Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ما نسيه العالم 20

البيت يعرف طريقك
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

البيت يعرف طريقك

أيقظت رائحة القهوة المحمصة أورِن قبل أن تفتح مارِن الباب.

لم يكن للمنطق مكان في هذا الجدال، فأكل نصف القطعة وهو يبتسم رغمًا عنه.

 

«سآخذه كما هو.»

كانت قد استيقظت باكرًا جدًا هذه المرة، أبكر من عادتها، وحين نزل وجدها تقف أمام الموقد وهي ترتدي ثوبها العادي لكن شعرها مصفف بعناية أكبر من أيام الأسبوع، وكأنها قررت أن هذا اليوم يستحق شيئًا مختلفًا دون أن تسميه.

 

 

ستغادر اليوم مع القافلة،» قالت دون مقدمات، وهي تصب له كوبًا. «فكرت أن نقضي ما تبقى من الوقت في السوق هناك أشياء أريد أن أراها، وأنت تحتاج إلى ثياب أفضل من التي تلبسها.»

 

 

قرأها مرتين قبل أن يرفع عينيه إليها.

«ثيابي جيدة.»

 

 

«هذا جيد،» قالت لنفسها أكثر مما قالتها له. «انظر، النسيج متماسك، لا يتمزق بسهولة، لكنه ليس خشنًا.» مدت يده نحوه فلمسه أورِن بلا اهتمام حقيقي.

«ثيابك تشبه ثياب رجل نسي كيف يهتم بنفسه.» جلست أمامه وأخذت رشفة من كوبها. «سنذهب بعد الفطور.»

«الأرشيف أفسدك،» قالت أخيرًا، وهي تضع الوشاح في حضنها. «أربع سنوات في الأرشيف، وحفظت أن الحرف يأتي قبل الآخر لا بعده، وليس كل شخص يعمل طوال حياته بين وثائق وسجلات كأنت.»

 

 

لم يكن سؤالًا، فلم يجب بشيء سوى ابتسامة صغيرة. أكل بصمت وهو يراقبها تتحدث عن خطتها لليوم، عن متجر قماش جديد سمعت أنه فتح قرب طرف السوق، وعن حاجتها لخيوط معينة، وعن رغبتها في أن ترى إن كان الجزّار قد أحضر لحمًا أفضل هذا الأسبوع. كان صوتها يملأ المطبخ الصغير بطريقة اعتاد عليها منذ الطفولة، ولم يدرك كم افتقدها إلا حين سمعها مرة أخرى.

«لمن؟»

 

 

كان السوق في ذروة نشاطه حين وصلا، بأصوات الباعة وروائح الخبز والفحم والحيوانات ممتزجة معًا. مشت مارِن أمامه بخطى سريعة واثقة، تعرف كل زاوية فيه، حتى وصلا إلى متجر القماش الجديد، دكان صغير أضيف حديثًا بين محلين قديمين، تملؤه أقمشة معلقة بألوان مختلفة على الجدران.

 

 

بدأت القافلة تتحرك أخيرًا، عربات وخيول ورجال يمشون بجانبها، والقرية تبدأ بالتراجع خلفهم شيئًا فشيئًا.

توقفت أمام قماش أزرق داكن، وأمسكت طرفه بين أصابعها، تفركه برفق كما يفعل من يعرف ما يبحث عنه.

«لم أقصد أن…»

 

«لم أقصد أن…»

«هذا جيد،» قالت لنفسها أكثر مما قالتها له. «انظر، النسيج متماسك، لا يتمزق بسهولة، لكنه ليس خشنًا.» مدت يده نحوه فلمسه أورِن بلا اهتمام حقيقي.

في طريق العودة، مرّا على مخبز صغير اشترت منه مارِن رغيفين وقطعة حلوى بسيطة محشوة بالتمر، وأصرت أن يأكل أورِن نصفها الآن رغم اعتراضه أنه ليس جائعًا.

 

وقفا صامتين للحظة، والصوت من حولهما يمتلئ بضجيج الرحيل ، حتى مدت مارِن ذراعيها وأحاطته بهما بقوة أكبر مما توقع منها، ووجهها مدفون في كتفه.

«يبدو كأي قماش آخر.»

 

 

 

نظرت إليه نظرة يائسة مصطنعة. «سنوات في الجيش ولم تتعلم شيئًا مفيدًا.»

 

 

 

«تعلمت كيف أحمل سيفًا.»

 

 

«رائع. وإن احتجت يومًا لخياطة جرح بسيفك، أخبرني.» ابتسمت وهي تعود لفحص القماش، ثم أمسكت قطعة أخرى بلون أخضر باهت، ووضعتها بجانب الأولى، تقارن بينهما بعينين متفحصتين. «هذا الأخضر سيصلح لفستان صيفي. أما هذا الأزرق…» توقفت، عيناها تلمعان بفكرة. «هذا سيصلح لمعطف. معطف جيد يدوم سنوات.»

«كيف هي؟ حقًا؟»

 

 

«لمن؟»

 

 

 

«لا أعرف بعد. ربما لي. ربما سأبيعه.» نظرت إليه فجأة. «هل تتخيل؟ محل كامل مليء بأقمشة كهذه، وأنا أختار منها كل يوم بدل أن أنتظر شحنة واحدة تصل القرية كل موسم.»

«سأفعل.»

 

بعد الظهر، خرجا للمشي دون وجهة محددة، كما اعتادا أن يفعلا منذ الصغر حين يحتاج أحدهما إلى الهروب من جدران البيت لبعض الوقت. مرّا بجانب الشجرة الكبيرة عند طرف الحقل التي كانا يتسلقانها صغيرين، ووقفا قليلًا قربها دون أن يتسلقاها هذه المرة، فقط ينظران إليها.

«العاصمة.»

 

 

جلس أورِن في مؤخرة إحدى العربات، ونظر إلى القرية وهي تصغر أمام عينيه؛ سوقها، مخبزها، ورشة كورِن المغلقة، الطريق الترابي الذي يعرف كل حجر فيه تقريبًا، وأخيرًا، عند طرف الطريق، مارِن التي بقيت واقفة تلوح بيدها حتى صارت مجرد نقطة صغيرة بين البيوت.

«العاصمة.» كررت الكلمة بنبرة حالمة قصيرة، ثم عادت بسرعة إلى واقعها العملي، وسألت صاحب المتجر عن السعر.

 

 

لم يكن سؤالًا، فلم يجب بشيء سوى ابتسامة صغيرة. أكل بصمت وهو يراقبها تتحدث عن خطتها لليوم، عن متجر قماش جديد سمعت أنه فتح قرب طرف السوق، وعن حاجتها لخيوط معينة، وعن رغبتها في أن ترى إن كان الجزّار قد أحضر لحمًا أفضل هذا الأسبوع. كان صوتها يملأ المطبخ الصغير بطريقة اعتاد عليها منذ الطفولة، ولم يدرك كم افتقدها إلا حين سمعها مرة أخرى.

بدأ الرجل رقمًا جعلها ترفع حاجبيها باستنكار مبالغ فيه، فبدأت تفاوضه بحماس، تشير إلى عيوب صغيرة في حافة القماش لم يلاحظها أورِن أصلًا، وتذكر أسعار محلات أخرى بثقة من لا تعرف إن كانت تلك الأسعار حقيقية أم اخترعتها للتو. انتهى الأمر بابتسامة رضا على وجهها وقطعتي قماش ملفوفتين تحت ذراعها، وابتسامة متعبة على وجه صاحب المتجر.

 

 

 

«غششته،» قال أورِن وهم يبتعدون.

 

 

 

«لم أغشه. فاوضته.» ثم أضافت بعد لحظة، بنبرة أقل ثقة: «ربما دفعت أكثر مما كان يجب. لا يهم. القماش جميل.»

في منتصف الليل من اليوم ، ودّعا القرية في طريقهما نحو مكان تجمع القافلة، حيث بدأ الرجال والشباب يتجمعون شيئًا فشيئًا، بعضهم مع عائلاتهم، بعضهم وحيدًا.

 

 

في طريق العودة، مرّا على مخبز صغير اشترت منه مارِن رغيفين وقطعة حلوى بسيطة محشوة بالتمر، وأصرت أن يأكل أورِن نصفها الآن رغم اعتراضه أنه ليس جائعًا.

«سأفعل.»

 

نظرت إليه نظرة يائسة مصطنعة. «سنوات في الجيش ولم تتعلم شيئًا مفيدًا.»

«ستحتاج طاقة للمشي طوال اليوم،» قالت وهي تدفع القطعة نحوه.

«لا أعرف بعد. ربما لي. ربما سأبيعه.» نظرت إليه فجأة. «هل تتخيل؟ محل كامل مليء بأقمشة كهذه، وأنا أختار منها كل يوم بدل أن أنتظر شحنة واحدة تصل القرية كل موسم.»

 

«لا تأكل كل شيء في اليوم الأول،» قالت وهي تربط الكيس. «أعرفك.»

«نحن نمشي منذ الصباح.»

«البيت يعرف طريقك.»

 

ابتسم، وأمسك يدها للحظة قبل أن يتركها ويبتعد بضع خطوات، ثم يلتفت مرة أخيرة ليجدها ما زالت واقفة في مكانها، تلوح له بيد وتمسح عينها بالأخرى.

«بالضبط.»

وقفا صامتين للحظة، والصوت من حولهما يمتلئ بضجيج الرحيل ، حتى مدت مارِن ذراعيها وأحاطته بهما بقوة أكبر مما توقع منها، ووجهها مدفون في كتفه.

 

 

لم يكن للمنطق مكان في هذا الجدال، فأكل نصف القطعة وهو يبتسم رغمًا عنه.

 

 

 

عند العودة إلى البيت، جلست مارِن على الأرض قرب النافذة حيث يدخل أفضل ضوء، وأخرجت من صندوقها الخشبي قطعة قماش خفيفة رمادية اللون، بحجم وشاح طويل، وبدأت تفحص حوافه بأصابعها.

 

 

كانت قد استيقظت باكرًا جدًا هذه المرة، أبكر من عادتها، وحين نزل وجدها تقف أمام الموقد وهي ترتدي ثوبها العادي لكن شعرها مصفف بعناية أكبر من أيام الأسبوع، وكأنها قررت أن هذا اليوم يستحق شيئًا مختلفًا دون أن تسميه.

«ماذا تصنعين؟»

«القليل. لم يكن لدي وقت كثير.»

 

 

«صنعته، لا أصنعه.» رفعت القماش وأظهرته له. كان وشاحًا بسيطًا، مخيطًا بعناية، حوافه مُطوّية بإحكام يظهر خبرتها رغم بساطة الأداة. «لبردك في الطريق. الليالي هناك باردة، أخبرتني عن ذلك من قبل.»

 

 

بقي ينظر إليها حتى ابتلعها منحنى الطريق تمامًا.

أخذه منها وتحسسه بيديه. القماش دافئ الملمس، أكثر سماكة مما توقع، ومخيط بدقة واضحة على الحواف.

«لن تفهم قيمته حتى تجرب حساءهم بدونه.» قالها بجدية تامة، وكأنه يتحدث عن مسألة حياة أو موت، بينما أخذ يربط الكيس بإحكام على حقيبته.

 

 

«متى صنعت هذا؟»

على مقربة منهما، كان سيلِن يودّع أهله بضجة أكبر بكثير؛ يعانق أمه، ثم أخاه الصغير، ثم يعود ليعانق أمه مرة أخرى، ويتحدث بسرعة عن أشياء كثيرة في وقت واحد، حتى انتبه أورِن إلى كيس كبير معلق على كتفه، تفوح منه رائحة نفاذة مألوفة.

 

«سأفعل.»

بدأته خلال غيابك في الأسبوعين الماضيين، وأنهيته في الليالي الماضية بعد أن تنام.» قالتها بخفة، وكأنها لا تريد أن يبدو الأمر أكبر مما هو، لكن عينيها كانتا تراقبان وجهه وهو يقلّب القماش بيديه.

 

 

«ستذهبين يومًا،» قال، بثقة أكبر مما كان يشعر بها فعلًا.

عند أحد أطراف الوشاح، رأى خيوطًا بلون مختلف قليلًا، شكّلت كلمات صغيرة مطرزة بحروف غير متساوية تمامًا، لكنها واضحة القراءة.

مع اقتراب المساء، عادا إلى البيت، وبدأت مارِن تجهز طعامًا يأخذه معه في الطريق؛ رغيفين إضافيين، قطعة جبن ملفوفة بعناية، شرائح لحم مملّح تحفظ لأيام، وقطعة صغيرة من نفس الحلوى بالتمر التي اشترتها في الصباح. وضعت كل شيء في كيس قماشي صنعته بنفسها منذ سنوات، له رباط بسيط يمكن ربطه بحزامه.

 

 

«البيت يعرف طريقك.»

 

 

 

قرأها مرتين قبل أن يرفع عينيه إليها.

«لا شيء.»

 

لم يكن للمنطق مكان في هذا الجدال، فأكل نصف القطعة وهو يبتسم رغمًا عنه.

«ماذا؟» سألت، ملاحظة تعبير وجهه.

 

 

«يبدو كأي قماش آخر.»

«لا شيء.»

«أورِن.»

 

 

«أورِن.»

 

 

بدأ الرجل رقمًا جعلها ترفع حاجبيها باستنكار مبالغ فيه، فبدأت تفاوضه بحماس، تشير إلى عيوب صغيرة في حافة القماش لم يلاحظها أورِن أصلًا، وتذكر أسعار محلات أخرى بثقة من لا تعرف إن كانت تلك الأسعار حقيقية أم اخترعتها للتو. انتهى الأمر بابتسامة رضا على وجهها وقطعتي قماش ملفوفتين تحت ذراعها، وابتسامة متعبة على وجه صاحب المتجر.

تردد للحظة، ثم أشار بإصبعه إلى الكلمة الأخيرة. «هنا. الحروف. طريقك، وليس طريكق.»

 

 

بدأته خلال غيابك في الأسبوعين الماضيين، وأنهيته في الليالي الماضية بعد أن تنام.» قالتها بخفة، وكأنها لا تريد أن يبدو الأمر أكبر مما هو، لكن عينيها كانتا تراقبان وجهه وهو يقلّب القماش بيديه.

نظرت إلى الكلمة عن قرب، وكأنها تراها للمرة الأولى رغم أنها من خيطتها بيدها، ثم اتسعت عيناها قليلًا من الإحراج، وأخذت الوشاح منه لتتأكد بنفسها.

«يبدو كأي قماش آخر.»

 

«ستذهبين يومًا،» قال، بثقة أكبر مما كان يشعر بها فعلًا.

«الأرشيف أفسدك،» قالت أخيرًا، وهي تضع الوشاح في حضنها. «أربع سنوات في الأرشيف، وحفظت أن الحرف يأتي قبل الآخر لا بعده، وليس كل شخص يعمل طوال حياته بين وثائق وسجلات كأنت.»

 

 

«لا تأكل كل شيء في اليوم الأول،» قالت وهي تربط الكيس. «أعرفك.»

«لم أقصد أن…»

«رائع. وإن احتجت يومًا لخياطة جرح بسيفك، أخبرني.» ابتسمت وهي تعود لفحص القماش، ثم أمسكت قطعة أخرى بلون أخضر باهت، ووضعتها بجانب الأولى، تقارن بينهما بعينين متفحصتين. «هذا الأخضر سيصلح لفستان صيفي. أما هذا الأزرق…» توقفت، عيناها تلمعان بفكرة. «هذا سيصلح لمعطف. معطف جيد يدوم سنوات.»

 

 

«المهم أنك فهمتها.» قاطعته بابتسامة نصف متضايقة نصف مرحة، وهي تلف الوشاح مرة أخرى بعناية. «ولن أعيد خياطتها. إن أردت وشاحًا مثاليًا، اذهب واطلب من أحد كتبة الأرشيف أن يخيطه لك.»

ضحكت، وواصلا المشي، حتى مرّا بجانب ورشة كورِن، حيث كانت الأبواب مغلقة، والمكان صامتًا أكثر من المعتاد. تباطأت خطوات مارِن قليلًا، ونظرت إلى الباب المغلق دون أن تقول شيئًا، ثم واصلت المشي، وسألته فجأة عن العاصمة.

 

 

ضحك، وهو يمد يده ليأخذ الوشاح منها مرة أخرى، ويلمس الحروف بأصابعه هذه المرة بدل عينيه فقط.

 

 

«القليل. لم يكن لدي وقت كثير.»

«سآخذه كما هو.»

«بالضبط.»

 

«لا شيء.»

«ليس لديك خيار آخر،» قالت، لكن صوتها كان أهدأ مما كانت عليه قبل قليل، وهي تراقبه يطوي القماش بعناية ويضعه جانبًا مع أشيائه التي سيأخذها غدًا.

 

بعد الظهر، خرجا للمشي دون وجهة محددة، كما اعتادا أن يفعلا منذ الصغر حين يحتاج أحدهما إلى الهروب من جدران البيت لبعض الوقت. مرّا بجانب الشجرة الكبيرة عند طرف الحقل التي كانا يتسلقانها صغيرين، ووقفا قليلًا قربها دون أن يتسلقاها هذه المرة، فقط ينظران إليها.

 

 

 

«أتذكر حين سقطتَ منها وكسرت ذراعك،» قالت مارِن.

 

 

 

«أنت من دفعتني.»

 

 

 

«أنا من حاولت أن أمسك بك. الفرق كبير.»

«ليس لديك خيار آخر،» قالت، لكن صوتها كان أهدأ مما كانت عليه قبل قليل، وهي تراقبه يطوي القماش بعناية ويضعه جانبًا مع أشيائه التي سيأخذها غدًا.

 

 

«لم يشعر بأنه كذلك في حينه.»

 

 

 

ضحكت، وواصلا المشي، حتى مرّا بجانب ورشة كورِن، حيث كانت الأبواب مغلقة، والمكان صامتًا أكثر من المعتاد. تباطأت خطوات مارِن قليلًا، ونظرت إلى الباب المغلق دون أن تقول شيئًا، ثم واصلت المشي، وسألته فجأة عن العاصمة.

 

 

لم يخرجه من الحقيبة. تركه هناك، قريبًا من يده، بينما تتابعت العربة طريقها والقرية تختفي شيئًا فشيئًا خلف التلال.

«كيف هي؟ حقًا؟»

 

 

 

«مزدحمة. صاخبة. كل شيء أسرع مما هنا.»

بعد الظهر، خرجا للمشي دون وجهة محددة، كما اعتادا أن يفعلا منذ الصغر حين يحتاج أحدهما إلى الهروب من جدران البيت لبعض الوقت. مرّا بجانب الشجرة الكبيرة عند طرف الحقل التي كانا يتسلقانها صغيرين، ووقفا قليلًا قربها دون أن يتسلقاها هذه المرة، فقط ينظران إليها.

 

 

«هل رأيت متاجر أقمشة هناك؟»

«أورِن.»

 

توقفا عند طرف الطريق، حيث لا يوجد سواهما تقريبًا، وشعر أورِن أن الكلمات التي أراد قولها طوال اليوم صارت أصعب الآن من أن تخرج بسهولة.

«القليل. لم يكن لدي وقت كثير.»

 

 

 

«لو أذهب يومًا، سأحتاج أسبوعًا كاملًا فقط للمتاجر.» قالت ذلك وعيناها تلمعان بذلك الحلم القديم الذي لم يفارقها منذ سنوات، حلم محل صغير يحمل اسمها، تصنع فيه ما تشاء بدل أن تنتظر قماشًا يصل القرية مرة كل موسم.

بقي ينظر إليها حتى ابتلعها منحنى الطريق تمامًا.

 

«لو أذهب يومًا، سأحتاج أسبوعًا كاملًا فقط للمتاجر.» قالت ذلك وعيناها تلمعان بذلك الحلم القديم الذي لم يفارقها منذ سنوات، حلم محل صغير يحمل اسمها، تصنع فيه ما تشاء بدل أن تنتظر قماشًا يصل القرية مرة كل موسم.

«ستذهبين يومًا،» قال، بثقة أكبر مما كان يشعر بها فعلًا.

لم يجد ردًا، فاكتفى بالابتسام، فيما وضعت هي الكيس بجانب حقيبته، ثم وقفت للحظة تنظر إلى الأشياء المرتبة على الطاولة، وكأنها تتأكد أنها لم تنسَ شيئًا.

 

 

«ربما. حين تنتهي هذه الحرب اللعينة، وحين تتوقف عن أخذ كل الرجال الأقوياء إلى الجبهة ويعود بعضهم لحماية القافلات إلى العاصمة بدل ذلك.» قالتها بخفة، لكن شيئًا في نبرتها كان جادًا تمامًا.

 

 

«لا تأكل كل شيء في اليوم الأول،» قالت وهي تربط الكيس. «أعرفك.»

مع اقتراب المساء، عادا إلى البيت، وبدأت مارِن تجهز طعامًا يأخذه معه في الطريق؛ رغيفين إضافيين، قطعة جبن ملفوفة بعناية، شرائح لحم مملّح تحفظ لأيام، وقطعة صغيرة من نفس الحلوى بالتمر التي اشترتها في الصباح. وضعت كل شيء في كيس قماشي صنعته بنفسها منذ سنوات، له رباط بسيط يمكن ربطه بحزامه.

 

 

 

«لا تأكل كل شيء في اليوم الأول،» قالت وهي تربط الكيس. «أعرفك.»

 

 

«لم أقصد أن…»

«أنا لست جائعًا هكذا دائمًا.»

 

 

 

«أنت أكلت نصف قطعة الحلوى في الصباح رغم أنك قلت إنك لست جائعًا.»

 

 

 

لم يجد ردًا، فاكتفى بالابتسام، فيما وضعت هي الكيس بجانب حقيبته، ثم وقفت للحظة تنظر إلى الأشياء المرتبة على الطاولة، وكأنها تتأكد أنها لم تنسَ شيئًا.

«كيف هي؟ حقًا؟»

 

 

في منتصف الليل من اليوم ، ودّعا القرية في طريقهما نحو مكان تجمع القافلة، حيث بدأ الرجال والشباب يتجمعون شيئًا فشيئًا، بعضهم مع عائلاتهم، بعضهم وحيدًا.

 

 

 

توقفا عند طرف الطريق، حيث لا يوجد سواهما تقريبًا، وشعر أورِن أن الكلمات التي أراد قولها طوال اليوم صارت أصعب الآن من أن تخرج بسهولة.

أدخل يده إلى حقيبته، ولمس طرف الوشاح الرمادي، أصابعه تتحسس الحروف المطرزة دون أن ينظر إليها، يعرف كل خطأ فيها كما يعرف كل حرف صحيح.

 

«جرب فقط.» رفعت عينيها إليه أخيرًا. «حتى لو كانت رسالة قصيرة. حتى لو كانت سطرًا واحدًا.»

«اكتب لي،» قالت مارِن، وهي تصلح ياقة معطفه دون داعٍ حقيقي، مجرد حركة يديها تحتاج إلى شيء تفعله. «كل ما تستطيع.»

 

 

«لا أعرف بعد. ربما لي. ربما سأبيعه.» نظرت إليه فجأة. «هل تتخيل؟ محل كامل مليء بأقمشة كهذه، وأنا أختار منها كل يوم بدل أن أنتظر شحنة واحدة تصل القرية كل موسم.»

«سأحاول. لا أعرف كم مرة سيصل البريد.»

 

 

بقي ينظر إليها حتى ابتلعها منحنى الطريق تمامًا.

«جرب فقط.» رفعت عينيها إليه أخيرًا. «حتى لو كانت رسالة قصيرة. حتى لو كانت سطرًا واحدًا.»

نظرت إلى الكلمة عن قرب، وكأنها تراها للمرة الأولى رغم أنها من خيطتها بيدها، ثم اتسعت عيناها قليلًا من الإحراج، وأخذت الوشاح منه لتتأكد بنفسها.

 

 

«سأفعل.»

 

 

ستغادر اليوم مع القافلة،» قالت دون مقدمات، وهي تصب له كوبًا. «فكرت أن نقضي ما تبقى من الوقت في السوق هناك أشياء أريد أن أراها، وأنت تحتاج إلى ثياب أفضل من التي تلبسها.»

وقفا صامتين للحظة، والصوت من حولهما يمتلئ بضجيج الرحيل ، حتى مدت مارِن ذراعيها وأحاطته بهما بقوة أكبر مما توقع منها، ووجهها مدفون في كتفه.

لم يكن سؤالًا، فلم يجب بشيء سوى ابتسامة صغيرة. أكل بصمت وهو يراقبها تتحدث عن خطتها لليوم، عن متجر قماش جديد سمعت أنه فتح قرب طرف السوق، وعن حاجتها لخيوط معينة، وعن رغبتها في أن ترى إن كان الجزّار قد أحضر لحمًا أفضل هذا الأسبوع. كان صوتها يملأ المطبخ الصغير بطريقة اعتاد عليها منذ الطفولة، ولم يدرك كم افتقدها إلا حين سمعها مرة أخرى.

 

لم تبكِ بصوت عالٍ. شعر فقط بارتجافة خفيفة في كتفيها، ونفَسًا غير منتظم قرب أذنه، قبل أن تبتعد بسرعة وتمسح وجهها بظهر يدها بحركة سريعة، وكأنها تريد إنهاء الأمر قبل أن يراه بوضوح.

«جرب فقط.» رفعت عينيها إليه أخيرًا. «حتى لو كانت رسالة قصيرة. حتى لو كانت سطرًا واحدًا.»

 

 

«اذهب،» قالت، بابتسامة مرتجفة قليلًا. «قبل أن تفوتك القافلة وتبقى هنا تأكل طعامي طوال الشهر.»

 

 

 

«هذا ليس سببًا سيئًا للبقاء.»

«البيت يعرف طريقك.»

 

 

«اذهب، أورِن.»

 

 

بقي ينظر إليها حتى ابتلعها منحنى الطريق تمامًا.

ابتسم، وأمسك يدها للحظة قبل أن يتركها ويبتعد بضع خطوات، ثم يلتفت مرة أخيرة ليجدها ما زالت واقفة في مكانها، تلوح له بيد وتمسح عينها بالأخرى.

 

 

لم تبكِ بصوت عالٍ. شعر فقط بارتجافة خفيفة في كتفيها، ونفَسًا غير منتظم قرب أذنه، قبل أن تبتعد بسرعة وتمسح وجهها بظهر يدها بحركة سريعة، وكأنها تريد إنهاء الأمر قبل أن يراه بوضوح.

عند مكان التجمع، رأى دارِن يقف بجانب والده، الحداد الكبير بيديه المتشققتين ورائحة المعدن التي لا تفارقه أبدًا. لم يكونا يتحدثان كثيرًا، فقط يقفان جنبًا إلى جنب، ثم قال الأب شيئًا عن قطعة حديد كان يعمل عليها قبل أن يغادر دارِن، وسأله دارِن إن كان قد انتهى منها، فأجابه أن ذلك يمكن أن ينتظر.

 

 

 

حين بدأت القافلة تتحرك أخيرًا، ورفع دارِن يده مودعًا، رأى أورِن قطرة واحدة تنزل على خد دارِن، لم يمسحها، وربما لم يشعر بها أصلًا، فيما بقي وجهه هادئًا كعادته، كأن شيئًا لم يحدث.

 

 

 

على مقربة منهما، كان سيلِن يودّع أهله بضجة أكبر بكثير؛ يعانق أمه، ثم أخاه الصغير، ثم يعود ليعانق أمه مرة أخرى، ويتحدث بسرعة عن أشياء كثيرة في وقت واحد، حتى انتبه أورِن إلى كيس كبير معلق على كتفه، تفوح منه رائحة نفاذة مألوفة.

«متى صنعت هذا؟»

 

 

«ما هذا؟» سأله وهو يقترب.

 

 

«ثيابي جيدة.»

«بصل،» أجاب سيلِن بفخر، وكأنه يعرض كنزًا. «طعام الجيش لا طعم له، أتذكر؟ لن أمر بشهر آخر آكل فيه ذلك الحساء الفارغ دون أن أضيف إليه شيئًا. أمي جهزت لي كيسًا كاملًا.»

 

 

«لو أذهب يومًا، سأحتاج أسبوعًا كاملًا فقط للمتاجر.» قالت ذلك وعيناها تلمعان بذلك الحلم القديم الذي لم يفارقها منذ سنوات، حلم محل صغير يحمل اسمها، تصنع فيه ما تشاء بدل أن تنتظر قماشًا يصل القرية مرة كل موسم.

«كيس كامل من البصل؟»

نظرت إليه نظرة يائسة مصطنعة. «سنوات في الجيش ولم تتعلم شيئًا مفيدًا.»

 

«لن تفهم قيمته حتى تجرب حساءهم بدونه.» قالها بجدية تامة، وكأنه يتحدث عن مسألة حياة أو موت، بينما أخذ يربط الكيس بإحكام على حقيبته.

 

«ثيابي جيدة.»

بدأت القافلة تتحرك أخيرًا، عربات وخيول ورجال يمشون بجانبها، والقرية تبدأ بالتراجع خلفهم شيئًا فشيئًا.

عند العودة إلى البيت، جلست مارِن على الأرض قرب النافذة حيث يدخل أفضل ضوء، وأخرجت من صندوقها الخشبي قطعة قماش خفيفة رمادية اللون، بحجم وشاح طويل، وبدأت تفحص حوافه بأصابعها.

 

عند العودة إلى البيت، جلست مارِن على الأرض قرب النافذة حيث يدخل أفضل ضوء، وأخرجت من صندوقها الخشبي قطعة قماش خفيفة رمادية اللون، بحجم وشاح طويل، وبدأت تفحص حوافه بأصابعها.

جلس أورِن في مؤخرة إحدى العربات، ونظر إلى القرية وهي تصغر أمام عينيه؛ سوقها، مخبزها، ورشة كورِن المغلقة، الطريق الترابي الذي يعرف كل حجر فيه تقريبًا، وأخيرًا، عند طرف الطريق، مارِن التي بقيت واقفة تلوح بيدها حتى صارت مجرد نقطة صغيرة بين البيوت.

نظرت إليه نظرة يائسة مصطنعة. «سنوات في الجيش ولم تتعلم شيئًا مفيدًا.»

 

بدأته خلال غيابك في الأسبوعين الماضيين، وأنهيته في الليالي الماضية بعد أن تنام.» قالتها بخفة، وكأنها لا تريد أن يبدو الأمر أكبر مما هو، لكن عينيها كانتا تراقبان وجهه وهو يقلّب القماش بيديه.

بقي ينظر إليها حتى ابتلعها منحنى الطريق تمامًا.

 

 

 

أدخل يده إلى حقيبته، ولمس طرف الوشاح الرمادي، أصابعه تتحسس الحروف المطرزة دون أن ينظر إليها، يعرف كل خطأ فيها كما يعرف كل حرف صحيح.

«لم يشعر بأنه كذلك في حينه.»

 

 

لم يخرجه من الحقيبة. تركه هناك، قريبًا من يده، بينما تتابعت العربة طريقها والقرية تختفي شيئًا فشيئًا خلف التلال.

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط