Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ما نسيه العالم 21

قائمة الفيلق الجديد
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

قائمة الفيلق الجديد

استغرقت الرحلة إلى العاصمة يومين كاملين، عبر الطريق نفسه الذي عرفه أورِن في المرة الأولى، لكن دون تلك الحماسة الغامضة التي رافقته حينها. كان يعرف الآن ماذا ينتظره في الطرف الآخر، أو هكذا ظن، حتى دخلت القافلة أبواب العاصمة ورأى الشوارع التي حفظها منذ أسابيع تبدو مختلفة قليلًا.

تحدث الكاهن بصوت هادئ عن ضرورة الانضباط في هذه الأوقات، عن أهمية الاستقرار وسط الأخبار المضطربة، عن واجب كل جندي تجاه من يحمونهم. لم يكن خطابًا طويلًا، ولم يحمل تهديدًا مباشرًا، بل نبرة رجل معتاد على إلقاء الكلام نفسه في أماكن مختلفة أمام وجوه مختلفة، متأكد من أن كلماته ستستقر حيث يريدها أن تستقر.

 

«ستعرف حين يخبروك،» قال دارِن، بنبرة لا تحمل ضيقًا، بل ذلك الهدوء المعتاد الذي يقاطع به فيض كلام سيلِن دون أن يجرحه.

لم يكن الفرق واضحًا من النظرة الأولى. الأسواق لا تزال مفتوحة، والباعة يصرخون بأسعار بضائعهم، والعربات تعبر الطرق المرصوفة كما كانت تفعل دائمًا. لكن حين مرّ بجانب الفندق الذي نام فيه ليلته الأولى في المدينة، رأى نافذتين مغلقتين لم يعتد رؤيتهما مغلقة، ولافتة معلقة تعلن عن غرف شاغرة بشكل لم يره من قبل في مكان اعتاد الازدحام.

 

 

 

عند المخيم كان الأمر أوضح.

 

 

«لن تصدقا ما سمعته للتو،» قال وهو يجلس أمامهما مباشرة دون تحية. «الرجل الذي يوزع الطعام قال إن سعر الملح تضاعف هذا الأسبوع في السوق الخارجي. الملح، تخيلا. لماذا يرتفع سعر الملح فجأة؟»

عرف الطريق إلى خيمته دون تفكير، وسط ساحة التدريب المألوفة برائحة التراب المدكوك وأصوات الأوامر البعيدة، لكن بعض الخيام التي كانت مليئة بالمتدربين قبل رحلته الأخيرة بدت الآن أقل عددًا، صفوفًا أنقص مما تذكرها، ووجوهًا لم يجدها في أماكنها المعتادة عند طابور الطعام. لم يسأل أحدًا عن السبب في البداية، فقط لاحظ الفراغ كما يلاحظ المرء غرفة أُخذ منها أثاث دون أن يخبره أحد بذلك.

 

 

بعد دقائق ظهر سيلِن، قادمًا من اتجاه طابور الطعام بخطوات سريعة وكيس صغير في يده، ووجهه يحمل تعبير من عثر للتو على شيء يستحق الحديث عنه.

وجد دارِن أولًا، جالسًا أمام خيمته يشحذ سكينًا صغيرة بحركات بطيئة معتادة،

 

 

 

ثم قال: أبي أعطاني هذه قبل أن أغادر. قال إن نصلها لن يصمد طويلًا إن لم أعتنِ به.

«هادئة جيدة أم هادئة مقلقة؟»

 

 

«صنعها بنفسه؟»

 

 

 

«معظمها. الجزء الأخير احتاج مساعدة رجل آخر في الورشة.» أدار السكين بين أصابعه، ثم أضاف بنبرة أقل اهتمامًا بالسكين وأكثر بشيء آخر: «هل رأيت كم الخيام هنا فارغة؟»

 

 

 

«رأيت.»

لم يعلق أورِن بشيء. وقف ينظر إلى الأسماء الثلاثة مكتوبة بجانب بعضها على الورقة، بينما استمر سيلِن يتحدث عن احتمالات مختلفة لوجهتهم القادمة، وعن أمل غامض بأن يكون الطعام هناك أفضل، وعن سؤال جديد خطر له فجأة بشأن ما إذا كانت المسافة بين الفيالق تؤثر على سرعة وصول الرسائل من العائلات.

