Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ما نسيه العالم 7

انتهاء المهلة
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

انتهاء المهلة

كانت مارِن مستيقظة حين عاد أورِن إلى البيت، جالسة في المطبخ أمام مصباح لم تطفئه رغم تأخر الوقت، ويداها متشابكتان فوق الطاولة بطريقة لم يرها بها من قبل، ثابتة أكثر من اللازم، كأنها تمنع نفسها من التحرك بعصبية.

قرر أيضًا أنه لن يخبر مارِن بالمكان بالتحديد. ليس لأنه لا يثق بها، بل لأنه إن سُئلت مباشرة، وأصرّ أحدهم على سؤالها، فمن الأفضل أن يكون جوابها صادقًا تمامًا حين تقول إنها لا تعرف أين هو، بدل أن تُجبر على الكذب أو الصمت المريب.

 

“وستفعل هذا وحدك، دون أن تخبرني بأي شيء؟”

توقف عند الباب لحظة قبل أن يدخل، ونظر إليها، فرفعت عينيها إليه دون أن تقول شيئًا في البداية.

“لم يعد أحد يعرف أين ذهب. عائلته تسأل في كل مكان، لكن لا أحد رآه منذ يوم الاستلام.”

 

 

“أين كنت؟” سألت أخيرًا، بصوت هادئ لم يخدعه؛ كان يعرف نبرتها جيدًا بما يكفي ليميز الهدوء الحقيقي عن الهدوء المفروض بجهد.

قرر أيضًا أنه لن يخبر مارِن بالمكان بالتحديد. ليس لأنه لا يثق بها، بل لأنه إن سُئلت مباشرة، وأصرّ أحدهم على سؤالها، فمن الأفضل أن يكون جوابها صادقًا تمامًا حين تقول إنها لا تعرف أين هو، بدل أن تُجبر على الكذب أو الصمت المريب.

 

 

“في مكان بعيد عن الساحة.”

في تلك الليلة، بعد أن نام كلاهما، أو حاولا ذلك، استيقظ أورِن قبل الفجر بقليل، على صوت لم يستطع تحديده في البداية، خشخشة بعيدة تشبه حركة عجلات على طريق حجري، تتقارب تدريجيًا من جهة مدخل القرية.

 

 

“سمعت اسمك اليوم.” لم تجعلها سؤالًا. “أمام الجميع.”

لم يجب، لكنه شعر بامتنان صامت لأنها تحدثت عن شيء بعيد كل هذا البعد عن القائمة المعلقة على اللوح الخشبي في الساحة، وكأنها منحته، ولو لدقائق، إجازة من الثقل الذي يحمله كلاهما.

 

عاد إلى البيت في المساء، ووجد مارِن قد أخرجت أخيرًا القطعة التي كانت تحيكها منذ أسابيع، منتهية تقريبًا، تتفحص الأطراف الأخيرة منها تحت ضوء المصباح.

“لماذا لم تخبرني؟”

 

 

 

“لم أعرف ماذا أقول.”

لم يعرف كيف يجيب دون أن يبدو كلامه أسوأ مما يقصده، فبقي صامتًا لحظة، وهي تراقبه، ثم أضافت بصوت أهدأ: “لست غاضبة لأنك خائف. أنا غاضبة لأنك جعلتني أكتشف الأمر أمام نصف القرية.”

 

 

“كان بإمكانك أن تقول الحقيقة، أورِن. كان بإمكانك أن تقول: اسمي في القائمة.”

“نعم. كنت أظن أنني سأنتهي منها قبل هذا بكثير، لكن الأيام الأخيرة لم تكن مناسبة لجلوس هادئ.” رفعت القطعة، وشاح صوفي سميك بلون داكن، وفحصته بعين ناقدة قبل أن تضعه جانبًا. “غدًا، ربما.”

 

“عاد صباح اليوم،” قال أحدهما. “قدّم نفسه بنفسه إلى مكتب المحكمة قبل أن تنتهي المهلة. قال إنه لم يكن مستعدًا نفسيًا في ذلك اليوم فقط، لا أكثر.”

“لم أرد أن تقلقي قبل أن أعرف ماذا سأفعل.”

“نعم. كنت أظن أنني سأنتهي منها قبل هذا بكثير، لكن الأيام الأخيرة لم تكن مناسبة لجلوس هادئ.” رفعت القطعة، وشاح صوفي سميك بلون داكن، وفحصته بعين ناقدة قبل أن تضعه جانبًا. “غدًا، ربما.”

 

في صباح اليوم التالي، لاحظت مارِن، وهي تراقبه يفكر بصمت أطول من المعتاد أثناء الفطور، أن شيئًا يدور في رأسه.

