طريق تحت الحقول
بدأت العملية في الساحة بالطريقة نفسها التي بدأت بها قبل ثلاثة أيام، لكن بإيقاع أسرع هذه المرة، وكأن الجنود أنفسهم يريدون إنهاء الأمر قبل أن يطول النهار أكثر من اللازم. فتح أحدهم سجله، وبدأ ينادي الأسماء، بينما وقف الباقون على أطراف الساحة، أعينهم تتنقل بين الحشد بحثًا عن أي حركة تلفت الانتباه.
خرج من الطاحونة، وعاد باتجاه الساحة، وهو يفكر في المكافأة التي قد يحصل عليها، وفي ما قد يحدث له إن وجد الجنود أورِن في مكان آخر قبله.
جاء بعض من نودي اسمهم بأنفسهم هذه المرة، وجوههم أهدأ من المتوقع، وكأنهم قضوا الأيام الثلاثة يقنعون أنفسهم بأن الأمر لا مفر منه، فقرروا إنهاءه دون مقاومة إضافية. أم واحدة، تقف قرب اللوح الخشبي، بكت بصوت منخفض وهي تودع ابنها، ويده على كتفها لثانية أخيرة قبل أن يبتعد نحو الصف المتشكل. أب آخر وقف بلا حراك، فمه مشدود، يداه متشابكتان خلف ظهره، محاولًا أن يبدو متماسكًا أمام ابنه أكثر مما يشعر فعلاً.
عند اسم واحد، تردد صوت من الحشد يقول إن الشاب “غير موجود منذ الصباح”، وكتب الجندي ملاحظة، ومضى.
لم تكن خطوات جندي؛ عرف ذلك من إيقاعها، أبطأ وأكثر تروٍّ من مشية رجل يؤدي عملاً روتينيًا، أقرب إلى مشية شخص يبحث بعناية، يعرف ما يبحث عنه تحديدًا.
دخل المشرف الممر بضع خطوات، ثم توقف حين ضاق أكثر مما يستطيع احتماله، ونظر إلى الظلام الممتد أمامه. لم يعرف إلى أين يؤدي بالضبط، ولم يكن مستعدًا للزحف فيه وحده.
عند اسم آخر، ابن الحداد، ساد صمت لحظة، ثم تحرك أحد الجنود من مكانه دون أن ينتظر توضيحًا، واتجه مباشرة نحو زقاق جانبي يعرفه أهل القرية جيدًا، الطريق المؤدي إلى بيت الحداد ومخزن أدواته. لم يكن الأمر مفاجئًا لمن يعرف العائلة؛ كان قد رُئي الشاب يتردد بين البيت والمخزن طوال الأيام الثلاثة الماضية، وربما وصلت إشارة إلى ذلك من شخص ما، جار أو زبون، دون قصد سيئ بالضرورة، مجرد كلمة عابرة سُمعت في مكان خاطئ.
خرج بعد الظهر بحجة تفقد بعض الأمور، ومشى نحو الطرف الجنوبي من القرية، متجنبًا الطريق الرئيسي، حتى وصل إلى محيط الطاحونة المهجورة.
عاد الجندي بعد دقائق، يقود الشاب أمامه بيد على كتفه، لا عنف واضحًا في الحركة، لكن لا مجال للتفاوض فيها أيضًا. كان وجه ابن الحداد شاحبًا، لا يبكي ولا يصرخ، فقط ينظر إلى الأرض أمامه بينما يمشي، ووالده يقف عند باب المخزن، غير قادر على التقدم أكثر، يداه مقبوضتان على إطار الباب الخشبي.
كان المشرف قد بدأ التفكير في الأمر منذ اللحظة التي غادر فيها الجنود الأرشيف. لم يكن رجلاً سيئًا بطبيعته؛ كان فقط رجلاً يخاف على وظيفته، وعلى نفسه، وقد سمع، قبل مغادرة الجنود، أحدهم يذكر بصوت غير رسمي أن أي معلومة تؤدي إلى العثور على هارب ستُكافأ، مبلغًا ليس كبيرًا، لكنه ليس تافهًا أيضًا بالنسبة لرجل في وضعه.
