإن لم يكن قريبًا بما يكفي للقول إن الطيور نفسها لا تحلق إليه، لكنني أردت تجنب ركوب دراجة واحدة مع شخص آخر. (ليس لدي نفور شديد من الركوب الثنائي بحد ذاته، لكنني لا أريد، بأي حال، ركوب دراجة واحدة مع أختي).

لذا كان زحفنا العسكري سيرًا على الأقدام.

مع أن كارين كانت حتى وقت قريب تمشي على يديها.

والآن، صرت أجلس على كتفيها.

أجل.

حين تعتاد هذا المنظور، تكتشف أنه ممتع إلى حد لا بأس به.

لكن، حسنًا، أن ينتهي بي الأمر إلى أن أُحمل على كتفي أختي لأنني لا أريد الركوب معها على دراجة واحدة، فهذا يوضح أن علاقتنا الأخوية، رغم أننا أصبحنا أكثر تقاربًا وانسجامًا بعض الشيء، لا تزال علاقة نتلمس فيها طريقنا بحذر.

أما كارين، فعلى الرغم من أنها ليست بهذا القدر من الغباء الفاضح في العادة، فإنها كانت متحمسة للغاية لمقابلة المعلمة كانبارو، قدوتها التي طالما أعجبت بها. وربما كانت تعيش حالة من الحماس المفرط، بل المزدوج، إن صح التعبير.

لكن…

ما لم أتوقعه هو رد فعل كانبارو نفسها.

لم تكن شريرة، ولم يكن هناك ما يدعونا إلى العجلة، لكن بما أن الوفاء بالوعد في أقرب وقت أفضل من تأجيله، فقد اتصلت بهاتف كانبارو بعد ذلك بوقت قصير. (والمقصود بوقت قصير هنا هو مباشرةً بعد أن نجوت بحياتي، وبأعجوبة، من براثن أداة الثقب التي كانت تسوكيهي تلوّح بها. إن واقعية هذه التفاصيل مزعجة إلى درجة تجعل الضحك عليها أمرًا مستحيلًا تقريبًا، لذا دعونا نتجاوزها).

كما ذكرت سابقًا، كنا في ذروة عطلة أوبون.

لكن كانبارو تعيش أصلًا مع جدّيها، ولذلك لم تكن تسافر بعيدًا إلى مسقط رأسها في هذه الفترة، كما يفعل الآخرون.

لهذا تمكنت من الاتصال بها.

«لا، يا أراراغي سينباي. هذا يضعني في موقف صعب».

كان ذلك ردها.

لم أتوقعه.

«صحيح أنني قلت ذات مرة إنني أود مقابلة أختك، لكنني قلت ذلك على سبيل المزاح فحسب، ولم أكن جادة في الأمر مطلقًا».

لم يكن هذا من الكلام الذي يُتوقَّع أن يصدر عن كانبارو.

فعلى الرغم من كونها فتاة عفوية ومنحرفة، فإن سعة صدرها كانت، حسب معرفتي، من بين الأكبر لدى كل من قابلتهم.

وهي آخر شخص يمكن أن تصفه بالخجول أمام الغرباء.

وحين استغربت الأمر وألححت عليها بالسؤال، قالت كانبارو، وقد بدا عليها الحرج الشديد:

«لا، اسمع يا أراراغي سينباي…»

«أنا ممتنة حقًا لاهتمامك، لكنني لا أستطيع أن آخذ عذرية أختك منك».

«ومن قال إنني سأعطيك إياها أصلًا؟!»

لو كان عليّ أن أختار بين أن أعطيك إياها وبين أن آخذها بنفسي، لاخترت الثانية!

مُت فحسب!

«سأكتفي بتقدير مشاعرك».

«لن أعطيك حتى مشاعري! لا يوجد شيء يخص أختي يمكنني أن أمنحك إياه!»

وهكذا…

كانت تلك كانبارو الرائعة، الرائعة حقًا، قد فاجأتني بردها، ومع ذلك كان الأمر متوقعًا منها بطريقة ما. وبعد سلسلة من التعقيدات والالتواءات، تمكنت أخيرًا من الاتفاق معها على أن أحضر كارين إلى منزلها بعد ظهر اليوم، بعيد انتصاف النهار بقليل.

«حسنًا. سأنتظر مرتدية ملابسي».

«ولماذا تكونين عارية في الأساس؟!»

عاد التردد يهزني بقوة. بدأت أشعر مجددًا أنني لا أريد تعريفهما ببعضهما.

لكن بعدما وصل الأمر إلى هذه المرحلة، لم يعد بإمكاني التراجع.

ستسحقني كارين ضربًا.

ولا أريد ذلك.

«أخي، تعرف…»

فجأة، سألتني كارين من الأسفل.

«رقم سيارة الإسعاف هو نفسه رقم سيارة الإطفاء، أليس كذلك؟ مئة وتسعة عشر. ما رأيك في هذا؟ أليس الأمر مربكًا؟ ألا يمكن أن تطلب سيارة إسعاف فتأتيك سيارة إطفاء، أو تطلب سيارة إطفاء فتأتيك سيارة إسعاف؟»

…

ها هي ذي تسألني مجددًا عن شيء لا يهم أحدًا.

ما الذي جعلها تفكر في هذا أصلًا؟

لم نكن قد مررنا حتى بسيارة من هذا النوع.

«حسنًا، ربما يحدث ذلك أحيانًا… لكن أليس السبب أن هناك ثلاثة أرقام للطوارئ، للشرطة والإسعاف والإطفاء، ولو جعلوا لكل واحدة منها رقمًا مختلفًا تمامًا، فلن يستطيع الناس حفظها كلها؟»

«كلها؟ إنها ثلاثة أرقام فقط! وكل رقم منها مكوّن من ثلاث خانات! هل يُعقل أن يعجز أحد عن حفظ شيء كهذا؟»

«هممم… حسنًا، ماذا عنك يا كارين؟ ألم يحدث أن حاولت الاستماع إلى نشرة الطقس، وانتهى بك الأمر إلى سماع إشارة الوقت؟» {ملاحظة :في اليابان، تبث بعض المحطات الإذاعية إشارة صوتية قصيرة ودقيقة تُستخدم لمعرفة الوقت، وغالبًا ما تكون على هيئة نغمات متتابعة قبل إعلان الساعة.}

«لا».