نظرت إليه لفترة طويلة، وكأنها تزن الجملة من كل جوانبها. “والآن؟ هل تعرف ماذا ستفعل؟”

 

 

 

“لا. ليس بعد بالكامل.”

 

 

“وماذا عن الآخر؟ ابن الحداد؟”

صمتت، ومدّت يدها إلى الإبريق البارد على الطاولة، تصبّ لنفسها كوبًا لم تكن تنويه، فقط لتشغل يديها بشيء. “كنت أبحث عنك طوال بعد الظهر. سألت في الأرشيف، سألت في السوق، ولم يكن أحد يعرف أين أنت. ظننت أن شيئًا حدث لك.”

صمتت، ومدّت يدها إلى الإبريق البارد على الطاولة، تصبّ لنفسها كوبًا لم تكن تنويه، فقط لتشغل يديها بشيء. “كنت أبحث عنك طوال بعد الظهر. سألت في الأرشيف، سألت في السوق، ولم يكن أحد يعرف أين أنت. ظننت أن شيئًا حدث لك.”

 

“وستفعل هذا وحدك، دون أن تخبرني بأي شيء؟”

“أنا آسف.”

خرج من فراشه، واقترب من النافذة، فرأى، في ضوء الفجر الرمادي الخافت، أضواء مصابيح متحركة تقترب من الطريق المؤدي إلى الساحة، أكثر من عربة هذه المرة، وأصوات حوافر وخطوات منظمة تصل خافتة عبر الهواء البارد.

 

 

“لست أريد اعتذارك. أريد أن أفهم.” وضعت الكوب دون أن تشرب منه. “هل كنت تنوي الاختباء طوال الوقت؟”

 

 

 

“كنت أحاول أن أؤجل الأمر.”

“وماذا عن الآخر؟ ابن الحداد؟”

 

 

“لماذا؟”

 

 

“لو ذهبت إلى العاصمة فعلاً،” قالت وهما يبتعدان عن الدكان، خيط جديد ملفوف في يدها، “أول شيء سأفعله هو زيارة سوق الخياطين هناك. سمعت أن لديهم أقمشة لا نراها هنا أبدًا.”

سؤالها بسيط، لكنه شعر أن الإجابة عليه تحتاج وضوحًا لم يكن قد صاغه لنفسه بعد بهذا الشكل. “لا أريد أن أتركك وحدك هنا.”

 

 

 

خفتت حدة نظرتها قليلاً عند سماع الجملة، لكنها لم تلن تمامًا. “أنا لست طفلة، أورِن. أعتني بنفسي منذ سنوات، وسأستمر في ذلك سواء بقيت أم رحلت.”

استمع أورِن دون أن يتدخل، وشعر بثقل إضافي يضاف إلى ما يحمله، إدراكًا هادئًا أن كل من غاب يعيش نسخته الخاصة من الأيام الثلاثة، بعضهم يقرر العودة، وبعضهم يختفي تمامًا، وبعضهم، مثله، لا يزال يقرر.

 

” لماذا تتصرف وكأنني لا أستطيع؟”

” لماذا تتصرف وكأنني لا أستطيع؟”

استمع أورِن دون أن يتدخل، وشعر بثقل إضافي يضاف إلى ما يحمله، إدراكًا هادئًا أن كل من غاب يعيش نسخته الخاصة من الأيام الثلاثة، بعضهم يقرر العودة، وبعضهم يختفي تمامًا، وبعضهم، مثله، لا يزال يقرر.

 

 

لم يعرف كيف يجيب دون أن يبدو كلامه أسوأ مما يقصده، فبقي صامتًا لحظة، وهي تراقبه، ثم أضافت بصوت أهدأ: “لست غاضبة لأنك خائف. أنا غاضبة لأنك جعلتني أكتشف الأمر أمام نصف القرية.”

 

 

 

في اليوم التالي، وبعد أن نامت مارِن قليلاً واستيقظت متأخرة عن عادتها، طرحت فكرة لم تكن قد فكرت فيها بجدية من قبل، بينما كانا يتناولان الفطور في صمت أثقل من المعتاد.

 

 

وعدها بذلك، وشعر، وهو يقول الكلمات، أنه وعد قد لا يستطيع الوفاء به بالكامل.

“يمكننا الرحيل،” قالت فجأة، وكأنها كانت تفكر فيها طوال الليل قبل أن تجرؤ على قولها. ” صديقتي القديمة، انتقلت إلى قرية عند الحدود الغربية منذ سنتين. يمكن أن نذهب إليها، ولو لفترة.”

