رسالة التوصية
“أنا سعيد لأن زواجك من الشاب برونو كان موفق. وأنا متأكد أن سبب زيارتك لي اليوم يتعلق به، أليس كذلك؟”
بينما كان برونو يزور والده في محاولة لإقناعه بالمساعدة في تحسين مخططاته وجعلها قابلة لتصنيع في السنوات القادمة، كان لدى هايدي اجتماعها الخاص داخل المبنى الذي يضم أعضاء البوندستاغ ومكاتبهم.
كانت الأسرة التي وولدت هايدي فيها، بصفتها الابنة غيرت الشرعية لأمير من عائلة ذات سيادة سابقة، معقدة إلى حد كبير. لكن هكذا هو حال النبلاء. فقد انقسمت عائلة “فون بينتهايم” إلى فرعين منفصلين.
.
ولدت هايدي كابنة غير شرعية للأمير غوستاف فون بينتهايم-تكلنبورغ، وبسبب طبيعة ولادتها، كانت علاقتها بذلك الجانب من العائلة متوترة للغاية. ومع ذلك، كانت علاقتها بالفرع الآخر، “فون بينتهايم-شتاينفورت”، جيدة جدًا.
> “لقد خضت بجانبه تجربة علّمتني الكثير، وأرى بوضوح أن ترقيته السريعة داخل صفوف الجيش الألماني ليست خيارًا، بل ضرورة. وأتمنى أن تدرك الأجيال القادمة من القادة الحكمة في تفادي أي صدام بين الدولتين… ”
في شبابها، أتاح لها الحظ فرصة تكوين صداقة مع الأميرة الصغيرة لعائلة “فون بينتهايم-شتاينفورت”، والتي كانت ترتبط بها بقرابة بعيدة. ورغم أنهما اعتادتا أن تناديا بعضهما بصفة “أبناء العمومة”، إلا أن العلاقة الفعلية بينهما كانت أبعد من ذلك بكثير.
ومن خلال الصدفة البحتة، أنقذت هايدي حياة تلك الأميرة الصغيرة، وبهذا الفعل لم تكتسب فقط رضا عائلة نبيلة ذات نفوذ، بل أيضًا صداقة مدى الحياة مع قريبتها البعيدة. وكان والد تلك القريبة هو الشخص الذي أتت هايدي لزيارته اليوم.
“فعلت ما كان عليّ فعله من أجل الوطن، وهذا كل ما في الأمر.”
فقد كانت عائلة ذلك الرجل منخرطة بشدة في القيادة العليا للجيش الألماني؛ حيث كان ابنه عضوًا في قسم الاستخبارات، فيما كان شقيقه الأصغر جنرالًا في الفرقة المركزية.
جلست هايدي أمام عمّها، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة. شعر بالمفاجأة لرؤية الشابة التي يعتبرها كابنته تزوره في هذا الوقت، لكنها كانت مفاجأة سارة بلا شك، عبّر عنها على الفور.
استغرقت مقابلة برونو مع والده وقتًا أطول من مقابلة هايدي مع عمها. وعندما خرج أخيرًا من مكتب والده، وجد زوجته جالسة في انتظاره، وكأنها لم تغادر مكانها قط.
“أنا سعيد لأن زواجك من الشاب برونو كان موفق. وأنا متأكد أن سبب زيارتك لي اليوم يتعلق به، أليس كذلك؟”
.
وبما أن الرجل أراد الدخول مباشرة في صلب الموضوع، أومأت هايدي برأسها على الفور، متخلية عن المجاملات، وبدأت تقدم طلبها لعّمها .
“عمي العزيز، أليس شقيقك ضمن قيادات الفرقة المركزية؟ إن لم أكن مخطئة، فهو يتمتع بقدر من النفوذ في ما يخص طلبات الالتحاق بالكلية الحربية البروسية، أليس كذلك؟ أعلم أن برونو ربما لا يستوفي شرط الخدمة الأدنى كضابط مفوض لمدة خمس سنوات، لكن أداءه في قمع ثورة الملاكمين كان دليلاً لا لبس فيه على براعته وكفاءته. أيمكنك، من فضلك، أن…؟”
قاطَعَها عمّها بإشارة خفيفة من يده، لم يظهر عليه الغضب من محاولتها استغلال علاقاتها لدعم مسيرة زوجها في الجيش، فهكذا تُدار الأمور في عالم السياسة. لكنه فاجأ هايدي برد غير متوقع، يكشف ما كانت تجهله تمامًا.
توقف الاثنان عند مطعم صغير وهادئ يقدم المأكولات على الطراز الفيينّي. وبعد أن طلبا وجبتيهما، لاحظ برونو أن هايدي كانت تنظر إليه باستمرار، مسندة ذقنها إلى راحة يدها.
“لا حاجة للإطالة، سأكون صريحًا معك. لكن ما سأخبرك به يجب أن يبقى طي الكتمان ولا يُفشى خارج هذه الغرفة. لقد تلقت الفرقة المركزية بالفعل رسالتي توصية لصالح قبول طلب زوجك.”
> “لم تطأ هذه الأرض منذ رحيل نابليون رجلاً يمتلك مثل هذه العبقرية العسكرية المتأصلة. ومع أنني أعي تمامًا أن هذه الرسالة قد تُلقي بظلال ثقيلة على مستقبل بلادي، فإنني أجد نفسي ملزمًا بالاعتراف بأن النقيب برونو فون زينتنر ليس مجرد ضابط عادي، بل هو عملاق من عمالقة الحرب، ينتظر اللحظة التي يُطلق فيها العنان لقدراته الفذة.”
“الأولى جاءت من قائد كتيبته السابق، وهو عقيد مرموق، وكانت كلماته بحق برونو مشبعة بالثناء والإعجاب. أما الرسالة الثانية، فجاءت بشكل غير متوقع من لواء فرنسي خدم زوجك كمستشار عسكري له خلال الأشهر الأخيرة من الحملة.”
لم يكن ذلك كل ما تريده؛ فقد كانت تطمح أيضًا أن يرى برونو أحلامه تتحقق، ويتقدم بثبات في صفوف الجيش الألماني. وبما أن رغباتهما توافقت بشكل مثالي، رأت أنه لا ضرر في استغلال علاقاتها لدعمه.
لم تستطع هايدي إخفاء أفكارها أكثر، وسرعان ما بدأت بالكشف عن بعض الأمور التي سمعتها خلال الأشهر الماضية، والتي أراد برونو أن يحتفظ بها لنفسه.
“لقد أدهشنا أن لواء من دولة أجنبية – وبالأخص من فرنسا – يقدم رسالة توصية شخصية لصالح أحد ضباطنا. وكما هو متوقع، بادرنا بفتح تحقيق حول أي صلات محتملة قد تربط زوجك بالجمهورية الفرنسية.”
ثم أردف بابتسامة خفيفة، قاطعًا نظرة الشك في عينيها: “لا تنظري إليّ هكذا، فقد كان هذا مجرد إجراء روتيني. وسرعان ما ثبتت براءته من أي شبهة. بدا أن الرسالة كانت تعبيرًا حقيقيًا عن الاحترام والتقدير من رجل خدم جنبًا إلى جنب مع زوجك.”
> “لقد خضت بجانبه تجربة علّمتني الكثير، وأرى بوضوح أن ترقيته السريعة داخل صفوف الجيش الألماني ليست خيارًا، بل ضرورة. وأتمنى أن تدرك الأجيال القادمة من القادة الحكمة في تفادي أي صدام بين الدولتين… ”
لم تدلِ هايدي بأي تعليق حول المكان الذي ذهبت إليه أو من قابلت. بدلاً من ذلك، أمسكت بذراعه وابتسمت، تاركة له مهمة اصطحابها خارج البوندستاغ والعودة إلى سيارتهما، التي نقلتهما إلى أعماق مدينة برلين.