 

 

لم يضف دارِن شيئًا آخر، وبدا وكأن الملاحظة نفسها كانت كافية لتحمل ما يريد قوله.

 

 

«ربما بسبب الحرب،» قال دارِن دون أن يرفع عينيه عن السكين.

بعد دقائق ظهر سيلِن، قادمًا من اتجاه طابور الطعام بخطوات سريعة وكيس صغير في يده، ووجهه يحمل تعبير من عثر للتو على شيء يستحق الحديث عنه.

كرر المحاولة، وفشل جزئيًا مرة أخرى، لكن المرة الثالثة نجحت بشكل أفضل، والرابعة أفضل من ذلك. لم يشعر بتقدم كبير في يوم واحد، لكنه شعر بشيء أشبه بتعرف يديه، أو ما يشبه يديه في هذا المسار، على الأثقال المختلفة بطريقة لم تكن موجودة قبل أشهر.

 

 

«لن تصدقا ما سمعته للتو،» قال وهو يجلس أمامهما مباشرة دون تحية. «الرجل الذي يوزع الطعام قال إن سعر الملح تضاعف هذا الأسبوع في السوق الخارجي. الملح، تخيلا. لماذا يرتفع سعر الملح فجأة؟»

 

 

مساء ذلك اليوم، طُلب من الجنود والمتدربين التجمع في الساحة الرئيسية للمخيم.

«ربما بسبب الحرب،» قال دارِن دون أن يرفع عينيه عن السكين.

 

 

رأى السوق كما رآه منذ أيام قليلة، بضجيجه المعتاد وروائح الخبز والفحم. رأى مخبز القرية، وورشة كورِن، والساحة التي كان يلعب فيها صغيرًا، والطريق الترابي المؤدي إلى بيته. رأى مارِن وهي تفتح الباب في ذلك الصباح الذي عاد فيه، وابتسامتها التي لم تتغير رغم كل شيء.

«كل شيء بسبب الحرب هذه الأيام. لكن الملح تحديدًا؟ إنه يأتي من الشمال الغربي ، أليس كذلك؟ ما علاقة الشمال بما يحدث في الجبهة الشرقية ؟» فتح الكيس الذي يحمله وأخرج منه بصلة صغيرة، قشّرها بحركة معتادة وأخذ يقضمها وهو يتحدث. «سألت الرجل، فقال لا يعرف، فسألت رجلًا آخر، فقال إن الطرق أصبحت أخطر، وبعض القوافل توقفت عن السفر. لكن هذا لا يفسر كل شيء.»

رأى السوق كما رآه منذ أيام قليلة، بضجيجه المعتاد وروائح الخبز والفحم. رأى مخبز القرية، وورشة كورِن، والساحة التي كان يلعب فيها صغيرًا، والطريق الترابي المؤدي إلى بيته. رأى مارِن وهي تفتح الباب في ذلك الصباح الذي عاد فيه، وابتسامتها التي لم تتغير رغم كل شيء.

 

توقف للحظة، لا ليبحث عن اسم يخصه، بل بدافع قديم لا يستطيع كبته، ذلك الدافع الذي عرفه سنوات في الأرشيف حين كان يمر يداه على مئات الوثائق يوميًا. لاحظ، دون أن يقصد البحث عن ذلك تحديدًا، أن اسم إحدى القرى ظهر بتهجئة مختلفة قليلًا بين الصفحة الأولى والثانية من القائمة، حرف زائد في مكان وناقص في آخر، كما لو كتبها موظفان مختلفان دون أن يتحقق أحد من التطابق بينهما.

«ربما لا يحتاج كل شيء تفسيرًا،» قال أورِن.

لم يسأل عنها. لم يقترب أكثر مما ينبغي. وقف بين صفوف الجنود، وشعر فقط بذلك الإحساس الغامض بالتعرف، كما يتعرف المرء على شيء رآه في حلم قديم دون أن يتذكر تفاصيله.

 

 

«كل شيء يحتاج تفسيرًا. المشكلة أن لا أحد يهتم بإيجاده.» عض قطعة أخرى من البصل بصوت مقرمش واضح، ونظر إلى أورِن بابتسامة عريضة. «كيف كانت القرية؟»

«ربما بسبب الحرب،» قال دارِن دون أن يرفع عينيه عن السكين.