 

 

 

نظر إليها أورِن، محاولاً أن يزن الفكرة دون أن يرفضها فورًا بطريقة تجعلها تشعر أنه لا يأخذ خوفها على محمل الجد.

“أعرف أن الأمر يبدو حلاً بسيطًا،” قال أخيرًا، “لكن اسمي مسجل هنا، في هذه القرية بالتحديد. حتى لو ذهبنا، السجل لن يختفي معنا.”

 

“ستفعل، أنت دائمًا تفعل بطريقتك الهادئة تلك.” ضحكت قليلاً، وضربت كتفه بكتفها. “على أي حال، هذا حلم ليوم آخر، ليس اليوم.”

“أعرف أن الأمر يبدو حلاً بسيطًا،” قال أخيرًا، “لكن اسمي مسجل هنا، في هذه القرية بالتحديد. حتى لو ذهبنا، السجل لن يختفي معنا.”

في تلك الليلة، بعد أن نام كلاهما، أو حاولا ذلك، استيقظ أورِن قبل الفجر بقليل، على صوت لم يستطع تحديده في البداية، خشخشة بعيدة تشبه حركة عجلات على طريق حجري، تتقارب تدريجيًا من جهة مدخل القرية.

 

 

“لكنهم لن يعرفوا أين نحن.”

أخذه، وتحسس الصوف السميك بين أصابعه، ونظر إليها. “شكرًا.”

 

 

“ربما، لبعض الوقت. لكن في مكان لا يعرفني فيه أحد، سأكون غريبًا يسهل ملاحظته أكثر مما أنا عليه هنا. هنا، الناس يعرفونني، يعرفون عملي، يعرفون بيتي. أي شخص جديد يظهر في قرية بحجم تلك التي تتحدثين عنها سيُلاحظ بسرعة، خصوصًا شابًا في عمري بلا سبب واضح للوجود هناك.”

 

 

كان يعرف، من عمله نفسه في الأرشيف، أن السجل الرسمي يحتوي على اسمه الكامل، ورقم سجله، وعنوان بيته، ومكان عمله، ووصفًا عامًا لا يتجاوز الطول ولون الشعر وبعض التفاصيل الإدارية المعتادة. لم يكن هناك، على حد علمه، صورة مرفقة أو وسيلة تعرف دقيقة تتجاوز ما يمكن لأي جار أن يخبر به الجنود لو سُئل مباشرة.

“إذن ماذا تقترح؟ أن تبقى وتنتظر أن يأخذوك؟”

خرج من فراشه، واقترب من النافذة، فرأى، في ضوء الفجر الرمادي الخافت، أضواء مصابيح متحركة تقترب من الطريق المؤدي إلى الساحة، أكثر من عربة هذه المرة، وأصوات حوافر وخطوات منظمة تصل خافتة عبر الهواء البارد.

 

عاد إلى البيت في المساء، ووجد مارِن قد أخرجت أخيرًا القطعة التي كانت تحيكها منذ أسابيع، منتهية تقريبًا، تتفحص الأطراف الأخيرة منها تحت ضوء المصباح.

“لا أعرف بعد. لكن الابتعاد عن هنا يبدو لي، بصراحة، وكأنه يستبدل مشكلة بمشكلة أخرى قد تكون أصعب.”

“في مكان بعيد عن الساحة.”

 

 

لم تقتنع تمامًا، ورأى ذلك في طريقة عبوسها وهي تدفع طعامها في طبقها دون أن تأكل منه، لكنها لم تصرّ أكثر، واكتفت بالقول: “فقط لا تجعلني أكتشف قرارك التالي في الساحة أيضًا.”

سؤالها بسيط، لكنه شعر أن الإجابة عليه تحتاج وضوحًا لم يكن قد صاغه لنفسه بعد بهذا الشكل. “لا أريد أن أتركك وحدك هنا.”

 

كانت المهلة قد انتهت.

وعدها بذلك، وشعر، وهو يقول الكلمات، أنه وعد قد لا يستطيع الوفاء به بالكامل.

 

 

لم يعرف كيف يجيب دون أن يبدو كلامه أسوأ مما يقصده، فبقي صامتًا لحظة، وهي تراقبه، ثم أضافت بصوت أهدأ: “لست غاضبة لأنك خائف. أنا غاضبة لأنك جعلتني أكتشف الأمر أمام نصف القرية.”

قضيا بقية ذلك اليوم بشكل أقرب إلى الطبيعي مما توقعه أي منهما. خرجا إلى السوق في وقت الظهيرة، ومارِن تتوقف عند دكان الصوف لتفحص خيوطًا جديدة وصلت، وأورِن يقف بجانبها، يستمع إلى حديثها مع صاحبة الدكان عن الفرق بين نوعين من الصوف بجدية لم تتناسب مع ثقل اليوم السابق.

