010
«شيدي نو توري.» {طائر الموت}
لاحقًا، وكما جرت العادة، استهلّت أوشينو شينوبو حديثها بقولها:
«أي إن الأمر يتعلق بكايغي الوقواق، على ما أظن».
الوقواق.
طائر من رتبة الوقواقيات، وفصيلة الوقواق.
طائر صيفي يبلغ طوله ثمانية وعشرين سنتيمترًا، ويبلغ طول جناحيه ستة عشر سنتيمترًا، وذيله ثلاثة عشر سنتيمترًا. ظهره بني مائل إلى الرمادي، وبطنه أبيض تتناثر عليه بقع بنية داكنة.
«إنه الوقواق الذي يرد ذكره في قصيدة: الخضرة تملأ العين، والوقواق على الجبل، وأول سمك البونيتو في الموسم. لقد أطلقوا عليه اسم العنقاء وما شابه، لكن طائر الموت هذا لا يحمل من العظمة ما قد يوحي به ذلك الاسم. وكما قال ذلك الفتى الطائش: في هذا البلد، ترتبط صورة الطائر الخالد في الأذهان بالعنقاء أكثر من أي طائر آخر».
يُكتب اسم الوقواق بأحرف مختلفة، مثل 時鳥 (توكيدوري)، و不如帰 (فوجوكي)، و蜀魂 (شوكوكون)، و子規 (شيكي)؛ ورغم أن صورته بوصفه طائرًا خالدًا تكاد تكون قد اختفت في أيامنا هذه، فقد كان يُوصف قديمًا أيضًا بأنه طائر مهاجر يتنقل بين عالم الأحياء وعالم الموتى.
وهذا يجعله مناسبًا لموسم أوبون.
إنه، دون شك، من أكثر الطيور ألفةً لدى اليابانيين. ففي أقدم مجموعة شعرية يابانية باقية، «مانيوشو»، التي جُمعت في عصر نارا، نجد أكثر من مئة وخمسين قصيدة تتناول الوقواق؛ وبالطبع، يُستخدم اسمه بوصفه كلمة موسمية تدل على الصيف.
ومن المدهش أن هذا الطائر كان يُعرف باسم الوقواق منذ أكثر من ألف عام، حين كان الناس لا يزالون يخلطون حتى بين الجراد والصراصير، ومع ذلك ظل اسمه شائعًا ثابتًا لا يتغير.
أما أبرز خصائصه فهي صوته؛ إذ يتميز نداء الوقواق بطابع فريد، ويمكن تمييزه فور سماعه. وفي أيامنا هذه، كثيرًا ما يُعبّرون عنه كتابيًا بعبارة تشبه «تيبِّن كاكيتاكا».
«هل يأكل السحالي بذلك الصوت، أيها الوقواق؟»… هكذا تقول العبارة.
«ومع ذلك، يبدو أن الوقواق لا يتميز بكثرة الأسماء المكتوبة فحسب، بل إن عدد أسمائه المستعارة تفوق سائر الطيور أيضًا، ولا يضاهيه فيها طائر آخر. لقد ذكر ذلك الفتى أسماء كثيرة، لكن لنرَ… من بين ما أتذكره أنا: طائر الظلال المسائية، وطائر الليل، وطائر أياناسي، وطائر كوتسوته، وطائر إيتسيو، وكوكيرا، وأخيرًا… شيدينو تاووسا».
شيدينو تاووسا.
طائر شيدينو.
«حسنًا، يمكن القول إن هذا هو أصل التسمية. فـ«شيدينو» تعني «طريق الموت»، ومن ثم فإن شيدينو تاووسا هو طائر الموت… أي الوقواق».
«مع أنني لا أفعل سوى ترديد ما سمعته»، أضافت شينوبو.
وهذا صحيح بالفعل؛ فبالنسبة إلى شينوبو، مصاصة الدماء السابقة، لم تكن الكايغي سوى طعام ومؤونة، وجبةً وفرائس تُلتهم. لم تكن من النوع الذي يهتم بتفاصيل كل كائن إلى حد يجعلها تحفظها واحدًا واحدًا.
فهي شرهة، لا متذوقة للطعام.
لذلك، كانت تلك المعلومات من معارف الفتى الطائش، أوشينو ميمي.
كانت مجرد جزء صغير من بحر المعلومات الهائل عن الكايغي، الذي لقّنه أوشينو لشينوبو خلال الأشهر الثلاثة التي أمضياها معًا في المبنى المهجور.
لا أعرف ما الذي دفع أوشينو إلى زرع كل تلك المعلومات في رأس شينوبو، وهي معلومات لا تحتاج إليها إطلاقًا من وجهة نظرها، لكنني لا أعرف حقيقة دوافعه.
«لا تملك هذه الكايغي خصائص بارزة تُذكر؛ إنها بسيطة إلى أبعد حد، وواضحة للغاية. ولعل هذا بالذات ما يجعلها كايغي مملة، فلا تصلح كثيرًا لأن تكون موضوعًا للدراسة. لكن بما أنها تقع ضمن مجال اختصاص أولئك القوم، فمن الطبيعي أنهم يعرفون عنها كل شيء».
طائر خالد.
طائر مقدس. طائر غريب.
عنقاء.
«أجل، تكاد هوية طائر الموت تنحصر في أمر واحد لا غير: ألا يموت. ألا يموت مطلقًا؛ فهذا هو معنى وجوده. وهذا أمر يثير حنقي، لكن يبدو أن قدرته على الخلود تتجاوز حتى قدرة مصاصي الدماء، وبكل وضوح».
خلود يتجاوز حتى خلود مصاصي الدماء.
قدرة على عدم الفناء.
إنه أشبه بتجسيد للحياة في كتلة واحدة.
«يقولون: ثلاثة أجيال من الغزلان لجيل واحد من أشجار الصنوبر، وثلاثة أجيال من الصنوبر لجيل واحد من الطيور. وهذا يدل على أن الطيور عُدّت كائنات طويلة العمر إلى هذا الحد. وحتى لو قيل إن الكركي يعيش ألف سنة والسلحفاة عشرة آلاف، فإن من يعيش ألف سنة لا بد أن يُصنّف ضمن الوحوش. وأنا نفسي لم أعش سوى نصف ذلك».
صحيح.
في الأصل، لا يقتصر الأمر على الوقواق؛ فالطيور التي تحلّق في السماء كثيرًا ما تُشبَّه بالحياة نفسها في ثقافات العالم. ولعل أشهر مثال على ذلك الاعتقاد بأن اللقلق يجلب الأطفال.
وربما يعود السبب إلى أن البشر رأوا في الطيور، وهي تبني أعشاشها وتحتضن بيضها وتكرّس نفسها لرعاية صغارها، صورةً تشبههم؛ إذ يسهل عليهم إسقاط تجربتهم في تربية الأبناء على ذلك المشهد.
وبالفعل، قد تبدو هذه الصورة أقرب إلينا من صور بعض الثدييات الأخرى.
لكن، إن صحت تلك الفرضية، فينبغي بالأحرى استثناء الوقواق من هذه الفئة.
ذلك أن أكثر خصائص الوقواق شيوعًا هي ما يُعرف بالتطفل الحضني.
التطفل الحضني.
وهو سلوك معروف لدى طيور مثل الوقواق وجيوئيتشي، إلى جانب طيور أخرى.
ينتظر الطائر حتى تبتعد الأم عن عش طائر من نوع آخر، ثم يدفع البيض الموجود في العش إلى الخارج ليسقط على الأرض، ويضع بيضته مكانه؛ وبعدها يترك للطائر الآخر مهمة احتضانها حتى تفقس.
ولا يُترك الفرخ الذي يفقس لينمو على مهل مع بقية الفراخ؛ بل يستخدم ظهره لدفع البيض الأصلي أو الفراخ التي فقست قبله خارج العش، ليستأثر وحده بالطعام الذي يجلبه الأبوان بالتبني.
«في عشّ الوقواق، بين بيض العندليب الطازج، وُلد الوقواق وحيدًا. لا يغني على مثال أبيه، ولا على مثال أمه. يطير من المروج حيث أزهار الأُو، ويأتي ناشرًا صوته، مبعثرًا أزهار شجرة اليوسفي، ويظل يغرد طوال النهار بصوت عذب. سأقدم له القرابين، فلا تبتعد، وابقَ مقيمًا على شجرة اليوسفي المزهرة في داري، أيها الطائر». هذه قصيدة طويلة من مجموعة «مانيوشو» التي ذكرتها قبل قليل. من المدهش أن تمتلك الطيور هذا السلوك منذ زمن سحيق، قبل أن تظهر مصاصات الدماء نفسها في العالم، لا قبل أن أولد أنا فحسب. أما مسألة تربية الصغار وما شابهها، فهي تتجاوز فهمي».
وبالفعل، فإن شينوبو، التي تنتمي إلى مصاصي الدماء الذين يتكاثرون عن طريق امتصاص الدم، لا بالتناسل، لن تسقط تجربتها على طريقة الطيور في تربية صغارها. لكن إن كان هناك أمر واحد ينبغي إضافته، فهو أن السبب الحقيقي وراء ممارسة الوقواق والطيور المشابهة له للتطفل الحضني لا يزال مجهولًا في الواقع.
إن سلوكها يتجاوز فهم مصاصي الدماء، بل يتجاوز فهم البشر أيضًا.
والأصح أن نقول إنه ليس مجرد أمر يصعب فهمه، بل أمر لا يُفهم أصلًا.
قد يبدو تفويض تربية الصغار إلى طيور من نوع آخر، للوهلة الأولى، وسيلةً فعالة للتكاثر من دون بذل جهد كبير؛ لكن أمرها ينكشف أحيانًا بسهولة، وعند انكشافه لن يقبل الطائر الآخر بتربية الفرخ بطبيعة الحال. وحتى إن نجحت الخطة، فإنها تقضي على الأسرة التي احتضنت البيضة، فلا يبقى سوى عدد أقل من الأعشاش التي يمكن استغلالها لتربية الأجيال التالية. وما دام تكاثرها يعتمد على أنواع أخرى، فإنها ستُضطر إلى الانقراض معها في نهاية المطاف.
حين تسمع ذلك، لا يسعك إلا أن تفكر، كما قالت شينوبو، في مدى غرابة نجاحها في البقاء حتى عصرنا الحالي رغم اعتمادها أسلوبًا بهذه الدرجة من انعدام الكفاءة.
«أما الوقواق بوصفه كايغي، أو طائر الموت، فقد ورث بدوره هذه العادة. وخلاصة الأمر أنه يمارس التطفل الحضني؛ لكنه لا يضع بيضه في أعشاش الطيور الأخرى، بل يتطفل على البشر».
التطفل الحضني… على البشر.
على الأمهات.
«يتجسد العنقاء، بوصفه طائرًا خالدًا، داخل رحم الأم الحامل. أما أسطورة العنقاء المعروفة عمومًا، فتقول إن الطائر المسن يلقي بنفسه في ألسنة اللهب المتأججة، ثم يولد من جديد في قلب النار بوصفه حياة جديدة…».
النار.
اللهب.
فاير… إنه طائر النار.
والآن بعدما فكرت في الأمر، أليس الوقواق يُعرف أيضًا بأنه الطائر الذي يلتقي بالقمر؟
«حين أنظر إلى الجهة التي غنّى فيها الوقواق، لا أرى سوى قمر الفجر الباقي في السماء». إنها قصيدة شهيرة، وقد أُدرجت أيضًا في مجموعة «هياكونين إيشو».
أي إن المقصود هو تسوكيهي.
إن كان الأمر كذلك، فهذه تورية سخيفة.
وليست مضحكة حتى.
«في هذه الحالة، فإن النار بالنسبة إلى طائر الموت هي الأم البشرية نفسها. ولذلك، إن أردنا الدقة، فالكائن الذي حلّ به طائر الموت هذه المرة ليس أختك الصغرى، بل والدتك. قبل خمسة عشر عامًا، احتضنت والدتك الكايغي في داخلها، لا في جسدها فحسب، بل في رحمها تحديدًا…».
وبعد عام واحد، وُلدت…
أراراغي تسوكيهي، أما الذي تجسد من جديد فهو…
طائر الموت.
«وكما كان الحال مع النحلة في المرة السابقة، فهذا ليس نوعًا من الكايغي له جسد مادي مستقل. لكن الفارق الكبير هو أن طائر الموت قادر على التظاهر بأنه إنسان».
بل ينبغي القول إنه لا يستطيع فعل شيء سوى ذلك، تابعت شينوبو.
إنه تنكر…
وتزييف.
وخداع.
كايغي تتخذ هيئة إنسان مزيف.
كائن ليس إنسانًا حقيقيًا.
«إذا نظرنا إلى الأمر من منظور شامل، فهو من الكايغي غير المؤذية. لا يلحق الأذى بالبشر؛ إنه مجرد كائن زائف. وهذا كل ما في الأمر… إلى جانب كونه خالدًا. مهما كانت الإصابة التي يتعرض لها، فإنه يتعافى منها، وأي مرض يصيبه يُشفى منه على الفور، ويعيش حتى يبلغ عمره الطبيعي، ثم يموت… ويتجسد من جديد. وهكذا ظل حيًا حتى عصرنا هذا، على غرار الوقواق».
«رولز رويس لا تتعطل أبدًا».
تذكرت تلك الأسطورة الحضرية التي سمعتها من هاتشيكوجي، والتي كان من المفترض أن تكون مجرد حديث عابر كان بوسعي تجاهله؛ ووفقًا لتلك المقولة، فإن طائر الموت لا يفنى أبدًا.
لا يفنى، ولا يُصاب، ولا يمرض.
يواصل التناسخ بوصفه العنقاء، كايغي الحرم المقدس.
مئة عام، أو مئتا عام.
ألف عام أيضًا.
ظل يعيش… حتى انتهى به المطاف.
إلى رحم أمي.
إذا كانت كارين قد وُلدت في يونيو، وتسوكيهي في أبريل، فإن حساب تواريخ ميلادهما يصبح محرجًا ودقيقًا إلى حد بعيد؛ لكن إذا افترضنا وجود كايغي كهذا منذ البداية، فإن حتى هذا التفاوت غير الطبيعي يصبح طبيعيًا.
هناك لغز شائع يقول: «لدينا فتاتان. هما في العمر نفسه، وتدرسان في الصف نفسه من المدرسة نفسها، وتسكنان المنزل نفسه، ولهما الأب والأم نفسيهما. ومع ذلك، حين نسألهما إن كانتا توأمًا، تجيبان بالنفي. وإذا افترضنا أنهما لا تكذبان، فما صلتهما ببعضهما؟». إن جواب هذا السؤال لا يقتصر بالضرورة على «ثلاث توائم».
فإذا وُلدت الأخت الكبرى في أبريل، والصغرى في مارس من العام التالي، فهما أختان عاديتان، وهذا جواب صحيح.
ومن الناحية النظرية، توجد بالفعل أختان من مواليد عامين متتاليين، مثل كارين وتسوكيهي، تقضيان فترة من السنة في العمر نفسه.
ولهذا كثيرًا ما يظنهما الآخرون توأمًا، لكن ذلك يظل حالة نادرة.
مثل كايغي يُفترض أنها غير موجودة.
حالة نادرة.
إنها غير طبيعية، وطبيعية في الوقت نفسه.
«وخلاصة الأمر أنه لا يموت، لكنه يشيخ. وبصراحة، إذا فكرت في الأمر انطلاقًا من هذه الفرضية، ألن تجد أن أشياء كثيرة تصبح أكثر قابلية للفهم؟ ألم تكن هناك أمور تخص أختك الصغيرة تلك تثير استغرابك منذ زمن؟»
إن سألتني إن كانت هناك أمور كهذه… فنعم، هناك.
بل ليس منذ زمن بعيد فحسب؛ هناك أمور لم أنتبه إليها إلا اليوم.
كانت جروح جسدها…
قد اختفت.
كانت جروح جسدها…
قد التأمت.
من الجروح التي قيل لي إنها ستبقى معها مدى الحياة، إلى الإصابات الطازجة التي لم يمضِ عليها وقت طويل؛ اختفت كلها تمامًا، دون أن تترك أثرًا.
الجروح تلتئم، لكنها لا تُشفى.
هكذا كان ينبغي أن يكون الأمر.
وإلا لكان ذلك…
أمرًا غير طبيعي.
«لا يبدو أنها تمتلك قدرًا ثابتًا من الخلود الملازم لوجودها، كما كان الحال معي ومعك في الماضي. حسنًا، لو كانت كذلك لما استطاعت التظاهر بأنها إنسان. ذلك الفتى لم يتطرق إلى هذه النقطة، لكنني أملك أنا أيضًا خبرة لا بأس بها في أمور الخلود، ولذلك يمكنني أن أقول شيئًا عنها. بحسب ما أستطيع ملاحظته، يبدو أن قدرة طائر الموت على الخلود تزداد وفق متوالية هندسية كلما اشتد المؤثر الذي يتعرض له. فإذا أُصيب بإصابة قاتلة، مثل تلك التي تمزق نصفه العلوي كما حدث قبل قليل، فإنه يتعافى في لحظة، تمامًا مثل مصاص الدماء. أما إذا كانت الإصابة لا تهدد حياته، فيبدو أنه يتعمد إظهار قدرته على الخلود تدريجيًا، وبمقادير ضئيلة. يمكن القول إنها حيلة تتيح للكايغي العيش في عالم البشر… لا، بل هي تكيف الكايغي مع البيئة المحيطة».
الكايغي تتأثر بسهولة بالبيئة المحيطة بها.
لا بد أن هذا هو المقصود.
فحتى لا ينكشف أمره بوصفه كائنًا مزيفًا، غير بشري، وحتى يتمكن من العيش كإنسان، كان عليه أن يخفي قدرًا مفرطًا من الخلود، بل قدرًا لا يحتاج إليه أصلًا، باستثناء حالات الطوارئ مثل ما حدث قبل قليل.
أجل…
يمكن فهم الأمر.
بل يمكن إجبار النفس على تقبله، ولو بصعوبة.
لو قفز شخص من سطح مبنى المدرسة، فسيموت في العادة، سواء سقط على غطاء شاحنة أم على أي شيء آخر. من غير المعقول أن يقوم بمثل تلك القفزة البهلوانية ثم ينجو بلا أي آثار لاحقة.
وأن يقتصر الأمر على بعض الإصابات التي يمكن اعتبارها وسام شرف.
لسنا في فيلم كونغ فو… ومع ذلك، حتى تلك الإصابات التأمت الآن.
ثم هناك فاير سيسترز.
لعبة العدالة، والتظاهر بأننا أبطالها. قد يكون الأمر مفهومًا لو كانت تسوكيهي تمتلك مهارات قتالية سخيفة مثل كارين، لكن من الغريب في الأساس أنها استطاعت المحافظة على سلامة جسدها طوال تلك الأنشطة الخطيرة والعنيفة التي انخرطت فيها.
لقد تعرضت للاختطاف، وحوصرت من قبل آخرين.
أيعقل أن تخرج من كل ذلك سالمة؟
صحيح أنها تتولى دور المخططة، لكن الشخصية العدوانية حقًا بين الاثنتين ليست كارين، بل تسوكيهي بالأحرى.
وفوق ذلك… هناك أمور أكثر اعتيادية، وإن كان الحديث عنها لن ينتهي.
أراراغي تسوكيهي.
إن شعرها ينمو بسرعة مفرطة.
ومن دون أن تستخدم شعرًا مستعارًا، كيف يمكنها تغيير تسريحة شعرها بهذه الكثرة، مرة كل بضعة أشهر؟ إذا فكرت في الأمر، فلا بد أن السبب هو ذلك. حتى وقت قريب، كان شعرها مقصوصًا على هيئة قصة بوب، أما الآن فقد صار طرفاه، اللذان يشبهان قصة الشعر المستوية، يصلان إلى كتفيها، بل أصبح أطول من شعري بالفعل.
ليس من المعقول أن يصل شعرها الأمامي إلى كتفيها خلال شهر أو نحوه.
وبالعودة إلى الأمر، فهذه ليست مسألة يمكن تجاوزها بمزحة من قبيل أن شعر كانبارو ينمو بسرعة لأنها شهوانية.
هاه.
لا أجد حتى ما يضحك.
إنها سرعة غير طبيعية.
قدرة على التجدد.
بالطبع، لا يهدد قص الشعر الحياة، ولذلك لا بد أن قدرتها على التجدد ليست بتلك الدرجة الهائلة؛ لكن من ناحية الأيض وتجدد الخلايا، لا بد أن أظافر تسوكيهي تنمو بسرعة كبيرة هي الأخرى.
تلك الفتاة…
أيضها سريع أكثر من اللازم.
لقد استحمّت اليوم أيضًا منذ الظهيرة، والآن وقد فكرت في الأمر، يبدو أنها تقص أظافرها بوتيرة متكررة فعلًا. إنها من الأمور التي لا يلفت المرء انتباهه إليها إلا حين يشار له بها، وهي في الأصل تفاصيل صغيرة لا تستدعي الشك أو التساؤل.
هناك أمور كثيرة تنطبق عليها هذه الصورة.
الكثير جدًا من العلامات التي أتذكرها.
في نهاية المطاف…
ربما لم يكن الأمر سوى أنني غضضت الطرف عنه لأنني فرد من عائلتها.
فالشيء الذي يثير الريبة لا يعود كذلك إن لم تنتبه إلى أنه يثير الريبة، مهما يكن.
إن الكائن الزائف لا يكون زائفًا إلا لأنه لا يمكن تمييزه عن الحقيقي.
أن يكون مطابقًا للأصل تمامًا…
ذلك وحده هو الدليل على كونه زائفًا.
هذه ليست أسطورة حديثة كقصة رولز رويس، بل هي أقرب إلى شائعات يتناقلها الناس شفهيًا؛ ومع ذلك، ظلت قصص الأطفال الذين تختطفهم الآلهة وتُخفيهم متداولة منذ القدم.
يختفي طفل صغير فجأة ذات يوم، ثم يعود بعد بضعة أيام وكأن شيئًا لم يحدث. لا يبدو أن الطفل قد تغير على نحو ملحوظ مقارنة بما كان عليه قبل اختفائه، ولا يوجد فيه ما يثير الريبة…
ومع ذلك، فهو شخص آخر، من دون أن يثير ذلك أي ريبة.
وهذا يختلف تمامًا عن وصف تعافي سينجوغاهارا، على سبيل المزاح، بأنه أشبه بتبديلها بشخص آخر دون أن نلاحظ؛ فالأمر ليس تغيرًا ولا نموًا، بل مجرد استبدال.
يقال إنهم في الخارج يروون أن «الأطفال الجميلين تستبدلهم الجنيات بأطفال من عالمهن»، لكن أصل هذه الحكايات لا بد أن يكون واحدًا أيضًا.
وطائر الموت يشترك في شيء مع تلك الروايات.
كل ما في الأمر أن موعد الاستبدال يحدث قبل الولادة.
هذا فحسب.
لعبة الحياة.
كنت ألعب تلك اللعبة اللوحية كثيرًا في الماضي مع سينغوكو وتسوكيهي، أما طائر الموت الذي يحمل في الوقت الراهن اسم أراراغي تسوكيهي، فيواصل إلى الأبد التنقل بين خانة النهاية وخانة البداية في لعبة الحياة؛ إنها لعبة سُغوروكو أبدية، لا بداية لها ولا نهاية.
حياة بلا بداية ولا نهاية، شفافة عديمة اللون.
والأمر الحاسم هو مدى سهولة تأثر تسوكيهي بمن حولها.
ففكرتها عن العدالة متأثرة بكارين أكثر مما ينبغي. يقال إن الطيور تقلد أصوات آبائها، لكن اتباع تسوكيهي لكارين ودعمها لها يتسمان بقدر هائل من التضحية بالنفس، حتى إن المرء لا يكاد يجد فيهما أثرًا لشخصيتها هي.
لا ذات لها…
ولا إنسان فيها.
لا ذات، ولا إنسانية.
«ولأكرر ما قلته…»، قالت شينوبو.
«طائر الموت كايغي غير مؤذٍ. وإذا أردنا تحديد سبب وجوده، فهو الخلود فحسب؛ كايغي لا غاية له سوى البقاء على قيد الحياة، سوى أن يكون موجودًا. يعيش مثل البشر، ويعيش حياته مثل البشر، ويأكل مثل البشر، ويتحدث مثل البشر، ثم… يموت مثل البشر».
ومع ذلك.
ومع ذلك، فهو كايغي، أليس كذلك؟
إنه كايغي بكل ما للكلمة من معنى، أليس كذلك؟
مهما بلغت دقة القالب الذي يتخذ هيئة الإنسان، ومهما كان شديد الشبه بالبشر، فإنه لا يتوقف عن كونه كايغي، أليس كذلك؟
لم يكن الأمر أنها لم تسمع اعتراضاتي تلك، لكنها تجاهلتها وقالت:
«ليس من المستغرب ألا تكون قد أدركت ذلك طوال هذه المدة».
ثم أضافت في النهاية: «فحتى أنا لم أستطع معرفة حقيقته». وبالنسبة إلى مصاصة الدماء السابقة، المتعجرفة والمتغطرسة، بدا هذا أشبه بتبرير لا يخلو من الاعتذار.
وربما كان ذلك فعلًا توضيحًا أرادت تقديمه لي.
لكنها لم تكن بحاجة إلى توضيح كهذا.
بل إنني شعرت بالأسف لأنني جعلتها تضطر إلى تقديمه.
فشينوبو، ملكة الكايغي، لا تملك القدرة على التمييز بين كايغي وأخرى، بل حتى بين البشر أنفسهم؛ أو لعل الأمر أعمق من ذلك، فهي ربما لا تميز أصلًا بين الإنسان والكايغي.
هذا هو الملك.
لقب السيادة.
أن تقف في القمة…
هذا ما يعنيه الأمر.
وبالغت في الأمر قليلًا، فإن الإنسان الوحيد الذي تستطيع أوشينو شينوبو تمييزه حقًا هو أنا؛ أما أراراغي كارين وأراراغي تسوكيهي، فهما في نهاية المطاف شيء واحد في نظرها.
إن كانتا أمامها، فبوسعها بالطبع إدراك الفروق بينهما، لكن ما إن تبتعدا عن نظرها لبضع دقائق، حتى تكاد تنساهما تمامًا.
إنها لا تستطيع إدراك ما لا يثير اهتمامها.
بل حتى لو كان لديها اهتمام به، فالأمر يشبه شخصًا يابانيًا لا يفهم الإنجليزية، يفتح صحيفة مكتوبة بها، ثم لا يتذكر حتى تهجئة الكلمات بعد أن يطوي الصحيفة.
لذلك، حتى من دون أن تقول ذلك صراحة، لم أظن أن شينوبو كانت تعرف تسوكيهي منذ وقت طويل، أو أنها أدركت حقيقتها وأخفت الأمر عني.
فشينوبو ليست حليفة البشر، كما أنها ليست حليفة الكايغي.
ومهما أطلقت من تعليقات مستفزة ووقحة بثقة، فأنا أعرف أنها تقف إلى جانبي أنا، دون سواي.
وفي الواقع…
لا أعتقد أنني كنت سأتمكن من تجاوز ذلك الموقف، من تخطي تلك اللحظة، لولا شينوبو.
كنت عاجزًا عن فهم أي شيء، ولم أكن سوى مرتبك أمام ذلك الوضع الغامض الذي وُضع أمامي فجأة. وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، لما استطعت فعل أي شيء وأنا في تلك الهيئة التي طوتني فيها كاغينوي.
فمنذ اللحظة التي فقدت فيها أعصابي، واندفعت نحو أونونوكي من دون تفكير، كنت قد ارتكبت خطأ فادحًا بالفعل. ومع ذلك، لا أريد إطلاقًا أن أصبح شخصًا يستطيع الحفاظ على هدوئه حين يرى نصف جسد أخته يُنسف أمام عينيه.
لكن…
أن أتصرف بتلك الطريقة، ثم أتحدث عن التفاوض والحوار… لو كان أوشينو ميمي هنا، لسخر مني بازدراء.
بل لانفجر ضاحكًا.
والتي تولت بعد ذلك المفاوضات التي كنت أنوي إجراءها لم تكن سوى مصاصة الدماء السابقة التي ورثت معارف أوشينو عن الكايغي.
أجل، كانت أوشينو شينوبو.
«كفى… أنتما الاثنتان. لن أسمح لكما بمزيد من التمادي. وأنتما أيضًا لا ترغبان في إثارة المزيد من الفوضى هنا، أليس كذلك؟»
قالت شينوبو ذلك مخاطبةً كاغينوي التي كانت جاثمة فوق ظهري؛ أما أونونوكي، فقد تجاهلتها. وربما رأت أن كاغينوي، لا أونونوكي التي تنتمي إلى عالم الكايغي مثلها، هي الأقدر على فهم كلامها.
«همم؟ لا أمانع، أتعلمين؟ فأنا لست من النوع الذي يتصرف بعقلانية ويراعي الظروف والمواقف».
أجابت كاغينوي بنبرة مازحة.
«ثم إنك تقولين إنك لن تسمحي لنا بذلك، لكن ما الذي تستطيعين فعله أصلًا في حالتك الراهنة، أيتها المصاصة… بل أيتها المصاصة السابقة؟ لقد فقدتِ قدراتك، ولم تعودي تشكلين أي تهديد لي».
«ربما».
ولم يكن الأمر مجرد احتمال؛ فشينوبو الآن تكاد تكون عاجزة تمامًا.
صحيح أنها تستطيع استخدام بعض مهاراتها داخل ظلي، لأنها محبوسة فيه، لكنها لا تستطيع سوى صنع جهاز DS، وهذا لا يرقى إطلاقًا إلى مستوى المهارات اللازمة لمواجهة متخصص.
وفوق ذلك، فكاغينوي أونميوجي متخصصة في الكايغي الخالدة. ربما كانت شينوبو في أوج قوتها قادرة على مجاراتها، أما شينوبو الحالية فلا تملك فرصة أمامها.
لكن هنا يأتي دور فن التفاوض…
أو لعل الأصح أن نقول إنها شجاعة نادرة.
فمن دون أن تلمّح شينوبو إلى أي شيء من ذلك، قالت:
«لكن، حتى لو كنتِ أنتِ كذلك، فماذا عن تلك الفتاة الصغيرة إلى جانبك؟ لا تبدو لي كايغي قوية بما يكفي لتحمل استنزاف طاقتي. وإذا امتصصتُ قوتها كلها، فلن يكون من الصعب عليّ أن أواجهك أنتِ أيضًا، أليس كذلك؟».
كانت خدعة.
لم تكن شينوبو الحالية قادرة على مجاراة القوة الوحشية لأونونوكي، التي نسفت نصف جسد تسوكيهي العلوي مع مدخل المنزل بأكمله. ولو حاولت مواجهتها، لكان مصير شينوبو أسوأ من تسوكيهي؛ فبدلًا من نصفها العلوي، ستُمحى من الوجود بالكامل، من رأسها حتى أخمص قدميها.
وسيكون من حسن حظها إن بقيت خصلة واحدة من شعرها الأشقر.
ومع ذلك، لم تُظهر شينوبو في موقفها المتعالي، وهي تعقد ذراعيها وترفع ذقنها، أي أثر لذلك القلق.
بل وقفت بهدوء فحسب.
وأظهرت غموضًا لا يُعرف له قاع.
…قد تغضب إن وصفت الأمر بهذه الطريقة، لكن لا بد أن هذه هي خبرة خمسمئة عام من العمر. وإن أخذنا في الحسبان جهل شينوبو بأمور العالم، فربما كانت الأشهر الثلاثة التي قضتها مع أوشينو أنفع لها في هذا الموقف من القرون الخمسة كلها.
الأشهر الثلاثة التي قضتها مع أوشينو ميمي، الرجل الذي استطاع مواصلة التفاوض مع الكايغي والبشر بالاعتماد على الخداع وحده، ولم يلجأ قط إلى العنف بوصفه وسيلة لفرض إرادته، مهما بلغت الظروف أقصى درجاتها.
«أنا لا أحاول عرقلة طريقكما… كل ما أطلبه منكما هو أن تتراجعا مؤقتًا. أليس من الممكن أن تقبلا طلبًا بهذه البساطة؟ فالوقت ليس مسألة مهمة بالنسبة إليكما، أليس كذلك؟»
لكن…
لكن هل ستنجح تلك الخدعة؟
قد تنجح معي، وربما مع أونونوكي أيضًا… لكن هل يمكن أن تنجح أمام كاغينوي يوزورو، المتخصصة التي تعمل في المجال نفسه الذي عمل فيه أوشينو؟
كان يساورني قلق ضئيل، بل هائل، بشأن ذلك. لكن كاغينوي، في نهاية المطاف…
«همف».
ثم رفعت يدها عن رأسي بسهولة.
«حسنًا، لا بأس. كما طلبتِ، سنتراجع مؤقتًا. لننسحب الآن. صحيح أنني لا أبالي بالظروف والمواقف، لكن حتى أنا لم أكن أنوي القضاء على أخت أمام أخيها… مع أنها، هاها، ليست أختًا حقيقية في الواقع، أليس كذلك؟».
«…………»
ليست أختًا حقيقية.
أخت زائفة…
«حتى الأخ الشيطاني مثلك يحتاج إلى بعض الوقت لترتيب شؤونه، أليس كذلك؟ سأمنحك ذلك الوقت احترامًا لمصاصة الدماء الأسطورية. وسأقبل تلك الخدعة البارعة التي أطلقتِها عليّ، وسأتظاهر بأنني صدقتها؛ فاستعد نفسيًا وجسديًا كما تشاء. همف… لقد فشلت المهمة، ولا شك في ذلك. كنت أريد في الحقيقة أن أنهي الأمر قبل أن يكتشف والداها المفترضان وأسرتها المفترضة أي شيء… لكن يبدو أن هناك تشويشًا طرأ على الخطة».
وبينما قالت ذلك، قفزت كاغينوي من فوق ظهري وانتقلت إلى كتف أونونوكي.
حتى في هذه اللحظة، لم تطأ قدماها الأرض.
وبهذا، لم يعد الأمر يبدو مجرد تصرف طفولي، بل كأنها قطعت عهدًا ذا مغزى روحي ما على ألا تلمس الأرض.
لا، بل إن ما أدهشني أكثر هو أن أونونوكي لم يتغير تعبير وجهها إطلاقًا، رغم هبوط كاغينوي، التي بدت تقارب ضعف حجمها، على كتفها.
لم يكن الأمر مجرد حمل شخص على الكتفين.
لقد تأكدت مجددًا أن أونونوكي كايغي في جوهر وجودها… «قاعدة استثناءاتها أكثر من قواعدها (كتاب القواعد اللامحدود)».
«سأعود غدًا. رتّب أمورك حتى ذلك الحين… ولا فائدة من الهرب. أقول لك من الآن إننا لسنا متساهلتين مثل أوشينو. نحن لا نترك الفريسة التي نضع أعيننا عليها تفلت منا. وإذا حاولت عرقلتنا، فسنتجاهل تصنيفك على أنك غير مؤذٍ، ونقضي عليكم جميعًا من دون استثناء».
«إلى اللقاء»، قالت كاغينوي.
أما أونونوكي، فاستدارت بهدوء وهي تحمل كاغينوي على كتفها، ثم ابتعدت بخطوات ثابتة؛ وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن لا تدمير ولا تجدد قد وقع للتو. وبينما كنت أراقب ظهرهما…
قلت:
«لماذا…».
لم أتمكن إلا من قول ذلك بصعوبة.
وسألت بصعوبة.
وسط الألم والارتباك والصدمة، لم أستطع سوى أن أسأل…
«لماذا تستهدفان تسوكيهي؟».
لقد قلتِ إنكما لا تتركان الفريسة التي تستهدفانها تفلت منكما.
لكن لا يوجد سبب يدعو إلى استهداف تسوكيهي…
فالأمر يختلف تمامًا عما حدث حين استهدف المتخصصون في صيد مصاصي الدماء حياة شينوبو في الماضي.
«تسوكيهي… ليس لديها أي سبب يجعلها هدفًا لكما…».
«بل لديها سبب. إنها كايغي، وحش».
أجابت كاغينوي عن سؤالي بلهجة قاسية، وكأن الأمر بديهي، من دون أن تلتفت نحوي.
أجابتني من مكانها المرتفع.
«وقواق لا يصبح ابنًا لمن ربّاه؛ فوحش زائف يتسلل إلى عائلة بشرية، ويتظاهر بأنه إنسان، ويعيش مخادعًا البشر. هذا ما نسميه نحن «شرًا»».
«…………»
«ونحن، بوصفنا أبطال العدالة، لا يمكننا أن نتغاضى عن ذلك».
عن عملية الاحتيال تلك.
لا يمكننا التساهل معها.
وبعد أن تركت كاغينوي يوزورو وأونونوكي يوتسوغي هاتين الكلمتين خلفهما…
الكايغي والإنسان.
غادر ثنائي الأونميوجي المكان أمام منزلي.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.