الفصل 84: مقدمة: في الشرفة تحت ضوء القمر
ليلة اليوم الثالث من الشهر العاشر لسنة 1546 من التقويم القاري، العاصمة الملكية بارنام.
بدا القمر ساطعًا في السماء الصافية.
كانت ليلة هادئة لدرجة أنه كان من الصعب تصديق أنه قبل أيام قليلة فقط، خاضت هذه الدولة -مملكة إلفريدن- معركة كبيرة مع إمارة أميدونيا المجاورة.
وبصفتهم المنتصرين في سلسلة المعارك الأخيرة، كان هناك احتفال صاخب عندما وصلت أنباء انتصارهم إلى بارنام، ولكن الآن بعد مرور بضعة أيام، استقرت الأمور بشكل كبير.
أعلن الملك الشاب لإلفريدن (على الرغم من أنه لم يتوج بعد، لذلك كان ملكًا مؤقتًا فقط) سوما كازويا، انتهاء الحرب باحتلال عاصمة الإمارة فان، والمنطقة المحيطة بها. والآن كانوا ينتظرون بدء المفاوضات.
كان الناس ينتظرون بفارغ الصبر لمعرفة كيف ستسير هذه المفاوضات.
كانت ليلة هادئة في بارنام.
كانت قلعة بارنام خالية من سيدها لأن سوما والآخرين غادروا إلى فان. كان الملك السابق ألبرت وزوجته إليشا يستمتعان بشرب الشاي في ضوء القمر في الشرفة الملحقة بغرفة نومهما.
قال ألبرت: “…إنها المكان هادئ للغاية هذه الليلة.”
قالت زوجته: “هههه. نعم، إنها كذلك.”
وبينما كانا يحتسيان الشاي، ارتسمت على وجهيهما ابتسامة هادئة.
قال ألبرت: “بدون ليسيا وصهرنا هنا، أصبحت القلعة هادئة جدًا، وكأنها مهجورة، على الرغم من أنه كان من الطبيعي أن يكون الأمر كذلك منذ وقت ليس ببعيد.”
وافقته إليشا قائلة: “لقد كانت الأمور نابضة بالحياة منذ أن تنازلت عن العرش لصهرنا. الوزراء والموظفون وحراس القلعة وحتى الخادمات جميعهم كانوا يعملون بجد.”
عندما قالت إليشا ذلك، قال ألبرت: “بالفعل…” مع إيماءة
ثم تابع قائلاً: “مع ذلك، من بينهم جميعهم، كان صهرنا أكثر من عمل بجد. لم أكن أدرك أبدًا أن هناك الكثير من الأشياء التي يجب على الملك القيام بها، والكثير من الأشياء التي يمكن للملك إنجازها… لا يُجوز لي كملك سابق أن أقول هذا، لكنني أعتقد أنني لم أكن مخطئًا في التنازل عن العرش.”
تنازل ألبرت فجأة عن العرش لصالح سوما الأكثر جدارة.
كانت هناك مقاومة للتغيير المفاجئ في البداية، لكن النجاح المطرد لسياسات سوما كسب الناس تدريجيًا إلى جانبه، وكذلك خطوبته لابنة ألبرت -الأميرة ليسيا- التي عملت على دعمه.
قبل بضعة أيام، هزم سوما أيضًا عدوه في الداخل -الدوقات الثلاثة- وعدوه في الخارج -إمارة أميدونيا- وبالتالي حصل على الاعتراف الكامل من الشعب كملكهم.
قال ألبرت ضاحكًا بمرح: “لا بد أن الجميع قد فوجئوا بنظرتي الثاقبة للمواهب”.
الآن وقد قبلوا سوما، بدأ الناس ينظرون إلى ألبرت، الذي كان ملكًا عاديًا، بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات، بنظرة أكثر إيجابية. وبدأ الناس يقولون: ‘لم يحقق الملك السابق أي شيء يُذكر بنفسه، لكن في النهاية، بدلًا من التشبث بالسلطة، اتخذ القرار الشجاع بتسليم زمام الأمور إلى شخص أكثر كفاءة’.
بعد أن ضحك ألبرت ضحكة عالية، نظر إلى فنجان الشاي الخاص به. بدا الوجه المنعكس عليه في الشاي متعبًا بعض الشيء، وعلى وجهه ابتسامة وحيدة بدت كئيبة نوعًا ما.
قال ألبرت: “هل تعتقدين… أننا تمكنا من تغيير الأمور؟”
ردًا على كلماته التي تنم عن عدم اليقين، خفضت إليشا عينيها قائلة: “يجب أن يكون كل شيء على ما يرام. على عكس ‘ذلك الوقت’، هذه المرة ‘تلك الفتاة’ معه منذ البداية.”
ثم تابعت إليشا حديثها بنبرة هادئة: “إذا كانا معًا، أعتقد أنهما سيقوداننا إلى نتيجة مختلفة عن ‘ذلك الوقت’. إلى جانب ذلك، هذان الاثنان ليسا وحيدين الآن. الأمور الآن أكثر حيوية مما كانت عليه في ‘ذلك الوقت’.”
ضحك ألبرت قائلًا: “هو هو هو… أعتقد ذلك. لدينا ابنة أخرى الآن، بعد كل شيء.”
ابتسم ألبرت ابتسامة عريضة، متذكرًا فتاة الذئب الغامضة التي تبناها. أثبتت الابتسامة أنها معدية، وسرعان ما أصبحت إليشا تبتسم أيضًا.
قالت إليشا: “إنها أجمل شيء صغير على الإطلاق. بأذنيها وذيلها الصغيرين الرقيقين.”
قال ألبرت: “عندما بلغت ليسيا ذلك العمر، كانت بالفعل فتاة مسترجلة. كان ذلك لطيفًا بطريقته الخاصة، لكن وجود فتاة وديعة أمر جميل أيضًا.”
“بالتأكيد. الطريقة التي تناديني بها بتردد بـ’أمي’ رائعة. أتمنى أن تعود توموي إلى المنزل قريبًا.”
بعد أن تم الاعتراف بموهبتها الفريدة، على الرغم من كونها لاجئة، تبنى ألبرت وإليشا فتاة الذئب الغامضة توموي لحمايتها. والآن يغمرانها بالحب كما لو كانت ابنتهما الحقيقية.
قال ألبرت بحزم: “سأضطر إلى إخبار زوج ابنتنا بالتأكد من عدم وجود رجال غرباء يتربصون بها.”
قالت إليشا: “ليس من غير المألوف أن تتبنى العائلات الملكية والنبيلة أطفالًا لاستخدامهم في زيجات سياسية، لكنني لا أريد أن يحدث ذلك لتوموي.”
قال ألبرت: “بالتأكيد لا”.
…لو كانت ليسيا حاضرة لتسمع، لصرخت بغضب: “لم يبدُ أن ذلك يهمك عندما وافقت على تزويجي دون موافقتي!”
طوال بقية الليلة، دار بينهما حديث شيق حول مدى روعة توموي.
◇ ◇ ◇
“آتشو!”
في هذه الأثناء، في قلعة فان، عطست ليسيا وتوموي في نفس الوقت تمامًا. التفتت الاثنتان لتنظرا إلى بعضهما البعض، وأمالت كل منهما رأسها إلى الجانب قليلاً، في تساؤل.
هل تعتقدين أن أحدهم يتحدث عنا؟ تساءلتا كلتاهما.

< يا تري ما ‘ذلك الوقت’ الذي تحدث عنه الزوجان الملكيان السابقان. لكن على الأقل عرفنا اسم الملكة. >
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.