 

 

 

“لو ذهبت إلى العاصمة فعلاً،” قالت وهما يبتعدان عن الدكان، خيط جديد ملفوف في يدها، “أول شيء سأفعله هو زيارة سوق الخياطين هناك. سمعت أن لديهم أقمشة لا نراها هنا أبدًا.”

“لكنك تفعله بالضبط.” استدارت إليه، والغضب في صوتها ممزوج بشيء آخر أقرب إلى الخوف. “أنا لست غريبة عن حياتك، أورِن. أنا الشخص الوحيد الذي تبقى لك في هذا البيت، وأنت تعاملني وكأنني عبء يجب حمايته لا شخصًا يمكن أن يقف بجانبك.”

 

 

“ثم سأفتح دكاني الخاص، ربما. صغيرًا في البداية.” ابتسمت وهي تنظر إلى الخيط بين أصابعها. “لن أخبرك بالتفاصيل كلها، ستسخر مني.”

في صباح اليوم التالي، لاحظت مارِن، وهي تراقبه يفكر بصمت أطول من المعتاد أثناء الفطور، أن شيئًا يدور في رأسه.

 

هذا يعني أن الجنود، حين يصلون، سيبحثون على الأرجح في مكانين أولاً: بيته، ثم مكان عمله. قد يسألون الجيران، وقد يسألون مِرن أو المشرف في الأرشيف. لن يعرفوا القرية بتفاصيلها كما يعرفها هو، ولن يكون لديهم وقت كافٍ للبحث في كل زاوية مهجورة فيها، خصوصًا إن كان هناك أشخاص آخرون غائبون يحتاجون البحث عنهم في اليوم نفسه.

“لن أسخر.” رد أورن .

 

 

“لكنهم لن يعرفوا أين نحن.”

“ستفعل، أنت دائمًا تفعل بطريقتك الهادئة تلك.” ضحكت قليلاً، وضربت كتفه بكتفها. “على أي حال، هذا حلم ليوم آخر، ليس اليوم.”

كانت مارِن مستيقظة حين عاد أورِن إلى البيت، جالسة في المطبخ أمام مصباح لم تطفئه رغم تأخر الوقت، ويداها متشابكتان فوق الطاولة بطريقة لم يرها بها من قبل، ثابتة أكثر من اللازم، كأنها تمنع نفسها من التحرك بعصبية.

 

 

لم يجب، لكنه شعر بامتنان صامت لأنها تحدثت عن شيء بعيد كل هذا البعد عن القائمة المعلقة على اللوح الخشبي في الساحة، وكأنها منحته، ولو لدقائق، إجازة من الثقل الذي يحمله كلاهما.

بعد الظهر، أنهت مارِن الوشاح أخيرًا، وطوته بعناية، ثم مدّته إليه دون مقدمات كثيرة.

 

 

في تلك الليلة، بعد أن نامت مارِن، جلس أورِن وحده في غرفته، دفتره الجديد مفتوحًا أمامه على صفحة فارغة، لكنه لم يكتب شيئًا لفترة طويلة، مكتفيًا بالتفكير بصوت هادئ داخل رأسه في السؤال الذي بدأ يلحّ عليه منذ الصباح: ماذا يعرف الجنود عنه بالضبط؟

 

 

لم يعرف كيف يجيب دون أن يبدو كلامه أسوأ مما يقصده، فبقي صامتًا لحظة، وهي تراقبه، ثم أضافت بصوت أهدأ: “لست غاضبة لأنك خائف. أنا غاضبة لأنك جعلتني أكتشف الأمر أمام نصف القرية.”

كان يعرف، من عمله نفسه في الأرشيف، أن السجل الرسمي يحتوي على اسمه الكامل، ورقم سجله، وعنوان بيته، ومكان عمله، ووصفًا عامًا لا يتجاوز الطول ولون الشعر وبعض التفاصيل الإدارية المعتادة. لم يكن هناك، على حد علمه، صورة مرفقة أو وسيلة تعرف دقيقة تتجاوز ما يمكن لأي جار أن يخبر به الجنود لو سُئل مباشرة.

 

 

 

هذا يعني أن الجنود، حين يصلون، سيبحثون على الأرجح في مكانين أولاً: بيته، ثم مكان عمله. قد يسألون الجيران، وقد يسألون مِرن أو المشرف في الأرشيف. لن يعرفوا القرية بتفاصيلها كما يعرفها هو، ولن يكون لديهم وقت كافٍ للبحث في كل زاوية مهجورة فيها، خصوصًا إن كان هناك أشخاص آخرون غائبون يحتاجون البحث عنهم في اليوم نفسه.