 

«معًا،» قال سيلِن، بابتسامة سريعة اتسعت أكثر مع كل ثانية. «هذا… هذا جيد. أعني، لم أكن أعرف من سيكون معي، وكنت أفكر في الأمر منذ الصباح، والآن…» توقف، ثم أضاف بسرعة: «إلى أين تعتقدان أنهم سيرسلوننا؟ هل نبقى قريبين من العاصمة أم سنذهب أبعد؟ ومن سيكون قائدنا؟»

«هادئة.»

 

 

«هادئة جيدة أم هادئة مقلقة؟»

 

 

 

توقف أورِن للحظة قبل أن يجيب، فلاحظ سيلِن التوقف لكنه لم يضغط، بل انتقل بسرعة إلى موضوع آخر عن شيء رآه في السوق قبل أن يصلوا، متجر لبيع أدوات زراعية أراد أن يدخله لولا أن الوقت لم يسمح.

نظر المدرب إليه بتقدير خفيف قبل أن يجيب: «ليس بالضرورة، لكن المسافة تكلفك جهدًا أكبر. جرّب بمسافة أقصر أولًا.»

 

تحدث الكاهن بصوت هادئ عن ضرورة الانضباط في هذه الأوقات، عن أهمية الاستقرار وسط الأخبار المضطربة، عن واجب كل جندي تجاه من يحمونهم. لم يكن خطابًا طويلًا، ولم يحمل تهديدًا مباشرًا، بل نبرة رجل معتاد على إلقاء الكلام نفسه في أماكن مختلفة أمام وجوه مختلفة، متأكد من أن كلماته ستستقر حيث يريدها أن تستقر.

استمر الحديث بينهم على هذا النحو، متنقلًا بلا نظام واضح بين الطعام والأسعار والأخبار والتراب الذي التصق بحذاء دارِن ولم يستطع إزالته، حتى بدأ الظل يطول والوقت يقترب من موعد التدريب.

 

 

لم يبكِ. لم يقفز من مكانه. بقي فقط مستلقيًا، وصدره يضيق قليلًا، وشيء بارد يستقر في معدته لم يفارقه حتى غلبه النعاس أخيرًا.

اختلف التدريب هذه المرة عن الأشهر الأولى.

 

 

«لن تصدقا ما سمعته للتو،» قال وهو يجلس أمامهما مباشرة دون تحية. «الرجل الذي يوزع الطعام قال إن سعر الملح تضاعف هذا الأسبوع في السوق الخارجي. الملح، تخيلا. لماذا يرتفع سعر الملح فجأة؟»

لم يعد المدربون يشرحون الأساسيات بصبر المعلم مع تلاميذه الجدد، بل يراقبون الآن بصمت أكثر، يصححون تفصيلًا هنا وحركة هناك، ويتوقعون من كل متدرب أن يجد طريقه الخاص داخل حدود مساره.

 

 

نجح مع الكوب بسهولة، كما فعل مرات كثيرة من قبل. مع الحجر شعر بمقاومة أكبر، ثقلًا يسحب تركيزه في اتجاهات مختلفة، واحتاج وقتًا أطول ليتمه بدقة. أما كيس الرمل، فحين حاول نقله بسرعة، انفلت جزء منه في منتصف الطريق وتناثر على الأرض.

وقف أورِن أمام صف من الأشياء الموضوعة على طاولة خشبية؛ كوب فارغ، حجر متوسط الحجم، قطعة معدن، وكيس صغير مملوء بالرمل. طلب منه المدرب أن ينقل كل واحد منها إلى نقطة محددة على بعد خطوات، دون لمسه، وأن يفعل ذلك بأسرع ما يستطيع دون أن يفقد السيطرة.

 

 

 

نجح مع الكوب بسهولة، كما فعل مرات كثيرة من قبل. مع الحجر شعر بمقاومة أكبر، ثقلًا يسحب تركيزه في اتجاهات مختلفة، واحتاج وقتًا أطول ليتمه بدقة. أما كيس الرمل، فحين حاول نقله بسرعة، انفلت جزء منه في منتصف الطريق وتناثر على الأرض.

 

 

«ربما بسبب الحرب،» قال دارِن دون أن يرفع عينيه عن السكين.

«ببطء أكثر،» قال المدرب، بصوت لا يحمل غضبًا ولا رضا واضحًا. «السرعة تأتي بعد الدقة، لا قبلها. حاول مرة أخرى.»

عرف الطريق إلى خيمته دون تفكير، وسط ساحة التدريب المألوفة برائحة التراب المدكوك وأصوات الأوامر البعيدة، لكن بعض الخيام التي كانت مليئة بالمتدربين قبل رحلته الأخيرة بدت الآن أقل عددًا، صفوفًا أنقص مما تذكرها، ووجوهًا لم يجدها في أماكنها المعتادة عند طابور الطعام. لم يسأل أحدًا عن السبب في البداية، فقط لاحظ الفراغ كما يلاحظ المرء غرفة أُخذ منها أثاث دون أن يخبره أحد بذلك.

 

«رأيت.»

كرر المحاولة، وفشل جزئيًا مرة أخرى، لكن المرة الثالثة نجحت بشكل أفضل، والرابعة أفضل من ذلك. لم يشعر بتقدم كبير في يوم واحد، لكنه شعر بشيء أشبه بتعرف يديه، أو ما يشبه يديه في هذا المسار، على الأثقال المختلفة بطريقة لم تكن موجودة قبل أشهر.

 

 

نظر المدرب إليه بتقدير خفيف قبل أن يجيب: «ليس بالضرورة، لكن المسافة تكلفك جهدًا أكبر. جرّب بمسافة أقصر أولًا.»

على مقربة منه، كان دارِن يقف أمام قطعة معدن صغيرة موضوعة على قاعدة حجرية، يمرر يده فوقها دون لمسها مباشرة، محاولًا تغيير شيء في سطحها الخارجي؛ نعومته، أو صلابته، أو لونه قليلًا. كان تقدمه بطيئًا وصامتًا كطبيعته، لكن المدرب المسؤول عنه توقف مرتين ليتأمل النتيجة بجدية أكبر من المعتاد.

استمر الحديث بينهم على هذا النحو، متنقلًا بلا نظام واضح بين الطعام والأسعار والأخبار والتراب الذي التصق بحذاء دارِن ولم يستطع إزالته، حتى بدأ الظل يطول والوقت يقترب من موعد التدريب.

 

توقف أورِن للحظة قبل أن يجيب، فلاحظ سيلِن التوقف لكنه لم يضغط، بل انتقل بسرعة إلى موضوع آخر عن شيء رآه في السوق قبل أن يصلوا، متجر لبيع أدوات زراعية أراد أن يدخله لولا أن الوقت لم يسمح.

أما سيلِن، فكان في الطرف الآخر من الساحة، أمام حبلين مربوطين بعصا خشبية على كل طرف، يحاول ربط حركة إحدى العصوين بحركة الأخرى دون خيط ظاهر بينهما.

«أورِن، دارِن، سيلِن.»

 

 

«إذا كان الشيئان مرتبطين،» سأل المدرب المسؤول عنه، بصوت وصل إلى أورِن من مسافة قريبة، «هل يجب أن يكونا متجاورين؟»

 

 

 

نظر المدرب إليه بتقدير خفيف قبل أن يجيب: «ليس بالضرورة، لكن المسافة تكلفك جهدًا أكبر. جرّب بمسافة أقصر أولًا.»

عند المخيم كان الأمر أوضح.

 

لم يكن الفرق واضحًا من النظرة الأولى. الأسواق لا تزال مفتوحة، والباعة يصرخون بأسعار بضائعهم، والعربات تعبر الطرق المرصوفة كما كانت تفعل دائمًا. لكن حين مرّ بجانب الفندق الذي نام فيه ليلته الأولى في المدينة، رأى نافذتين مغلقتين لم يعتد رؤيتهما مغلقة، ولافتة معلقة تعلن عن غرف شاغرة بشكل لم يره من قبل في مكان اعتاد الازدحام.

جرّب سيلِن ذلك، وفشل مرتين، ثم نجح في الثالثة بحركة متزامنة صغيرة بين العصوين جعلته يضحك بصوت عالٍ من الدهشة، وكأنه اكتشف للتو سرًا لم يخبره به أحد. لم يتوقف عند ذلك، بل سأل سؤالًا آخر في اليوم التالي، ثم آخر بعده، عن حدود المسافة، وعن هل يمكن ربط أكثر من شيئين معًا، وعن هل يعمل الربط بين شيء حي وآخر جامد. لم يحصل على إجابات كاملة لكل سؤال، لكن كل إجابة جزئية بدت وكأنها تضيف حجرًا صغيرًا إلى فهمه لمساره.