«حقًا؟»

«لكنني استمعت إلى نشرة الطقس حين كنت أريد سماع إشارة الوقت».

«هذا هو الشيء نفسه».

لا ينبغي الاستهانة بالبساطة.

فقد يكون الرقم الثلاثي سهلًا للغاية، لكن بساطته نفسها قد تجعل المرء يخلط بينه وبين غيره حين يحاول استحضاره على عجل.

«الرقمان 110 و119 هما الأسهل حفظًا بين الأرقام العشرة التي تبدأ بـ11. لذلك أظن أنهم خصصوا هذين الرقمين، على مضض، لأكثر ثلاث جهات إلحاحًا في حالات الطوارئ. أليس من الأفضل أن تطلب سيارة إسعاف فتأتيك سيارة إطفاء، بدلًا من أن تطلب سيارة إسعاف فتأتيك سيارة شرطة؟»

«ماذا؟ لكن لو جاءت الشرطة إلى مكان فيه مصاب، فبإمكانهم القبض على المعتدي! ولو جاءت إلى مكان فيه حريق، فبإمكانهم القبض على مشعل الحرائق!»

«ولماذا تفترضين أن وجود مصاب أو نشوب حريق يعني بالضرورة أن جريمة قد وقعت؟»

عدالتك خطيرة للغاية.

أنت تفترضين وجود جريمة أولًا، ثم تبنين كل شيء على ذلك.

«لكن، حتى لو كان الأمر كذلك، فلو جاءت سيارة إطفاء إلى مكان فيه مصاب، فمن الطبيعي أن يغضب الناس! سيقولون: “هل تقصدون أن سكب الماء عليه سيشفيه؟!”»

«لا أحد سيغضب بهذه الطريقة».

«ولو جاءت سيارة إسعاف إلى مكان فيه حريق، فسيغضبون أيضًا! سيقولون: “هل تفترضون مسبقًا أن الناس سيصابون بحروق؟!”»

«هذا افتراض صحيح، أليس كذلك؟»

«أما سيارة الشرطة، فالأمر مختلف معها. لا يمكنك الغضب منها، لأنها ستعتقلك».

«مهلًا أيتها البطلة المدافعة عن العدالة! لقد استسلمتِ لسلطة الدولة بهذه السهولة؟!»

«لا، لا يا أخي، نحن نتحدث هنا عن أمثلة عامة فحسب. أنا وتسوكيهي لا نستسلم للسلطة. لقد واجهت فاير سيسترز الشرطة مرات عديدة من قبل».

«آه… وفي كل مرة كنت أذهب لاصطحابكما».

لا أريد حتى تذكّر ذلك.

لقد انتهى بي الأمر إلى تكوين علاقات ودية مع شرطيات من دون أي داعٍ.

تبًا.

«لكن ماذا عن هذا يا كارين؟ لنفترض أننا نتحدث عن جريمة فعلًا. ألن يغضب الناس أيضًا لو وصلت سيارة إطفاء أو سيارة إسعاف إلى مكان وقوعها؟»

«هممم. إن أرضيتَ هذا الجانب، أغضبتَ ذاك، وإن أرضيتَ ذاك، أغضبتَ هذا. لكن لا بأس، أليس كذلك؟ إذا وصلت سيارة إطفاء أو إسعاف، فسيخاف المجرم من صوت الصفارات ويهرب».

«تقصدين أنهما ستؤديان وظيفة جهاز الإنذار ضد السرقة؟»

«بالضبط! ولهذا أقول إن علينا فصل رقم الإسعاف عن رقم الإطفاء. صحيح أن 110 و119 رقمان يسهل حفظهما، لكن 111 سهل الحفظ أيضًا، أليس كذلك؟ فلنجعله رقم الإطفاء».

«فلنجعله؟… ليس لديّ هذه الصلاحية. ثم إنني لا أعرف، لكن لا بد أن الرقم 111 مخصص لشيء آخر بالفعل، أليس كذلك؟ إذا فكرت في الأمر، فمن الطبيعي أن تكون جميع الأرقام التي تبدأ بـ11 محجوزة».

«لكن يا أخي، ما الذي يمكن أن يكونه الرقم 111؟ لا بد أنه رقم حديقة للكلاب أو شيء من هذا القبيل. إذا كان الأمر كذلك، فبوسعهم التنازل عنه لنا!»

«واحد، أي “وان”، ثم كلب، فتقفزين مباشرةً إلى حديقة للكلاب؟! هذا تفكير طفلة في المرحلة الابتدائية!»

آه، يا لها من محادثة.

لا بد أنني أنا وكارين نبدو الآن في غاية الغباء لأي شخص مثل هانيكاوا، التي تعرف الإجابة على الأرجح.

لقد تجاوزنا حدود الحديث الذي نحاول فيه جس النبض بحذر.

بل إننا لا نجس النبض أصلًا، وإنما نتخبط يمنةً ويسرة.

«ما أسمعه كثيرًا هو أن أرقام الشرطة والإسعاف والإطفاء صُممت بهذه الطريقة لأن الناس حين يتصلون بها يكونون في الغالب مذعورين، ولا يستطيعون التفكير بهدوء، لذا اختيرت الأرقام لمساعدتهم على الاستقرار».

«هاه؟ ما الذي تقوله يا أخي؟ لا تتحدث بأشياء لا أفهمها، وإلا ضربتك».

«ألا تفقدين أعصابك بسرعة مفرطة حين تتحدثين إلى أخيك؟!»

«حقًا؟»

«لماذا عليّ أن أتلقى ضربة لمجرد أنني بدأت الحديث بمقدمة؟… على أي حال، هذا أمر قديم لم يعد له تأثير مع الهواتف المحمولة أو الهواتف ذات الأزرار. لكن كانت هناك في الماضي هواتف تعمل بالقرص الدوّار. ألم تري واحدًا منها في التلفاز؟»

«هممم. هاتف بقرص دوّار، هاه؟ ربما رأيت واحدًا، وربما لا. حتى كلمة “قرص” تبدو عتيقة».

«أجل. في الهواتف ذات القرص الدوّار، يستغرق اختيار الرقمين صفر وتسعة وقتًا أطول، لأن آلية الاتصال تعتمد على تدوير القرص».

أنا نفسي لم أرَ واحدًا عن قرب.

لكن، بحسب ما فهمته، كان الرقمان صفر وتسعة موضوعين عند الطرف الأبعد من مسار الدوران.

«وماذا عن الرقم واحد؟»

«هاه؟»

«إذا كان الاتصال بالرقمين صفر وتسعة يستغرق وقتًا، فماذا عن الرقم واحد؟ هل يستغرق الاتصال به وقتًا أيضًا؟»

«لا، أظن أن الرقم واحد… يقع عند الطرف المقابل».

أي إنه على العكس، الرقم الذي يستغرق الاتصال به أقل وقت ممكن.

هاه؟

«إذًا، ألم يكن من الأفضل أن تكون أرقام الطوارئ 009 و000؟»

«… لأن 009 يبدو كأنك تتصل بسيبورغ 009، وهذا، مع حقيقة أن الموقف طارئ أصلًا، قد يبدد الإحساس بالجدية، أليس كذلك؟»

«آه، أفهمك، أفهمك».

«هل تفهمين فعلًا؟! هل تفهمينني إلى هذه الدرجة؟!»

«وماذا عن 000؟»

«من المعروف أن تكرار الرقم نفسه لا يصلح رمزًا سريًا لبطاقة مصرفية. هذه معلومة مشهورة، أليس كذلك؟ خصوصًا أن عمليات نسخ بيانات البطاقات أصبحت خطيرة هذه الأيام. انتبهي أنتِ أيضًا».

«نحن نتحدث عن أرقام الهواتف!»

«آه، لكن يا كارين، ثمة معلومة طريفة عن الأعداد المكوّنة من ثلاث خانات».

«إذا لم تكن طريفة، فسأضربك».

«تلك المقاطعة مخيفة!»

«ما هي؟»

«إنها معلومة رياضية طريفة أخبرتني بها هانيكاوا. اختاري أي عدد من ثلاث خانات يعجبك، أيًّا كان. 110 أو 119، لا يهم. ثم اكتبي العدد نفسه مرتين متتاليتين».

«هممم».

«العدد المكوّن من ست خانات الذي ستحصلين عليه بهذه الطريقة يقبل القسمة على سبعة دائمًا. سواء كان 110110 أو 119119 أو أي عدد آخر. جرّبي بنفسك».

العدد سبعة وحيد، لكنه بفضل وحدته لا يترك باقيًا…

لو صغنا الأمر بهذه الطريقة، فقد تتحول المعلومة إلى قصة جميلة.

مع أنها في الواقع ليست سوى خدعة حسابية.

«أوه! لنجرب. حسنًا… هاه؟ لا يا أخي، بقي ثلاثة».

«لا تخطئي في القسمة على عدد من خانة واحدة… لقد أفسدتِ معلومة طريفة كنت أعتز بها».

وهكذا.

حسنًا.

في الرابع عشر من أغسطس، قرابة منتصف النهار، وبينما كنت في طريقي إلى منزل كانبارو سورُوغا، كنت أتحدث مع كارين، التي تحملني على كتفيها، عن أمور تافهة لا طائل منها، ولا أهمية لها، وليست حتى مسلية إلى حد بعيد.

وفي تلك اللحظة…

ظهر منظور آخر فجأةً، على ارتفاع يوازي ارتفاع عينيّ، اللتين تجاوزتا المترين بفضل كارين.

«أيها الأخ الأكبر الشيطاني الحقير… عندي لك سؤال صغير، هل لديك مانع؟»

أطول شخص قابلته في حياتي كان، بلا شك، ذلك الرجل الذي اصطاد مصاصي الدماء، دراماتورغي.

لم يكن طوله مترين فحسب؛ بل إن الصورة المرعبة التي ترسخت في ذاكرتي عنه آنذاك تجعلني أستعيده الآن وكأن قامته تبلغ مترين ونصف، أو حتى تقارب ثلاثة أمتار.

مع أن المسألة، إذا أردنا الدقة، ليست بهذه البساطة؛ فهل يصح أصلًا أن نطلق على دراماتورغي وصف «إنسان»؟ هذا أمر قابل للنقاش بشدة…

لكن، هل كانت «هي» التي ظهرت أمامي الآن طويلة القامة مثل دراماتورغي؟

كلا، لم يكن الأمر كذلك مطلقًا.

لو تحدثنا عن طولها الحقيقي، فمن المرجح أنها لم تكن تختلف عني كثيرًا.

تمامًا كما كنت أبدو أطول بفضل جلوسي على كتفيّ كارين، لم تكن هي أيضًا تفعل أكثر من زيادة ارتفاعها بهذه الطريقة.

كانت تلك المرأة…

واقفةً منتصبة فوق صندوق بريد.

«بصراحة، أنا أبحث على مكان اسمه معهد إيكو للدروس الخصوصية… هل تعرف مكانه، يا أنت؟»

كانت تتحدث بلهجة كيوتو.

لم تكن تلك اللهجة المصطنعة التي كانت أختي تسوكيهي تتخبط فيها صباح اليوم وسط ارتباكها، بل كانت لهجة كيوتو أصيلة، من النوع الذي يكفي أن تسمعه حتى تعرف مصدره.

امرأة ذات شعر قصير وملامح هادئة.

في أواخر العشرينيات من عمرها، على ما يبدو.

كانت ترتدي سروالًا داكن اللون وقميصًا مخططًا، وحذاءً أنيقًا بلا كعب. بدت ملابسها عمومًا مرتبة ونظيفة، كأنها معلمة في مدرسة ابتدائية.

باختصار، لم يكن في مظهرها ما يوحي بأنها امرأة غريبة الأطوار.

بالطبع، إذا استثنينا وقوفها فوق صندوق البريد.

«… حسنًا».

لم أعرف كيف أجيبها.

ما هذا الشعور؟

أحسست بأن فقرة الكوميديا توشك على الانتهاء.

هل انتهى الوقت الممتع؟

هل انتهى اللعب؟

حسنًا، ربما كان من الطبيعي أن أشعر بالاكتفاء بعد هذا القدر من المرح، بعدما أمضيت ما يعادل أكثر من مئة صفحة من مخطوطة وأنا ألهو.

«ما بك، أيها الأخ الأكبر الشيطاني الحقير؟»

قالت المرأة بلهجة كيوتو.

كان أسلوبها في الكلام يميل قليلًا إلى الاستفزاز، لكن تعابير وجهها كانت، على العكس، مفعمة بالانتعاش والهدوء.

«ألم يعلّموك وأنت صغير أن تساعد المحتاج إذا رأيته؟»

«هممم… حسنًا…»

تلعثمت.

صحيح أنني تعلمت أن أساعد المحتاجين، لكن المرأة التي أمامي لم تبدُ محتاجة إلى المساعدة كثيرًا، فضلًا عن أنني لم أتعلم في حياتي أن عليّ مساعدة من يقف فوق صندوق بريد.

بل ربما كان الأجدر بي أن أنبهها إلى خطورة ما تفعله.

لكن حين راجعت وضعي أنا، اكتشفت أنني لا أقف فوق صندوق بريد فحسب، بل أجعل أختي الصغرى، التي لا تزال في المرحلة المتوسطة، تحملني على كتفيها.

حتى لو كانت هذه نتيجة عادلة لمنافسة عادلة، فإن هذا الوضع غير المقبول يصعب تبريره.

لو راقبنا المشهد من وجهة نظر شخص ثالث محايد، فمن يبدو أسوأ حالًا؟ المرأة التي تتخذ صندوق البريد موطئًا لقدميها، أم أنا الذي أتخذ أختي موطئًا لي؟

أظن أن كفّة الميزان لن تميل لصالحي.

ولم يعد وصفها لي بالحقير مستغربًا تمامًا.

بل إنني أكاد أُعجب بها لأنها اختارت أن تسألني عن الطريق رغم كل ذلك.

«اسمي كاغينوي يوزورو… هل سمعت بي من قبل؟»

ثم…

عرّفت عن نفسها فجأة، ومن دون مقدمات.

من الغريب أن يعرّف شخص عن نفسه لمجرد أنه يسأل عن الطريق. (مع أن هذا أقل غرابة بكثير من الوقوف فوق صندوق بريد، وأقل غرابة أيضًا من أخ يجعل أخته تحمله على كتفيها).

أم أنها شخصية مشهورة إلى درجة أن مجرد سماع اسمها كافٍ للتعرف إليها، وربما حتى للحصول على معاملة خاصة؟

هذا يعني أنها بمستوى أحد المشاهير أو السياسيين، أليس كذلك؟

لكنها لا تبدو من أيٍّ من الفئتين.

مع ذلك، لا يمكنني الوثوق بحكمي في هذا الشأن، فأنا لا أعرف الكثير عن عالم الفن أو السياسة.

ربما كانت الشخصية التي أمامي الآن شخصية مهمة للغاية، من أصحاب النفوذ.

أنزلت نظري لأتفحص رد فعل كارين.

«…»

لم تبدِ أي رد فعل.

هممم.

حين أفكر في الأمر، فإن جهل كارين بعالمي الفن والسياسة لا يختلف كثيرًا عن جهلي أنا.

أما لو كانت تسوكيهي هنا، فسيكون الأمر مختلفًا.

فهي مدمنة على مشاهدة التلفاز.

… وبغض النظر عن عالم الفن، فإن امتلاك أخت صغرى في المرحلة المتوسطة تعرف الكثير عن السياسة لا يبدو أمرًا لطيفًا، بل مزعجًا إلى حد ما.

عدت أنظر إلى المرأة، إلى كاغينوي.

كانت ملامحها جميلة فعلًا.

أهي نجمة آيدول تتحدث بلهجة كيوتو؟ أم سياسية تتحدث بلهجة كيوتو؟

لا، لحظة. معظم السياسيين في كيوتو يتحدثون بلهجة كيوتو، لذا لا شيء مميزًا في ذلك.

«اسمي أراراغي كويومي».

قلت ذلك أخيرًا، إذ لم يكن من اللائق أن أتركها تعرّف عن نفسها وحدها.

وتبعتني كارين قائلة:

«وأنا أراراغي كارين».

يا لها من فتاة مهذبة، تعرف كيف تحيي الناس كما ينبغي.

هذا ما فكرت فيه، حتى أضافت:

«لكن يبدو أن الناس ينادونني بلقب فاير سيسترز».

يا للمفاجأة. اتضح أن أختي هي ذلك النوع المحرج من الأشخاص الذين يعرّفون الغرباء بألقابهم المستعارة من أول لقاء.

ولم تكتفِ بذلك، بل قالت «يبدو أن الناس ينادونني»، وكأنها تنقل معلومة سمعتها من الآخرين، مع أنها هي من اختارت هذا اللقب لنفسها!

«… فهمت. أخ أكبر حقير، وأخت صغرى تشبه الدبور. هذا مثير للاهتمام».

«…؟»

هاه؟

دبور؟

هل قالت دبورًا للتو؟

«هيهيهي. على أي حال، يبدو أن الأمر انتهى عندكم، فلا مشكلة لديّ في ذلك… لكن، ما رأيك؟ سأكرر سؤالي: هل تعرف أين يقع معهد إيكو للدروس الخصوصية؟»

«حسنًا… أمم…»

معهد إيكو…

إيكو للدروس الخصوصية؟

للأسف، لم أسمع بهذا الاسم من قبل. ربما كان واحدًا من معاهد الدروس الخصوصية القريبة من محطة القطار؟ إن كان الأمر كذلك، فربما يكفي أن أدلها على اتجاه المحطة.

فهي تبدو كأنها سائحة.

وحين دققت النظر فيها، لاحظت أن شعرها يميل قليلًا إلى البني. وهذا يعني، على الأقل، أنها ليست من سكان المنطقة.

لا يوجد هنا أحد يصبغ شعره.

ولا توجد حتى متاجر تبيع صبغات الشعر.

يُقال إن كارين جنحت إلى الجنون ذات مرة وصبغت شعرها بالوردي، لكنها استخدمت الألوان المائية لفعل ذلك.

وبعدما طُلي شعرها بالحبر الأسود فوق اللون الوردي، فلا بد أن رأسها بدا حينها بمظهر رخامي لا يُصدق.

كانت مثالًا واضحًا على فشل محاولة لفت الأنظار عند دخول المرحلة المتوسطة، ولا بد أنها ذكرى مريرة بالنسبة إليها الآن.

مع أنها ربما نسيتها تمامًا، وتظاهرت بأن شيئًا من ذلك لم يحدث.

صبغ شعرها فجأة، ثم قصّه فجأة، إنها أخت مستعدة لإلقاء حياتها في الوحل لمجرد نزوة.

«… حسنًا، انتظري قليلًا من فضلك».

حسنًا، ليس من الضروري أن أبالغ في مساعدتها لمجرد أنها سألتني عن الطريق، فهي امرأة بالغة في نهاية المطاف.

وقد يكون من غير اللائق أن يبالغ طفل مثلي في الاهتمام بشؤونها.

كان بإمكانها استخدام نظام تحديد المواقع في هاتفها المحمول.

لكن ربما كانت كاغينوي، مثل شخص أعرفه كان يعيش في هذه المدينة ذات يوم، ضعيفة في التعامل مع الأجهزة الإلكترونية.

وربما كانت من الجيل الذي لا يعرف سوى الهواتف ذات القرص الدوّار.

(يا لها من فكرة وقحة!)

ألقيت نظرة أخرى على كارين، لكن بدا أنها قررت أن تترك هذه المسألة لي تمامًا، وأن تلتزم الصمت.

صحيح أن كارين شخصية محبة للخير، لا تتردد في تقديم المساعدة للآخرين، لكن عندما يتعلق الأمر بمشكلة لا يمكن حلها بالعنف، كما في هذه الحالة، فإنها تصبح عاجزة تمامًا تقريبًا.

أي نوع من أبطال العدالة هذا؟

«انتظري قليلًا. لديّ صديقة تعرف مواقع جميع معاهد الدروس الخصوصية الموجودة في اليابان. إنها فتاة مذهلة».

لكنني، من ناحية العجز، لم أكن مختلفًا كثيرًا عن كارين.

ولهذا، حين أواجه مشكلة، ألجأ إلى هانيكاوا.

هانيكاوا تسوباسا.

زميلتي في الصف، ورئيسة لجنة الصف.

متفوقة بين المتفوقين، بل إنها من النخبة المطلقة، صاحبة المركز الأول في الامتحانات التجريبية على مستوى البلاد، ولا تتباهى حتى بهذا الإنجاز.

منذ أن تعرفت إليها في عطلة الربيع الماضية، أصبحت أعتمد عليها في أمور شتى.

بل حتى خلال العطلة الصيفية الحالية، كنت أعتمد عليها باستمرار، بحجة أنها تساعدني على الدراسة استعدادًا لامتحانات القبول. من الصباح حتى المساء، من «صباح الخير» إلى «تصبحين على خير»، بل وحتى في أحلامي، كانت تساعدني طوال الوقت.

بالطبع، أتركها تستريح خلال عطلة أوبون.

ومع ذلك، فإن هانيكاوا، مثل كانبارو، لا تملك ريفًا تعود إليه خلال العطلة، وإن كانت أسبابها مختلفة. لذا فمن المرجح أنها تقضي هذا الوقت في المكتبة، تدرس ما يخصها من أمور.

إذًا، لنتصل بها!

لنتصل بهانيكاوا!

يا للروعة!

قد يرى البعض أنني شخص مزعج، لأنني أتصل بهانيكاوا، التي تدين لها نفسي بالكثير، لمجرد أمر تافه كهذا. لكنني، على العكس، أريد التحدث إليها تحديدًا في الأمور التي لا أهمية لها!

على الأقل…

على الأقل، أفضل ذلك على أن أجرّها إلى قضية مهمة مثل تلك التي حدثت في المرة الماضية.

ومع ذلك، كان عليّ أن أختصر المكالمة هذه المرة، فلا مجال للأحاديث الجانبية. يبدو أن ما نحن فيه ليس فقرة كوميدية، وكل ما أريده هو معرفة مكان معهد إيكو، أو بالأحرى، سماع صوت هانيكاوا فحسب.

«آسفة على الانتظار، معك هانيكاوا. أراراغي-كن؟ هل تدرس كما ينبغي؟ لا تتكاسل، أليس كذلك؟ جيد، هذا مطمئن. أما أنا؟ نعم، لا بأس. كنت أدرس قليلًا وقت الظهيرة».

الدراسة وقت الظهيرة؟

يبدو ذلك كأنه اسم فقرة تلفزيونية…

رغم أن هانيكاوا صاحبة المركز الأول على مستوى البلاد، فإنها لا تنوي، على ما يبدو، التقدم إلى الجامعة، لذا فلا بد أن دراستها هذه من أجلها الشخصي.

«الدراسة من أجل النفس»… حتى هذه العبارة تبدو غريبة حين أفكر فيها.

هممم.

كانت الظهيرة، والحرارة في ذروتها، فبدأت أتخيل أن هانيكاوا ربما كانت تدرس بملابس خفيفة للغاية. يا ليتني أعلم إن كانت لا ترتدي حمالة صدر، سيكون ذلك رائعًا… وإن لم يكن الأمر كذلك، فربما تكون قد خرجت للتو من الحمام وشعرها لا يزال مبتلًا…

«أراراغي-كن، هل تتخيل شيئًا منحرفًا الآن؟»

قاطعتني فورًا.

يا لها من قدرة خارقة.

لم يعد بإمكاني حتى أن أطلق العنان لخيالي من دون أن أُكشف.

«ثم إنك تبدو كأنك في الخارج. هل تدرس فعلًا كما ينبغي؟»

يا لحدة ملاحظتها.

لكنني لا أتهرب من الدراسة، بحق السماء.

لقد أنهيت تمارين الصباح قبل أن أخرج، وسأعود إلى المنزل للدراسة بمجرد أن أوصل كارين إلى منزل كانبارو.

«وأيضًا، يبدو أن موضع صوتك أعلى من المعتاد بنحو متر. لا تقل لي إنك تجعل كارين-تشان تحملك على كتفيها لتضايقها، أليس كذلك؟»

هذا يتجاوز حدود الدقة!

إنه أمر مرعب!