“لم أرد أن تقلقي قبل أن أعرف ماذا سأفعل.”

 

“نعم. كنت أظن أنني سأنتهي منها قبل هذا بكثير، لكن الأيام الأخيرة لم تكن مناسبة لجلوس هادئ.” رفعت القطعة، وشاح صوفي سميك بلون داكن، وفحصته بعين ناقدة قبل أن تضعه جانبًا. “غدًا، ربما.”

فكر في العلية التي اختبأ فيها في اليوم الأول، وقرر أنها لن تصلح مرة ثانية؛ لو أن أحدًا لاحظ غيابه هناك ذلك اليوم، أو لو أن أحدًا يعرف أنه اختبأ في مكان ما وبدأ يفترض أماكن محتملة، فسيكون ذلك المخزن من أول ما يخطر بباله لأنه معروف بارتباطه بعائلته منذ سنوات.

 

 

لم يجب، لكنه شعر بامتنان صامت لأنها تحدثت عن شيء بعيد كل هذا البعد عن القائمة المعلقة على اللوح الخشبي في الساحة، وكأنها منحته، ولو لدقائق، إجازة من الثقل الذي يحمله كلاهما.

فكر بدلاً من ذلك في المخزن الآخر، ذلك القديم عند طرف الحقول، خلفه بالتحديد، حيث أحرق الورقة قبل أيام. لم يكن مكانًا مرتبطًا به بأي شكل معروف، ولم يكن أحد قد رآه هناك من قبل على حد علمه، ولا يوجد سبب واضح ليخطر على بال أي شخص يبحث عنه.

فكر في العلية التي اختبأ فيها في اليوم الأول، وقرر أنها لن تصلح مرة ثانية؛ لو أن أحدًا لاحظ غيابه هناك ذلك اليوم، أو لو أن أحدًا يعرف أنه اختبأ في مكان ما وبدأ يفترض أماكن محتملة، فسيكون ذلك المخزن من أول ما يخطر بباله لأنه معروف بارتباطه بعائلته منذ سنوات.

 

مرّ اليوم الثاني بتوتر خفيف لم يفارقهما تمامًا، لكنه لم يمنعهما أيضًا من العيش بشكل طبيعي إلى حد ما. سمع أورِن، أثناء مروره بالسوق بعد الظهر، حديثًا بين رجلين عن أحد المتغيبين الذين نودي اسمهم في الساحة قبل يومين.

قرر أيضًا أنه لن يخبر مارِن بالمكان بالتحديد. ليس لأنه لا يثق بها، بل لأنه إن سُئلت مباشرة، وأصرّ أحدهم على سؤالها، فمن الأفضل أن يكون جوابها صادقًا تمامًا حين تقول إنها لا تعرف أين هو، بدل أن تُجبر على الكذب أو الصمت المريب.

فكر بدلاً من ذلك في المخزن الآخر، ذلك القديم عند طرف الحقول، خلفه بالتحديد، حيث أحرق الورقة قبل أيام. لم يكن مكانًا مرتبطًا به بأي شكل معروف، ولم يكن أحد قد رآه هناك من قبل على حد علمه، ولا يوجد سبب واضح ليخطر على بال أي شخص يبحث عنه.

 

فكر بدلاً من ذلك في المخزن الآخر، ذلك القديم عند طرف الحقول، خلفه بالتحديد، حيث أحرق الورقة قبل أيام. لم يكن مكانًا مرتبطًا به بأي شكل معروف، ولم يكن أحد قد رآه هناك من قبل على حد علمه، ولا يوجد سبب واضح ليخطر على بال أي شخص يبحث عنه.

في صباح اليوم التالي، لاحظت مارِن، وهي تراقبه يفكر بصمت أطول من المعتاد أثناء الفطور، أن شيئًا يدور في رأسه.

 

 

“كان بإمكانك أن تقول الحقيقة، أورِن. كان بإمكانك أن تقول: اسمي في القائمة.”

“أنت تخطط لشيء،” قالت، ليس سؤالًا هذه المرة.

 

 

هذا يعني أن الجنود، حين يصلون، سيبحثون على الأرجح في مكانين أولاً: بيته، ثم مكان عمله. قد يسألون الجيران، وقد يسألون مِرن أو المشرف في الأرشيف. لن يعرفوا القرية بتفاصيلها كما يعرفها هو، ولن يكون لديهم وقت كافٍ للبحث في كل زاوية مهجورة فيها، خصوصًا إن كان هناك أشخاص آخرون غائبون يحتاجون البحث عنهم في اليوم نفسه.