قُيد الشاب إلى جانب رجل آخر كان قد اعتُقل قبل دقائق من طرف الساحة، شخص لم يعرفه أورِن جيدًا، لكنه رآه من قبل يبيع الخضار في السوق الأسبوعي. وقف الاثنان قرب العربة، بلا كلام بينهما، وينظر كل منهما في اتجاه مختلف، وكأن النظر إلى الآخر يجعل الأمر أثقل مما يحتمل أي منهما.
دخل الجنود، وبدأوا بتفتيش الغرفة، يفتحون الخزانة، يرفعون الفراش، ينظرون خلف الصناديق المكدسة في الزاوية. لم يكن التفتيش عنيفًا بقدر ما كان منهجيًا، رجال يؤدون مهمة اعتادوا تكرارها في بيوت أخرى قبل هذا البيت.
فتح الباب ببطء، ودخل إلى القبو، لكنه لم يجد أحدًا. بقي واقفًا للحظات، ينظر إلى المكان بصمت، ثم لاحظ عند الجدار الخلفي أثر تراب حديث، وبالقرب منه فتحة الممر الضيق المؤدي إلى قناة التصريف.
لم يمر أحد من العملية بلا ملاحظة أن هذا يحدث كل شهرين تقريبًا الآن، بوتيرة أسرع من العام الماضي، وأن وجوه الحاضرين، رغم الحزن الحقيقي في بعضها، حملت أيضًا ذلك التسليم البارد الذي يأتي من رؤية الشيء نفسه يتكرر أكثر مما ينبغي.
“لم يحضر إلى العمل منذ أسابيع تقريبًا،” أجاب المشرف بسرعة أكبر مما ينبغي، ثم أضاف، محاولًا أن يجعل الجملة تبدو أكثر طبيعية: “قال إنه مريض. لم أرَ سببًا لأستفسر أكثر، الموظفون يمرضون أحيانًا.”
بعد انتهاء الجزء الأول من العملية، توجه ثلاثة من الجنود، يرافقهم موظف من المحكمة يحمل سجلاً منفصلاً، نحو مبنى الأرشيف.
دفعها بيده، ليس بقوة كبيرة، لكن كافية لتصطدم كتفها بإطار الباب، وشعرت بألم خفيف يمتد من كتفها إلى ذراعها. لم تصرخ، ولم تبكِ، فقط ثبتت مكانها، عيناها في عينيه، والخوف واضحًا فيهما رغم محاولتها إخفاءه.
كان المشرف قد فتح القسم منذ الصباح الباكر، ربما توقعًا لما سيحدث، وربما لأن العمل الإداري لا يتوقف حتى في يوم كهذا. رفع رأسه حين دخل الجنود، وحاول أن يبدو مشغولاً بورقة أمامه أكثر مما هو عليه فعلاً.
لم يمر أحد من العملية بلا ملاحظة أن هذا يحدث كل شهرين تقريبًا الآن، بوتيرة أسرع من العام الماضي، وأن وجوه الحاضرين، رغم الحزن الحقيقي في بعضها، حملت أيضًا ذلك التسليم البارد الذي يأتي من رؤية الشيء نفسه يتكرر أكثر مما ينبغي.
جاء بعض من نودي اسمهم بأنفسهم هذه المرة، وجوههم أهدأ من المتوقع، وكأنهم قضوا الأيام الثلاثة يقنعون أنفسهم بأن الأمر لا مفر منه، فقرروا إنهاءه دون مقاومة إضافية. أم واحدة، تقف قرب اللوح الخشبي، بكت بصوت منخفض وهي تودع ابنها، ويده على كتفها لثانية أخيرة قبل أن يبتعد نحو الصف المتشكل. أب آخر وقف بلا حراك، فمه مشدود، يداه متشابكتان خلف ظهره، محاولًا أن يبدو متماسكًا أمام ابنه أكثر مما يشعر فعلاً.
“نبحث عن موظف يعمل هنا، اسمه أورِن،” قال أحد الجنود، بنبرة إدارية لا تحمل تهديدًا مباشرًا. “هل هو موجود اليوم؟”
“وحين نودي اسمه في الساحة قبل ثلاثة أيام؟”
“لم يحضر إلى العمل منذ أسابيع تقريبًا،” أجاب المشرف بسرعة أكبر مما ينبغي، ثم أضاف، محاولًا أن يجعل الجملة تبدو أكثر طبيعية: “قال إنه مريض. لم أرَ سببًا لأستفسر أكثر، الموظفون يمرضون أحيانًا.”
“لا أعرف،” كررت، بصوت أهدأ هذه المرة، وكأن الهدوء نفسه سلاحها الوحيد المتبقي.
نظر الجندي إليه للحظة، ثم سأل عن عنوان سكنه، فأعطاه المشرف العنوان دون تردد، معتقدًا أن هذا التعاون الجزئي كافٍ ليخرج من الموقف دون أن يورّط نفسه أكثر.
غادر الجنود بعد ذلك بدقائق قليلة نحو بيت أورِن، تاركين المشرف وحده مع مارتن، الذي كان يقف عند طاولته بصمت طوال الحوار، عيناه على المشرف بنظرة لم يفهمها الأخير تمامًا.
وصل الجنود إلى البيت بعد وقت قصير. فتحت مارِن الباب قبل أن يطرقوا، وكأنها كانت تنتظر الطرقة منذ ساعات.
وصل الجنود إلى البيت بعد وقت قصير. فتحت مارِن الباب قبل أن يطرقوا، وكأنها كانت تنتظر الطرقة منذ ساعات.
“لا أعرف.”
“نبحث عن أورِن،” قال أحدهم.
نظر الجندي إليه للحظة، ثم سأل عن عنوان سكنه، فأعطاه المشرف العنوان دون تردد، معتقدًا أن هذا التعاون الجزئي كافٍ ليخرج من الموقف دون أن يورّط نفسه أكثر.
“لم يأتِ إلى هنا منذ أسابيع،” قالت، بصوت حاولت أن تبقيه ثابتًا. “غادر إلى مدينة أخرى للعمل، لم يخبرني بالتفاصيل.”
“وحين نودي اسمه في الساحة قبل ثلاثة أيام؟”
“وحين نودي اسمه في الساحة قبل ثلاثة أيام؟”
“لم أكن أعرف أن اسمه سيُذكر. فوجئت بذلك مثل الجميع.”
“لم أكن أعرف أن اسمه سيُذكر. فوجئت بذلك مثل الجميع.”
نظر إليها الجندي بصمت أطول مما تحتمله إجابة بسيطة، ولاحظت هي نظرة عينيه وهي تتحرك، دون قصد منها، نحو غرفته في آخر الممر، قبل أن تدرك خطأها وتعيد النظر إلى وجهه مباشرة.
عند اسم آخر، ابن الحداد، ساد صمت لحظة، ثم تحرك أحد الجنود من مكانه دون أن ينتظر توضيحًا، واتجه مباشرة نحو زقاق جانبي يعرفه أهل القرية جيدًا، الطريق المؤدي إلى بيت الحداد ومخزن أدواته. لم يكن الأمر مفاجئًا لمن يعرف العائلة؛ كان قد رُئي الشاب يتردد بين البيت والمخزن طوال الأيام الثلاثة الماضية، وربما وصلت إشارة إلى ذلك من شخص ما، جار أو زبون، دون قصد سيئ بالضرورة، مجرد كلمة عابرة سُمعت في مكان خاطئ.
“إذا لم يكن هنا، فلن تمانعي أن نتحقق بأنفسنا،” قال، ولم ينتظر إذنها.
دخل الجنود، وبدأوا بتفتيش الغرفة، يفتحون الخزانة، يرفعون الفراش، ينظرون خلف الصناديق المكدسة في الزاوية. لم يكن التفتيش عنيفًا بقدر ما كان منهجيًا، رجال يؤدون مهمة اعتادوا تكرارها في بيوت أخرى قبل هذا البيت.
“لم أكن أعرف أن اسمه سيُذكر. فوجئت بذلك مثل الجميع.”
وجد أحدهم الدفتر الجلدي على الرف الصغير فوق المكتب، وفتحه، وقلّب صفحاته الأخيرة، معظمها سطور قصيرة عن أيام عادية، أكل وعمل وطقس، حتى وصل إلى صفحة قريبة من التاريخ، تحمل ملاحظة مقتضبة كتبها أورِن قبل أيام قليلة.
نظر الجندي إليه للحظة، ثم سأل عن عنوان سكنه، فأعطاه المشرف العنوان دون تردد، معتقدًا أن هذا التعاون الجزئي كافٍ ليخرج من الموقف دون أن يورّط نفسه أكثر.
داخل القبو، لم يكن أورِن قد انتظر أكثر من اللازم؛ ما إن سمع الخطوات تتوقف في الخارج بعد دقائق، حتى تحرك بحذر نحو الممر الضيق الذي كان قد فحصه فور وصوله، فتحة منخفضة في الجدار الخلفي للقبو، بالكاد تتسع لجسده إن انحنى بالكامل، تؤدي، وفق ما تذكره من السجلات، إلى قناة التصريف القديمة الممتدة تحت الحقول.
“هذا حديث نسبيًا،” قال الجندي، رافعًا الدفتر نحو زميله. “أقرب بكثير من أسابيع.”
“وترك الدفتر خلفه؟ رجل يكتب كل يوم تقريبًا، ويرحل دون أن يأخذ الشيء الوحيد الذي يبدو مهمًا له؟”
نظر إلى مارِن، التي شعرت بيدها تتشنج قليلاً بجانب جسدها.
كان يعرف المكان من عمله؛ سجلات الصيانة القديمة التي مرت على يديه أكثر من مرة ذكرت وجود قبو أسفل الطاحونة، استُخدم قديمًا لتخزين الحبوب قبل أن يُهجر مع بقية المبنى، وذكرت أيضًا ممرًا ضيقًا يربطه بقناة تصريف قديمة تمتد تحت الأرض باتجاه الحقول، حُفرت أصلاً لتصريف المياه الزائدة عن الطاحونة في مواسم الأمطار.
نزل إلى القبو عبر باب خشبي متهالك يكاد يسقط من مفصلاته، والهواء بداخله ثقيل برائحة الرطوبة والخشب المتعفن، والظلام شبه كامل باستثناء خيط ضوء رفيع يتسلل من شق في السقف. جلس هناك، ظهره إلى الجدار الحجري البارد، ينتظر مرور الوقت دون أن يعرف بالضبط ماذا يحدث في القرية فوقه.
“ربما كتب فيه قبل أن يغادر.”
نظر الجندي إليه للحظة، ثم سأل عن عنوان سكنه، فأعطاه المشرف العنوان دون تردد، معتقدًا أن هذا التعاون الجزئي كافٍ ليخرج من الموقف دون أن يورّط نفسه أكثر.
“وترك الدفتر خلفه؟ رجل يكتب كل يوم تقريبًا، ويرحل دون أن يأخذ الشيء الوحيد الذي يبدو مهمًا له؟”
كان المشرف قد فتح القسم منذ الصباح الباكر، ربما توقعًا لما سيحدث، وربما لأن العمل الإداري لا يتوقف حتى في يوم كهذا. رفع رأسه حين دخل الجنود، وحاول أن يبدو مشغولاً بورقة أمامه أكثر مما هو عليه فعلاً.
“لم أكن أعرف أن اسمه سيُذكر. فوجئت بذلك مثل الجميع.”
لم تجد إجابة سريعة، وامتد الصمت بينهما لحظة طويلة، كافية ليعرف الجندي أن ما سمعه ليس حقيقة كاملة.
خرج منها أخيرًا، ملابسه مبللة بالطين حتى الركبتين، ويداه مخدوشتين، وتنفس بعمق الهواء المفتوح، يحاول أن يميز مكانه بالضبط وسط الحقول الممتدة في ضوء المساء المتراجع.
اقترب منها خطوة، وقال بنبرة أكثر حدة: “أين هو؟”
استمر الزحف لدقائق طويلة، بدت أطول بكثير من طولها الفعلي، قبل أن يرى أمامه بصيص ضوء خافت، فتحة صغيرة تطل على قناة مائية ضحلة عند طرف أحد الحقول البعيدة عن القرية.
“لا أعرف.”
دفعها بيده، ليس بقوة كبيرة، لكن كافية لتصطدم كتفها بإطار الباب، وشعرت بألم خفيف يمتد من كتفها إلى ذراعها. لم تصرخ، ولم تبكِ، فقط ثبتت مكانها، عيناها في عينيه، والخوف واضحًا فيهما رغم محاولتها إخفاءه.
“لا أعرف،” كررت، بصوت أهدأ هذه المرة، وكأن الهدوء نفسه سلاحها الوحيد المتبقي.
نظر الجندي إليه للحظة، ثم سأل عن عنوان سكنه، فأعطاه المشرف العنوان دون تردد، معتقدًا أن هذا التعاون الجزئي كافٍ ليخرج من الموقف دون أن يورّط نفسه أكثر.
نظر إليها الجندي لحظة إضافية، ثم استدار، وأمر بمواصلة التفتيش، غير مقتنع تمامًا، لكن دون دليل كافٍ للمضي أبعد من ذلك الآن.
بدأت العملية في الساحة بالطريقة نفسها التي بدأت بها قبل ثلاثة أيام، لكن بإيقاع أسرع هذه المرة، وكأن الجنود أنفسهم يريدون إنهاء الأمر قبل أن يطول النهار أكثر من اللازم. فتح أحدهم سجله، وبدأ ينادي الأسماء، بينما وقف الباقون على أطراف الساحة، أعينهم تتنقل بين الحشد بحثًا عن أي حركة تلفت الانتباه.
في تلك الأثناء، كان أورِن قد وصل، منذ ساعة تقريبًا، إلى المكان الذي اختاره منذ يومين حين بدأ يفكر جديًا في التفاصيل: قبو طاحونة قديمة متوقفة عن العمل منذ سنوات، عند الطرف الجنوبي البعيد من القرية، حيث لم يعد أحد يقصدها منذ أن بُنيت طاحونة أحدث أقرب إلى مصادر المياه.
“أعتقد أنني أعرف أين قد يكون،” قال أخيرًا، بصوت أخفض مما تحدث به طوال اليوم. “الطاحونة القديمة، عند الطرف الجنوبي. لست متأكدًا تمامًا، لكن هناك قبوًا تحتها قليل من يتذكره.”
كان يعرف المكان من عمله؛ سجلات الصيانة القديمة التي مرت على يديه أكثر من مرة ذكرت وجود قبو أسفل الطاحونة، استُخدم قديمًا لتخزين الحبوب قبل أن يُهجر مع بقية المبنى، وذكرت أيضًا ممرًا ضيقًا يربطه بقناة تصريف قديمة تمتد تحت الأرض باتجاه الحقول، حُفرت أصلاً لتصريف المياه الزائدة عن الطاحونة في مواسم الأمطار.
نزل إلى القبو عبر باب خشبي متهالك يكاد يسقط من مفصلاته، والهواء بداخله ثقيل برائحة الرطوبة والخشب المتعفن، والظلام شبه كامل باستثناء خيط ضوء رفيع يتسلل من شق في السقف. جلس هناك، ظهره إلى الجدار الحجري البارد، ينتظر مرور الوقت دون أن يعرف بالضبط ماذا يحدث في القرية فوقه.
مرّت ساعات طويلة بهذا الشكل، صمت ثقيل يقطعه أحيانًا صوت حشرة أو تساقط تراب خفيف من السقف. حاول ألا يفكر كثيرًا في مارِن، في ما قد يسألونها، في كيف ستبدو حين يواجهونها، لكن الفكرة كانت تعود إليه كل بضع دقائق رغم محاولاته.
نظر إليها الجندي لحظة إضافية، ثم استدار، وأمر بمواصلة التفتيش، غير مقتنع تمامًا، لكن دون دليل كافٍ للمضي أبعد من ذلك الآن.
لم يكن يعرف بعد إن كان قد نجا فعلاً، أو إن كان مجرد يؤجل شيئًا لا مفر منه في النهاية.
عند مساء ذلك اليوم، سمع صوت خطوات فوقه، خفيفة في البداية، ثم أكثر ثباتًا، وكأن شخصًا يمشي حول المبنى المهجور، يتحقق من شيء.
بدأت العملية في الساحة بالطريقة نفسها التي بدأت بها قبل ثلاثة أيام، لكن بإيقاع أسرع هذه المرة، وكأن الجنود أنفسهم يريدون إنهاء الأمر قبل أن يطول النهار أكثر من اللازم. فتح أحدهم سجله، وبدأ ينادي الأسماء، بينما وقف الباقون على أطراف الساحة، أعينهم تتنقل بين الحشد بحثًا عن أي حركة تلفت الانتباه.
لم تكن خطوات جندي؛ عرف ذلك من إيقاعها، أبطأ وأكثر تروٍّ من مشية رجل يؤدي عملاً روتينيًا، أقرب إلى مشية شخص يبحث بعناية، يعرف ما يبحث عنه تحديدًا.
انحنى أمام الفتحة، ومد يده إلى التراب عند حافتها، فوجد آثارًا حديثة لا تزال واضحة. لم يحتج إلى أكثر من ذلك ليفهم أن أورِن كان هنا، وأنه غادر من الطريق الآخر.
استمر الزحف لدقائق طويلة، بدت أطول بكثير من طولها الفعلي، قبل أن يرى أمامه بصيص ضوء خافت، فتحة صغيرة تطل على قناة مائية ضحلة عند طرف أحد الحقول البعيدة عن القرية.
بقي ساكنًا تمامًا، يستمع.
توقفت الخطوات عند الباب الخشبي المتهالك، ثم انفتح الباب ببطء، وبقي أورِن في مكانه، لا يتحرك ولا يصدر صوتًا. انتظر حتى سمع الخطوات تتوقف تماماً عند الباب الخشبي في الأعلى، ثم ساد صمت قصير. لم يعرف من كان في الأعلى، لكنه أدرك أن البقاء في مكانه لم يعد أكثر أمانًا، فبدأ يتحرك بحذر نحو الممر الخلفي قبل أن يُفتح الباب.
فتح الباب ببطء، ودخل إلى القبو، لكنه لم يجد أحدًا. بقي واقفًا للحظات، ينظر إلى المكان بصمت، ثم لاحظ عند الجدار الخلفي أثر تراب حديث، وبالقرب منه فتحة الممر الضيق المؤدي إلى قناة التصريف.
كان المشرف قد بدأ التفكير في الأمر منذ اللحظة التي غادر فيها الجنود الأرشيف. لم يكن رجلاً سيئًا بطبيعته؛ كان فقط رجلاً يخاف على وظيفته، وعلى نفسه، وقد سمع، قبل مغادرة الجنود، أحدهم يذكر بصوت غير رسمي أن أي معلومة تؤدي إلى العثور على هارب ستُكافأ، مبلغًا ليس كبيرًا، لكنه ليس تافهًا أيضًا بالنسبة لرجل في وضعه.
فكر في العواقب أيضًا؛ لو اكتُشف لاحقًا أنه كذب على الجنود عمدًا، فقد يخسر أكثر من مجرد وظيفته. لم يكن يعرف أين أورِن بالتحديد، لكنه يعرف القرية جيدًا، أكثر مما يعرفها أي جندي غريب وصل هذا الصباح، ويعرف أن هناك أماكن قليلة قد يفكر فيها شاب يعمل في الأرشيف تحديدًا.
في تلك الأثناء، كان أورِن قد وصل، منذ ساعة تقريبًا، إلى المكان الذي اختاره منذ يومين حين بدأ يفكر جديًا في التفاصيل: قبو طاحونة قديمة متوقفة عن العمل منذ سنوات، عند الطرف الجنوبي البعيد من القرية، حيث لم يعد أحد يقصدها منذ أن بُنيت طاحونة أحدث أقرب إلى مصادر المياه.
قُيد الشاب إلى جانب رجل آخر كان قد اعتُقل قبل دقائق من طرف الساحة، شخص لم يعرفه أورِن جيدًا، لكنه رآه من قبل يبيع الخضار في السوق الأسبوعي. وقف الاثنان قرب العربة، بلا كلام بينهما، وينظر كل منهما في اتجاه مختلف، وكأن النظر إلى الآخر يجعل الأمر أثقل مما يحتمل أي منهما.
فكر في الطاحونة القديمة، ليس لأنه متأكد، بل لأنه تذكّر أن أورِن نفسه كان قد راجع سجلات صيانتها قبل أشهر، ضمن مهمة عادية طُلبت منه، وذكر لمارتن يومها، بشكل عابر، تفصيلاً عن قبو قديم تحتها لم يعد أحد يتذكره.
نظر الجندي إليه للحظة، ثم سأل عن عنوان سكنه، فأعطاه المشرف العنوان دون تردد، معتقدًا أن هذا التعاون الجزئي كافٍ ليخرج من الموقف دون أن يورّط نفسه أكثر.
خرج بعد الظهر بحجة تفقد بعض الأمور، ومشى نحو الطرف الجنوبي من القرية، متجنبًا الطريق الرئيسي، حتى وصل إلى محيط الطاحونة المهجورة.