 

 

نجح مع الكوب بسهولة، كما فعل مرات كثيرة من قبل. مع الحجر شعر بمقاومة أكبر، ثقلًا يسحب تركيزه في اتجاهات مختلفة، واحتاج وقتًا أطول ليتمه بدقة. أما كيس الرمل، فحين حاول نقله بسرعة، انفلت جزء منه في منتصف الطريق وتناثر على الأرض.

في اليوم الثالث، بدأت الأخبار تصل.

«هادئة.»

 

 

لم تصل دفعة واحدة، بل بتقطع، من أفواه مختلفة وبنسخ مختلفة قليلًا عن بعضها، كما تصل الأخبار حين لا يوجد مصدر واحد موثوق يمكن الرجوع إليه.

 

 

 

قال جندي عائد من الجبهة الشرقية، وهو يأكل بجانب أورِن في طابور الطعام، إن العدو نفذ هجومًا كبيرًا استهدف سلسلة من القرى على الحدود الشمالية الشرقية، وإن الخسائر كانت ثقيلة جدًا. قال آخر إن قرية كاملة اختفت عن الوجود، محيت تمامًا. قال ثالث إن الرقم مبالغ فيه، وإن أغلب السكان تمكنوا من الفرار قبل وصول القوات، وإن الخسارة الحقيقية أقل بكثير مما يتردد.

 

 

لم يسأل عنها. لم يقترب أكثر مما ينبغي. وقف بين صفوف الجنود، وشعر فقط بذلك الإحساس الغامض بالتعرف، كما يتعرف المرء على شيء رآه في حلم قديم دون أن يتذكر تفاصيله.

لم يكن أحد متأكدًا تمامًا. الأرقام تختلف من راوٍ إلى آخر، الآلاف تتحول إلى مئات ثم تعود إلى الآلاف حسب من يتحدث. لكن نقطة واحدة بقيت ثابتة في كل رواية: قرى سقطت، وناس ماتوا، وأعداد كبيرة من الناجين يتجهون الآن نحو مدن أكبر بحثًا عن مأوى.

بدأ يقرأ الأسماء وفق فيالقها الجديدة، أسماء كثيرة توزعت على مجموعات مختلفة، حتى وصل إلى فيلق يحمل رقمًا لم يسمعه أورِن من قبل.

 

«رأيت.»

استمع أورِن إلى هذه الأحاديث دون أن يعلق كثيرًا، يجمع القطع المتناثرة في رأسه كما اعتاد أن يفعل مع الوثائق في الأرشيف، محاولًا تكوين صورة واحدة من روايات متضاربة.

تحدث الكاهن بصوت هادئ عن ضرورة الانضباط في هذه الأوقات، عن أهمية الاستقرار وسط الأخبار المضطربة، عن واجب كل جندي تجاه من يحمونهم. لم يكن خطابًا طويلًا، ولم يحمل تهديدًا مباشرًا، بل نبرة رجل معتاد على إلقاء الكلام نفسه في أماكن مختلفة أمام وجوه مختلفة، متأكد من أن كلماته ستستقر حيث يريدها أن تستقر.

 

 

في تلك الليلة، بينما كان مستلقيًا في خيمته والصمت يخيم على المخيم باستثناء أصوات حراس متأخرين يتبادلون الكلام على مسافة، وجد ذهنه ينتقل دون قرار واعٍ إلى قريته.

وجد دارِن أولًا، جالسًا أمام خيمته يشحذ سكينًا صغيرة بحركات بطيئة معتادة،

 

استغرقت الرحلة إلى العاصمة يومين كاملين، عبر الطريق نفسه الذي عرفه أورِن في المرة الأولى، لكن دون تلك الحماسة الغامضة التي رافقته حينها. كان يعرف الآن ماذا ينتظره في الطرف الآخر، أو هكذا ظن، حتى دخلت القافلة أبواب العاصمة ورأى الشوارع التي حفظها منذ أسابيع تبدو مختلفة قليلًا.