“أفكر فقط. رد أورن .

“أنا آسف.”

 

نظرت إليه لفترة طويلة، وكأنها تزن الجملة من كل جوانبها. “والآن؟ هل تعرف ماذا ستفعل؟”

“لا تكذب عليّ مرتين في أسبوع واحد.” وضعت كوبها بحدة أكبر مما قصدت. “أخبرني على الأقل أنك تخطط لشيء، حتى لو لم تخبرني بالتفاصيل.”

عاد إلى البيت في المساء، ووجد مارِن قد أخرجت أخيرًا القطعة التي كانت تحيكها منذ أسابيع، منتهية تقريبًا، تتفحص الأطراف الأخيرة منها تحت ضوء المصباح.

 

 

نظر إليها، ووجد نفسه غير قادر على إنكار ذلك. “نعم. أفكر في طريقة لتجاوز اليوم الذي سيأتون فيه.”

 

 

قرر أيضًا أنه لن يخبر مارِن بالمكان بالتحديد. ليس لأنه لا يثق بها، بل لأنه إن سُئلت مباشرة، وأصرّ أحدهم على سؤالها، فمن الأفضل أن يكون جوابها صادقًا تمامًا حين تقول إنها لا تعرف أين هو، بدل أن تُجبر على الكذب أو الصمت المريب.

“وستفعل هذا وحدك، دون أن تخبرني بأي شيء؟”

صمتت، ومدّت يدها إلى الإبريق البارد على الطاولة، تصبّ لنفسها كوبًا لم تكن تنويه، فقط لتشغل يديها بشيء. “كنت أبحث عنك طوال بعد الظهر. سألت في الأرشيف، سألت في السوق، ولم يكن أحد يعرف أين أنت. ظننت أن شيئًا حدث لك.”

 

“وماذا عن الآخر؟ ابن الحداد؟”

“أفضّل ذلك، نعم.”

 

 

“لماذا؟”

 

 

كانت المهلة قد انتهت.

“لأنني إن أخبرتك، وسألوك، سيكون عليك أن تختاري بين الكذب علنًا أو أن تعرّضيني للخطر. لا أريد أن أضعك في هذا الموقف.”

هذا يعني أن الجنود، حين يصلون، سيبحثون على الأرجح في مكانين أولاً: بيته، ثم مكان عمله. قد يسألون الجيران، وقد يسألون مِرن أو المشرف في الأرشيف. لن يعرفوا القرية بتفاصيلها كما يعرفها هو، ولن يكون لديهم وقت كافٍ للبحث في كل زاوية مهجورة فيها، خصوصًا إن كان هناك أشخاص آخرون غائبون يحتاجون البحث عنهم في اليوم نفسه.

 

“وماذا عن الآخر؟ ابن الحداد؟”

غضبت من الجملة أكثر مما توقع، ورأى ذلك في الطريقة التي نهضت بها فجأة، تجمع الأطباق بحركة أعنف من اللازم. “إذن أنت تقرر نيابة عني ماذا يجب أن أعرف وماذا لا، مرة أخرى.”

 

 

“يمكننا الرحيل،” قالت فجأة، وكأنها كانت تفكر فيها طوال الليل قبل أن تجرؤ على قولها. ” صديقتي القديمة، انتقلت إلى قرية عند الحدود الغربية منذ سنتين. يمكن أن نذهب إليها، ولو لفترة.”

“لست أقصد ذلك.”

في تلك الليلة، بعد أن نام كلاهما، أو حاولا ذلك، استيقظ أورِن قبل الفجر بقليل، على صوت لم يستطع تحديده في البداية، خشخشة بعيدة تشبه حركة عجلات على طريق حجري، تتقارب تدريجيًا من جهة مدخل القرية.

 

 

“لكنك تفعله بالضبط.” استدارت إليه، والغضب في صوتها ممزوج بشيء آخر أقرب إلى الخوف. “أنا لست غريبة عن حياتك، أورِن. أنا الشخص الوحيد الذي تبقى لك في هذا البيت، وأنت تعاملني وكأنني عبء يجب حمايته لا شخصًا يمكن أن يقف بجانبك.”

 

 

 

لم يجد ردًا سريعًا، وبقيا صامتين لبضع دقائق، هي تغسل الأطباق بحركات أشد من اللازم، وهو يجلس يراقبها دون أن يعرف كيف يصلح ما قاله.

 

 

 

“أنا آسف،” قال أخيرًا.

 

 

 

لم تجب فورًا، لكنها خفّفت من حدة حركتها، وقالت بعد قليل، بصوت أهدأ: “فقط عد إلى البيت في النهاية. أيًا كانت خطتك، عد إلي بعدها. هذا كل ما أريده.”