وبعد لحظة صمت مدروسة، أكمل حديثه: “بعد فحص دقيق، قررت الفرقة المركزية قبول زوجك في الكلية الحربية البروسية، وسيبدأ فصله الدراسي الجديد مع بداية الخريف. وأفترض أن هذا الخبر سيبعث في قلبك الطمأنينة، إذ سيبقى زوجك في وضع آمن بجوارك كل ليلة على مدى السنوات الثلاث القادمة. وهذا، بلا شك، هو السبب الحقيقي الذي أتى بك إلى هنا، أليس كذلك؟”
“عمي العزيز، أليس شقيقك ضمن قيادات الفرقة المركزية؟ إن لم أكن مخطئة، فهو يتمتع بقدر من النفوذ في ما يخص طلبات الالتحاق بالكلية الحربية البروسية، أليس كذلك؟ أعلم أن برونو ربما لا يستوفي شرط الخدمة الأدنى كضابط مفوض لمدة خمس سنوات، لكن أداءه في قمع ثورة الملاكمين كان دليلاً لا لبس فيه على براعته وكفاءته. أيمكنك، من فضلك، أن…؟”
شعرت هايدي بشيء من الإحراج للاعتراف بذلك، لكن كلمات عمها كانت في محلها تماما . فكل ما كانت تطمح إليه هو أن يبقى برونو إلى جوارها، آمنًا، بعد أن قضى السنة الأولى من زواجهما بعيدًا عنها، غائبًا في ميادين الحرب.
لم يكن ذلك كل ما تريده؛ فقد كانت تطمح أيضًا أن يرى برونو أحلامه تتحقق، ويتقدم بثبات في صفوف الجيش الألماني. وبما أن رغباتهما توافقت بشكل مثالي، رأت أنه لا ضرر في استغلال علاقاتها لدعمه.
لم يكن ذلك كل ما تريده؛ فقد كانت تطمح أيضًا أن يرى برونو أحلامه تتحقق، ويتقدم بثبات في صفوف الجيش الألماني. وبما أن رغباتهما توافقت بشكل مثالي، رأت أنه لا ضرر في استغلال علاقاتها لدعمه.
وبما أن الرجل أراد الدخول مباشرة في صلب الموضوع، أومأت هايدي برأسها على الفور، متخلية عن المجاملات، وبدأت تقدم طلبها لعّمها .
غير أن المفاجأة الكبرى كانت أن جهودها لم تكن مطلوبة أصلًا. فقد أظهر برونو من المهارات ما جعله يستحق إعجابًا استثنائيًا، حتى من جنرال فرنسي يُنظر إليه في أعين كثير من الألمان كعدو لدود.
على الرغم من العلاقة الوثيقة بينهما، لم يكن برونو على دراية بصلات هايدي بعائلة “فون بينتهايم-شتاينفورت”. وبسبب ذلك، لم يشك للحظة أنها قد غادرت لتدافع عنه في غيابه. كان سعيدًا فقط برؤيتها في المكان الذي تركها فيه.
بطبيعة الحال، شكرت هايدي عمها بامتنان على استقباله لها رغم ضيق الوقت، قبل أن تغادر الغرفة. وما إن بقي العم وحيدًا، حتى صب لنفسه كأسًا من الشراب، واحتسى منه ببطء، بينما كان يحدق عبر نافذة مكتبه في صمت عميق.
“الأولى جاءت من قائد كتيبته السابق، وهو عقيد مرموق، وكانت كلماته بحق برونو مشبعة بالثناء والإعجاب. أما الرسالة الثانية، فجاءت بشكل غير متوقع من لواء فرنسي خدم زوجك كمستشار عسكري له خلال الأشهر الأخيرة من الحملة.”
“الأولى جاءت من قائد كتيبته السابق، وهو عقيد مرموق، وكانت كلماته بحق برونو مشبعة بالثناء والإعجاب. أما الرسالة الثانية، فجاءت بشكل غير متوقع من لواء فرنسي خدم زوجك كمستشار عسكري له خلال الأشهر الأخيرة من الحملة.”
“ذئب بروسيا، هاه؟”
في البداية، ظن أن هناك شيئًا على وجهه، ولكن عندما أدرك أن الأمر ليس كذلك، بادر إلى التعليق حول سبب نظرتها المفتونة.
على مكتب العم استقرت نسخة من الرسالة التي بعث بها اللواء الفرنسي هنري-نيكولا فراي إلى القيادة العليا الألمانية. كانت كلمات هذا اللواء الفرنسي تنضح بالقوة والحكمة، تعبّر عن احترام نادر لرجل يُعدّ من ألد أعداء فرنسا. لو وقعت هذه الرسالة في أيدي السياسيين الفرنسيين المتشددين، لما ترددوا في اعتبارها خيانة عظمى.
ولدت هايدي كابنة غير شرعية للأمير غوستاف فون بينتهايم-تكلنبورغ، وبسبب طبيعة ولادتها، كانت علاقتها بذلك الجانب من العائلة متوترة للغاية. ومع ذلك، كانت علاقتها بالفرع الآخر، “فون بينتهايم-شتاينفورت”، جيدة جدًا.
في هذه الحقبة، كانت الحرب تُعتبر للجيل الصاعد مغامرة لا بد أن يخوضها ليبلغ ذروة رجولته ويثبت مكانته في مجتمع تمجّد فيه البطولات العسكرية. كانت التصورات الرومانسية تُصور الحرب كاختبار للفروسية والشجاعة، حيث يُخلد الأبطال بأعمالهم الجريئة.
> “لم تطأ هذه الأرض منذ رحيل نابليون رجلاً يمتلك مثل هذه العبقرية العسكرية المتأصلة. ومع أنني أعي تمامًا أن هذه الرسالة قد تُلقي بظلال ثقيلة على مستقبل بلادي، فإنني أجد نفسي ملزمًا بالاعتراف بأن النقيب برونو فون زينتنر ليس مجرد ضابط عادي، بل هو عملاق من عمالقة الحرب، ينتظر اللحظة التي يُطلق فيها العنان لقدراته الفذة.”
في شبابها، أتاح لها الحظ فرصة تكوين صداقة مع الأميرة الصغيرة لعائلة “فون بينتهايم-شتاينفورت”، والتي كانت ترتبط بها بقرابة بعيدة. ورغم أنهما اعتادتا أن تناديا بعضهما بصفة “أبناء العمومة”، إلا أن العلاقة الفعلية بينهما كانت أبعد من ذلك بكثير.
لم تستطع هايدي إخفاء أفكارها أكثر، وسرعان ما بدأت بالكشف عن بعض الأمور التي سمعتها خلال الأشهر الماضية، والتي أراد برونو أن يحتفظ بها لنفسه.
> “لقد خضت بجانبه تجربة علّمتني الكثير، وأرى بوضوح أن ترقيته السريعة داخل صفوف الجيش الألماني ليست خيارًا، بل ضرورة. وأتمنى أن تدرك الأجيال القادمة من القادة الحكمة في تفادي أي صدام بين الدولتين… ”
توقف الاثنان عند مطعم صغير وهادئ يقدم المأكولات على الطراز الفيينّي. وبعد أن طلبا وجبتيهما، لاحظ برونو أن هايدي كانت تنظر إليه باستمرار، مسندة ذقنها إلى راحة يدها.
وبما أن الرجل أراد الدخول مباشرة في صلب الموضوع، أومأت هايدي برأسها على الفور، متخلية عن المجاملات، وبدأت تقدم طلبها لعّمها .
كانت هذه مجرد مقتطفات من رسالة التوصية التي كتبها اللواء الفرنسي بحق برونو، لكنها كانت كافية لجذب انتباه الفرقة المركزية، وأصبحت العامل الحاسم في منحه امتيازات غير مسبوقة.
جلست هايدي أمام عمّها، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة. شعر بالمفاجأة لرؤية الشابة التي يعتبرها كابنته تزوره في هذا الوقت، لكنها كانت مفاجأة سارة بلا شك، عبّر عنها على الفور.
—
استغرقت مقابلة برونو مع والده وقتًا أطول من مقابلة هايدي مع عمها. وعندما خرج أخيرًا من مكتب والده، وجد زوجته جالسة في انتظاره، وكأنها لم تغادر مكانها قط.
على الرغم من العلاقة الوثيقة بينهما، لم يكن برونو على دراية بصلات هايدي بعائلة “فون بينتهايم-شتاينفورت”. وبسبب ذلك، لم يشك للحظة أنها قد غادرت لتدافع عنه في غيابه. كان سعيدًا فقط برؤيتها في المكان الذي تركها فيه.
وبعد لحظة صمت مدروسة، أكمل حديثه: “بعد فحص دقيق، قررت الفرقة المركزية قبول زوجك في الكلية الحربية البروسية، وسيبدأ فصله الدراسي الجديد مع بداية الخريف. وأفترض أن هذا الخبر سيبعث في قلبك الطمأنينة، إذ سيبقى زوجك في وضع آمن بجوارك كل ليلة على مدى السنوات الثلاث القادمة. وهذا، بلا شك، هو السبب الحقيقي الذي أتى بك إلى هنا، أليس كذلك؟”
وبعد لحظة صمت مدروسة، أكمل حديثه: “بعد فحص دقيق، قررت الفرقة المركزية قبول زوجك في الكلية الحربية البروسية، وسيبدأ فصله الدراسي الجديد مع بداية الخريف. وأفترض أن هذا الخبر سيبعث في قلبك الطمأنينة، إذ سيبقى زوجك في وضع آمن بجوارك كل ليلة على مدى السنوات الثلاث القادمة. وهذا، بلا شك، هو السبب الحقيقي الذي أتى بك إلى هنا، أليس كذلك؟”
“أعتذر عن الإطالة عزيزتي. ما رأيك أن نبحث عن مكان جميل لنتناول الغداء؟”
شعرت هايدي بشيء من الإحراج للاعتراف بذلك، لكن كلمات عمها كانت في محلها تماما . فكل ما كانت تطمح إليه هو أن يبقى برونو إلى جوارها، آمنًا، بعد أن قضى السنة الأولى من زواجهما بعيدًا عنها، غائبًا في ميادين الحرب.
لم تدلِ هايدي بأي تعليق حول المكان الذي ذهبت إليه أو من قابلت. بدلاً من ذلك، أمسكت بذراعه وابتسمت، تاركة له مهمة اصطحابها خارج البوندستاغ والعودة إلى سيارتهما، التي نقلتهما إلى أعماق مدينة برلين.
كانت الأسرة التي وولدت هايدي فيها، بصفتها الابنة غيرت الشرعية لأمير من عائلة ذات سيادة سابقة، معقدة إلى حد كبير. لكن هكذا هو حال النبلاء. فقد انقسمت عائلة “فون بينتهايم” إلى فرعين منفصلين.
توقف الاثنان عند مطعم صغير وهادئ يقدم المأكولات على الطراز الفيينّي. وبعد أن طلبا وجبتيهما، لاحظ برونو أن هايدي كانت تنظر إليه باستمرار، مسندة ذقنها إلى راحة يدها.
لم يعرف برونو كيف يرد على هذا التصريح. فقد نشأت هايدي، مثل كثيرين في ابناء عصرها ، على أفكار رومنسية عن الشرف والمجد الذي يمكن للرجل اكتسابه في ساحات القتال من خلال أعمال بطولة…
كانت هذه مجرد مقتطفات من رسالة التوصية التي كتبها اللواء الفرنسي بحق برونو، لكنها كانت كافية لجذب انتباه الفرقة المركزية، وأصبحت العامل الحاسم في منحه امتيازات غير مسبوقة.
في البداية، ظن أن هناك شيئًا على وجهه، ولكن عندما أدرك أن الأمر ليس كذلك، بادر إلى التعليق حول سبب نظرتها المفتونة.
سحب سيجارة وأشعلها، ثم قال بصوت هادئ وهو ينفث دخانها من رئتيه:
فقد كانت عائلة ذلك الرجل منخرطة بشدة في القيادة العليا للجيش الألماني؛ حيث كان ابنه عضوًا في قسم الاستخبارات، فيما كان شقيقه الأصغر جنرالًا في الفرقة المركزية.
“هل هناك شيء يزعجك؟ لماذا تنظرين إليّ هكذا؟”
لم يكن ذلك كل ما تريده؛ فقد كانت تطمح أيضًا أن يرى برونو أحلامه تتحقق، ويتقدم بثبات في صفوف الجيش الألماني. وبما أن رغباتهما توافقت بشكل مثالي، رأت أنه لا ضرر في استغلال علاقاتها لدعمه.
“عمي العزيز، أليس شقيقك ضمن قيادات الفرقة المركزية؟ إن لم أكن مخطئة، فهو يتمتع بقدر من النفوذ في ما يخص طلبات الالتحاق بالكلية الحربية البروسية، أليس كذلك؟ أعلم أن برونو ربما لا يستوفي شرط الخدمة الأدنى كضابط مفوض لمدة خمس سنوات، لكن أداءه في قمع ثورة الملاكمين كان دليلاً لا لبس فيه على براعته وكفاءته. أيمكنك، من فضلك، أن…؟”
لم تستطع هايدي إخفاء أفكارها أكثر، وسرعان ما بدأت بالكشف عن بعض الأمور التي سمعتها خلال الأشهر الماضية، والتي أراد برونو أن يحتفظ بها لنفسه.
غير أن المفاجأة الكبرى كانت أن جهودها لم تكن مطلوبة أصلًا. فقد أظهر برونو من المهارات ما جعله يستحق إعجابًا استثنائيًا، حتى من جنرال فرنسي يُنظر إليه في أعين كثير من الألمان كعدو لدود.
“ذئب بروسيا؟ يبدو لقبًا رائعًا، أليس كذلك؟ سمعت قصصًا عنك من زوجات الرجال الذين خاضوا المعارك في الصين. تعرف، أولئك الذين كتبوا إلى زوجاتهم رسائل مليئة بتفاصيل مغامراتهم في تلك الأرض البعيدة والساحرة. غريب كيف كانوا يتحدثون بصراحة عن تجربتهم في الجيش، بينما كانت رسائلك إليّ أكثر… تحفظًا.”
> “لم تطأ هذه الأرض منذ رحيل نابليون رجلاً يمتلك مثل هذه العبقرية العسكرية المتأصلة. ومع أنني أعي تمامًا أن هذه الرسالة قد تُلقي بظلال ثقيلة على مستقبل بلادي، فإنني أجد نفسي ملزمًا بالاعتراف بأن النقيب برونو فون زينتنر ليس مجرد ضابط عادي، بل هو عملاق من عمالقة الحرب، ينتظر اللحظة التي يُطلق فيها العنان لقدراته الفذة.”
لم يعرف برونو كيف يرد على هذا التصريح. فقد نشأت هايدي، مثل كثيرين في ابناء عصرها ، على أفكار رومنسية عن الشرف والمجد الذي يمكن للرجل اكتسابه في ساحات القتال من خلال أعمال بطولة…
وبما أن الرجل أراد الدخول مباشرة في صلب الموضوع، أومأت هايدي برأسها على الفور، متخلية عن المجاملات، وبدأت تقدم طلبها لعّمها .
في هذه الحقبة، كانت الحرب تُعتبر للجيل الصاعد مغامرة لا بد أن يخوضها ليبلغ ذروة رجولته ويثبت مكانته في مجتمع تمجّد فيه البطولات العسكرية. كانت التصورات الرومانسية تُصور الحرب كاختبار للفروسية والشجاعة، حيث يُخلد الأبطال بأعمالهم الجريئة.
كانت هذه مجرد مقتطفات من رسالة التوصية التي كتبها اللواء الفرنسي بحق برونو، لكنها كانت كافية لجذب انتباه الفرقة المركزية، وأصبحت العامل الحاسم في منحه امتيازات غير مسبوقة.
لكن هذه الأوهام سوفا تتلاشى عندما تبدأ الحرب العظمى ويجد الجندي نفسه في قلب المعركة الحقيقية، حيث لا يقف أمام جيش من العصور الوسطى ولا عصابات غير مدربة وبالكاد تعرف كيف تحمل سلاحًا، بل يواجه خصمًا مدججًا بالسلاح ومساوٍ له في القوة والتكتيك، يقاتل بعزيمة لا تقل عن عزيمته. هناك في الخنادق وبين جثت زملائه المتعفنة تختفي كل الأفكار الخيالية عن مجد الحرب، ويتحول كل يوم إلى معركة بائسة من أجل البقاء وتمني إنتهاء الحرب حتى لو كان ذالك يعني الخسارة .
في البداية، ظن أن هناك شيئًا على وجهه، ولكن عندما أدرك أن الأمر ليس كذلك، بادر إلى التعليق حول سبب نظرتها المفتونة.
لم يعرف برونو كيف يرد على هذا التصريح. فقد نشأت هايدي، مثل كثيرين في ابناء عصرها ، على أفكار رومنسية عن الشرف والمجد الذي يمكن للرجل اكتسابه في ساحات القتال من خلال أعمال بطولة…
سحب سيجارة وأشعلها، ثم قال بصوت هادئ وهو ينفث دخانها من رئتيه:
في هذه الحقبة، كانت الحرب تُعتبر للجيل الصاعد مغامرة لا بد أن يخوضها ليبلغ ذروة رجولته ويثبت مكانته في مجتمع تمجّد فيه البطولات العسكرية. كانت التصورات الرومانسية تُصور الحرب كاختبار للفروسية والشجاعة، حيث يُخلد الأبطال بأعمالهم الجريئة.
“فعلت ما كان عليّ فعله من أجل الوطن، وهذا كل ما في الأمر.”
ثم أردف بابتسامة خفيفة، قاطعًا نظرة الشك في عينيها: “لا تنظري إليّ هكذا، فقد كان هذا مجرد إجراء روتيني. وسرعان ما ثبتت براءته من أي شبهة. بدا أن الرسالة كانت تعبيرًا حقيقيًا عن الاحترام والتقدير من رجل خدم جنبًا إلى جنب مع زوجك.”
كانت الأسرة التي وولدت هايدي فيها، بصفتها الابنة غيرت الشرعية لأمير من عائلة ذات سيادة سابقة، معقدة إلى حد كبير. لكن هكذا هو حال النبلاء. فقد انقسمت عائلة “فون بينتهايم” إلى فرعين منفصلين.
شعرت هايدي بخيبة أمل لرفض برونو الخوض في تفاصيل تجربته. كان ذلك بالطبع طريقته لحمايتها من أهوال الحرب التي شهدها وشارك فيها.
في البداية، ظن أن هناك شيئًا على وجهه، ولكن عندما أدرك أن الأمر ليس كذلك، بادر إلى التعليق حول سبب نظرتها المفتونة.
في نهاية المطاف، غير الاثنان الموضوع عندما أصر برونو على موقفه. وبدلاً من ذلك، استمتعا معًا بمناقشة مواضيع أكثر إمتاعًا أثناء استكمال موعدهما.
في نهاية المطاف، غير الاثنان الموضوع عندما أصر برونو على موقفه. وبدلاً من ذلك، استمتعا معًا بمناقشة مواضيع أكثر إمتاعًا أثناء استكمال موعدهما.
لكن هذه الأوهام سوفا تتلاشى عندما تبدأ الحرب العظمى ويجد الجندي نفسه في قلب المعركة الحقيقية، حيث لا يقف أمام جيش من العصور الوسطى ولا عصابات غير مدربة وبالكاد تعرف كيف تحمل سلاحًا، بل يواجه خصمًا مدججًا بالسلاح ومساوٍ له في القوة والتكتيك، يقاتل بعزيمة لا تقل عن عزيمته. هناك في الخنادق وبين جثت زملائه المتعفنة تختفي كل الأفكار الخيالية عن مجد الحرب، ويتحول كل يوم إلى معركة بائسة من أجل البقاء وتمني إنتهاء الحرب حتى لو كان ذالك يعني الخسارة .
.
استغرقت مقابلة برونو مع والده وقتًا أطول من مقابلة هايدي مع عمها. وعندما خرج أخيرًا من مكتب والده، وجد زوجته جالسة في انتظاره، وكأنها لم تغادر مكانها قط.
.
استغرقت مقابلة برونو مع والده وقتًا أطول من مقابلة هايدي مع عمها. وعندما خرج أخيرًا من مكتب والده، وجد زوجته جالسة في انتظاره، وكأنها لم تغادر مكانها قط.
.
على الرغم من العلاقة الوثيقة بينهما، لم يكن برونو على دراية بصلات هايدي بعائلة “فون بينتهايم-شتاينفورت”. وبسبب ذلك، لم يشك للحظة أنها قد غادرت لتدافع عنه في غيابه. كان سعيدًا فقط برؤيتها في المكان الذي تركها فيه.
