تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل04

الفصل الرابع

المشاهدات نشر في تاريخ نوفمبر 8, 2026
Laith shoman
ترجمة ورفع الفصل Laith shoman
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

*ثمة خطبٌ ما بكِ يا كيكو.* كانت تلك الكلمات التي سمعتها من صديقة قديمة صادفتها في محطة القطار الأسبوع الماضي.

فبعد أن تبادلتا التحية، آثرتا قضاء بعض الوقت معًا على كوب من الشاي، واستعادة ذكرياتهما الماضية. وظل اللقاء يسير في هدوء وأُنس، حتى انساب الحديث إلى لعبة ALO. عندئذٍ تبدلت أسارير صديقتها، واستقرت في عينيها نظرة جادة. لم تكن تمزح، ولا كان بها أثرٌ للسخط أو خيبة الأمل؛ إنما كان القلق عليها بادياً في ملامحها. ومع ذلك لم تجد كيكو أيانو – المعروفة في العالم الافتراضي باسم سيليكا – سبيلًا إلى الرد سوى ابتسامة متوترة ارتسمت على شفتيها، فقد لقّنتها تجاربها السابقة مع والديها والمرشدين النفسيين درسًا مريرًا: كلما حاولت أن تشرح للآخرين ما يعتمل في نفسها، اتسعت الهوة بينها وبينهم.

*لقد أمضيتِ عامين كاملين طريحة الفراش بسبب ذلك الكابوس، وها أنتِ تعودين مجددًا إلى ألعاب الواقع الافتراضي؟ لا ريب أن ثمة خطبًا ما بكِ.*

ولعل صديقتها كانت محقة، إذا نُظر إلى الأمر من منظور موضوعي. فكثيرون يعتقدون أن كل ناجٍ من كارثة SAO ينبغي أن يمقت تقنية الانغماس الكامل التي احتجزتهم في ذلك العالم الافتراضي، وأن يقطع صلته بها إلى الأبد. ولم تكن كيكو تنكر وجاهة هذا الرأي، بل كانت تتفهم دوافعه تمامًا. بل إن كثيرًا من زملائها في المدرسة المخصصة للناجين من SAO كانوا قد حسموا أمرهم بالفعل، وعقدوا العزم على ألا يعودوا إلى ألعاب الواقع الافتراضي ما حيوا. أما كيكو، فلم تستطع أن تحمل نفسها على اتخاذ القرار ذاته. فكل ما في الأمر… أنها لم تكن ترغب في التوقف. فلماذا لا يدعونها وشأنها فحسب؟

تمتمت بصوت خفيض: “رغم كل ما حدث، ما زلتُ أحب ألعاب الانغماس الكامل.”

إلا أن صديقتها لم تكتفِ بهذا الجواب، بل ظلت تطالبها بتفسير يقنعها، كما فعل المرشد النفسي في المدرسة، وكما فعل والداها من قبل. لكن كيكو لم يكن لديها ما تجيب به. فحتى هي لم تكن تدرك ماهية ذلك الشعور المتقد في أعماقها، ولا سر ذلك الوهج الذي ينبعث منها ولا تعرف له مصدرًا؛ شعورٌ تتداخل فيه أشواقها مع مخاوفها في مزيج عصيّ على الفهم.

كانت تستشعر ذنبًا لأنها تظل سببًا في قلق والديها، ويغمرها في الوقت نفسه امتنان عميق لهما، إذ لم يحاولا قط إرغامها على الإقلاع عن ألعاب الواقع الافتراضي. ولهذا بالذات، لم تشأ أن تجيبهما بكلمات جوفاء لا تعكس حقيقة ما تشعر به.

ثمة دافع يسكن أعماقها، دافع لم تستطع حتى هي أن تضع له تفسيرًا. وحين تتقصى حقيقة الأمر حتى جذوره، لا تجد سوى تفسير واحد: إن لعالم الواقع الافتراضي القائم على الانغماس الكامل سحرًا آسرًا، سحر تعجز عليها الإحاطة بحقيقته، ومع ذلك ظل يستقطبها إليه دون انقطاع. لم تكن بحاجة إلى فك ألغازه، ولا كانت تنشد مسوغًا لحبها إياه؛ كل ما أرادته أن تظل تستشعر ذلك السحر، الآن… وإلى الأبد، مهما تبدلت الأحوال

. هكذا ظلت تقنع نفسها على الدوام، إلى أن…

“لم يخطر ببالي قط أن ينتهي بي المطاف إلى ما أنا عليه الآن يا بينا.” همست سيليكا بهذه الكلمات، فأطلق التنين الصغير ذو اللون الأزرق الفاتح المستقر فوق رأسها زقزقةً رقيقة، كأنه يواسيها ويبادلها الحديث. وعلى بُعد خطوات منها، كانت ليزبيث جالسةً منهمكة في فتل الأعشاب المجففة بين أصابعها رفعت رأسها قليلًا وسألت: “هل قلتِ شيئًا؟”

هزت سيليكا رأسها على عجل وأجابت: “لا… لا شيء.”

“همم…”

في الظروف المعتادة، ما كانت ليزبيث لتدع الأمر يمر بهذه البساطة؛ بل كانت ستظل تلحّ عليها بالأسئلة حتى تستجلي ما يشغل بالها. أما هذه المرة، فاكتفت بالتنهد وعادت إلى عملها، لا بد أن الإرهاق قد استنفد ما بقي لديها من طاقة.

وبجوارها، كانت فتاة صغيرة سوداء الشعر تواصل عملها بنشاط وحماسة، وقد أشرقت ملامحها بالحيوية، ثم قالت بابتسامة واثقة: “لقد أوشكنا على الانتهاء يا ليز! لم يبقَ سوى أن نصنع اثنين وعشرين حبلًا آخر، ونجهز ست عشرة حزمة إضافية من الأعشاب المجففة، ونجمع خمسة وأربعين غصنًا متينًا، وعندها سنكون قد استوفينا جميع المواد المطلوبة!”

“هـ-هاه…” تصلبت ملامح ليزبيث للحظة حين سمعت الإحصاء الدقيق لما تبقى من العمل، وخُيّل إليها أن آخر ما بقي في جسدها من طاقة قد تلاشى دفعة واحدة. كنّ يجلسن متحلقات في تجويف صخري عند سفح جرف شاهق. لم يكن التجويف غائرًا بما يكفي ليُعد كهفًا، إذ كان يمتد إلى داخل الصخر نحو عشرة أقدام، ويبلغ ارتفاعه ستة أقدام؛ وهو ما جعله ملجأً مؤقتًا ملائمًا تمامًا.

في مؤخرة التجويف، كان ثمة شق ضيق في الجدار الصخري، تتساقط منه قطرات المياه الجوفية تباعًا، بفاصل زمني يقارب الثانيتين بين القطرة والأخرى.

وفي وسط الحلقة التي شكّلنها، توهجت نيران صغيرة أشعلنها بالأغصان اليابسة، وبعثت ضوءًا واهنًا في الظلمة المحيطة بهن.

أما الأرض الممتدة من حولهن، فكانت جدباء قاحلة، لا أثر فيها للماء، ولم يعثرن على أي مورد له طوال رحلتهن إلى هذا المكان.

ولم يكن في وسعهن انتقاء ما يشأن في مثل هذا الظرف؛ فمقاييس العطش لديهن كانت آخذة في الانخفاض، ولم يعد أمامهن متسع من الوقت لإيجاد سبيل إلى النجاة. وفجأة، لطمت ليزبيث وجنتيها بكفيها، وهتفت مستنهضةً عزيمتهن: “لقد صمدنا حتى الآن، ولن نسمح لليأس بأن يتسلل إلينا يا سيليكا!”

ابتسمت سيليكا في زهو، ورفعت الحبل الذي أتمّت صنعه للتو، قائلة: “لقد بذلتُ جهدًا كبيرًا طوال هذا الوقت، وها أنا ذي قد أنجزت الحبل الرابع عشر!”

اتسعت عينا ليزبيث دهشةً، ثم تحولت نظرتها إلى التحدي، وصاحت: “ماذا؟! لن أدعكِ تتفوقين عليّ!”

وعاودت العمل بحماسة متجددة، وأخذت تحرك يديها بوتيرة أسرع. وفي تلك الأثناء رفعت يوي – الفتاة الصغيرة ذات الشعر الأسود – قبضتها الصغيرة نحو السماء المظلمة خارج المخبأ، وهتفت بحيوية: “هذا هو الحماس المطلوب! هيا يا ليز وسيليكا!”

كانت قد انقضت ثلاث ساعات على الحادثة الغامضة التي ألمّت بلعبة ALO، وأفضت إلى سقوط القلعة العائمة آينكراد على الأرض، محدثةً انقلابًا جذريًا في نظام اللعبة. أما في العالم الحقيقي، فقد كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً.

حين توقفت آينكراد عن الطفو وشرعت في الهويّ، كانت سيليكا وليزبيث ويوي في أحد الأودية الواقعة عند أطراف الطابق الخامس والأربعين. وكان الوادي يعج بوحوش الحلزون الصخري، وهي كائنات بالغة الصلابة، واهنة الهجوم، مما جعله ميدانًا مثاليًا لصقل المهارات القتالية ورفع مستواها.

كنّ منهمكات في تطوير مهاراتهن، وقد أوشكن على مغادرة الوادي لالتقاط أنفاسهن قليلًا قبل أن يلحق بهن كيريتو ورفاقه. لكن الأرض اهتزت فجأة بعنف هائل. فسارعت الفتاتان إلى بسط أجنحتهما والتحليق مبتعدتين، من دون أن تدركا أن هيكل آينكراد بأكمله كان ينهار فوق رأسيهما. وفي اللحظة التالية، ارتطمتا بالسطح السفلي للطابق الذي يعلوهما، قبل أن يتسنى لهما حتى استيعاب ما يجري.

وبفضل إرشادات يوي، تمكنّ بصعوبة بالغة من بلوغ الفتحة الخارجية في هيكل القلعة، وبذلن قصارى جهدهن للفرار من القلعة المتهاوية. ومع ذلك، لم يفلحن في الابتعاد سوى مئة ياردة قبل أن ترتطم آينكراد بالأرض بقوة مروعة، لا تقل عن قوة انفجار تونغوسكا.

تشبثت سيليكا ببينا بكل ما أوتيت من قوة، فيما ضمت ليزبيث يوي إلى صدرها، لكن ذلك لم يكن كافيًا لوقايتهن من موجة الصدمة العاتية التي قذفت بهن في الهواء، حتى هوين أخيرًا على أرض قاحلة مجهولة.

ولم يحتجن سوى إلى خمس عشرة دقيقة حتى استوعبن حقيقة المأزق الذي وجدن أنفسهن فيه؛ فلم يكنّ في أراضي السلمندر أو الإمب، وقد أُعيد ضبط خصائص شخصياتهن بالكامل، وفقدن أجنحتهن وجميع متعلقاتهن، باستثناء أسلحتهن الرئيسية ودروعهن. أما الأسوأ من ذلك كله، فكان أن يوي لم تعد قادرة على استخدام قدراتها بوصفها جنية إرشاد.

وهكذا أخذت الفتيات الثلاث – برفقة بينا – يذرعن البرية بحثًا عن الماء والمأوى، إلى أن عثرن على هذا التجويف الصخري قبل نحو ساعة.

وكانت سيليكا وليزبيث قد تناوبتا على تسجيل الخروج، مرة واحدة لكل منهما؛ إذ ذهبت كل منهما إلى دورة المياه وشربت ما يعوض السوائل التي فقدتها. وقد أكد لهما ذلك أن هذا العالم الجديد لم يكن لعبة موت لا فكاك منها، على غرار SAO. لكنهما اكتشفتا أثناء ذلك مأزقًا آخر؛ فكما في ALO، حين يسجل اللاعب خروجه في منطقة مكشوفة، تظل شخصيته موجودة في الموقع نفسه مدةً من الزمن بعد انقطاع الاتصال.

وكانت المنطقة المحيطة بهذا المخبأ تعج بعقارب عملاقة وذئاب بلون الرمال، وهي وحوش أشد بأسًا بكثير من نظيراتها في مناطق المبتدئين. ولو عثرت تلك الكائنات على شخصياتهن أثناء خمولها، لما احتاجت إلى أكثر من بضع ثوانٍ لتقضي عليها.

وإلى أن تتبين لهن حقيقة الموت في هذا العالم، وما إذا كان يعني مجرد العودة إلى نقطة الإحياء، أم تترتب عليه عواقب أشد وخامة، كخسارة نقاط الخبرة أو المال أو الأدوات، لم تكن أي منهن مستعدة للمجازفة باستنزاف نقاط صحتها حتى النفاد.

لذلك أولين التحذير الذي ظهر لهن قبل تسجيل الخروج اهتمامًا بالغًا، فقد نصّ بوضوح على ما يلي: “إذا لم تقم بتسجيل الخروج في مكان آمن، فقد تموت أثناء قطع الاتصال”.

كان ذلك أول ما شغل بالهن، ومن ثم اتخذن من تأمين ملاذ آمن هدفًا لهن قبل أي شيء آخر.

وفي أثناء ذلك، اكتشفت ليزبيث مهارة النجارة للمبتدئين، وحين فعّلتها، لم يظهر أمامها في قائمة المنشآت القابلة للبناء سوى خيار واحد: “كوخ بدائي”.