ماذا؟ كيف؟ هل يمكن أن يتغير رنين الصوت إلى هذه الدرجة بسبب ارتفاع متر واحد؟

نحن لا نتحدث وجهًا لوجه، لذا فالأمر ليس مجرد أنها تسمع صوتًا آتيًا من الأعلى… صحيح أن الصوت عبارة عن موجات، والموجات اهتزازات في الهواء، ولذلك قد يتغير الصوت باختلاف الضغط الجوي، لكن هل يمكن أن يتغير بهذه الصورة الواضحة لمجرد إضافة ارتفاع شخص واحد؟

توقفي عن هذا.

ستجعلينني أبدو وكأنني قصير القامة إلى حد مخجل.

«ثم إنني لا أستطيع التخلص من إحساس بأنك، منذ بداية المكالمة، تضغط بمنطقة ما بين فخذيك على رأس كارين-تشان، وتستمتع بالأمر…»

توقفي عن وصف الأمر بهذه الطريقة أيضًا!

أي نوع من المنحرفين تظنينني؟!

أنا لا أضايقها ولا أستمتع بشيء من هذا القبيل…

ثم إنني حين بدأت أتلقى تعليقاتها الهادئة، لم أعد أفهم حتى لماذا أجعل كارين تحملني على كتفيها أصلًا.

لا ينبغي أن أهدأ.

لا ينبغي أن أعود إلى رشدي.

عليّ أن أتحمس وأنسى نفسي!

«معهد إيكو؟ أجل، أعرفه».

وكانت هانيكاوا تعرفه فعلًا.

لقد عرفته حقًا…

صحيح أنني تحدثت عنها أمام كاغينوي وكأنها فتاة خارقة تعرف كل شيء، لكنني ظننت أنها مجرد طالبة متفوقة تعتمد على الدراسة الذاتية، وأنه من المستحيل أن تكون على دراية بمواقع جميع معاهد الدروس الخصوصية في اليابان.

لكن يبدو أن الأمر ليس مستحيلًا تمامًا.

وكعادتي، قلت لها:

«أنت تعرفين كل شيء».

فأجابتني، كما تفعل دائمًا:

«لا أعرف كل شيء. أعرف ما أعرفه فحسب».

يا لها من عبارة رائعة.

أشعر أنني أعيش اليوم لأسمع هانيكاوا تقولها.

…

ومع ذلك، فقد بدأت أشعر، بحساسيتي المفرطة، أنني أطلب منها تكرار هذه العبارة كثيرًا، إلى درجة أنها لم تعد تقولها إلا مجاملةً لي، لأنها مضطرة إلى مجاراتي.

غالبًا ما تقولها بتعبير يوحي بشيء من الحيرة.

وهذا التعبير رائع أيضًا!

«أراراغي-كن، هل تفكر في شيء سيئ الآن؟»

يا إلهي.

لم تعد ملاحظاتها حادة فحسب، بل صارت أشبه بشيء مدبب يخترقني.

إنها تصيب الهدف مباشرةً!

«في الآونة الأخيرة، بدأت أستسلم قليلًا، كما تعلم. أعني، بشأن إصلاحك وتقويم سلوكك يا أراراغي-كن».

لا تستسلمي!

لا تتخلي عني!

«سينجوغاهارا-سان استطاعت إصلاح نفسها، على الأقل… آه، لا بأس. دعنا نترك هذا. يبدو أنك على عجلة من أمرك، لذا سأؤجل محاضرتي التوبيخية إلى المرة القادمة».

وهكذا، تقرر أن أتلقى محاضرة توبيخية في المرة القادمة.

في تلك اللحظة، شعرت من جهة بأنني أفكر: «يا للمصيبة! لقد فعلتها مجددًا! ستوبخني هانيكاوا!»، لكنني لاحظت في داخلي جزءًا يستمتع بالفكرة.

وهذا جعلني أشعر بأنني فعلًا أخو أراراغي كارين.

يا لها من رابطة أخوية.

أنا من فئة الرجال الذين يجدون في التوبيخ متعة!

«بالمناسبة يا أراراغي-كن، كان يفترض أن تعرف مكان معهد إيكو بنفسك. لأن… أتذكر ذلك المبنى المهجور الذي أقام فيه أوشينو-سان وشينوبو-تشان طوال تلك المدة؟ المعهد الذي تبحث عنه كان موجودًا داخل ذلك المبنى».

قالت هانيكاوا ذلك ببساطة، لكن كلماتها جعلتني أشعر بالدهشة والاقتناع في آن واحد.

أما الدهشة، فكانت بسبب اكتشافي أن معهد الدروس الخصوصية الموجود في ذلك المبنى الذي أعرفه جيدًا، والذي يحمل ذكريات عميقة بالنسبة إليّ، والذي قضيت فيه معظم عطلة الربيع بنفسي، كان له اسم بالفعل.

وهذا أمر طبيعي.

أما الاقتناع، فكان لأنني أدركت أن أجهزة الملاحة الحديثة، مثل نظام تحديد المواقع، قد لا تكون مفيدة في العثور على معهد أُغلق منذ سنوات.

آه، فهمت.

معهد إيكو، هاه؟

إذًا، كان هذا هو الاسم الذي يحمله ذلك المعهد، الذي يبدو اسمه ذكيًا إلى حد بعيد.

كنت أظن أن المعهد لا بد أن يكون ذا حجم لا بأس به، حتى لو لم يكن من المعاهد الكبرى، ما دام يشغل مبنى كاملًا بمفرده.

… ومع ذلك، فقد كان مصير هذا المعهد الذي يبدو اسمه ذكيًا بائسًا للغاية؛ إذ احتل رجل قذر يرتدي قميصًا هاواييًا المبنى، ثم استُخدم مكانًا لاحتجاز طالب ثانوي مسكين. لقد شهد ذلك المبنى ما يكفي من المآسي، وكأن الزمن لا يرحم أحدًا، مهما بلغ مجده.

حسنًا…

لا داعي للتفكير في ذلك الآن.

لا أريد أن أجعل كاغينوي تنتظر أكثر، ولا أن أزعج هانيكاوا في دراستها.

أما كارين، التي يتعين عليها التوقف في مكانها بينما تحملني على كتفيها، فلا أشعر تجاهها بأي ذرة من الشفقة، وأنا أحب هذه الصفة في نفسي!

شكرتها، فأجابتني:

«لا داعي لشكري على شيء كهذا. حسنًا يا أراراغي-كن، سلّم لي على كانبارو-سان. إلى اللقاء!»

كان ذلك ردها.

أنهيت المكالمة، ثم…

لحظة.

أنا لم أقل لها أصلًا إنني ذاهب لمقابلة كانبارو!

لا بد أنها اكتشفت دليلًا ما أثناء حديثنا. (دليل واضح بالنسبة إليها إلى درجة لا تستحق حتى أن تشير إليه).

إنها ليست مجرد مسألة تفوق عادي، بل كأنها تعمل بوحدات قياس مختلفة تمامًا عن بقية البشر.

ومع ذلك، كم من تفاصيل حياتي الخاصة انكشفت لمجرد أنني سألتها عن موقع معهد للدروس الخصوصية؟

الثمن باهظ للغاية.

لقد أصبحت صورتي في ذهن هانيكاوا، على ما يبدو، صورة شخص يتخيل أمورًا منحرفة بشأن زميلته في الصف، ويستمتع بالضغط بمنطقة ما بين فخذيه على رأس أخته، بينما يتجه إلى منزل فتاة أصغر منه في المدرسة.

لو كان هناك منحرف كهذا، لضربته من دون أي نقاش!

«عرفت المكان، يا أخي الحقير؟»

كنت قد دخلت في مزاج كئيب قليلًا، أشبه بلون أزرق الكوبالت (أي إن مزاجي كان أزرق كوبالتيًا، إن صح التعبير)، لكن نداء كاغينوي أعادني إلى الواقع.

«آه، نعم… حسنًا…»

لم أعرف المكان من اسمه، لكن بما أنني عرفت أن وجهتها هو ذلك المبنى المهجور، فسيكون الأمر أسهل بكثير من إرشادها إلى اتجاه محطة القطار.

فمنذ رحيل أوشينو، انخفض عدد زياراتي إلى هناك بطبيعة الحال، لكنني ذهبت إلى ذلك المبنى مرات لا أستطيع حتى إحصاءها.

ومع ذلك، كانت هناك ثلاث مشكلات.

أولها أن المبنى المهجور يقع في مكان معقد قليلًا، ولذلك لم أكن متأكدًا من أن شرح الطريق سيجعلها تفهمه بدقة. فشرح الطريق سهل، لكن فهمه ليس كذلك.

صحيح أن الحاجز الذي نصبه أوشينو، أو أيًّا كان اسمه، قد أُزيل منذ زمن، لكن هذا لم يجعل الموقع الجغرافي أقل تعقيدًا.

إلا أن هذا القلق لم يكن في محله.

فعلى الرغم من ظهور كاغينوي بطريقة بهلوانية غريبة، وهي واقفة فوق صندوق البريد، بدا أنها تتمتع بذكاء حاد.

فقد شرحت لها الطريق مرة واحدة فقط، فقالت:

«آها! أوه، فهمت الآن. إذًا، كان في ذلك الاتجاه!»

وبدا أنها فهمت جيدًا.

لم يكن الأمر مجرد ادعاء للفهم من أجل الحفاظ على كبريائها أمام طفل أصغر منها.

ومن طريقة كلامها، خُيّل إليّ أنها كانت قد كوّنت تصورًا مسبقًا عن الطريق المؤدي إلى وجهتها، معهد إيكو.

حسنًا، لننتقل إلى المشكلة الثانية.

«المسافة طويلة نسبيًا… هل أنتِ متأكدة من أنك ستكونين بخير؟»

«ليس لدي مشكلة. لقد مشيت من بلدتي حتى وصلت إلى هنا. مئة كيلومتر ليست مسافة بالنسبة إليّ».

… بلدتها؟ هل تقصد كيوتو؟ أو على الأقل منطقة كانساي؟

يا لها من امرأة مذهلة.

إنها أعظم من كارين، التي تقول إن مئة وثمانين كيلوغرامًا لا تُعد وزنًا بالنسبة إليها.

آه، لحظة، هل كانت تمزح؟

حسنًا، ما دامت تقول إنها بخير، فلا بد أنها بخير. لذلك قررت معالجة المشكلة الثالثة والأخيرة.

«لكن يا آنسة كاغينوي، ذلك المعهد أُغلق منذ زمن… ما الذي تريدين الذهاب إلى هناك من أجله؟»

كانت هذه هي المشكلة الأخيرة.

لكن في الحقيقة، ربما لم يكن ينبغي لي أن أسأل هذا السؤال.

فهي لم تفعل أكثر من سؤالي عن الطريق، ولم يكن هناك داعٍ لأن أتدخل في شؤونها إلى هذا الحد. لم تكن هناك حاجة لأن أعرف أمرًا شخصيًا مثل سبب ذهابها إلى هناك.

لا بد أن هناك أسبابًا تدفع المرء إلى زيارة معهد أُغلق منذ سنوات.

ومن المؤكد أن ذلك السبب لا علاقة له بي.

لكنني أرجو أن تتفهموا موقفي.

ذلك المبنى المهجور ليس مجرد مكان يحمل ذكريات عميقة بالنسبة إليّ، بل إنه مكان يرتبط بذكرياتنا نحن أيضًا، وله مكانة خاصة في نفسي.

لذلك شعرت بشيء من التوتر حين اكتشفت أن شخصًا غريبًا قابلته للتو يتجه إليه.

لم يكن توترًا كبيرًا إلى هذا الحد، على أي حال.

لكنني سألت بالفعل، ولم يعد بإمكاني التراجع.

«هممم… ليس لديّ شيء محدد أريد الذهاب من أجله، لكنني أفكر في إنشاء قاعدة لي أولًا».

وكما توقعت، أجابتني كاغينوي بعبارة مبهمة، متجنبةً توضيح مقصدها.

وهذا أمر طبيعي. فهي ليست ملزمة بأن تشرح لي غرضها في كل مرة.

كل ما في الأمر أنني دللتها على الطريق.

وفوق ذلك، فمن وجهة نظري، فإن مجرد أنني تمكنت من التحدث إلى هانيكاوا خلال عطلة أوبون بفضل سؤال كاغينوي عن الطريق، يعني أن الحساب بيننا قد سُوّي تمامًا.

نحن الآن متعادلان.

«حسنًا، شكرًا لك يا أخي الحقير… آه، صحيح، صحيح. قد يصادف أن يسألك طفل صغير كهذا عن الطريق في المستقبل، فحينها، عامله باللطف نفسه الذي عاملتني به».

وبعد أن قالت ذلك، قفزت كاغينوي من فوق صندوق البريد.

إلى أعلى السور الحجري لمنزل قريب.

وكأن الأمر عادي تمامًا، انتقلت إلى مكان أعلى من مستوى نظري، ثم بدأت تمشي فوق السور بخطوات ثابتة، كما لو كانت تسير على عارضة توازن.

وفي النهاية، غابت عن مجال رؤيتي من دون أن تطأ قدماها الأرض ولو مرة واحدة؛ فقد واصلت القفز والمشي فوق الأسوار والحواجز المعدنية على جانب الطريق، حتى اختفت تمامًا.

آه، فهمت…

لقد أدركت الأمر.

إنها تلعب تلك اللعبة التي يكون فيها «الأرض بحرًا، وهناك أسماك قرش تلتهمك إن نزلت إلى الأماكن المنخفضة».

صحيح أنني كنت ألعب هذه اللعبة كثيرًا في طفولتي، حين كنت في المرحلة الابتدائية.

إذًا، لهذا كانت تقف فوق صندوق البريد…

«… همم؟ ما بك يا كارين؟ لقد أصبحت هادئة على نحو غريب منذ قليل».

ربتُّ على رأس كارين بيدي.

كان الأمر أشبه بفحص أداء الجهاز.

«ما الأمر؟ لا تتركي لي التعامل وحدي مع شخص غريب كهذا. وبسببك، تلقيت توبيخًا من هانيكاوا أيضًا».

«آه، آسفة».

يبدو أنها لم تنتبه إلى محاولتي تمرير المسؤولية إليها، أو بالأحرى إلى تمرير الكرة إليها بتمريرة رائعة.

اعتذرت، ثم قالت:

«لكن…»

«ماذا؟»

«شعرت فقط أن تلك المرأة قوية للغاية، فاستعددت لمواجهتها».

«قوية؟»

همم؟

حين تستخدم كارين كلمة «قوية»، فهي تقصد القوة القتالية، أليس كذلك؟

«حقًا؟ لم تبدُ لي كذلك… باستثناء تصرفاتها وطريقة كلامها، بدت مجرد امرأة جميلة يمكن أن تراها في أي مكان».

«طوال حديثها معك، لم يختل محور توازن جسدها ولو مرة واحدة. كان لديها إحساس بالتوازن يضاهي لاعبات التزلج الفني على الجليد».

«… فهمت».

حسنًا.

حتى لو كانت اللعبة التي تلعبها طفولية، فإن شخصًا بالغًا بحجمها ووزنها لا يستطيع عادةً المشي فوق سور حجري بهذه السهولة.

«لكنّك أنتِ أيضًا تمشين فوق الأسوار الحجرية، أليس كذلك؟ بل إنك تفعلين ذلك وأنتِ تمشين على يديك».

«هممم. صحيح، لكن… تلك المرأة مدرّبة جيدًا، بالتأكيد. حتى شكل قبضتيها كان مثاليًا تمامًا للكم الناس».

«ه-هل كان كذلك؟»

«أجل. لو لكمتَ مصدّ سيارة، فستكون الضربة من القوة بحيث تنفتح الوسائد الهوائية».

«هاه…»

إلى هذه الدرجة؟ كأنها حادث سير!

يصعب عليّ تصديق ذلك… لكن إذا كان كلامها صحيحًا، فهذه امرأة مرعبة حقًا.

قد لا يكون تقدير كارين للناس موثوقًا به على الإطلاق، لكن حين يتعلق الأمر بتقدير قوتهم، فالأمر مختلف.

وكما يُقال، ليس كل رجل نبيل محاربًا، ولا كل محارب رجلًا نبيلًا.

«صحيح، حين أفكر في الأمر بهذه الطريقة، كان لديها قدر كبير من الثقة بالنفس… بل ربما كانت متعجرفة وجريئة. كان يحيط بها ذلك الجو الذي يميز من يثقون بقوتهم الجسدية».

كان ذلك الجو قريبًا من الهالة التي كان يمتلكها دراماتورغي.

مثل هذه الهالة وحدها تكفي لترهيب المحيطين بصاحبها، ولهذا فإن شخصًا ضعيف القلب مثل سينغوكو يجدها أكثر ما يخشاه.

ومن بين الأشخاص العاديين، كان كانبارو، التي نحن في طريقنا إلى منزلها الآن، تمتلك هالة مشابهة.

وكذلك كارين نفسها، إذا أردنا قول الحقيقة.

إنها من النوع نفسه.

«أظن أن مدرّبي وحده يستطيع أن يقف أمامها على قدم المساواة. أما أنا، فلا أستطيع هزيمتها».

«يا للعجب».

رغم أن كارين كانت من النوع نفسه، فإنني فوجئت حقًا بكلماتها، حتى وأنا أحاول التخفيف من وقعها بالمزاح.

«كارين-سان، يبدو أنك فقدتِ ثقتك بنفسك».

«أنا أعرف الفرق في القوة حين أراه. ما دامت خصمي ليست شريرة، فأنا أستطيع تقدير قوتها».

«فهمت».

وبعبارة أخرى، إذا كانت خصمًا شريرًا، فإن كارين تفقد القدرة على تقدير الفارق في القوة بينها وبين خصمها.

سواء كان خصمها وحشًا، أو كانت هي في أسوأ حالاتها البدنية، فإنها في تلك الحالة تندفع إلى الأمام بلا تفكير.

إنها أخت خطيرة.

بل إن تسوكيهي أيضًا كذلك؛ فبدلًا من «فاير سيسترز»، ربما كان الأجدر أن نسميهما «ديـنجر سيسترز»! {أختا الخطر}

«مع ذلك…»

تابعت كارين كلامها.

حرّكت رأسها قليلًا، ونظرت نحو الاتجاه الذي غادرت منه كاغينوي، وقد بدت عليها علامات الانزعاج.

«لم نتأكد بعد أنها ليست شريرة، على أي حال».

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سلسلة مونوغاتاري

لا يوجد خزنة لهذه الرواية.