رأى السوق كما رآه منذ أيام قليلة، بضجيجه المعتاد وروائح الخبز والفحم. رأى مخبز القرية، وورشة كورِن، والساحة التي كان يلعب فيها صغيرًا، والطريق الترابي المؤدي إلى بيته. رأى مارِن وهي تفتح الباب في ذلك الصباح الذي عاد فيه، وابتسامتها التي لم تتغير رغم كل شيء.

انتهى الإجراء بسرعة أكبر مما توقع أورِن، ولم يُطلب من أحد أن يقترب من الأداة أو يلمسها. حملها الكاهن معه حين غادر، وسط تلك السلسلة المعدنية التي لم تصدر أي صوت أو ضوء أو إشارة واضحة سوى وجودها الصامت.

 

لم يبكِ. لم يقفز من مكانه. بقي فقط مستلقيًا، وصدره يضيق قليلًا، وشيء بارد يستقر في معدته لم يفارقه حتى غلبه النعاس أخيرًا.

ثم، دون أن يستدعي الصورة عمدًا، بدأ يرى شيئًا آخر يتسلل إلى المشهد نفسه.

اختلف التدريب هذه المرة عن الأشهر الأولى.

 

«ستعرف حين يخبروك،» قال دارِن، بنبرة لا تحمل ضيقًا، بل ذلك الهدوء المعتاد الذي يقاطع به فيض كلام سيلِن دون أن يجرحه.

عربات عسكرية تعبر الطريق الترابي، مختلفة عن عربات القرية المعتادة. أبواب تُفتح بقوة لم تعتد عليها. أصوات صراخ لا تشبه صراخ الأطفال في اللعب. السوق الذي اشترى منه الخبز صباحًا يصبح فجأة فارغًا، أكشاكه محطمة أو متروكة، وأحد تلك البيوت، أيًا منها، قد يكون بيته هو.

 

 

«لكن يمكن أن نسأل، أليس كذلك؟ أعني، لا بد أن أحدًا يعرف ولو تفاصيل بسيطة.»

لم يكن حلمًا. كان يعرف أنه مستلقٍ في خيمته، يسمع صوت حارس يسعل على مسافة، ويشعر ببرودة الأرض تحت البطانية. لكن الصورة بقيت هناك، معلقة أمام عينيه المغمضتين، واضحة بدرجة أزعجته.

 

 

«هادئة.»

لم يبكِ. لم يقفز من مكانه. بقي فقط مستلقيًا، وصدره يضيق قليلًا، وشيء بارد يستقر في معدته لم يفارقه حتى غلبه النعاس أخيرًا.

 

 

«هادئة.»

في اليوم التالي، عندما مرّ بجانب مكتب الإدارة في طريقه إلى ساحة التدريب، رأى موظفًا يعلق قائمة طويلة على لوح خشبي، أسماء بخط صغير مكتوبة على عدة صفحات، عناوينها تشير إلى قوائم قتلى ومفقودين من المعارك الأخيرة.

في اليوم الثالث، بدأت الأخبار تصل.

 

سمع اسمه بين الاسمين الآخرين، وشعر بشيء يشبه المفاجأة الهادئة، لا الصادمة، ذلك النوع من الأخبار التي تبدو منطقية بعد لحظة تفكير رغم أنها لم تكن متوقعة.

توقف للحظة، لا ليبحث عن اسم يخصه، بل بدافع قديم لا يستطيع كبته، ذلك الدافع الذي عرفه سنوات في الأرشيف حين كان يمر يداه على مئات الوثائق يوميًا. لاحظ، دون أن يقصد البحث عن ذلك تحديدًا، أن اسم إحدى القرى ظهر بتهجئة مختلفة قليلًا بين الصفحة الأولى والثانية من القائمة، حرف زائد في مكان وناقص في آخر، كما لو كتبها موظفان مختلفان دون أن يتحقق أحد من التطابق بينهما.

«لكن يمكن أن نسأل، أليس كذلك؟ أعني، لا بد أن أحدًا يعرف ولو تفاصيل بسيطة.»

 

اختلف التدريب هذه المرة عن الأشهر الأولى.

نظر إلى الاختلاف للحظة، ثم واصل طريقه. لم يكن الأمر مهمًا بما يكفي ليتوقف عنده أكثر، مجرد خطأ صغير من نوع الأخطاء التي اعتاد رؤيتها كل يوم في عمله القديم، حيث لا أحد يهتم بالتدقيق كما ينبغي حين تكون الأوراق كثيرة والوقت قليل.

استمع أورِن إلى صوته يمتزج مع ضجيج المخيم من حوله، ووجد ذهنه، دون أن يقصد، يعود مرة أخرى إلى الطريق الترابي، والسوق، والبيت الذي تركه منذ أيام قليلة فقط، والذي بدا الآن أبعد بكثير مما تشير إليه المسافة الحقيقية بينهما.

 

 

مساء ذلك اليوم، طُلب من الجنود والمتدربين التجمع في الساحة الرئيسية للمخيم.

«هادئة جيدة أم هادئة مقلقة؟»

 

 

وصل الكاهن بصحبة اثنين من مساعديه، يرتدي ثوبه المعتاد الذي رآه أورِن من قبل، وفي يديه، معلقة بسلسلة معدنية، تلك الأداة الدائرية ذات الخطوط الدقيقة المحفورة على سطحها، التي رآها مرة في معبد قريته الصغير دون أن يعرف اسمها أو استخدامها.

وجد دارِن أولًا، جالسًا أمام خيمته يشحذ سكينًا صغيرة بحركات بطيئة معتادة،

 

 

لم يسأل عنها. لم يقترب أكثر مما ينبغي. وقف بين صفوف الجنود، وشعر فقط بذلك الإحساس الغامض بالتعرف، كما يتعرف المرء على شيء رآه في حلم قديم دون أن يتذكر تفاصيله.

 

 

«هادئة.»

تحدث الكاهن بصوت هادئ عن ضرورة الانضباط في هذه الأوقات، عن أهمية الاستقرار وسط الأخبار المضطربة، عن واجب كل جندي تجاه من يحمونهم. لم يكن خطابًا طويلًا، ولم يحمل تهديدًا مباشرًا، بل نبرة رجل معتاد على إلقاء الكلام نفسه في أماكن مختلفة أمام وجوه مختلفة، متأكد من أن كلماته ستستقر حيث يريدها أن تستقر.

 

 

بدأ يقرأ الأسماء وفق فيالقها الجديدة، أسماء كثيرة توزعت على مجموعات مختلفة، حتى وصل إلى فيلق يحمل رقمًا لم يسمعه أورِن من قبل.

انتهى الإجراء بسرعة أكبر مما توقع أورِن، ولم يُطلب من أحد أن يقترب من الأداة أو يلمسها. حملها الكاهن معه حين غادر، وسط تلك السلسلة المعدنية التي لم تصدر أي صوت أو ضوء أو إشارة واضحة سوى وجودها الصامت.

بعد انتهاء الإعلان، وقف الثلاثة قريبًا من بعضهم، والورقة التي تحمل توزيع الفيالق ما زالت معلقة على لوح خشبي قريب.

 

على مقربة منه، كان دارِن يقف أمام قطعة معدن صغيرة موضوعة على قاعدة حجرية، يمرر يده فوقها دون لمسها مباشرة، محاولًا تغيير شيء في سطحها الخارجي؛ نعومته، أو صلابته، أو لونه قليلًا. كان تقدمه بطيئًا وصامتًا كطبيعته، لكن المدرب المسؤول عنه توقف مرتين ليتأمل النتيجة بجدية أكبر من المعتاد.

في اليوم التالي مباشرة، أُعلن الأمر الذي غيّر مسار الأسابيع القادمة.

 

 

نجح مع الكوب بسهولة، كما فعل مرات كثيرة من قبل. مع الحجر شعر بمقاومة أكبر، ثقلًا يسحب تركيزه في اتجاهات مختلفة، واحتاج وقتًا أطول ليتمه بدقة. أما كيس الرمل، فحين حاول نقله بسرعة، انفلت جزء منه في منتصف الطريق وتناثر على الأرض.

جمع الضابط المسؤول عن وحدتهم مجموعة من المتدربين في ساحة صغيرة، وقرأ من ورقة يحملها بصوت رتيب معتاد على قراءة الأوامر: بسبب الخسائر الأخيرة على الجبهة الشرقية، تقرر إعادة توزيع بعض وحدات الدعم والمسارات الجديدة على فيالق موسعة، لتعويض النقص الحاصل وضمان توزيع أفضل للمهارات بين الوحدات.