“كنت أخطط لشراء المتجر القديم نفسه، ذي الطابقين والناعورة المائية الذي امتلكته في SAO، بمجرد افتتاح الطابق الثامن والأربعين… وها أنا ذي الآن أحاول تشييد كوخ بدائي.”

تمتمت ليزبيث بذلك، وهي تتطلع إلى الخارج من داخل مخبئهن الصخري. كانت الشمس قد غربت بالفعل، ولم يكن في البرية المترامية أمامهن أي مصدر للضوء.

“أتسائل ما الذي حل بآينكراد؟” همست سيليكا بالسؤال، وكأنها تخشى أن تسمع إجابته.

 

توقفت يوي عن العمل، وأشاحت بوجهها مطرقةً برأسها، وقد خيّم عليها التردد، كأنها تحجم عن البوح بما يختلج في صدرها.

“في اللحظة التي ارتطمت فيها آينكراد بسطح الأرض، كنت لا أزال قادرة على الاطلاع على بيانات الخريطة… وقد مُحيت الطوابق الممتدة من الأول إلى الخامس والعشرين محوًا تامًا.”

 

شهقت سيليكا واتسعت عيناها ذهولًا، فيما ارتسم القلق على محيا ليزبيث، وراحت يداها ترتجفان من تلقاء نفسيهما.

أما يوي، فواصلت حديثها بهدوء، كأنها لم تلحظ وقع كلماتها عليهما: “الطوابق التي نجت من الدمار الشامل لا تزال تعاني أضرارًا متفرقة في مواضع شتى، كما أحصيت مصرع نحو ألف ومئتي لاعب من لاعبي ALO ممن كانوا داخل هيكل آينكراد لحظة ارتطامه بالأرض.”

 

ظلت سيليكا صامتة، تحاول استيعاب فداحة ما سمعت.

 

كان في قرارة نفسها أملٌ بأن ما حدث لم يكن سوى واقعة درامية مفاجئة ضمن أحداث القصة، إلا أن نبأ مصرع أكثر من ألف لاعب بدّد ذلك الأمل من جذوره. ولأنهن كنّ في فترة أمان، فقد ظنت أن الموت لا يعدو أن يكون عودة اللاعب إلى نقطة الإحياء، أما ما جرى أمامهن، فقد بدا أبعد ما يكون عن مجرد حدث مبرمج داخل اللعبة.

وبينما عادت يوي إلى فتل الأعشاب، ترددت ليزبيث قليلًا قبل أن تسألها: “أم… يوي… هل فقدتِ قدراتكِ في اللحظة نفسها التي فقدنا فيها أجنحتنا؟”

أجابت يوي، مرتديةً فستانها الأبيض: “نعم، هذا صحيح. في تمام الساعة 17:05 من يوم السابع والعشرين من سبتمبر، طرأت عدة ظواهر متزامنة. اختفى النمط السداسي الذي ظهر قبل خمس دقائق، وتبدلت جميع أنظمة واجهة المستخدم في اللعبة، وسُحبت مني صلاحيات الوصول إلى النظام، كما تحولت شخصيتي من جنية إلى بشرية. ووفقًا لنظام اللعبة، صُنفت الآن لاعبةً مثلكما تمامًا، من دون أي قدرات خاصة…”

أطرقت يوي برأسها، وكأن الكلمات تثقل كاهلها. فمدّت سيليكا ذراعها برفق، وأحاطت كتفيها بها قائلة: “لا بأس يا يوي، سيكون كل شيء على ما يرام. أنا واثقة بأننا سنعثر على طريقة تعيدكِ إلى حالتكِ الطبيعية.”

“شكرًا لكما. أعتذر لأنني أقلقتكما.”

قالت يوي ذلك وهي تحني رأسها، ثم أردفت بهمسة خافتة أثارت دهشتهما: “في الحقيقة… ثمة جزء مني يشعر بشيء من السعادة إزاء هذا الوضع.”

“سعيدة؟ ولماذا؟” سألت سيليكا وقد انعقد حاجباها حيرةً.

“أصبحت الآن قادرة على حمل الأشياء وتجهيز الأسلحة والدروع. وصار لدي شريط صحة، فإذا نفدت جميع نقاط صحتي، فسأموت مثلكما تمامًا. لا أعرف بدقة ما الذي سيحدث بعد ذلك، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي أكون فيها لاعبة ضمن لعبة واقع افتراضي جماعية مثلكما، وفي الوضع ذاته الذي يوجد فيه بابا وماما. أخشى أن تنفد نقاط صحتي. ومع ذلك، فإن هذا الخوف نفسه شعور جديد ومثير بالنسبة إليّ.”

 

لم يكن من السهل على سيليكا أن تستوعب مغزى كلمات يوي بكل أبعادها، لكنها أدركت شيئًا من حقيقة شعورها.

 

فمنذ SAO مرورًا بـ ALO وحادثة اوردينال سكيل، وصولًا إلى حرب العوالم في العالم السفلي، ظلت يوي تراقب كل ما يجري من حولها. أما في عالم يونيتال رينغ الغامض، فقد انقلب وضعها رأسًا على عقب. إذ أصبح لها جسد بشري، وإن كان أصغر حجمًا حتى من جسد سيليكا، وأُضيفت إلى واجهتها أربعة أشرطة حالة جديدة. ستفقد نقاط TP كلما اشتد بها العطش، ونقاط SP حين ينهشها الجوع، ونقاط HP كلما أصيبت بجرح. لم تعد يوي مجرد مراقبة للأحداث من بعيد، بل غدت واحدة من اللاعبين الذين يخوضون غمار هذا العالم.

 

“إذن، علينا أن نعثر لكِ على أسلحة ودروع مناسبة!” قالت ليزبيث، وهي تلوّح بالحبل الذي نسجته للتو، ممسكةً به كما لو كان سيفًا.

 

كانت ليزبيث وسيليكا لا تزالان تحتفظان بأسلحتهما ودروعهما من ALO، وهو ما أتاح لهما التصدي للعقارب وعناكب الجمال التي هاجمتهما في البرية. أما يوي، فلم تكن تملك سوى فستان رقيق لا يكاد يوفر لها أدنى قدر من الحماية. وإذا صحت تكهنات يوي بشأن وجودهن في فترة أمان مؤقتة، فمن المرجح أن تصبح سيليكا وليزبيث مثقلتين بالحمولة فور انقضائها، مما قد يحول دون تمكنهما من تجهيز معداتهما. ومن ثم، كانت الحاجة إلى إعداد معدات مناسبة للثلاث جميعًا أمرًا لا يحتمل التأجيل.

“قبل هذا، علينا أن نجد لنا مأوى بدايةً!” أصرت سيليكا.

أطلقت ليزبيث ضحكة مدوية وقالت: “لقد أنجزت للتو عشرين حبلًا من هذا النوع!”

“ماذا…؟ متى سبقتِني؟”

وقد أثارت مهارة صديقتها الحرفية حماسة سيليكا، فانكبت على عملها بجد ومثابرة.

وكلما أخذت تفتل العشب الجاف وتضفره، لمع الحبل بوميض خافت، حتى يستوي حبلًا متينًا. وفي الوقت نفسه تقريبًا، أتمت يوي مهمتها، وبذلك اكتملت لديهن الحبال الستون المصنوعة من العشب الجاف، وهي أحد الأصناف المطلوبة لبناء الكوخ.

وعند النقر على الحبل الجديد، كانت نافذة الخصائص تعرض وصفًا موجزًا أسفل اسم العنصر ومؤشر المتانة: *حبل رفيع ومتين، مصنوع من العشب الجاف الذي ينمو في المناطق القاحلة. يمتاز بالصلابة، إلا أنه سريع التلف إذا تعرض للرطوبة. ويُقال إن شعب الباشين يغليه ويأكله.*

“أظن أن هذا يعني أن خصائص الحبال ستختلف باختلاف أنواع العشب المستخدمة في صنعها”، تمتمت سيليكا.

ألقت ليزبيث نظرة على الوصف من فوق كتفها، ثم قالت: “همم… أظن ذلك. أوف، تتطلب هذه اللعبة عملًا مضنيًا… وأنا حقًا لا أرغب في تذوق هذا الحبل.”

“أتفق معكِ في الأمرين.”

ضحكت يوي بخفوت على تعليقهما. بدت الإشارة إلى شعب الباشين في الوصف غريبة بعض الشيء، إلا أنها صرفت الفكرة عن ذهنها، وعادت بتركيزها إلى المهمة التي بين يديها.

“حسنًا، لا تزال تنقصنا ست عشرة حزمة من الأعشاب المجففة… وأربعة وخمسون غصنًا متينًا. يبدو أننا سنضطر إلى الخروج مجددًا لجمع المزيد من المواد.”

قالت ليزبيث ذلك، وقد ارتسم الاستياء على وجهها وهي تحدق في البرية الممتدة خارج المخبأ.

في كثير من ألعاب تقمّص الأدوار الجماعية عبر الإنترنت ذات العالم الافتراضي (VRMMORPG)، يستطيع اللاعبون استخدام السحر، إلا أن تفعيله يخضع لثلاث طرائق رئيسية: إما بترتيل التعويذات بصوت مسموع، كما هو الحال في ALO، أو بأداء حركات وإيماءات معينة باليد أو باستخدام عصا سحرية، أو بمجرد اختيار التعويذة من كتاب سحري أو من نافذة هولوغرافية. وإذا كان نظام هذا العالم يعتمد على الكلمات أو الإيماءات، فقد أدركن جيدًا أن اكتشاف الطريقة الملائمة بمحض المصادفة أمر يكاد يكون مستحيلًا، فضلًا عن أنهن لم يملكن أي كتاب تعاويذ يمكنهن الرجوع إليه.

قالت يوي: “أظن أننا سنعثر على شخصية غير لاعبة (NPC) تعلمنا مهارة استخدام السحر أو شيئًا من هذا القبيل. يبدو أننا سنضطر إلى تأجيل البحث عن السحر حتى ذلك الحين.”

أومأت سيليكا موافقة، فيما راحت تستشرف المجهول الذي ينتظرهن.

ومع تعذر استخدام السحر، بدا الانتظار حتى انبلاج الصباح خيارًا مغريًا. إلا أن الأمر كان يتوقف على دورة اليوم المعتمدة في هذا العالم؛ فإن كانت مماثلة لدورة اليوم في ALO، التي تمتد إلى ست عشرة ساعة، فسيتعين عليهن الانتظار ست ساعات كاملة قبل شروق الشمس. أما إن كانت تمتد إلى أربع وعشرين ساعة، فلن تشرق الشمس قبل انقضاء عشر ساعات. ولأن فترة الأمان قد تنتهي قبل ذلك، لم يكن أمامهن سوى المجازفة بالخروج من المخبأ ومواجهة أخطار البرية لجمع ما تبقى من المواد.

مدّت سيليكا يدها وانتزعت غصنًا طويلًا من نار المخيم، ثم نقرت على طرفه غير المشتعل، متفادية اللهب الواهن الذي كان يتراقص عند طرفه الآخر: غصن مشتعل، سلاح / مادة، القوة الهجومية: 0.43 ضرب، 0.37 حرق، المتانة: 0.69، الوزن: 1.44.

كان مؤشر المتانة يتناقص بنحو 0.01 كل ثانيتين، ما يعني أن الغصن سيتفحم تمامًا في أقل من خمس دقائق. ومن ثم، لن يصلح مشعلًا ما لم يكن قادرًا على الاحتراق مدة أطول، فضلًا عن أن الضوء المنبعث منه كان خافتًا للغاية.

تأملت سيليكا الغصن قليلًا، ثم تسائلت: “همم… تُرى ما الفرق بين المشعل والغصن العادي؟”

أمالت ليزبيث رأسها حائرة، ولحسن الحظ كانت يوي حاضرة لتجيب: “المشعل عبارة عن عصا يُلف أحد طرفيها بقطعة قماش مشبعة بمادة قابلة للاشتعال.”

“مادة قابلة للاشتعال؟”

“تكون عادةً زيتًا أو مادة راتنجية لزجة. أما كلمة مشعل في اللغة اليابانية، فتُكتب برمزي كانجي يشيران إلى الصنوبر والضوء؛ إذ اعتاد الناس قديمًا استخدام زيت التربنتين المستخرج من أشجار الصنوبر.”

حدّقت ليزبيث في يوي بدهشة، ثم سألتها: “يوي… هل بحثتِ عن هذه المعلومات عبر الإنترنت؟”

“لا، لا أستطيع الاتصال بالشبكة الخارجية في الوقت الحالي… لكن هذه المعلومات محفوظة في ذاكرتي الأساسية.”

“واو…”

شهقت ليزبيث، ثم مالت نحو يوي ومدّت يدها تربت على شعرها برفق، قائلة: “أنتِ مذهلة حقًا يا يوي! حتى بعدما فقدتِ نظام التوجيه والإرشاد، ما زلتِ قادرة على مساعدتنا في أمور كثيرة. من حقكِ أن تفخري بنفسك!”

“هيهي… هيهي…”

ضحكت يوي بخجل، وقد بدا عليها شيء من الحرج، ثم أضافت: “ولكن… معرفتنا بكيفية صنع المشاعل لن تفيدنا كثيرًا في وضعنا الحالي؛ فنحن لا نملك زيت التربنتين ولا القماش…”

قالت ليزبيث بحزم: “هذا ليس صحيحًا.” ثم انحنت وجمعت بقايا العشب الجاف المتناثرة من جراء فتل الحبال، وأحاطت بها غصنًا لم يُستخدم في إشعال النار، ولفّتها حوله بإحكام.

وما إن أتمّت ذلك حتى تلألأ الغصن بوميض خافت. ألقت ليزبيث نظرة على نافذة الخصائص، ثم رفعت قبضتها منتشيةً وهتفت: “انظرن! يمكن استخدام العشب الجاف مادةً قابلة للاشتعال أيضًا! صحيح أن اسمه هنا مشعل بدائي، إلا أنه سيظل متقدًا مدة أطول بكثير من الغصن العادي.”

“واو! يا لها من فكرة عبقرية يا ليز!”

صفقت سيليكا مرتين، وقد أُعجبت بحيلة صديقتها. ثم قرّبت المشعل البدائي من النار لإشعاله، فانبعث منه ضوء ساطع يفوق بكثير ما كان يصدر عن الغصن الصغير.

“سيكون هذا عونًا كبيرًا لنا في جمع بقية المواد.”

“بالطبع! والآن، هيا بنا نبحث عن المزيد من العشب الجاف والأغصان.”

وبعد أن تسلحت كل واحدة منهن بمشعل مضيء، تقدمن بضع خطوات إلى خارج التجويف الصخري، قبل أن تتوقف ليزبيث فجأة وتلتفت إلى الوراء، صارخةً: “مهلًا يا سيليكا! ماذا تقصدين بقولكِ إنها فكرة عبقرية مني؟!”

“أنتِ بطيئة الاستيعاب كالعادة!”

هتفت سيليكا ضاحكة، وشاركتها يوي ابتسامة مرحة، حتى إن بينا أطلقت زقزقة صغيرة وكأنها تشاركهن المزاح.

لم تكن تنبت في البرية المحيطة بالتجويف الواقع أسفل الجرف أي نباتات خضراء؛ فقد غطّت الأرض أعشاب جافة ذات حواف حادة مسننة، وهي نفسها الأعشاب الذابلة التي كنّ يبحثن عنها، فيما تناثرت هنا وهناك أشجار يابسة شاحبة كلون العظام. لذلك، لم يكن العثور على ما يحتجنه بالأمر العسير.

ومع ذلك، لم تكن الأداة الحادة الوحيدة المتاحة لهن سوى خنجر سيليكا، فكان عليها أن تتولى قطع الأعشاب وجمعها، في حين انشغلت ليزبيث بتكسير أغصان الأشجار الميتة باستخدام هراوتها الثقيلة.

أما يوي فقد تطوعت بحمل المشعل، إلا أنه كان لا بد من تدبير سلاح مناسب لها في أقرب وقت؛ فعندئذٍ فقط ستتمكن من اختبار مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على خوض القتال بكفاءة تضاهي اللاعبين البشر.

سارت سيليكا إلى جوار يوي، التي كانت تحمل المشعل البدائي لتضيء لهما الطريق. وكلما وقع بصرها على رقعة من العشب الذابل، قبضت عليه بيدها الحرة من جذوره، ثم فصلته بخنجرها وأودعته مخزونها.

كان خنجرها – أيسرايدر – سلاحًا نادرًا ظفرت به في جوتنهايم. وقد حاز في الأصل طائفة من الخصائص والتأثيرات المميزة، من بينها إلحاق ضرر جليدي وتعزيز الإحصائيات والمقاومات. أما الآن، فحين تفحصت خصائصه، لم تجد فيه سوى سلاح يلحق ضررًا جسديًا من نوع القطع، بعدما زالت جميع تأثيراته الأخرى. ومع ذلك، ظلت قوته الهجومية تفوق بكثير ما يمكن أن توفره أغصان الأشجار، فلم يكن أمامها سوى الاتكال عليه في الوقت الراهن.

وإذا صحت ظنون يوي بشأن فترة السماح المؤقتة، فإن انقضائها سيجعل الخنجر أثقل من أن تتمكن شخصية من المستوى الأول من حمله مجددًا، حتى لو أخرجته من خانة التجهيز في أي وقت قبل ذلك.

وانطبق الأمر ذاته على هراوة ليزبيث الثقيلة؛ لذا كنّ في أمسّ الحاجة إلى العثور على أسلحة جديدة، لا من أجل يوي وحدها، بل من أجلهن جميعًا. إلا أن هذه البرية القاحلة لم تكن تضم أي متاجر، وحتى لو عثرن على أحدها، لما استطعن شراء شيء، إذ لم تكن بحوزتهن قطعة نقدية نحاسية واحدة. وهكذا، قد لا تمضي سوى ساعات قليلة حتى يجدن أنفسهن مضطرات إلى ارتداء ثياب منسوجة من الحشائش، والتسلح بعصي خشبية، كما لو أنهن عدن إلى عصور الإنسان البدائي.

وحدثت سيليكا نفسها، وهي تقطع نبتة أخرى من العشب الذابل: “إذا بلغنا تلك الحال، فسأحرص على أن تكون ليز أول من ترتدي تلك الثياب الكاشفة، حتى يتسنى لي أن أضحك عليها قليلًا.”

وفي تلك اللحظة، انبعثت من بينا، المستقرة فوق رأس سيليكا، همهمة خافتة: “كروو…”

كان ذلك صوت تحذير. فقد أمضت سيليكا سنوات طويلة برفقة رفيقتها الصغيرة، حتى غدت قادرة على تمييز أدق الفروق في نبرات أصواتها وفهم ما تحاول التعبير عنه. وكانت هذه المرة تعني: “ثمة عدة كائنات تقترب من بعيد، لكنني لا أستطيع تحديد ما إذا كانت معادية أم لا.”

تحركت أذنا سيليكا المثلثتان، وأرهفت سمعها. وخُيّل إليها أنها تلتقط وقع خطوات تحمله نسمات الليل الباردة، فخفضت صوتها وقالت: “أطفئي المشعل يا يوي.”

 

وعلى الفور، دفنت يوي طرف المشعل المشتعل في الرمال، فخبا ضوؤه وأحاط بهن الظلام في لمح البصر.

لم تكن الرؤية قد انعدمت تمامًا، إذ ظلت ليزبيث تطرق شجرة يابسة على بُعد أقل من عشرين قدمًا منهن.

 

“ليز، ثمة شيء يقترب منا!”

 

وعلى الرغم من أن ليزبيث كانت حدادة في المقام الأول، فقد كانت مقاتلة متمرسة وسريعة البديهة. فضربت مشعلها بالأرض لإخماد شعلته، ثم انسحبت إلى الخلف بخطوات خفيفة ورشيقة.

همست ليزبيث: “أهو ذئب؟ أم عقرب؟”

هزت سيليكا رأسها في صمت، ثم أجابت: “ما دامت بينا لم تتعرف إليه، فلا بد أنه ليس واحدًا من تلك الكائنات، بل مخلوق لم نصادفه من قبل.”

قالت ليزبيث، وقد رفعت سبابتها متفكرة: “إذن، من الأفضل ألا نتعجل الاشتباك معه قبل أن نعرف ماهيته!”

ثم أشارت إلى جلمود صخري ضخم رابض بالقرب منهن، فتحركن نحوه وتوارين خلفه متجاورات.

وفي مثل هذا الموقف، كان الظلام الحالك في صالحهن؛ فإذا كان الوحش يعتمد على حاسة البصر في تعقب فرائسه، فلن يكون من السهل عليه أن يلمحهن وسط هذه العتمة.

Vol_21_-_131

أرهفت سيليكا السمع من جديد. لم تكن واثقة مما إذا كانت حاسة السمع المميزة لعرق كايت سيث لا تزال تعمل في هذا العالم، إلا أنها استطاعت تمييز وقع الخطوات بوضوح أكبر من ذي قبل. وكان الصوت يأتي من جهة الشمال الشرقي على الخريطة، بعيدًا عن الموضع الذي ارتطمت فيه آينكراد بالأرض.

 

وفجأة، أحست بارتجافة خفيفة إلى جوارها؛ فقد كانت يوي ملتصقة بها، وجسدها الصغير يرتعش.

 

يبدو أن الذكاء الاصطناعي يشعر بالخوف أيضًا في مثل هذه المواقف…

ما إن خطرت لها هذه الفكرة حتى شعرت بالخجل من نفسها. صحيح أن يوي ذكاء اصطناعي، إلا أنها قادرة على الاستمتاع بمختلف الأشياء، والشعور بالفرح، بل وحتى الحب؛ ومن الطبيعي تمامًا أن تشعر بالخوف أيضًا. فقد حصلت للتو على شريط صحة للمرة الأولى في حياتها، وها هي الآن وسط الظلام، تنصت إلى وقع أقدام كائن مجهول يقترب منها، لا عجب أن ينتابها الخوف.

وحين انهارت آينكراد، كانت يوي تساعدهما في رفع مستوى مهاراتهما، ولذلك انفصلت عن كيريتو وأسونا. ولا شك أنها كانت تتوق إلى لمّ الشمل بوالديها، لكنها آثرت البقاء مع سيليكا وليزبيث ومواصلة مساعدتهما بدلًا من تسجيل الخروج.

لذا، كان على سيليكا أن تتولى حماية يوي بنفسها.

وبهذا العزم ضمت سيليكا يوي إلى جانبها، وهمست لها: “لا تقلقي. حتى في وضعنا الحالي، ما زلنا أنا وليز قويتين بما يكفي.”

أيدتها ليزبيث، وقبضت على هراوتها الثقيلة بكلتا يديها، كما لو كانت تستعد لضرب كرة بيسبول، وقالت: “صحيح! إذا اقترب منا أي شيء… بوم! سأقضي عليه بضربة واحدة!”

“ليز، صوت الضربة هو…”

همّت سيليكا بتصحيح عبارتها، إلا أن الكلمات توقفت على شفتيها؛ إذ تناهى إلى مسامعهن فجأة صوت عميق أجش، صادر من مكان قريب على نحو مفاجئ.

 

لم يكن الصوت زئير وحش، بل صوت إنسان.

 

ومهما أرهفن السمع، ظلت الكلمات عصية على الفهم. لم تكن المشكلة في خفوت الصوت؛ فالمتحدث لم يكن يتكلم باليابانية، ولا بأي لغة أخرى استطاعت سيليكا تمييزها.

“XX, XXXXX”

بدا الصوت مشوهًا على نحو غريب، حتى خيل إليها أنه تعويذة سحرية لا حديث بشري. وتردد صداه بين الصخور الواقعة خلفهن، قبل أن يجيبه صوت آخر:

“X, XXX”

حبست سيليكا أنفاسها، وشدّت يوي إلى صدرها، فيما رفعت ليزبيث هراوتها وتأهبت للمواجهة.

توالت أصوات الخطوات، وأخذت الرمال تنزاح تحت وطأة الأقدام المتعاقبة. اقترب القادمون من جهة اليمين، ثم مروا خلف الصخرة التي تحصنت الفتيات ورائها، ومضوا في طريقهم مبتعدين نحو اليسار.

ومع ذلك، لم يكن من الحكمة الاطمئنان بعد؛ فإذا كان ما يجري معركة مبرمجة أو حدثًا نصيًا متسلسلًا، فقد يخفت وقع الأقدام فجأة ثم يتجدد، أو يباغتونهن بهجوم من جهة أخرى من دون سابق إنذار. أما إذا كانت الأصوات صادرة عن وحوش أو شخصيات غير لاعبة – لا عن لاعبين – فلا بد أن نظام اللعبة قد رصد وجودهن بالفعل؛ ففي نهاية المطاف، لم تكن أي منهن متمتعة بخاصية التخفي.

أنصتت سيليكا بانتباه شديد إلى وقع الخطوات الآخذ في التلاشي. ولم تحصر يقظتها في الجهة اليسرى التي مضى القادمون نحوها، بل ظلت ترصد ما يحيط بهن من سائر الجهات. وحين تيقنت من ابتعادهم مسافة كافية، أخذت تزحف بجسدها عن الصخرة ببطء، ثم أطلت برأسها من جانبها متفحصةً ما حولها.

 

وهناك، أبصرت ثلاثة رجال يشقون طريقهم عبر البرية.

 

لم يبدُ عليهم أنهم لاعبون؛ فقد كانوا يرتدون دروعًا بدائية من القماش والجلد، ويحمل كل واحد منهم مشعلًا كبيرًا في يده اليسرى، ورمحًا أو فأسًا في اليمنى. أما بشرتهم المكشوفة، التي ظهر منها جزء كبير، فكانت تميل إلى الرمادي الأسمر، وقد تدلت من رؤوسهم ضفائر شعر مشدودة امتدت حتى كادت تلامس خصورهم.

كانوا يسيرون في صف واحد، يلتفتون بين الحين والآخر لتفقد ما حولهم، متجهين نحو الجرف الشاهق الممتد عبر البرية من الشرق إلى الغرب.

وفي لحظة خاطفة، أدركت سيليكا هول الخطأ الذي ارتكبنه.

كان هناك وميض خافت يلوح عند سفح الجرف؛ إنه ضوء نار المخيم التي تركنها مشتعلة داخل التجويف الصخري.

قبل مغادرتهن المخبأ بقليل، خطرت لسيليكا فكرة إخماد النار، إلا أنها تراجعت عنها حين تذكرت المشقة التي تكبدنها لإشعالها، إذ اضطُرن في البداية إلى قدح أنواع معينة من الصخور بعضها ببعض حتى تمكنّ من إضرامها. ولم تكن ترغب في تكرار ذلك العناء من جديد.

والآن، اتضح أن الرجال لمحوا وهج النار من مسافة بعيدة، فجاؤوا لاستطلاع مصدره.

ولو اقتصر الأمر على إطفائهم النار، لهان الخطب؛ فداخل التجويف أيضًا كومة تضم الحبال الستين المصنوعة من العشب الذابل. وإذا أتلف هؤلاء الرجال الحبال أو استولوا عليها، فستتضائل فرص الفتيات في تشييد مأوى ملائم قبل انقضاء فترة الأمان إلى حد بعيد.

“حبالنا…”

همست ليزبيث، وقد ساورها القلق ذاته.

أكان عليهما تغليب سلامتهما والبقاء مختبئتين في مكانهما؟ أم ملاحقة الرجال للحيلولة دون ضياع الحبال؟ لم تكن سيليكا تعرف أي الخيارين أصوب.

 

ماذا كان سيفعل هو لو وجد نفسه في مثل هذا الموقف؟ ماذا كان سيفعل السياف الأسود؟

 

أكان سيستسلم ويترك متعلقاته خلفه ويلزم مخبأه؟ كلا، لم يكن ليفعل ذلك أبدًا! ربما لم يكن ليبادر بالهجوم، إلا أنه كان سيحاول على الأقل التواصل معهم، والذود عما يستحق الحماية… بل لعله كان سيجد في خضم هذا الموقف ما يستمتع به أيضًا.

لقد سقطت آينكراد، وأُعيد ضبط خصائص شخصياتهن، وتبدلت جميع تفاصيل نظام اللعبة… ومع ذلك، ظلت هناك حقيقة واحدة لا تقبل الشك: يونيتال رينغ لا تزال لعبة. فما زال في وسعهن تسجيل الخروج، وطالما أنهن يلعبن باستخدام جهاز الأموسفير، فإن نفاد نقاط الصحة لا يعني الموت في العالم الحقيقي.

صحيح أنها عادت إلى المستوى الأول، إلا أنها لم تفقد معداتها ولا مهارتها في استخدام الخنجر. وبناءً على ذلك، لم يكن أمامها سوى خيار واحد: أن تبادر بالتحرك.

استجمعت شجاعتها على مدى ثلاث ثوانٍ، ثم همست: “يوي… ابقي هنا.”

“ولكن…” اعترضت يوي، فما كان من سيليكا إلا أن ضغطت برفق على كتفها ثم أطلقتها. بعدها التقت عيناها بعيني ليزبيث، وتبادلت الاثنتان نظرة خاطفة أدركتا منها أن عزمهما قد انعقد على التحرك معًا.

أجلست سيليكا يوي إلى جوار الصخرة، ثم اندفعت فجأة من مخبئها وانطلقت راكضة، ولحقت بها ليزبيث في الحال. كانت كلتاهما قد أطفأت مشعلها، إلا أن الضوء المنبعث من مشاعل الرجال كان كافيًا لتتبع أثرهم.

وما إن تجاوزتا صخرة تضاهي سيليكا في طولها، حتى انكشف لهما المشهد بأكمله.

كان الرجال الثلاثة قد بلغوا مدخل التجويف الصخري بالفعل، وأخذوا يتفحصون داخله، وقد أشهروا أسلحتهم استعدادًا لأي طارئ.

وما إن صارتا على مقربة منهم حتى انتفض الرجال جميعًا، واتخذوا وضعية قتالية.

“X, XXX!!”

صاح الرجل الذي يحمل الرمح، وهو يستدير بسرعة خاطفة، بينما تمركز الرجلان المسلحان بالفأسين على جانبيه. واستنادًا إلى هيئته والحلي التي تزين جسده، بدا أن حامل الرمح هو زعيم المجموعة.

كانت وجوه الرجال الثلاثة مطلية برسوم حربية تنضح بالشراسة، وحتى من تحت طبقات الطلاء تلك، كانت ملامح العداء واضحة لا تخطئها العين.

توقفت سيليكا على بُعد خمسة عشر قدمًا منهم، وهتفت في محاولة لتهدئة الموقف: “نحن لا نريد قتالكم!”

ثم أعادت الخنجر الذي تحمله بيدها اليمنى إلى غمده المثبت خلف خصرها.

أما ليزبيث، فأنزلت هراوتها الثقيلة، وأبقت طرفها متجهًا نحو الأرض، ثم قالت: “كل ما نريده هو ألا تأخذوا حبالنا!”

لم يطرأ على ملامح الرجال أي تغير، بل تقدم أحدهم خطوة إلى الأمام، وصاح مجددًا: “XX, XXXX!!”

لم تكن الأصوات الصادرة عنهم كلماتٍ يمكن تمييزها، بل أشبه بضجيج إلكتروني مشوّش تتعذر معه معرفة ما يقولونه. وهذا يعني أن حديث الفتيات لن يكون مفهومًا لهم على الأرجح. بات من الواضح أن هؤلاء ليسوا لاعبين، بل شخصيات غير لاعبة (NPCs).

زأر أحد الرجلين المسلحين بالفأس: “XXX!”، فأومأ حامل الرمح برأسه، ثم أشهر سلاحه ذي النصل المعدني اللامع، وتقدم نحو الفتيات بخطى ثابتة. بدا أن المواجهة المسلحة باتت وشيكة لا محالة.

تأهبت سيليكا لأسوأ الاحتمالات، إلا أن صوتًا مألوفًا باغتها من خلفها: “واصلوا الحديث معهم لبضع لحظات أخرى!”

شهقت سيليكا، فقد غادرت يوي مخبأها خلف الصخرة ولحقت بهن إلى هنا.

فلو اندلع اشتباك مع هؤلاء الرجال ونفدت نقاط صحتهن، فسيُعاد إحياء سيليكا وليزبيث في مكان آخر، أو قد ينقطع اتصالهما باللعبة في أسوأ الأحوال. أما يوي، فلم يكن ثمة ما يضمن خضوعها للقواعد ذاتها؛ فإذا كان هذا الخلل البرمجي قد حوّلها من جنية إرشاد في عالم ألفهايم إلى شخصية لاعبة في هذا العالم، فلا أحد يعلم ما الذي قد يصيبها إن لقيت حتفها. فربما أدى ذلك إلى تلف برنامجها الأساسي المخزّن داخل جهاز كيريتو… أو إلى ما هو أدهى من ذلك.

 

عليّ أن أبادر بالهجوم لحماية يوي.

 

حدثت سيليكا نفسها بذلك، وأحكمت قبضتها على مقبض خنجرها. وقبل أن تخطو خطوة واحدة، سارعت يوي إلى الكلام: “ما يتحدثون به ليس سوى صيغة معدّلة من اللغة اليابانية الافتراضية المعتمدة في إعدادات البذرة! إنها اليابانية ذاتها، لكنها محاطة بطبقات متعددة من المرشحات الصوتية. إذا تمكنت من جمع مزيد من العينات الصوتية، فقد أستطيع فك شفرتها!”

لم تستوعب سيليكا التفاصيل التقنية لكلامها، لكنها فهمت مغزاه العام: هؤلاء الرجال ذوو البشرة الرمادية يتحدثون اليابانية بالفعل، وما يحول دون فهمها لكلامهم هو المؤثرات الصوتية التي تشوّه أصواتهم.

لوّحت سيليكا بيديها في الهواء، وهتفت: “انتظروا! نحن لا نضمر لكم أي عداء، ولا نريد قتالكم!”

وأدركت بينا – التنين الصغير – مقصد سيدتها، فأطلقت من فوق رأسها صيحةً رقيقة: “كويي!”

رفع حامل الرمح عينيه نحو بينا، ثم صاح بحدة:

“XXX,X!”

فردّ عليه الرجلان المسلحان بالفأسين من جانبيه بهدير مماثل:

“XX!!”

لم تلن حدّة عدائهم قيد أنملة، بل أخذ رأس الرمح يقترب منهن أكثر فأكثر، حتى لم يعد يفصل سيليكا عن مدى أسلحتهم سوى ثلاث خطوات.

همست ليزبيث بتوتر: “سيليكا، إن هاجمونا فاحملي يوي وافرّي على الفور!”

أومأت سيليكا برأسها. صحيح أن خسارة الحبال الستين التي صنعنها بشق الأنفس ستكون ضربة موجعة، إلا أن سلامة يوي تظل فوق كل اعتبار.

سأنتظر ثلاث ثوانٍ، ثم أثير الرمال في وجوههم وأفرّ بأقصى سرعة.

أضمرت سيليكا ذلك في نفسها، وشدّت عضلات ساقها اليمنى تأهبًا للانطلاق.

 

واحد… اثنان…

 

وفجأة، شقّ الصمت صوت غريب:

“XXX!!”

لم يكن الصوت صادرًا عن أي من الرجال الثلاثة، بل كان صوت يوي، وقد اكتسى بالتشويش والمؤثرات الصوتية ذاتها، حتى بدا مطابقًا تمامًا لأصواتهم!

انتفض حامل الرمح، وتراجع خطوة إلى الوراء، وقد اتسعت عيناه ذهولًا. وتبددت ملامح العدائية عن وجهه، وحلّت محلها الحيرة والتردد، فيما أخذ يتبادل النظرات مع رفيقيه.

“XXX..?”

لم تفهم سيليكا شيئًا مما قاله الرجل، لكنها استطاعت تمييز نبرة الاستفهام في صوته. فأجابته يوي بعبارة أخرى، ودار بينهما حوار قصير، حتى حدث ما لم تتوقعه الفتيات؛ إذ أخذ الرجال يخفضون أسلحتهم، وارتسمت على وجوههم ابتسامات ارتياح.

استدارت يوي وعادت إلى الفتاتين، ثم توقفت أمامهما وقالت: “سيليكا، ليز، لقد زال الخطر. هؤلاء محاربون من قبيلة الباشين التي تستوطن المرتفعات الشمالية. لقد شاهدوا سقوط آينكراد، وجاؤوا لاستطلاع ما حدث. كانوا يظنون أننا شياطين اتخذت هيئة البشر، لكنني أخبرتهم بأننا مجرد مسافرات ضللن طريقهن، فصدقوني.”

تمتمت سيليكا مذهولة: “شياطين…؟”

هزّت ليزبيث رأسها مستنكرة، وقالت: “أرأيتِ؟ يا لها من وقاحة! بالله عليكِ، هل رأيتِ شيطانًا يومًا بمثل هذا الجمال والجاذبية؟”

“أنتِ لا تقلّين عن الشياطين جشعًا، على أي حال.”

“عفوًا؟ هل قلتِ شيئًا؟”

“لا، أبدًا!”

وبينما كانتا تتبادلان التعليقات اللاذعة، دلف حامل الرمح إلى التجويف الصخري، وأشار إلى كومة الحبال المجدولة من أعشاب الموت الملقاة على الأرض، ثم التفت إليهن وسأل: “XX,X?”

ترجمت يوي على الفور: “إنه يسأل إن كنا نحن من صنع هذه الحبال.”

أومأت سيليكا برأسها تأكيدًا، فعاد الرجل إلى الحديث.

قالت يوي: “وهو يسأل أيضًا إن كنا نعرف الطريقة الصحيحة لتناول هذه الأعشاب.”

تبادلت سيليكا وليزبيث نظرة صامتة، ثم هزّتا رأسيهما نفيًا في اللحظة نفسها.

“XXXX…”

أوضحت يوي: “يقول إنه سيعلّمنا كيفية ذلك إن رافقناه.”

ساد الصمت برهة، وبدا أنه لم يعد أمامهن خيار سوى قبول عرضه. فأشار إليهن حامل الرمح بيده، وانطلقت المجموعة خلفه، عائدةً من الطريق الذي قدم منه الرجال.

 

تنهدت ليزبيث “حسنًا… ما دمنا قد ركبنا هذه السفينة، فعلينا أن نواصل الإبحار حتى نهاية النفق!”

ردّت سيليكا، وهي تسرع الخطى نحو التجويف الصخري لالتقاط كومة الحبال: “أظنكِ تخلطين بين الاستعارات يا ليز…”

كان عليهن تعليق جمع الموارد في الوقت الراهن، إلا أن الأمور إن سارت على هذا المنوال، فقد توفر عليهن هذه الرحلة عناء بناء مأوى من الأساس.

 

يا إلهي، أرجوك ألّا تبتلينا بمزيد من المتاعب بعد الآن.

 

ابتهلت سيليكا في سرّها، وهي تمضي مع رفيقتيها خلف محاربي قبيلة الباشين، متجهاتٍ نحو الشمال الشرقي.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

إعدادات سريعة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

215%
النص والمظهر
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

يظهر زر البدء والإيقاف في شريط الفصل والشريط العائم.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

عناصر صفحة الفصل
محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

خيارات متقدمة وحفظ الإعدادات
وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

سورد آرت أونلاين

لا يوجد خزنة لهذه الرواية.