كان المشرف قد بدأ التفكير في الأمر منذ اللحظة التي غادر فيها الجنود الأرشيف. لم يكن رجلاً سيئًا بطبيعته؛ كان فقط رجلاً يخاف على وظيفته، وعلى نفسه، وقد سمع، قبل مغادرة الجنود، أحدهم يذكر بصوت غير رسمي أن أي معلومة تؤدي إلى العثور على هارب ستُكافأ، مبلغًا ليس كبيرًا، لكنه ليس تافهًا أيضًا بالنسبة لرجل في وضعه.
رأى، عند اقترابه، أثرًا خفيفًا في التراب أمام الباب الخشبي، بصمة قدم حديثة نسبيًا، لا يمكن الجزم بها تمامًا، لكنها كافية ليقنعه أن حدسه لم يكن بلا أساس.
فتح الباب ببطء، ودخل إلى القبو، لكنه لم يجد أحدًا. بقي واقفًا للحظات، ينظر إلى المكان بصمت، ثم لاحظ عند الجدار الخلفي أثر تراب حديث، وبالقرب منه فتحة الممر الضيق المؤدي إلى قناة التصريف.
فتح الباب ببطء، ودخل إلى القبو، لكنه لم يجد أحدًا. بقي واقفًا للحظات، ينظر إلى المكان بصمت، ثم لاحظ عند الجدار الخلفي أثر تراب حديث، وبالقرب منه فتحة الممر الضيق المؤدي إلى قناة التصريف.
خرج من الطاحونة، وعاد باتجاه الساحة، وهو يفكر في المكافأة التي قد يحصل عليها، وفي ما قد يحدث له إن وجد الجنود أورِن في مكان آخر قبله.
انحنى أمام الفتحة، ومد يده إلى التراب عند حافتها، فوجد آثارًا حديثة لا تزال واضحة. لم يحتج إلى أكثر من ذلك ليفهم أن أورِن كان هنا، وأنه غادر من الطريق الآخر.
نظر إلى مارِن، التي شعرت بيدها تتشنج قليلاً بجانب جسدها.
دخل المشرف الممر بضع خطوات، ثم توقف حين ضاق أكثر مما يستطيع احتماله، ونظر إلى الظلام الممتد أمامه. لم يعرف إلى أين يؤدي بالضبط، ولم يكن مستعدًا للزحف فيه وحده.
خرج منها أخيرًا، ملابسه مبللة بالطين حتى الركبتين، ويداه مخدوشتين، وتنفس بعمق الهواء المفتوح، يحاول أن يميز مكانه بالضبط وسط الحقول الممتدة في ضوء المساء المتراجع.
استمر الزحف لدقائق طويلة، بدت أطول بكثير من طولها الفعلي، قبل أن يرى أمامه بصيص ضوء خافت، فتحة صغيرة تطل على قناة مائية ضحلة عند طرف أحد الحقول البعيدة عن القرية.
خرج من الطاحونة، وعاد باتجاه الساحة، وهو يفكر في المكافأة التي قد يحصل عليها، وفي ما قد يحدث له إن وجد الجنود أورِن في مكان آخر قبله.
فتح الباب ببطء، ودخل إلى القبو، لكنه لم يجد أحدًا. بقي واقفًا للحظات، ينظر إلى المكان بصمت، ثم لاحظ عند الجدار الخلفي أثر تراب حديث، وبالقرب منه فتحة الممر الضيق المؤدي إلى قناة التصريف.
داخل القبو، لم يكن أورِن قد انتظر أكثر من اللازم؛ ما إن سمع الخطوات تتوقف في الخارج بعد دقائق، حتى تحرك بحذر نحو الممر الضيق الذي كان قد فحصه فور وصوله، فتحة منخفضة في الجدار الخلفي للقبو، بالكاد تتسع لجسده إن انحنى بالكامل، تؤدي، وفق ما تذكره من السجلات، إلى قناة التصريف القديمة الممتدة تحت الحقول.
انحنى أمام الفتحة، ومد يده إلى التراب عند حافتها، فوجد آثارًا حديثة لا تزال واضحة. لم يحتج إلى أكثر من ذلك ليفهم أن أورِن كان هنا، وأنه غادر من الطريق الآخر.
زحف داخلها، والحجارة الخشنة تخدش راحتي يديه، والهواء بداخلها أثقل وأكثر رطوبة من القبو نفسه، رائحة طين قديم وماء راكد تملأ أنفه مع كل نفس. تعثرت قدمه أكثر من مرة في نتوءات حجرية لم يستطع رؤيتها في الظلام التام، وشعر بألم حاد في كاحله بعد اصطدامه بحافة حجر بارز، لكنه واصل التقدم دون توقف، يعرف أن التوقف الآن ترف لا يملكه.
دخل المشرف الممر بضع خطوات، ثم توقف حين ضاق أكثر مما يستطيع احتماله، ونظر إلى الظلام الممتد أمامه. لم يعرف إلى أين يؤدي بالضبط، ولم يكن مستعدًا للزحف فيه وحده.
“لم يحضر إلى العمل منذ أسابيع تقريبًا،” أجاب المشرف بسرعة أكبر مما ينبغي، ثم أضاف، محاولًا أن يجعل الجملة تبدو أكثر طبيعية: “قال إنه مريض. لم أرَ سببًا لأستفسر أكثر، الموظفون يمرضون أحيانًا.”
استمر الزحف لدقائق طويلة، بدت أطول بكثير من طولها الفعلي، قبل أن يرى أمامه بصيص ضوء خافت، فتحة صغيرة تطل على قناة مائية ضحلة عند طرف أحد الحقول البعيدة عن القرية.
خرج منها أخيرًا، ملابسه مبللة بالطين حتى الركبتين، ويداه مخدوشتين، وتنفس بعمق الهواء المفتوح، يحاول أن يميز مكانه بالضبط وسط الحقول الممتدة في ضوء المساء المتراجع.
دخل الجنود، وبدأوا بتفتيش الغرفة، يفتحون الخزانة، يرفعون الفراش، ينظرون خلف الصناديق المكدسة في الزاوية. لم يكن التفتيش عنيفًا بقدر ما كان منهجيًا، رجال يؤدون مهمة اعتادوا تكرارها في بيوت أخرى قبل هذا البيت.
لم يكن يعرف بعد إن كان قد نجا فعلاً، أو إن كان مجرد يؤجل شيئًا لا مفر منه في النهاية.
“أعتقد أنني أعرف أين قد يكون،” قال أخيرًا، بصوت أخفض مما تحدث به طوال اليوم. “الطاحونة القديمة، عند الطرف الجنوبي. لست متأكدًا تمامًا، لكن هناك قبوًا تحتها قليل من يتذكره.”
عاد المشرف إلى الساحة، وتوجه مباشرة إلى الجندي الذي بدا الأعلى رتبة بين من تبقوا هناك، ووقف أمامه لحظة، يلتقط أنفاسه من المشي السريع أكثر مما يحتاج الأمر فعلاً.
“لا أعرف،” كررت، بصوت أهدأ هذه المرة، وكأن الهدوء نفسه سلاحها الوحيد المتبقي.
“أعتقد أنني أعرف أين قد يكون،” قال أخيرًا، بصوت أخفض مما تحدث به طوال اليوم. “الطاحونة القديمة، عند الطرف الجنوبي. لست متأكدًا تمامًا، لكن هناك قبوًا تحتها قليل من يتذكره.”
رأى، عند اقترابه، أثرًا خفيفًا في التراب أمام الباب الخشبي، بصمة قدم حديثة نسبيًا، لا يمكن الجزم بها تمامًا، لكنها كافية ليقنعه أن حدسه لم يكن بلا أساس.
نظر إليه الجندي بصمت قصير، ثم أومأ لزميلين قريبين، وبدأ الثلاثة يتحركون نحو الطرف الجنوبي من القرية، بخطى سريعة ومنظمة، بينما بقي المشرف واقفًا في مكانه، ينظر إليهم وهم يبتعدون، بشعور لم يستطع أن يحدد بالضبط إن كان ارتياحًا أم شيئًا أثقل من ذلك بكثير.
استمر الزحف لدقائق طويلة، بدت أطول بكثير من طولها الفعلي، قبل أن يرى أمامه بصيص ضوء خافت، فتحة صغيرة تطل على قناة مائية ضحلة عند طرف أحد الحقول البعيدة عن القرية.