 

 

 

بدأ يقرأ الأسماء وفق فيالقها الجديدة، أسماء كثيرة توزعت على مجموعات مختلفة، حتى وصل إلى فيلق يحمل رقمًا لم يسمعه أورِن من قبل.

 

 

اختلف التدريب هذه المرة عن الأشهر الأولى.

«أورِن، دارِن، سيلِن.»

أما سيلِن، فكان في الطرف الآخر من الساحة، أمام حبلين مربوطين بعصا خشبية على كل طرف، يحاول ربط حركة إحدى العصوين بحركة الأخرى دون خيط ظاهر بينهما.

 

«معظمها. الجزء الأخير احتاج مساعدة رجل آخر في الورشة.» أدار السكين بين أصابعه، ثم أضاف بنبرة أقل اهتمامًا بالسكين وأكثر بشيء آخر: «هل رأيت كم الخيام هنا فارغة؟»

سمع اسمه بين الاسمين الآخرين، وشعر بشيء يشبه المفاجأة الهادئة، لا الصادمة، ذلك النوع من الأخبار التي تبدو منطقية بعد لحظة تفكير رغم أنها لم تكن متوقعة.

 

 

 

بعد انتهاء الإعلان، وقف الثلاثة قريبًا من بعضهم، والورقة التي تحمل توزيع الفيالق ما زالت معلقة على لوح خشبي قريب.

«هادئة.»

 

مساء ذلك اليوم، طُلب من الجنود والمتدربين التجمع في الساحة الرئيسية للمخيم.

«معًا،» قال سيلِن، بابتسامة سريعة اتسعت أكثر مع كل ثانية. «هذا… هذا جيد. أعني، لم أكن أعرف من سيكون معي، وكنت أفكر في الأمر منذ الصباح، والآن…» توقف، ثم أضاف بسرعة: «إلى أين تعتقدان أنهم سيرسلوننا؟ هل نبقى قريبين من العاصمة أم سنذهب أبعد؟ ومن سيكون قائدنا؟»

 

 

استمع أورِن إلى هذه الأحاديث دون أن يعلق كثيرًا، يجمع القطع المتناثرة في رأسه كما اعتاد أن يفعل مع الوثائق في الأرشيف، محاولًا تكوين صورة واحدة من روايات متضاربة.

«لا أحد يعرف بعد،» قال دارِن، دون أن يرفع عينيه عن الورقة.

بعد دقائق ظهر سيلِن، قادمًا من اتجاه طابور الطعام بخطوات سريعة وكيس صغير في يده، ووجهه يحمل تعبير من عثر للتو على شيء يستحق الحديث عنه.

 

 

«لكن يمكن أن نسأل، أليس كذلك؟ أعني، لا بد أن أحدًا يعرف ولو تفاصيل بسيطة.»

 

 

 

«ستعرف حين يخبروك،» قال دارِن، بنبرة لا تحمل ضيقًا، بل ذلك الهدوء المعتاد الذي يقاطع به فيض كلام سيلِن دون أن يجرحه.

 

 

ثم، دون أن يستدعي الصورة عمدًا، بدأ يرى شيئًا آخر يتسلل إلى المشهد نفسه.

لم يعلق أورِن بشيء. وقف ينظر إلى الأسماء الثلاثة مكتوبة بجانب بعضها على الورقة، بينما استمر سيلِن يتحدث عن احتمالات مختلفة لوجهتهم القادمة، وعن أمل غامض بأن يكون الطعام هناك أفضل، وعن سؤال جديد خطر له فجأة بشأن ما إذا كانت المسافة بين الفيالق تؤثر على سرعة وصول الرسائل من العائلات.

«هادئة جيدة أم هادئة مقلقة؟»

 

 

استمع أورِن إلى صوته يمتزج مع ضجيج المخيم من حوله، ووجد ذهنه، دون أن يقصد، يعود مرة أخرى إلى الطريق الترابي، والسوق، والبيت الذي تركه منذ أيام قليلة فقط، والذي بدا الآن أبعد بكثير مما تشير إليه المسافة الحقيقية بينهما.

بدأ يقرأ الأسماء وفق فيالقها الجديدة، أسماء كثيرة توزعت على مجموعات مختلفة، حتى وصل إلى فيلق يحمل رقمًا لم يسمعه أورِن من قبل.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط