009
حسنًا، ليس الأمر وكأن ذلك يغيّر شيئًا على أي حال… فلا وجود لكائنات خالدة في هذا العالم أصلًا. باستثناء دببة الماء، دببة الماء فحسب… وما إلى ذلك من كلام أفسد به ختام حديثه، وهكذا انتهت المعلومات التي حصلت عليها من المحتال كايكي ديشو.
لم أستطع تحديد ما إذا كانت تلك المعلومات مفيدة أم عديمة الفائدة، فقد كانت غامضة إلى حد بعيد. وعلى أقل تقدير، كان من المشكوك فيه أن تكون الفائدة التي جنيتها منها توازي ما دفعته في المقابل.
متخصص في الخالدين.
هل يشبه الأمر ما كان عليه غيوتين كاتر ذات مرة، حين كان خبيرًا مختصًا بمصاصي الدماء؟ أم أنه يشبه حال كايكي ديشو نفسه، الذي يتخصص في الكايغي الزائفة؟
لم أكن أعرف.
هممم.
وبهذا المعنى، فعلى الرغم من مراوغاته الكثيرة، كان نطاق اختصاص أوشينو ميمي، الخبير الذي عرفناه، واسعًا حقًا، إلى درجة تكاد تكون مثيرة للسخرية.
ترى، من كان ذلك الرجل؟
على أي حال، ما إن انتهى الحديث حتى لم يعد هناك سبب لبقائنا معًا. لم تكن تربطني بكايكي علاقة تسمح لنا بتبادل أطراف الحديث لساعات، وحتى لو افترضنا العكس، فمن المستحيل أن تتحول الأحاديث العابرة، بل وحتى المزاح المتبادل، إلى شيء ممتع مع شخص مثله، يستقر في أجواء قاتمة وقذرة بطبيعته.
لا يمكنني أن أشاركه فقرة كوميدية.
نهضت، وحملت الصينية معي، ثم عدت إلى مقعدي السابق. وفي اللحظة الأخيرة، وقبل أن يفوت الأوان، خطرت لي فكرة.
«صحيح.»
ناديت كايكي.
«سأترك لك المحفظة والمال كما هما، لكن هناك شيئًا واحدًا أريدك أن تعيده إليّ يا كايكي.»
«شيء تريدني أن أعيده؟ ما هو؟ هل وضعت فيها بطاقة ائتمان مثلًا؟»
«لا أملك بطاقة ائتمان. أنا طالب في الثانوية، كما تعلم… إنها صورة. كانت هناك صورة في المحفظة.»
«أوه.»
أخرج كايكي محفظتي، أو بالأحرى محفظتي السابقة، من جيب سترته الداخلي، وفتحها، ثم أخرج منها صورة واحدة. وحين رأى الشخص الذي يظهر فيها، عقد حاجبيه قليلًا.
لم أعرف إن كان ذلك جزءًا من تعبير وجهه الجامد أم لا.
«…سينجوغاهارا. هل قصّت تلك الفتاة شعرها؟»
«همم… أجل، نوعًا ما.»
كانت صورة سينجوغاهارا.
صورة فوتوغرافية التُقطت مؤخرًا، باستخدام تلك الكاميرا الرقمية التي عثرنا عليها في غرفة كانبارو أواخر الشهر الماضي.
ثم طُبعت الصورة.
لا أعرف إن كان ذلك بفضل مهارة المصوّر، لكن الصورة كانت جميلة إلى حد أنني احتفظت بها داخل محفظتي، كأنها تميمة تجلب الحظ خلال فترة الاستعداد للامتحانات. ربما كان ذلك تصرفًا عتيقًا بعض الشيء بالنسبة إلى شاب في الثانوية يعيش في هذا العصر، لكن هذا لا يعني أنني سأترك صورة سينجوغاهارا تذهب إلى كايكي بهذه السهولة.
بل إنني لا أريد التخلي عنها أصلًا.
فبالنسبة إليّ، لا توجد أي معلومات في العالم تستحق أن أدفع ثمنها بهذه الصورة.
«همف… تبتسم بهذه البشاشة، وبذلك الوجه الذي خلا من كل حدّة. حين يفقد الإنسان صلابته، لا يعود هناك حدّ لما يمكن أن يبلغه من رخاوة. بالنسبة إليّ، أنا الذي عرفتها حين كانت تتألق في الماضي، تبدو هذه الفتاة شخصًا آخر تمامًا. لم يبقَ منها أي أثر، ولا حتى شبح لما كانت عليه.»
ظننت للحظة أن كايكي سيطلب مني ألفي ين إضافية، مستغلًا ما تبقى في جيبي، لكنه أعاد إليّ الصورة على نحو أسهل مما توقعت.
وبدا عليه أنه غير مهتم بها على الإطلاق.
كأنه لا يرى فيها أي قيمة.
لم يماطل، ولم يعترض، بل وضعها في يدي مباشرة.
«—إنه أمر مؤسف للغاية بالنسبة إليّ، ولا أجد ما أقوله سوى إنني أشعر بخيبة أمل. ما القيمة التي يمكن أن تمتلكها سينجوغاهارا هيتاغي الودودة والمشرقة؟ هناك لعنتان: لعنة تمنع الإنسان من إدراك قيمته، ولعنة تمنعه من إدراك انعدام قيمته. وأيهما يختار المرء أن يحملها معه طوال حياته، فذلك سؤال يرافقه ما دام حيًا… لكن، على أي حال، ينبغي للأطفال أن يكبروا، ولذلك سأمتنع هنا عن التعليق، أنا الذي انتهى أمره مثلي.»
شخص انتهى أمره.
هكذا وصف كايكي ديشو نفسه.
صحيح… فمن منظور شخص في عمر كايكي، لا أكون أنا وسينجوغاهارا سوى طفلين ما زلنا في بداية الطريق.
ثم إن الأمر يتجاوز ذلك قليلًا.
لقد بدأت أفهم، ولو بصورة مبهمة، أن العلاقة بين كايكي ديشو وسينجوغاهارا هيتاغي لم تكن مجرد علاقة بين محتال وضحيته.
فلو كان الأمر كذلك فحسب، لما كان لقاء سينجوغاهارا به مجددًا، ومواجهتها له، قد شكّلا نقطة فاصلة واضحة إلى هذا الحد بالنسبة إليها.
ولما كان ذلك قادرًا على أن يكون بمثابة تطهير لها.
لكن، مهما بلغت درجة فهمي لما حدث، فلا ينبغي لي أن أتعمق في ماضي حبيبتي إلى هذا الحد. لم أكن بحاجة إلى أن يخبرني كايكي بذلك؛ فالأطفال ينبغي لهم أن يتطلعوا إلى الغد، لا إلى الأمس.
لا باعتباره نهاية، بل بداية.
حسنًا.
لنبدأ إذن بالمستقبل القريب، وبالطبع، فإن ما ينبغي لي التفكير فيه هو أمر هاتين المرأتين.
السيدة كاغينوي، والفتاة أونونوكي.
كاغينوي يوزورو، وأونونوكي يوتسوغي.
لقد تأكدت الآن من أنهما تشكلان الثنائي الذي توقعته، أي فريقًا من شخصين يعملان معًا.
وتأكدت كذلك من أنهما متخصصتان، كما توقعت.
إذن، لم يكن السبب وراء وصف الآخرين لي بالوحش أو الشيطان هو تصرفاتي الفظيعة تجاه كارين أو هاتشيكوجي، بل لأنني ما زلت أحتفظ ببعض خصائص مصاصي الدماء داخل جسدي.
وهذا يعني أن بإمكاني الاستمرار في القيام بتلك التصرفات من الآن فصاعدًا بكل أريحية.
يا له من خبر مشجع.
لكن، هل يعني حصولي على المعلومات التي أردتها أن القضية قد انتهت؟ يبدو أن الأمر ليس بهذه البساطة. بل لا يمكنني إنكار أن نطاق المشكلة قد اتسع بدلًا من أن يضيق.
لقد كبر الموضوع.
صائدتا أشباح متخصصتان في الكايغي الخالدة.
الخلود، والكائنات التي لا تموت.
مصاصو الدماء.
لقد أكد كايكي أن مثل هذه الكائنات غير موجودة، ورغم أن كلامه ليس خاطئًا بالضرورة إذا أخذنا الأمر بمعناه الواسع، فإن الحقيقة الدقيقة تظل أن هناك في هذه المدينة الآن كائنين يمكن وصفهما بذلك، ولا مفر من هذا الوصف.
وهما، بطبيعة الحال، أوشينو شينوبو، وأراراغي كويومي.
«حيثما يوجد خالد، يوجد قاتل الخالدين. سواء في الأساطير أم الحكايات، تظهر كائنات وحشية وآلهة لا تموت في كثير من الأحيان. لكن تلك الكايغي تُقتل في معظم الحالات، رغم خلودها.»
إذا كان الخلود موجودًا في الواقع…
فلا بد أن يكون قاتل الخالدين موجودًا هو الآخر.
«إنهم من ذلك الصنف»، قالت شينوبو.
كنا في طريق عودتنا من مستر دونات.
نركب الدراجة معًا.
ركوبًا ثنائيًا لم أكن لأفعله مع كارين.
كنت أفضل أن تبقى شينوبو مختبئة في ظلي أثناء التنقل، لكن حين قررت، بعد أن شبعت، أن تقول: «بما أننا هنا، فلألقِ نظرة على العالم في وضح النهار أيضًا»، لم أجد وسيلة لإجبارها على العدول عن رأيها.
كانت لدي وسيلة، لكنني لم أستطع استخدامها.
يبلغ عمر شينوبو الظاهري نحو ثماني سنوات.
وإذا أصرت على أنها في السادسة، فلن يكون من الصعب تصديق ذلك أيضًا، مع أنها في الحقيقة تبلغ خمسمئة عام.
لذا، فإن ركوب شخصين على دراجة واحدة ليس مخالفًا للقانون، على الأقل من حيث المظهر. لكن ذلك ينطبق فقط إن جلست شينوبو بهدوء على المقعد الخلفي.
فقد قالت:
«هممم. يبدو أن الحديث سيكون أسهل من هنا.»
ثم حشرت نفسها بالكامل في السلة الأمامية للدراجة.
وضعت مؤخرتها داخل السلة، وأسندت قدميها إلى المقود، وجلست قبالتي، وأنا الذي كنت أقود الدراجة.
يبدو أنها لا تعرف الكثير عن الدراجات.
إن الجهل، في مثل هذه الحالات، أمر مخيف حقًا؛ إذ قد يدفع صاحبه إلى ابتكار أساليب قيادة لا يمكن لنا نحن الهواة حتى أن نتخيلها.
سأسميها: وضعية إي تي المعكوسة.
…لكن، وبما أن شينوبو عاشت خمسمئة عام فحسب، ولم تقضِ تلك القرون الخمسة في حالة ختم، فمن الغريب ألا تكون قد صادفت دراجة في مرحلة ما من حياتها، حتى لو كانت تجهل الكثير عن الثقافة اليابانية.
ربما كانت ببساطة جاهلة بأمور العالم، بصرف النظر عن كونها مصاصة دماء.
كان قيادتها بهذه الوضعية صعبًا بعض الشيء؛ إذ اضطررت إلى الانحناء إلى الأمام أثناء التبديل بين الدواسات حتى أتمكن من صنع ظل مناسب داخل السلة، لكن الأمر لم يصل إلى حد استحالة تحريك الدواسات، لذا قررت الانطلاق على هذا النحو.
لا بأس بذلك، على ما أظن.
«متخصصتان في الكايغي الخالدة، وهما من الأونميوجي… يا له من صداع. يبدو أنني أنا وأنت الهدف، أليس كذلك؟»
في الواقع، لا أنا ولا شينوبو خالد في وضعنا الحالي، لكننا نمتلك بالتأكيد، في مكان ما داخل أجسادنا، عوامل الخلود، أو بالأحرى شظايا منه.
حتى لو لم يتبقَّ منها سوى أثر يجعل جروحنا تلتئم بسرعة.
أو أثر يجعلنا لا نشعر بالجوع بسهولة.
فما دام شيء منها باقيًا، فلا بد أن يُعدّ ذلك نوعًا من الخلود.
…والآن بعد أن فكرت في الأمر، حتى المحتال كايكي ديشو، حين حاول تنفيذ عملية احتيال واسعة النطاق في هذه المدينة، كان قد برر اختياره لها بأن مصاصة الدماء الأسطورية، أي شينوبو في هيئتها السابقة، سبق أن حلّ فيها، وأن الأماكن التي شهدت مثل هذه الأحداث تصبح أكثر ملاءمة للأعمال المرتبطة بالخوارق، أي عمليات الاحتيال بالنسبة إلى كايكي.
حتى لو لم يكن قد جاء من أجلنا تحديدًا.
فلا يمكن القول إن وجودنا لم يكن سببًا، ولو بصورة غير مباشرة، في قدوم كايكي إلى هذه المدينة.
وعلى الأقل، لم يكن سبب عودته إلى هنا هو ذلك السبب العاطفي الحزين، المفعم بالحنين، المتمثل في كون سينجوغاهارا، التي سبق أن خدعها، تقيم في هذه المدينة.
«ففف. أنا وأنت هدفهما، هاه؟ لكن ذلك ليس مؤكدًا، يا سيدي العزيز.»
كانت شينوبو تتربع بتعالٍ داخل السلة الأمامية للدراجة، وقد شبكت يديها خلف رأسها.
لم تكن تلك الوضعية المتعجرفة لتضيف شيئًا إلى رصيدها بأي شكل من الأشكال.
لكن، حقًا، ما أصغر جسدها.
يمكنها أن تدخل في جيب بسهولة.
«لقد التهمت من الكايغي الخالدة ما يكفي لأموت من كثرتها. أنا أيضًا قاتلة خالدة جديرة بهذا الاسم… ثم إن الكايغي، في الأصل، ليست كائنات حية، أليس كذلك؟ فما معنى أن تكون خالدة أو غير خالدة بالنسبة إلى شيء لا يعيش أصلًا؟»
«آه… صحيح. لا معنى للخلود بالنسبة إلى شيء لا يعيش.»
إنها طريقة لا تترك مجالًا لأي نقاش.
«إذن، هل يمكن القول إن جميع الكايغي خالدة؟… أظن أن أوشينو قال شيئًا من هذا القبيل أيضًا. لكن، بعيدًا عن هذه التعريفات، إن كان من الممكن أن يكون هناك أشخاص آخرون غيرنا مستهدفين، فهل تقصدين يا شينوبو أن مصاصي دماء آخرين قد يكونون موجودين في هذه المدينة؟»
«ليس بالضرورة أن يكونوا مصاصي دماء… لكن وجودهم ليس مستبعدًا. بل لا، إن وجودهم أمر مستغرب فعلًا…»
هممم.
إذا استبعدنا شروط الخلود وما شابه، فعند التفكير في الأمر، حتى لو اقتصرت ملاحظاتي على الأشخاص المحيطين بي، فهناك عدد لا بأس به من البشر الذين يعيشون وفي داخلهم كايغي.
مثل كانبارو سورُوغا، التي تسكن قردة في يدها اليسرى.
ومثل هانيكاوا تسوباسا، التي تسكن قطة في روحها.
«إذن، ليس من المستبعد أن يكون هناك أشخاص آخرون لا أعرفهم، تسكن كايغي داخل أجسادهم… لا، لحظة، بل هذا مستبعد فعلًا! هل يُعقل أن توجد كل هذه الكايغي في مدينة واحدة؟»
«أليس في هذا البلد، بحسب ما هو معروف، ثمانية ملايين إله؟ أي نحو مئة وسبعين ألف إله في كل محافظة. فكيف يكون غريبًا أن توجد عشرة كايغي أو نحو ذلك في مدينة واحدة؟»
«أنت تخلطين بين الكايغي والآلهة…»
هل يجوز فعلًا أن نخلط بينهما؟
في هذا البلد تحديدًا، سبق أن قال أوشينو إن الكايغي تكاد تكون مرادفة للآلهة.
كل ما لا يمكن فهمه هو فعل من أفعال الآلهة، وكل ما لا يمكن تفسيره هو صورة من صورها.
أجل.
هذا ما قاله.
«صحيح أن كايكي لم يكن يؤمن بمصاصي الدماء، لكنني أذكر أن وجود كائن ذهبي من فئة الكايغي مثلك قد تسبب في تنشيط الكايغي في هذه المنطقة. أليس كذلك؟ حتى إننا ذهبنا إلى ذلك المعبد الذي تحول إلى بؤرة لتجمعها… وهناك التقيت سينغوكو مجددًا في ذلك الوقت.»
لكن، على أي حال.
حتى لو كان ذلك صحيحًا، فمن الواقعي أكثر أن نفترض أن السيدة كاغينوي والفتاة أونونوكي جاءتا لاستهدافنا.
من الصعب أن أصدق أنهما جاءتا بحثًا عن خالدين آخرين قد يكونون موجودين في مكان ما، ثم صادفتاني مصادفة وطلبتا مني إرشادهما إلى الطريق.
ذلك تفكير متفائل أكثر مما ينبغي.
إن التفاؤل ضرورة لا غنى عنها كي يتمكن البشر من مواصلة الحياة، لكن التفكير المتفائل لن يكون مفيدًا كثيرًا في هذه الحالة.
حتى طلبهما إرشاديهما إلى الطريق كان مصادفة مثالية أكثر مما ينبغي.
المصادفة.
غالبًا ما تكون المصادفات وليدة نوع من الحقد أو النية السيئة…
يا لك من رجل يطلق كلامًا جيدًا رغم أنك محتال سيئ السمعة، كايكي ديشو.
يبدو أن خوضه المواقف العصيبة طوال حياته قد أكسبه قدرًا لا بأس به من الحكمة.
رجل عاش في قلب المواقف العصيبة، لكنه لم يتحول إلى محارب، بل ظل متمسكًا بدوره كمحتال حتى النهاية.
وخبير أيضًا.
متخصص، وصاحب خبرة.
وكاغينوي أيضًا متخصصة وصاحبة خبرة.
أونميوجي.
ومدحرجة الكايغي.
…همم؟
لكن، إذا لم تخنّي ذاكرتي، فقد أبدت شينوبو تحفظًا غريبًا تجاه كلمة «أونميوجي» نفسها قبل قليل… أم أنها كانت تتهرب فحسب وفق قواعد شينوبو الخاصة؟
«ما بك يا سيدي؟ هل تفكر في شيء؟»
«تفكر؟… أجل، أفكر في شيء. أو بالأحرى، هناك مشكلة تشغلني.»
حسنًا.
لن يفيدني سؤالها على أي حال.
لا جدوى من استجواب شينوبو.
الأفضل أن أركز الآن على التفكير فيما ينبغي أن أفعله لاحقًا.
«السيدة كاغينوي والفتاة أونونوكي… يبدو أن اتخاذ ذلك المبنى المهجور مقرًا لهما يجعلهما شبيهتين بزملاء أوشينو في المهنة. ربما ينبغي أن أتعامل مع الأمر في أقرب وقت ممكن. بل ربما يجدر بي أن أحسم الأمر اليوم، دون تأجيل.»
«أوه! ماذا؟ هل سنخوض معركة أخرى؟ يا لها من فكرة تبعث الحماسة في الجسد!»
ابتسمت شينوبو ابتسامة عريضة، وكأنها تستمتع بالأمر لمجرد التسلية.
راودتني فكرة أن أتعمد الاصطدام بعمود إنارة، لكنني عدلت عنها؛ لأن ذلك لن ينتهي بسلام لأي منا.
يا له من ثنائي خالد عظيم.
حتى حادث دراجة عادي لا يمكننا تحمله.
«لن نخوض أي معركة. سنتحدث فحسب، سنتفاوض.»
بحسب كلام كارين، فإن السيدة كاغينوي تقع في مستوى معلمها أو ما يقاربه. أما الفتاة أونونوكي، فوجودها بحد ذاته كايغي.
إنهما ليستا من النوع الذي أرغب في قتاله.
وفوق ذلك، أنا لست من سلالة محاربي القتال.
حتى لو عدت من حافة الموت، فلن أحصل على زيادة هائلة في قوتي.
«إذا أردنا استخدام تعبير أوشينو، فهذه مفاوضات. ما علينا سوى أن نجعلهما تفهمان أننا أنا وأنت لا نشكل أي خطر، وعندها لن تكون هناك حاجة إلى تطهيرنا.»
«تطهيرنا، هاه؟ ليس مؤكدًا أصلًا أنهما جاءتا لتطهيرنا.»
«إذن، لماذا جاءتا؟»
«من يدري؟ أنا فقط أستمتع بإفساد كلامك ومخالفة ما تقوله، يا سيدي. أليس من واجبي أن أقول: ومن قال ذلك؟ ففف. لكن لا تقلق، فعلى الرغم من كل شيء، أنا وأنت كيان واحد، ومصيرنا واحد. وإذا اقتضى الأمر، فسأمد لك يد العون.»
«يا له من لطف منك.»
لن أعتمد عليك عمدًا، على أي حال.
لكن، حتى إن لم تكن سندًا لي، فمن المؤكد أن شينوبو ستظل خلفية أستند إليها. إن حقيقة أننا كيان واحد ومصيرنا واحد قد تمنحني الشجاعة في المواقف الحرجة.
لقد تصالحت مع شينوبو في أواخر الشهر الماضي، لكن حين أفكر في الأمر، أليس من الممكن أنها ظلت منذ لحظة لقائنا الأولى كيانًا واحدًا معي، وشريكة لي في المصير؟
أمر كهذا…
لم أدركه حتى وقت قريب.
بل لم أحاول حتى أن أدركه.
«…ومع ذلك، الجو حار جدًا. يبدو أن الشمس لا تزال تثير كراهيتي. ربما كان عليّ أن أبقى مختبئة في ظلك كما قلت. أشعر وكأن جسدي سيتحول إلى رماد. حتى القبعة لا تنفع بشيء. أكاد أذوب، رغم أنني لست مصاصة دماء.»
«هاه، بالطبع. فالحرارة هنا كافية لإذابة الإسفلت، كما تعلمين.»
«أهذا ما يسمونه الاحتباس الحراري؟ همف… الأرض تتقلب بين الحر والبرد منذ الأزل.»
«هذا صحيح.»
«لا داعي لأن يفرح الناس أو يحزنوا بسبب تغير مئة أو مئتي درجة.»
«لو ارتفعت الحرارة أو انخفضت بمئتي درجة، فلن يبقى أحد قادرًا على الفرح أو الحزن أصلًا.»
حسنًا…
إذن، ما إن نعود إلى المنزل، سأتوجه مباشرة إلى المبنى المهجور.
وبعيدًا عن مسألة التعامل مع الأمر في أقرب وقت، فمن أساسيات التفاوض أن أبادر إلى اتخاذ الخطوة الأولى.
يقال إن اللاعب الذي يبدأ أولًا في الشوغي أصبح في وضع غير مواتٍ في الآونة الأخيرة، لكنني في الأصل لا أذهب لخوض مواجهة أو مباراة.
أنا ذاهب للتحدث.
وحتى لو لم يكن الثنائي المؤلف من كاغينوي وأونونوكي قد جاء إلى هذه المدينة بحثًا عن أراراغي كويومي وأوشينو شينوبو، فلا يمكن أن تكونا مجرد سائحتين، ما دامتا متخصصتين.
لا بد أن لديهما شأنًا ما يتعلق بالكايغي.
لذلك، ينبغي لي أن أشرح لهما مسبقًا، من باب الحرص، الظروف الغريبة التي تنطوي عليها هذه المدينة.
ففي أسوأ الاحتمالات، لا يمكن استبعاد أن يمتد الأذى إلى كانبارو أو هانيكاوا.
وكما فكرت قبل قليل، فإن الكايغي التي تسكنهما ليست خالدة على وجه الخصوص، لكن لا شيء يمنع أن تتعرضا للتطهير عرضًا، لمجرد وجودهما في المكان الخطأ.
قد تبدو إمكانية كهذه مضحكة حين أقولها بصوت عالٍ، لكن هاتين الفتاتين من النوع الذي قد يحدث له أمر كهذا فعلًا. كانبارو سورُوغا من النوع الذي لا يحالفه الحظ، أما هانيكاوا تسوباسا فمن النوع الذي يجد نفسه متورطًا في كل شيء.
لهذا السبب، قررت أن أتوقف عن الدراسة اليوم تمامًا.
سأعتبره يوم راحة من المذاكرة.
لا بأس، فقد كنت مستعدًا لمثل هذا الأمر.
منذ العطلة الربيعية، حين قررت أن أعيش مع مصاصة الدماء ذات الدم الحديدي والدم الحار والدم البارد، إلى الأبد، حتى الموت… أو بالأحرى، أن أموت وأنا أعيش معها إلى الأبد، كنت مستعدًا لذلك باعتباره واجبًا، بل حقًا لا بد منه.
هذا القدر لا يستحق حتى أن يُحسب مشكلة.
ليس موقفًا عصيبًا، ولا لحظة حاسمة.
هذا القدر بالنسبة إليّ… بالنسبة إلينا، لا يرقى حتى إلى حدث عابر.
لا توجد رايات، ولا خيارات.
لو ارتبكت أمام أمر كهذا، فلن أستطيع مواجهة أوشينو.
«حسنًا، ما دمت قد قررت ذلك، فلا مانع من أن أتوجه مباشرة إلى المبنى المهجور في طريق عودتنا، بدلًا من المرور بالمنزل…»
وبينما كنت أفكر، ألقيت نظرة على شينوبو التي كانت في السلة الأمامية، وقد بدأت تغفو وهي تتمايل برأسها في نعاس مريح، إذ يبدو أن النهار يجعلها تشعر بالنعاس.
في الواقع، لم يكن لدي مانع من الذهاب مباشرة إلى المبنى المهجور.
لكنني كنت قد اشتريت، في طريق عودتي من مستر دونات، كعكات دونات لكارين وتسوكيهي كتذكار، باستخدام إحدى ورقتي الألف ين من الألفي ين التي تركها لي كايكي شفقةً منه. لذلك قررت أن أضعها في المنزل أولًا.
كانت شينوبو قد ظلت تزعجني من جانبي قائلة: «وماذا عن حصتي؟ أين حصتي؟!» لكن بالطبع، لم أشترِ لها شيئًا.
ربما كان بإمكاني تقديم تلك الدونات إلى السيدة كاغينوي والفتاة أونونوكي بوصفها هدية، لكن ذلك سيبدو وكأنني أعيد استخدام هدية قديمة، ولن يكون فيه قدر كافٍ من الإخلاص كبادرة حسن نية. ثم إن كون أونونوكي كايغي مثل شينوبو لا يعني بالضرورة أنها تحب مستر دونات مثلها. ربما تكون، رغم وجهها الهادئ، من عشاق الطعام شديد التوابل.
لن يكون من الجيد أن تأتي الهدية بنتيجة عكسية.
وربما من الأفضل ألا أظهر خضوعًا أكثر من اللازم.
كل ما أريده هو أن أكون السبّاق في اتخاذ الخطوة الأولى.
كنت غارقًا في مثل هذه الأفكار، وكنت أظن أنني أتعامل مع الأمر بقدر لا بأس به من الجدية والتوتر، لكنني سرعان ما أدركت مدى ما كان في تفكيري من تفاؤل وهدوء وسلام، ومدى بطئه الذي يشبه خطوات سلحفاة.
وسرعان ما أدركت ذلك.
واصلت تحريك الدواسات حتى وصلت إلى المنزل.
وحين عدت إلى البيت…
وجدت الثنائي الذي يشغل بالي، السيدة كاغينوي والفتاة أونونوكي، واقفتين عند بوابة المنزل، تضغطان على زر جرس الباب في تلك اللحظة بالذات.
«آه، أنتما…»
انتبهت السيدة كاغينوي إليّ.
وتبعتها أونونوكي، فنظرت إليّ بوجهها الخالي من التعبير.
وبالمناسبة، كان منظري وأنا أُرى من قبلهما مثيرًا للحرج حقًا؛ إذ كنت أحمل فتاة شقراء صغيرة في السلة الأمامية للدراجة، كما لو كانت أمتعة.
يا له من مشهد لا يُصدق.
«…مرحبًا.»
انحنيت برأسي قليلًا.
لكن، على أي حال.
حين أرى هاتين معًا، أجد نفسي مقتنعًا أكثر بأنهما تشكلان فريقًا من شخصين. قد لا يكون تشبيههما بإناء مكسور وغطائه مناسبًا تمامًا، لكن كاغينوي وأونونوكي تبدوان كقطعتي أحجية، كل منهما تستقر في الموضع الذي يناسبها تمامًا.
إنسان وكايغي.
أونميوجي وشيكيغامي.
«—بعد الأخت الصغرى، تأتي الفتاة الصغيرة؟ يا لك من أخ منحرف، يا أخي الشيطان. أمامك خيارات لا حصر لها، بل خيارات لا حصر لها من الفجور. هاها، يا ليتني أحظى ببعض من حظك.»
كانت السيدة كاغينوي، وهي تقول ذلك، لا تضع قدميها على الأرض كعادتها.
بل كانت تجلس القرفصاء فوق بوابة المنزل، في وضعية متقنة إلى حد أنها بدت كأنها لص يتسلق البوابة محاولًا التسلل إلى بيتنا خلسة.
لا.
لم تكن تشبه أي شيء على الإطلاق.
كانت مجرد شخص مريب مجهول الهوية.
«أختي، تلك ليست فتاة صغيرة، بل مصاصة دماء. وإذا أردت وصفها بدقة، فهي أقرب إلى عجوز. أنا قلت ذلك بوجه جاد.»
قالت أونونوكي ذلك بوجه جامد، بينما ظل إصبعها يضغط على زر جرس الباب.
وعند سماع كلمة «عجوز»، تحركت شينوبو قليلًا، واستيقظت بملامح عابسة.
أو بالأحرى، بملامح مستاءة.
كنت أعرف أنها غير راضية عن مظهرها الحالي كفتاة صغيرة ذات جسد مسطح؛ فقد سبق أن رأيتها ليلًا، وهي تمرر يديها على صدرها وتتنهد بحزن. لكن يبدو أنها لا تحب أن يناديها أحد بالعجوز أيضًا.
على الرغم من أنها عاشت خمسمئة عام، فإن سعة صدرها ضيقة جدًا.
«همف… أيتها الصغيرة المستجدة، تتجرئين على التفوّه بـ…»
لعلها كانت تنوي إكمال عبارتها بشيء مثل «هذا ما تقوله الصغيرة الوقحة، كا كا كا»، ثم القفز بخفة إلى الأرض لإظهار هيبتها، لكن سلة الدراجة الأمامية ليست مصممة بحيث يستطيع من ينحشر داخلها الخروج منها بمفرده؛ بل إنها لم تُصمم أصلًا ليجلس فيها إنسان.
وهكذا خاضت شينوبو معركة شاقة للخروج منها.
كان بإمكانها الاستعانة بيدي، لكنّها رفضت ذلك بعناد، وفي النهاية لم تجد حلًا سوى إسقاط الدراجة معها على جانبها، لتتمكن من الخروج من وضعية إي تي المعكوسة.
لم يبقَ لهيبتها أي أثر.
كان منظرها محرجًا للغاية.
«هاه؟ إذن، يا أخي المنحرف، أنت حرفيًا من المهد إلى اللحد؟ حتى الزومبي الخارج من القبر لن تتردد في اتخاذه شريكًا لك. ألم يكن حب الموتى من هوايات النبلاء؟ هاها، يا له من أمر حسن!»
«…………»
لم تكن بوابة منزل عائلة أراراغي فخمة على الإطلاق، بخلاف بوابة المنزل الياباني التقليدي الذي تسكنه كانبارو، بل كانت أقرب إلى سياج حديدي رفيع.
ومع ذلك، كانت السيدة كاغينوي تجلس فوقه بأطراف أصابع قدميها، دون أن تفقد توازنها ولو للحظة.
حين أفكر في الأمر، فإن وصف ذلك بالبراعة لا يكفي.
لم أذهب قط لمشاهدة عروض السيرك، لذا لا يسعني سوى الحديث اعتمادًا على ما سمعته وما ترسخ في ذهني من انطباعات، لكن عندما يؤدي لاعب السيرك عروضًا تعتمد على التوازن، مثل المشي على الحبل، فإنه يحافظ على توازنه من خلال تحريك جسده يمينًا ويسارًا بصورة متعمدة.
قد يبدو ذلك تصرفًا محفوفًا بالمخاطر للوهلة الأولى، لكن يبدو أن الوقوف بلا حركة أخطر من ذلك.
ربما يشبه الأمر أشجار الخيزران التي تنحني أمام الأعاصير فلا تنكسر بسهولة، على عكس أشجار الأرز التي تقاوم الرياح.
أما السيدة كاغينوي، فقد كانت تفعل العكس تمامًا.
كأن الزمن قد توقف في محيطها وحده، أو كأن لوحًا زجاجيًا غير مرئي قد وُضع تحت قدميها…
لم تكن تتحرك قيد أنملة.
رغم وقوفها في مكان مرتفع وعلى سطح غير مستقر إلى حد بعيد، لم يكن يبدو حتى أنها تحاول الحفاظ على توازنها.
لم يكن الأمر مجرد براعة فائقة.
فلو امتلك المرء هذا القدر من التوازن، لربما استطاع الوقوف على يديه فوق كرة التوازن بكل سهولة.
بل ربما استطاع المشي فوق الماء أيضًا.
لو كانت كارين هنا، لربما استطاعت استشعار شيء إضافي، لكنني، بصفتي هاويًا، لم أكن قادرًا حتى على فهم جوهر براعة كاغينوي يوزورو.
لم أستطع سوى اعتبارها أمرًا غريبًا.
غريبًا… وغير مفهوم.
«…يا له من أمر.»
تمتمت دون أن أشعر.
إذا كان كلام شينوبو صحيحًا، وكانت شهادتها أكثر جدارة بالثقة بكثير من شهادة كايكي، فإن أونونوكي هي في الواقع الكائن غير البشري بينهما، مهما كانت حقيقتها، فهي تنتمي إلى عالم الكايغي.
ومع ذلك، كانت هي التي تبدو أكثر اعتيادية.
هل هذا ما يعنيه أن تكون العلاقة بين أونميوجي وشيكيغامي؟
علاقة واضحة ومستقيمة من التبعية والسيادة، لا تتضمن التعقيد الغريب الذي يميز علاقتي بشينوبو.
تسلسل أوامر واضح وصريح.
لكن، إذا فكرت في الأمر، فقد نادت أونونوكي كاغينوي قبل قليل بـ«أختي الكبرى».
ومع ذلك، فهما ليستا أختين حقيقيتين، أليس كذلك؟
هل كان ذلك شبيهًا بالطريقة التي تناديني بها «الأخ الشيطان»؟
«آه، صحيح! كدنا ننسى، علينا أن نشكرك أولًا. يا أخي المنحرف، لقد ساعدتنا كثيرًا. اتبعنا إرشاداتك، وتمكّنا من الوصول إلى مدرسة إيكو جيوكو بالفعل. كان من المستحيل أن نصل إلى مكان معقد كهذا دون أن تدلنا عليه… وفوق ذلك، سمعت أنك أرشدت يوتسوغي أيضًا.»
قالت السيدة كاغينوي ذلك.
بنبرة مرحة، وعفوية.
دون أن يظهر في كلامها أي عداء أو نية سيئة.
«أتعرف؟ يقال إن الشخص الذي يسأله الآخرون عن الطريق بسهولة هو، من حيث وجوده، مرشد بالفطرة. هذا يعني أن لديه هالة تقود الآخرين.»
«أنا لا أحب الكلمات الغامضة مثل الهالة، على أي حال.»
ابتسمت السيدة كاغينوي ابتسامة عريضة.
كانت ابتسامة لطيفة حقًا.
ابتسامة لطيفة بالفعل.
فلولا معرفتي بأنها متخصصة في الكايغي الخالدة، لما رأيت فيها سوى امرأة ودودة ولطيفة.
وفوق ذلك، فإن مصدر هذه المعلومة هو أكثر الرجال إثارة للريبة في العالم، مما جعل من الصعب عليّ تحديد موقفي تجاهها.
«أما أنا، فلم يسألني أحد عن الطريق ولو مرة واحدة منذ ولادتي. هل يعني ذلك أنني لا أمتلك أي هالة؟»
«…ولهذا لا تمشي أختي على الطرق. فلا طريق أمام أختي، ولا طريق خلفها. أنا قلت ذلك بوجه جاد.»
لم أستطع تحديد ما إذا كانت كلمات أونونوكي محاولة لمواساة أختها أم لا.
هل هذه لغة الأخوات الخاصة؟
أم أنها نكتة داخلية لا يفهمها سواهما؟
كان من الصعب معرفة كيف ينبغي لي الرد، أو حتى…
لم يسبق لي أن تعاملت مع شخصين يصعب التواصل معهما إلى هذا الحد.
إنهما تبدوان ودودتين، ولا تضعان جدارًا بينهما وبين الآخرين، ومع ذلك، فإن عالمهما مكتمل بذاته، ولا يحتاج إلى أي شخص آخر.
كان الأمر أشبه بأنني دُعيت إلى حفلة منزلية لعائلة لا أعرفها، وشعرت بعدم الارتياح لكوني غريبًا بين أفرادها.
مع أنني في الواقع أقف أمام منزلي.
«أمم… عذرًا، هناك أمر أود أن أحسمه بوضوح.»
لكن، حتى لو كان الوضع كذلك، فلا يمكنني الاستمرار في الصمت إلى الأبد.
ما دمت أسمح لهما بفرض إيقاعهما عليّ، فلن تنجح أي مفاوضات.
المفاوضات.
كان عليّ أن أتفاوض مع هاتين الاثنتين.
صحيح أن خطتي المتواضعة قد فشلت، وللأسف، يبدو أنهما سبقتاني في اتخاذ الخطوة الأولى، لكن ما دامتا لم تفرضا عليّ ضغطًا أكبر من هذا، فلا يزال بإمكاني تدارك الموقف.
يقال إن اللاعب الذي يأتي دوره ثانيًا يكون في وضع أفضل.
انتظرت حتى تمكنت شينوبو، التي كانت عالقة تحت الدراجة بعد سقوطها، من الخروج منها أخيرًا بعد معاناة شديدة، ثم عزمت على الكلام.
«أنتما الاثنتان جئتما إلى هذه المدينة من أجل تطهيري أنا وهذا الكائن، أليس كذلك؟ باعتبارنا خالدين وأتباعًا لكائنين لا ينبغي أن يكونا موجودين في هذا العالم.»
أما أيّنا تابع الآخر، فقد تركت ذلك جانبًا حتى لا أعقّد الحديث.
«جئتما لقتلنا… أليس كذلك؟ وطلبكما إرشادي إلى الطريق واحدًا تلو الآخر لم يكن مصادفة، بل كان أشبه باختبار رد فعلي.»
«…………»
«…………»
بلا مقدمات، ومن دون خطة واضحة تقريبًا، قررت أن أبدأ المواجهة الكلامية بصورة مرتجلة تمامًا.
كانت مقامرة، أشبه بتحية أولى، ومحاولة لمعرفة ما إذا كانتا ستفهمان ما أقوله أصلًا، وما إذا كانت النتيجة ستكون في صالحي أم ضدي.
لكن، ردًا على كلامي، أمالت كل من كاغينوي وأونونوكي رأسيهما في حيرة.
بل إن كاغينوي أبدت ابتسامة بدت أقرب إلى الضحك المحرج أو الابتسامة المتكلفة.
«يا أخي المنحرف، يبدو أنك أسأت فهم الأمر.»
قالت ذلك.
أسأت الفهم؟
لحظة… هل يعني هذا أنني وقعت فعلًا ضحية خدعة كايكي؟ هل استغلني ذلك الرجل ليكسب بعض المال بسهولة؟
هذا وارد!
إذا كان الأمر كذلك، فأنا الآن، من وجهة نظر هاتين الاثنتين، مجرد شخص يعاني من أوهام خطيرة؛ شخص سألتهما عن الطريق، فراح يقول لهما: «أتيتما لقتلي!»
يا لها من ورطة!
كيف سأخرج من هذا الموقف؟
قد ينتهي بي الأمر إلى أن يصبح الشخص الذي أتفاوض معه طبيبًا!
وبينما بدأت أشعر بالذعر…
«حسنًا، ليس كلامك بعيدًا عن الحقيقة تمامًا، لكنك تبالغ في تقدير نفسك.»
قالت كاغينوي، بنبرة بدت عليها مشقة الرد.
«لقد سُوّيت بالفعل جميع المسائل المتعلقة بمصاصة الدماء ذات الدم الحديدي والدم الحار والدم البارد، ملكة الكايغي، كيس شوت أسيرولا أوريون هارت أندر بليد، قاتلة الكايغي. لقد قُتلت تلك المرأة بالفعل، وبصورة لا رجعة فيها، من حيث كونها كايغي. أما تابعها، فهو كذلك غائب عن الوجود بوصفه كايغي. يمكن القول إن كلًا منكما يشهد بغياب الآخر، ويقدم دليلًا على عدم وجوده. ولهذا، حتى لو كان الشخص متخصصًا مهما بلغت خبرته، فإنكما خارج نطاق اهتمامنا. وهذا أمر بديهي. فمجالنا ليس خاليًا من الأعمال إلى حد يسمح لنا بتخصيص مواردنا لشخص عادي لم يتبقَّ لديه سوى بعض الآثار الجانبية.»
«…………!»
كان ذلك كافيًا لإعادة كل توتري الذي بدأ يتلاشى، بل وزيادته.
كانت كاغينوي تعرف الاسم السابق لشينوبو.
لم يعد هناك من يعرف ذلك الاسم سوى أنا وهانيكاوا، ولم يكن من المفترض أن يناديها به أحد الآن.
متخصصة.
صائدة أشباح.
محترفة.
مدحرجة الكايغي، قاتلة الخالدين…
«لكن، يمكن القول إن هذا كله بفضل تدخل أوشينو-كن، وعادته المعروفة في التدخل في شؤون الآخرين وتقديم المساعدة دون أن يُطلب منه ذلك…»
قالت ذلك بصوت خافت.
وكأنها لا تفعل سوى التحدث إلى نفسها.
أوشينو-كن؟
لحظة… هل قالت أوشينو-كن الآن؟
بحسب سياق كلامها، لا يمكن أن تكون تشير إلى شينوبو.
لكن، إذا لم تكن تقصدها، فمن تقصد إذن؟
لم يكن عليّ حتى أن أفكر في الأمر.
محسننا…
ذلك الرجل الذي يرتدي قميص هاواي، الخفيف الظل والمتقلب.
هل تعرف هذه المرأة، كاغينوي يوزورو، أوشينو ميمي؟!
«يا سيدي.»
نادتني شينوبو من جانبي.
كانت قد خرجت من تحت الدراجة، لكنها لم تنهض بعد من وضعية جلوسها على الأرض، وكأنها لا تحاول منافسة كاغينوي في جلستها تلك، بل اختارت عمدًا البقاء على حالها.
«ليس هذا وقت الاضطراب بسبب أمور تافهة. لا تشغل تفكيرك بأشياء لا داعي لها. هناك أمر آخر ينبغي لك التفكير فيه الآن، أليس كذلك؟»
«ماذا…؟»
إن إحساسي الجسدي والنفسي ينتقلان مباشرة إلى شينوبو؛ لذا فإن إدراكها لاضطرابي أسهل من أن يكون مجرد إحساس، بل أشبه بحاسة اللمس.
وبصرف النظر عن كلامها، فقد كنت مضطربًا بالفعل.
لكن، في هذه اللحظة، لم يكن هناك شيء يستدعي أن تنبهني شينوبو إليه… لا.
هذا ليس صحيحًا.
فكر جيدًا، أراراغي كويومي.
استخدم عقلك.
فكر فيما لا ينبغي تجاهله.
حتى لو لم يكن الطرف الآخر محتالًا، وحتى لو لم تكن أونميوجي، فكيف يمكنني أن أصدق كل كلمة تقال لي دون تمحيص؟
حتى لو كان كل ما قاله كايكي محض أكاذيب، وحتى لو استبعدت ما أخبرتني به شينوبو، فإن إحساسي الأول بأن هاتين الاثنتين، هذا الثنائي، تثيران الريبة، كان إحساسي أنا.
لقد شعرت بأنهما مريبتان.
وبأنهما مختلفتان عن الآخرين، بوضوح.
ولم أحصل حتى الآن من أي شخص، أو من أي جهة، على ما يكفي من الأدلة لنفي ذلك الشعور.
المراوغة، واستخدام العبارات المصطنعة، من الأمور التي يتقنها المتخصصون بحكم مهنتهم، وأنا أعرف ذلك أكثر مما ينبغي.
أجل.
هذا صحيح.
إذا لم تكونا قد جاءتا بحثًا عن أراراغي كويومي وأوشينو شينوبو، فلماذا توجد كاغينوي وأونونوكي هنا؟
لماذا تقفان أمام منزل عائلة أراراغي؟
ولماذا تجلس إحداهما فوق البوابة؟
ولماذا تضغط الأخرى على زر جرس الباب؟
وهكذا، بينما كنت أستعيد توتري وأوشك على اتخاذ وضعية دفاعية، وقد عادت الحيطة والحذر إلى ملامحي…
«آآآه، كفى إزعاجًا! كفى، كفى، كفى! إلى متى ستواصلين الضغط على جرس الباب؟ ألا تفهمين أننا نتجاهلك عمدًا؟!»
وفجأة، دوى صوت صراخ هستيري حاد، كأنه يمزق الحرير…
وانفتح باب منزلنا بقوة من الجهة الأخرى للبوابة.
لم تكن هناك حاجة إلى أن أتحقق من مصدر الصوت.
لم أكن بحاجة إلى النظر.
وبالطبع، كانت التي خرجت مندَفعة هي مستشارة فريق فاير سيسترز في مدرسة توغينوكي الإعدادية الثانية، أراراغي تسوكيهي.
تلك الأخت الغبية، خرجت إلى الخارج مرتدية اليوكاتا التي كانت تكشف عن جسدها أكثر مما ينبغي، ومن دون حتى أن تنتعل صندلًا.
لا، رغم ذلك، ينبغي أن أعترف بأن لديها قدرًا من حسن التقدير.
لا بد أن تسوكيهي فكرت في البداية: «لا يمكنني الخروج إلى الخارج وأنا أرتدي ملابس النوم هذه.»
ولا بد أنها فكرت أيضًا: «الجميع خارج المنزل الآن، لذا ليس من الحكمة أن أتعامل مع زوار لا أعرفهم.»
ولهذا قررت تجاهل جرس الباب الذي كانت أونونوكي تضغط عليه.
كانت تتظاهر بأن لا أحد في المنزل.
لكن يبدو أن أونونوكي لم تكن تضغط على الجرس فحسب، بل كانت تضغط عليه مرارًا وتكرارًا.
لقد كان تصرفًا يتجاوز مجرد المزاح الثقيل أو الضغط على الجرس والهرب، بل كان إزعاجًا كافيًا لدفع أي شخص، حتى لو لم يكن هستيريًا مثل تسوكيهي، إلى الخروج غاضبًا.
ما الذي تفعله هذه الفتاة بوجهها الهادئ ذاك؟
أي نوع من الأطفال المشاغبين تكون؟
مع أن تسوكيهي، حتى لو خرجت مسرعة، تظل الوحيدة التي قد تفكر في حمل مخرز في يدها المهيمنة قبل الخروج.
لقد أصبحتِ تسيئين إلى سمعة المخرز أكثر فأكثر.
إنه أداة مفيدة، كما تعلمين.
هذا غير مقبول.
«كيف تجرؤون على ارتكاب عمل إرهابي كهذا ضد منزل فاير سيسترز، البيت الصغير وسط المروج الشاسعة الذي تقيم فيه العدالة… لديكم جرأة لا مثيل لها! هاه؟»
لكن الحماسة التي بدأت ترفع صوتها في اتجاه غريب، والحربة التي أوشكت على إخراجها، سرعان ما خمدت، كما لو أنها فقدت اهتمامها فجأة.
لا بد أن المشهد الذي دخل مجال رؤيتها قد تجاوز قدرتها على الفهم.
أخوها الأكبر، أراراغي كويومي.
هذا لا بأس به. حتى هذه النقطة، لا مشكلة.
لكن، مثلًا، هناك فتاة شقراء صغيرة تجلس القرفصاء على الأرض بجانبه، وكأنها تلتصق به.
وهناك امرأة غامضة تجلس بتوازن فوق السياج الحديدي الرفيع للبوابة.
وهناك طفلة غامضة أخرى لا تزال تضغط بإصبعها على زر جرس الباب دون أن ترفعه عنه.
هؤلاء الثلاثة جميعًا…
كل واحد منهم يتجاوز قدرة تسوكيهي على الفهم، بل يتجاوزها بمراحل.
بل إن وجودي أنا، الشخص الوحيد الذي يمكنها فهمه، وسط هؤلاء الثلاثة الذين يستحيل فهمهم، لا بد أنه جعل الأمر أكثر إرباكًا بالنسبة إليها.
تمتلك تسوكيهي مهارة نادرة في التحكم بمشاعرها؛ فهي تستطيع أن تصبح هستيرية متى شاءت، كما تستطيع أن توقف نوبة غضبها متى شاءت. تراجعت خطوة إلى الوراء لتوسّع مجال رؤيتها، وبدأت تتحدث بينما تفكر.
«أمم…»
ثم قالت:
«تلك الفتاة الشقراء… أليست هي التي كانت تستحم مع أخي قبل أيام؟»
لا تتذكري أمورًا لا داعي لتذكرها!
اعتبري ذلك مجرد هلوسة.
على أي حال، هذا وضع غير مرغوب فيه إطلاقًا.
فأنا أخفي تمامًا عن كارين وتسوكيهي كل ما يتعلق بالخوارق والكايغي. وحتى بعد أن تعرضت كارين لأذى الدبور، لم أكشف لها شيئًا عن ذلك العالم.
سيأتي يوم أضطر فيه إلى إخبارهما بحقيقة جسدي، وبوجود شينوبو، الكايغي التي تسكن ظلي، لكنني لا أعتقد أن الوقت قد حان لذلك بعد.
قد يكون السبب أنني لم أرتب أفكاري ومشاعري بنفسي بعد، لكن الأهم من ذلك أن الوقت لا يزال مبكرًا بالنسبة إليهما.
هذا ما أعتقده.
لذلك، لا أريد أن تعرفا هذا العالم بهذه الطريقة، وكأننا اصطدمنا بحادث مروري مفاجئ، ولا أريد أن تكون تسوكيهي، لا كارين، أول من يكتشفه…
وبينما كنت أفكر هكذا، كانت شينوبو قد بذلت جهدًا كبيرًا لإعادة ترتيب حالتي النفسية، لكن ظهور تسوكيهي أربكني مجددًا، وبدد حذري واستعدادي للمواجهة.
أما نصف الثنائي الآخر…
فقد استغلت أونونوكي يوتسوغي تلك اللحظة.
«الاستثناءات أكثر من القواعد. أنا قلت ذلك بوجه جاد.»
من قال إن أونونوكي تبدو أكثر اعتيادية من كاغينوي؟
كم كان ذلك حكمًا قاصرًا!
وكم كان تقليلًا من شأنها!
ظل إصبع أونونوكي السبابة يضغط على زر جرس الباب، حتى بعد خروج تسوكيهي.
وفي تلك اللحظة، انفجر إصبعها.
لا، لم يكن انفجارًا بالمعنى الحرفي.
بل إن حجمه ازداد بصورة انفجارية فحسب.
أنا أعرف رجلًا يُدعى دراماتورغي.
لقد كان أحد المتخصصين في صيد مصاصي الدماء الذين واجهتهم خلال العطلة الربيعية، وكان كايغي يقتل أبناء جنسه؛ مصاص دماء يصطاد مصاصي الدماء رغم كونه واحدًا منهم.
استخدم دراماتورغي قدرته الخاصة بمصاصي الدماء على التحول إلى أقصى حد، فشوّه ذراعيه وحوّلهما إلى سيفين ضخمين قبيحين، على هيئة سيفي فرامبيرج الجميلين.
وما زلت أستطيع تذكر الألم الذي تركته تلك السيوف في جسدي بوضوح حتى الآن.
وتلك الذكريات…
عادت إليّ بصورة مؤلمة، أكثر مما أحتمل.
لكن، إذا كان دراماتورغي قد حوّل ذراعيه إلى سلاحين حادين، فإن أونونوكي حولت إصبعها إلى سلاح غير حاد.
وما خطر ببالي كان…
مطرقة عملاقة.
مطرقة ضخمة، تشبه صاعقة إلهية.
إصبع أونونوكي السبابة، الذي تضخم وانتفخ حتى أصبح هائل الحجم، حطم عمود بوابة منزلي كما لو كان مصنوعًا من البوليسترين الرغوي.
لا شك أن اضطرابي كان له دور في ذلك، وكذلك استهانتي بالموقف.
ففي وضح النهار، والشمس لا تزال عالية في السماء، وفي وسط حي سكني كهذا، لم يخطر ببالي أن الأمور قد تتحول إلى معركة.
لا يمكنني إنكار أنني كنت أؤمن بذلك، من منطلق تفكير منطقي للغاية.
لكنني كنت مخطئًا.
بل كان سوء فهمي فادحًا.
صحيح أن وقت الكايغي هو الليل، لكن…
سواء تحت الشمس، أو في وضح النهار، أو في أي وقت وأي مكان، فإن الكايغي موجودة هناك.
وموجودة أيضًا حيث لا تكون.
لقد ظل أوشينو يعلمني ذلك مرارًا وتكرارًا!
«كخ…»
لكن، مع ذلك.
كان سوء فهمي الحقيقي والفادح هو ما حدث بعد ذلك.
لم أكن مخطئًا في اتخاذ وضعية الدفاع فحسب، بل كنت مخطئًا حتى في استعدادي النفسي.
لقد افترضت أن المطرقة المفاجئة التي صنعتها أونونوكي كانت تستهدفني أنا على الأقل، أو شينوبو إن لم أكن أنا.
لكنني كنت مخطئًا.
مخطئًا تمامًا.
المطرقة…
«الاستثناءات أكثر من القواعد»…
حطمت عمود بوابة منزلي كما لو كان مصنوعًا من البوليسترين الرغوي.
ثم واصلت طريقها.
واصلت طريقها.
واصلت طريقها.
وحطمت الجزء العلوي من جسد أراراغي تسوكيهي.
«…تـ… تسوكيهي-تشان!!»
لم أستطع استيعاب ما حدث أمام عيني.
لكن، رغم أنني لم أستطع فهم المشهد، تحرك جسدي بدافع غريزي.
اندفع جسدي نحو أونونوكي، التي لم تكن حتى تنظر في اتجاهي. أما شينوبو، التي كانت ملتصقة بظلي، فقد سُحبت بفعل اندفاعي، وتدحرجت على الأرض الإسفلتية رغمًا عنها.
لم أستطع حتى التفكير في حال شينوبو.
غمر اللون الأحمر مجال رؤيتي.
غمر اللون الأحمر العالم بأسره.
كان كل شيء يتوهج بجنون، ويشتعل باللون الأحمر.
أراراغي تسوكيهي.
تسوكيهي-تشان.
أختي الصغيرة، أغلى شخص في العالم بالنسبة إليّ، وهذه الفتاة…
«—اهدأ يا أخي المنحرف. لا داعي لكل هذا الغضب. أليس هناك قول قديم إن الغضب نار تحرق صاحبها؟ النار، كما تعلم، فاير!»
أتذكر أنني مددت يدي لأمسك عنق أونونوكي…
لكن الصورة انقطعت بعد ذلك، كأنها شاشة تلفاز مليئة بالتشويش.
وحين استعدت وعيي، وجدت نفسي مطويًا على الأرض.
مطويًا.
إنه تعبير غريب، لكنه الأنسب لوصف ما حدث.
كانت ساقاي وركبتاي وخصراي وذراعاي ومرفقاي وكتفاي وعنقي مطوية فوق بعضها، واحدة تلو الأخرى، مثل طيات المنفاخ المتتابعة، أو كما لو أنني قطعة ملابس صغيرة طُويت وفق أساليب التخزين التي تتقنها ربات البيوت المحترفات.
أما الشخص الذي فعل بي ذلك، كاغينوي يوزورو، فكانت تجلس القرفصاء فوق ظهري، في وضعية منخفضة ومتوازنة، تمامًا كما كانت تفعل قبل قليل.
كانت تضحك…
بابتسامة ودودة، وكأنها شخص طيب القلب.
«أم أن أوشينو-كن كان سيقول شيئًا كهذا في موقف كهذا؟ مثلًا: يا لك من فتى مفعم بالحيوية! هل حدث لك أمر سعيد؟»
«غـ…»
لهذا…
لماذا؟
لماذا تعرفين أوشينو؟ وكيف تستطيعين اقتباس كلماته؟ ولماذا تختارين قول شيء كهذا تحديدًا، في موقف كهذا بالذات؟!
«لا تعبثي معي! أيتها… أنتما! أختي! أختي الصغيرة… تسوكيهي-تشان! لن أسامحكما!»
«همم؟ ماذا؟ هل تلك الفتاة أختك؟»
قالت كاغينوي ذلك بدهشة.
«آه، صحيح. نسيت أنك أنت أيضًا من عائلة أراراغي… ظننت أن الأمر مجرد تشابه في اسم العائلة.»
ماذا؟
هل يعني هذا أن هاتين الاثنتين لم تكونا تعرفان حتى أن هذا هو منزلي؟
إذن، لماذا جاءتا إلى هنا أصلًا…؟
«فهمت. يبدو أن المعلومات التي وصلتنا كانت مشوشة بعض الشيء. إذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن المشهد كان صادمًا بالنسبة إليك. آسفة، آسفة.»
اعتذرت كاغينوي بخفة، وكأنها لم تفعل سوى سكب بعض الماء على الطاولة.
اعتذرت.
اعتذرت للتو؟
«كخ… أتظنين أن الاعتذار يكفي، أيتها…!»
«انظر بنفسك.»
أدارت كاغينوي رأسي، الذي كان مضغوطًا على الأرض وغير قادر على الحركة بإرادتي، بسهولة كما لو كانت تلوي ذراع طفل رضيع، وأجبرتني على النظر نحو المدخل.
أجبرتني على النظر إلى المشهد الذي كنت أرغب في إبعاد عيني عنه.
عمود البوابة المحطم. والبوابة المتداعية.
أما المدخل، فقد اختفى تمامًا، وداخل المنزل كان هناك الجزء السفلي من جسد أراراغي تسوكيهي، وقد تعرض لدمار مروع…
«…ماذا؟»
في الواقع، حين نظرت كما طلبت مني، كان المشهد مما لا تصدقه العين.
«هـ… ها؟»
بكلمات بسيطة…
لم تكن تسوكيهي مصابة ولو بخدش واحد.
فعلى الرغم من الدمار الذي أحاط بها، كان الجزء العلوي من جسدها، الذي كان من المفترض أن يكون قد اختفى تمامًا، لا يزال ملتصقًا بجزئها السفلي، كما لو أن شيئًا لم يحدث.
كانت فاقدة للوعي، ومستندة إلى جدار الممر، لكنها كانت حية بصورة طبيعية تمامًا.
بدا الأمر وكأن المشهد المأساوي الذي رأيته قبل لحظات لم يكن سوى خدعة بصرية…
كانت حية.
وبصحة جيدة.
لكن، إذا أخذنا في الحسبان أن الأجزاء التي لا تنتمي إلى جسد تسوكيهي نفسه، مثل اليوكاتا التي كانت ترتديها على نحو غير محكم، وزينة شعرها، قد تحطمت واختفت كما أتذكر تمامًا…
وإذا أخذنا في الحسبان أن الجزء السليم الوحيد هو الجزء العلوي المكشوف من جسد تسوكيهي نفسه…
فربما كان المشهد الذي أراه الآن هو الوهم، لا المشهد السابق.
«—لا.»
تمتمت دون وعي.
لا، هذا ليس وهمًا.
أنا أعرف ذلك.
أعرفه كما أعرف الجحيم.
لقد رأيته مرات كثيرة، وشاهدته أمام عيني مرارًا.
تلك المشاهد التي أعرفها كما أعرف الجحيم.
لم تكن خدعة بصرية.
كانت إعادة تجدد.
شفاءً وتعافيًا.
وكانت…
خلودًا.
القدرة على ألا تموت مهما تعرضت للأذى، وألا تموت مهما تعرضت للتدمير، وألا تموت مهما قُتلت، وألا تموت حتى بعد أن تموت…
خلودًا يتضمن الاستمرارية والثبات.
لقد عاشت أوشينو شينوبو وماتت بهذه الطريقة لأكثر من خمسمئة عام…
أما أنا، فقد عشت ومت بهذه الطريقة طوال أسبوعين فحسب.
مرارًا وتكرارًا، متُّ.
لذلك، فإن رؤية الجزء العلوي من جسدها، الذي تم تفجيره بصورة مروعة، يعيد تكوين نفسه أمام عيني خلال بضع ومضات لا تعدو كونها مشهدًا مألوفًا بالنسبة إليّ.
مشهدًا ألفته حتى مللته، واعتدت الموت فيه حتى سئمته.
الخلود.
الخلود… لكن.
لكن لماذا تمتلك أختي الصغيرة، ومن بين جميع الناس، هذا النوع من الخلود الشبيه بالكايغي؟!
«أراراغي كويومي-سان… يا أخي الشيطان. يبدو أنك ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالكايغي الخالدة. لقد قفزتَ قفزة واحدة فوق الجحيم مباشرة. لكنني أظن أن الشخص الذي يحق له الشعور بالدهشة هنا هو أنا.»
حين انتبهت، كانت أونونوكي قد أعادت إصبعها السبابة إلى حجمه الطبيعي.
وبوجه خالٍ تمامًا من التعبير، لم تفعل سوى إخباري بالحقيقة.
«أختك مسكونة بطائر كايغي خالد. إنها أختك منذ البداية وليست أختك، أراراغي تسوكيهي وليست أراراغي تسوكيهي، إنسانة وليست إنسانة. ذلك الكائن هناك طائر ناري نادر، عنقاء شريرة… أنا قلت ذلك بوجه واثق».
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.