 

 

لفّه حول رقبته للحظة، أكثر ليريها أنه أعجبه من كونه بحاجة إليه في ذلك الوقت من العام، وضحكت هي، وبدا المشهد، لدقائق، وكأنه لا يخص شابًا ينتظر انتهاء مهلة ثلاثة أيام قبل أن يقرر مصيره، بل أخًا وأخته في مساء عادي كأي مساء آخر عاشاه معًا.

وعدها، وهذه المرة شعر أنه وعد يستطيع، على الأقل، أن يحاول الوفاء به.

 

 

لم تجب فورًا، لكنها خفّفت من حدة حركتها، وقالت بعد قليل، بصوت أهدأ: “فقط عد إلى البيت في النهاية. أيًا كانت خطتك، عد إلي بعدها. هذا كل ما أريده.”

مرّ اليوم الثاني بتوتر خفيف لم يفارقهما تمامًا، لكنه لم يمنعهما أيضًا من العيش بشكل طبيعي إلى حد ما. سمع أورِن، أثناء مروره بالسوق بعد الظهر، حديثًا بين رجلين عن أحد المتغيبين الذين نودي اسمهم في الساحة قبل يومين.

“في مكان بعيد عن الساحة.”

 

 

“عاد صباح اليوم،” قال أحدهما. “قدّم نفسه بنفسه إلى مكتب المحكمة قبل أن تنتهي المهلة. قال إنه لم يكن مستعدًا نفسيًا في ذلك اليوم فقط، لا أكثر.”

 

 

سمع، من غرفتها، صوت مارِن وهي تتحرك أيضًا، مستيقظة على الضجيج نفسه.

“وماذا عن الآخر؟ ابن الحداد؟”

 

 

“أين كنت؟” سألت أخيرًا، بصوت هادئ لم يخدعه؛ كان يعرف نبرتها جيدًا بما يكفي ليميز الهدوء الحقيقي عن الهدوء المفروض بجهد.

“لم يعد أحد يعرف أين ذهب. عائلته تسأل في كل مكان، لكن لا أحد رآه منذ يوم الاستلام.”

“أنت تخطط لشيء،” قالت، ليس سؤالًا هذه المرة.

 

بعد الظهر، أنهت مارِن الوشاح أخيرًا، وطوته بعناية، ثم مدّته إليه دون مقدمات كثيرة.

استمع أورِن دون أن يتدخل، وشعر بثقل إضافي يضاف إلى ما يحمله، إدراكًا هادئًا أن كل من غاب يعيش نسخته الخاصة من الأيام الثلاثة، بعضهم يقرر العودة، وبعضهم يختفي تمامًا، وبعضهم، مثله، لا يزال يقرر.

“كنت أحاول أن أؤجل الأمر.”

 

 

عاد إلى البيت في المساء، ووجد مارِن قد أخرجت أخيرًا القطعة التي كانت تحيكها منذ أسابيع، منتهية تقريبًا، تتفحص الأطراف الأخيرة منها تحت ضوء المصباح.

استمع أورِن دون أن يتدخل، وشعر بثقل إضافي يضاف إلى ما يحمله، إدراكًا هادئًا أن كل من غاب يعيش نسخته الخاصة من الأيام الثلاثة، بعضهم يقرر العودة، وبعضهم يختفي تمامًا، وبعضهم، مثله، لا يزال يقرر.

 

وعدها، وهذه المرة شعر أنه وعد يستطيع، على الأقل، أن يحاول الوفاء به.

“اقتربت من الانتهاء،” قال، محاولاً إبقاء الحديث خفيفًا.

لم تقتنع تمامًا، ورأى ذلك في طريقة عبوسها وهي تدفع طعامها في طبقها دون أن تأكل منه، لكنها لم تصرّ أكثر، واكتفت بالقول: “فقط لا تجعلني أكتشف قرارك التالي في الساحة أيضًا.”

 

 

“نعم. كنت أظن أنني سأنتهي منها قبل هذا بكثير، لكن الأيام الأخيرة لم تكن مناسبة لجلوس هادئ.” رفعت القطعة، وشاح صوفي سميك بلون داكن، وفحصته بعين ناقدة قبل أن تضعه جانبًا. “غدًا، ربما.”

“أنت تخطط لشيء،” قالت، ليس سؤالًا هذه المرة.

 

 

اليوم الثالث بدأ أهدأ مما توقعه أورِن، وكأن جسده وعقله قررا، دون استشارته، أن يمنحاه استراحة قصيرة من التوتر المتراكم. أفطرا معًا كالمعتاد، وتحدثا عن أشياء صغيرة، سعر الخبز، وحديث سمعته مارِن عن جارة تنوي تغيير لون باب بيتها، وأورِن يستمع أكثر مما يتحدث، ممتنًا لهذا القدر من العادية.

 

 

 

بعد الظهر، أنهت مارِن الوشاح أخيرًا، وطوته بعناية، ثم مدّته إليه دون مقدمات كثيرة.

لم تقتنع تمامًا، ورأى ذلك في طريقة عبوسها وهي تدفع طعامها في طبقها دون أن تأكل منه، لكنها لم تصرّ أكثر، واكتفت بالقول: “فقط لا تجعلني أكتشف قرارك التالي في الساحة أيضًا.”

 

 

“خذه. الشتاء قادم، ولن أسمح لك بالخروج مرتجفًا كالعادة.”

 

 

لم يجد ردًا سريعًا، وبقيا صامتين لبضع دقائق، هي تغسل الأطباق بحركات أشد من اللازم، وهو يجلس يراقبها دون أن يعرف كيف يصلح ما قاله.

أخذه، وتحسس الصوف السميك بين أصابعه، ونظر إليها. “شكرًا.”

 

 

 

“لا تفقده،” قالت، بنبرة مزحت فيها الجدية بخفة الدعابة. “استغرق مني أكثر مما توقعت.”

استمع أورِن دون أن يتدخل، وشعر بثقل إضافي يضاف إلى ما يحمله، إدراكًا هادئًا أن كل من غاب يعيش نسخته الخاصة من الأيام الثلاثة، بعضهم يقرر العودة، وبعضهم يختفي تمامًا، وبعضهم، مثله، لا يزال يقرر.

 

سمع، من غرفتها، صوت مارِن وهي تتحرك أيضًا، مستيقظة على الضجيج نفسه.

لفّه حول رقبته للحظة، أكثر ليريها أنه أعجبه من كونه بحاجة إليه في ذلك الوقت من العام، وضحكت هي، وبدا المشهد، لدقائق، وكأنه لا يخص شابًا ينتظر انتهاء مهلة ثلاثة أيام قبل أن يقرر مصيره، بل أخًا وأخته في مساء عادي كأي مساء آخر عاشاه معًا.

 

 

أخذه، وتحسس الصوف السميك بين أصابعه، ونظر إليها. “شكرًا.”

في تلك الليلة، بعد أن نام كلاهما، أو حاولا ذلك، استيقظ أورِن قبل الفجر بقليل، على صوت لم يستطع تحديده في البداية، خشخشة بعيدة تشبه حركة عجلات على طريق حجري، تتقارب تدريجيًا من جهة مدخل القرية.

“ثم سأفتح دكاني الخاص، ربما. صغيرًا في البداية.” ابتسمت وهي تنظر إلى الخيط بين أصابعها. “لن أخبرك بالتفاصيل كلها، ستسخر مني.”

 

 

خرج من فراشه، واقترب من النافذة، فرأى، في ضوء الفجر الرمادي الخافت، أضواء مصابيح متحركة تقترب من الطريق المؤدي إلى الساحة، أكثر من عربة هذه المرة، وأصوات حوافر وخطوات منظمة تصل خافتة عبر الهواء البارد.

 

 

لفّه حول رقبته للحظة، أكثر ليريها أنه أعجبه من كونه بحاجة إليه في ذلك الوقت من العام، وضحكت هي، وبدا المشهد، لدقائق، وكأنه لا يخص شابًا ينتظر انتهاء مهلة ثلاثة أيام قبل أن يقرر مصيره، بل أخًا وأخته في مساء عادي كأي مساء آخر عاشاه معًا.

سمع، من غرفتها، صوت مارِن وهي تتحرك أيضًا، مستيقظة على الضجيج نفسه.

“نعم. كنت أظن أنني سأنتهي منها قبل هذا بكثير، لكن الأيام الأخيرة لم تكن مناسبة لجلوس هادئ.” رفعت القطعة، وشاح صوفي سميك بلون داكن، وفحصته بعين ناقدة قبل أن تضعه جانبًا. “غدًا، ربما.”

 

 

وقف عند النافذة لحظة إضافية، ينظر إلى الأضواء وهي تتجمع في الساحة البعيدة، والجنود ينزلون منها واحدًا تلو الآخر، يحملون سجلاتهم وأوراقهم بالهدوء الإداري نفسه الذي رآه قبل ثلاثة أيام، دون استعجال، ودون صراخ، فقط استعدادًا صامتًا لإجراء طويل وشيك.

 

 

 

كانت المهلة قد انتهت.

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط