Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ما نسيه العالم 31

السلاسل الفضية
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

السلاسل الفضية

كان الألم أول ما عاد إليه، قبل أن يستعيد حتى القدرة على تمييز الأصوات من حوله. جسده ملقى على أرضية حجرية باردة قرب المنصة، وذراعه اليسرى تنبض بشكل منفصل عن بقية جسده، كأنها كائن آخر يتألم بمفرده. حاول أن يرفع رأسه، فوجد أن كل عضلة فيه تعترض على الحركة.

 

 

نظر إليه النبيل للحظة، ثم عاد إلى مارِن، وكأنه فقد الاهتمام بأورِن تمامًا. “جيد. أخيرًا فهمت.”

كان النبيل يقف أمامه، على بعد خطوتين لا أكثر، بثوبه الداكن الذي لم تتسخ حاشيته رغم كل ما حدث، ينظر إليه كما ينظر أحدهم إلى شيء وقع على الأرض عن غير قصد ولم يعد يستحق أن يُرفع.

 

 

 

“انتهيت؟” سأل النبيل، لا بسخرية، بل بفضول هادئ، كمن يسأل سؤالًا فنيًا محضًا.

لم يكن بكاءً هادئًا. كان صوتًا مكسورًا يخرج رغمًا عنه، مصحوبًا بارتجاف في صدره لم يستطع السيطرة عليه، ودموعًا مختلطة بالدم الجاف على وجهه من الضربات السابقة. لم يكن يحاول إخفاءه، ولم يكن قادرًا على ذلك حتى لو أراد؛ لم يبكِ بهذه الطريقة منذ كان طفلاً صغيرًا، ولم يكن يعرف أن جسده لا يزال يملك هذه القدرة، أن يخرج كل شيء دفعة واحدة بهذا الشكل المهين.

 

عاد النبيل إلى مارِن، وكأن الجرح على ساقه مجرد تفصيل مؤجل، أهم منه استكمال ما كان يفعله قبل أن يقاطعه أورِن.

لم يجب أورِن. حاول أن يدفع نفسه على يديه، فسقط مرة أخرى حين خانته ذراعه. سمع صوت مارِن قبل أن يراها، أنينًا خفيفًا لا يشبه صوتها الذي يعرفه ثم رآها: ممددة فوق منصة التجارب، أطواقها السحرية تُثبّت معصميها، ورأسها مائل قليلاً، عيناها نصف مفتوحتين، لا تنظران إليه ولا إلى أي شيء بالتحديد.

 

 

 

“مارِن.” قالها بصوت متهدج، وحاول أن يزحف نحوها.

 

 

حاول النهوض مرة أخرى. هذه المرة نجح في الوقوف على ركبة واحدة قبل أن يدفعه النبيل بيده، بلا غضب، بحركة تشبه إبعاد شيء يعيق الطريق. سقط أورِن جانبًا، واصطدم كتفه بحافة المنصة الحجرية.

لم تستدر مارِن نحوه. للحظة بدا أن شيئًا في وجهها تحرك، محاولة تركيز خفيفة، ثم غاب التركيز من جديد، وعادت عيناها إلى ذلك الفراغ نفسه.

 

 

 

اقترب النبيل خطوة، ووضع قدمه برفق على كتف أورِن، لا بقوة تسحقه، بل بما يكفي ليثبته في مكانه. “لن تصل إليها. لم تصل إليها منذ البداية، ولن تصل إليها الآن.”

تقدم اثنان من الجنود نحو أورِن، وانتزعوا قطعة الحديد من يده بسهولة لم تترك له مجالًا للمقاومة، ثم أمسكوا بذراعيه ورفعوه عن الأرض بقسوة لم تخلُ من عجلة، وكأنهم يريدون إنهاء الأمر بأسرع ما يمكن.

 

كان النبيل يقف أمامه، على بعد خطوتين لا أكثر، بثوبه الداكن الذي لم تتسخ حاشيته رغم كل ما حدث، ينظر إليه كما ينظر أحدهم إلى شيء وقع على الأرض عن غير قصد ولم يعد يستحق أن يُرفع.

حاول أورِن أن يدفع القدم عنه، فضغط النبيل قليلًا، بلا مجهود يُذكر من جانبه، وأورِن يشعر بكل عظمة في كتفه تحتج. صرخ من الألم أكثر مما قصد، ثم توقف الضغط فجأة، وكأن النبيل فقد اهتمامه بهذه اللعبة بالسرعة نفسها التي بدأها بها.

قالها أورِن بصوت لا يشبه صوته، خشن ومتصدع، وحاول أن يزحف نحوهما مجددًا. لم يبعده النبيل هذه المرة، بل تجاهله ببساطة، وكأن صوته لم يصل إليه أصلاً. لمس جبين مارِن بأصابعه، فارتجفت هي ارتجافة خفيفة، وأصدرت صوتًا أقرب إلى الأنين منه إلى الكلام.

 

 

“أنت لا تفهم بعد.” قال النبيل وهو يبتعد خطوة، ناظرًا إليه من عل. “أنت لست هنا لأنك تشكل خطرًا. أنت هنا لأنها احتاجت إلى أن ترى وجهًا مألوفًا قبل أن تفقد القدرة على تمييز الوجوه المألوفة.”

عاد إلى التوسل، بصوت لم يعرف نفسه فيه، يطلب من النبيل أن يتوقف، يطلب من الجنود أن يتدخلوا، يطلب من مارِن نفسها أن تصمد، أن تنظر إليه، أن تعرف أنه هنا.

 

عاد إلى التوسل، بصوت لم يعرف نفسه فيه، يطلب من النبيل أن يتوقف، يطلب من الجنود أن يتدخلوا، يطلب من مارِن نفسها أن تصمد، أن تنظر إليه، أن تعرف أنه هنا.

لم يفهم أورِن الجملة كاملة، لكن شيئًا فيها استقر في معدته كحجر بارد. نظر إلى مارِن مرة أخرى، إلى الطريقة التي تتنفس بها، سطحية وغير منتظمة، وإلى يديها المقيدتين اللتين لا تحاولان التحرر، وكأن جسدها توقف عن اعتبار ذلك خيارًا.

“أين كنا؟” قال بهدوء، أكثر لنفسه منه لأورِن أو لمارِن.

 

 

حاول النهوض مرة أخرى. هذه المرة نجح في الوقوف على ركبة واحدة قبل أن يدفعه النبيل بيده، بلا غضب، بحركة تشبه إبعاد شيء يعيق الطريق. سقط أورِن جانبًا، واصطدم كتفه بحافة المنصة الحجرية.

 

 

شيء في داخل أورِن انكسر بهدوء في تلك اللحظة، دون أن يعرف أنه ينكسر بعد.

سمع صوت تصدّع خفيفًا تحته، ونظر فوجد أن جزءًا من حافة المنصة قد تشقق من الاصطدام، وقطعة صغيرة من حديد ملتوٍ، بحجم إصبع تقريبًا، سقطت على الأرض على بعد شبر من يده. لم يتحرك نحوها فورًا. أبقى عينيه عليها لجزء من ثانية فقط، ثم أعاد نظره إلى النبيل، خشية أن تلفت حركته الانتباه.

شيء في داخل أورِن انكسر بهدوء في تلك اللحظة، دون أن يعرف أنه ينكسر بعد.

 

توقف الجنود للحظة، وكأن الجملة نفسها كانت كافية لتغيير كل شيء في الغرفة. نظروا إلى أورِن، وتغيّر شيء في نظراتهم؛ لم يعودوا ينظرون إلى رجل مهزوم على الأرض، بل إلى شيء يستحق معاملة مختلفة تمامًا.

“سأسمح لك بشيء واحد،” قال النبيل، وقد اقترب من مارِن هذه المرة، ورفع يده نحو وجهها بحركة شبه علمية، كطبيب يفحص مريضًا لا كسجّان يهين أسيرًا. “سأدعك تشاهد.”

“الآن فهمت.” قالها بهدوء، دون أن يوضح ماذا فهم بالضبط.

 

 

“لا تلمسها.”

“جرحني.” قالها النبيل ببساطة، دون أن يلتفت إليهم، عيناه لا تزالان على أورِن.

 

 

قالها أورِن بصوت لا يشبه صوته، خشن ومتصدع، وحاول أن يزحف نحوهما مجددًا. لم يبعده النبيل هذه المرة، بل تجاهله ببساطة، وكأن صوته لم يصل إليه أصلاً. لمس جبين مارِن بأصابعه، فارتجفت هي ارتجافة خفيفة، وأصدرت صوتًا أقرب إلى الأنين منه إلى الكلام.

 

 

 

شيء في داخل أورِن انكسر بهدوء في تلك اللحظة، دون أن يعرف أنه ينكسر بعد.

كان النبيل يقف أمامه، على بعد خطوتين لا أكثر، بثوبه الداكن الذي لم تتسخ حاشيته رغم كل ما حدث، ينظر إليه كما ينظر أحدهم إلى شيء وقع على الأرض عن غير قصد ولم يعد يستحق أن يُرفع.

 

لم يكن بكاءً هادئًا. كان صوتًا مكسورًا يخرج رغمًا عنه، مصحوبًا بارتجاف في صدره لم يستطع السيطرة عليه، ودموعًا مختلطة بالدم الجاف على وجهه من الضربات السابقة. لم يكن يحاول إخفاءه، ولم يكن قادرًا على ذلك حتى لو أراد؛ لم يبكِ بهذه الطريقة منذ كان طفلاً صغيرًا، ولم يكن يعرف أن جسده لا يزال يملك هذه القدرة، أن يخرج كل شيء دفعة واحدة بهذا الشكل المهين.

توقف عن الزحف. ترك جسده يهبط على الأرض، رأسه منخفضًا، ذراعاه مسترخيتان بجانبه. لم يكن تمثيلًا واعيًا بقدر ما كان استسلامًا حقيقيًا تحول، في جزء صغير من عقله ظل يقظًا، إلى فرصة. أبقى عينيه نصف مغلقتين، وترك أنفاسه تهدأ، وانتظر.

 

ساد صمت غريب.

نظر إليه النبيل للحظة، ثم عاد إلى مارِن، وكأنه فقد الاهتمام بأورِن تمامًا. “جيد. أخيرًا فهمت.”

لم يجب أورِن. كان لا يزال ممسكًا بقطعة الحديد، وإن كانت يده ترتجف الآن من الإرهاق أكثر مما ترتجف من الخوف.

 

 

خطا النبيل خطوة إضافية نحو المنصة، ليقف على بعد سنتيمترات قليلة من جسد أورِن الملقى، منحنيًا ليتفحص مارِن وظهره مكشوف بالكامل.

“جرحني.” قالها النبيل ببساطة، دون أن يلتفت إليهم، عيناه لا تزالان على أورِن.

 

بدأ صوت خفيف، أشبه بطنين معدني، ينبعث من الأداة، ورأى أورِن جسد مارِن يتصلب فجأة، ثم يرتجف، ثم تُصدر صوتًا لم يسمعه منها من قبل، ليس صراخًا، بل شيئًا أقرب إلى شهقة طويلة متقطعة، وكأن الألم كان يمر عبرها بدل أن ينفجر منها.

تحرك أورِن.

 

 

 

لم تكن حركة سريعة أو ماهرة؛ كانت حركة يائسة، مدفوعة بوهج الغضب الأخير في ذراعه السليمة، متجاهلاً الشلل الذي يفتك بجهته اليسرى. أمسك قطعة الحديد، ودفع بها إلى الأمام بكل ما استطاع، نحو ساق النبيل القريبة منه.

“ما زلت تحاول.” قالها بابتسامة صغيرة، شبه معجب، ثم نظر إلى يده التي لمس بها الجرح، ورأى الدم على أصابعه.

 

شيء في داخل أورِن انكسر بهدوء في تلك اللحظة، دون أن يعرف أنه ينكسر بعد.

شعر بمقاومة خفيفة، ثم بشيء يمزق النسيج والجلد تحته.

اقترب النبيل خطوة، ووضع قدمه برفق على كتف أورِن، لا بقوة تسحقه، بل بما يكفي ليثبته في مكانه. “لن تصل إليها. لم تصل إليها منذ البداية، ولن تصل إليها الآن.”

 

حاول النهوض مرة أخرى. هذه المرة نجح في الوقوف على ركبة واحدة قبل أن يدفعه النبيل بيده، بلا غضب، بحركة تشبه إبعاد شيء يعيق الطريق. سقط أورِن جانبًا، واصطدم كتفه بحافة المنصة الحجرية.

صرخة قصيرة، غير متوقعة، خرجت من النبيل، أكثر دهشة من ألم حقيقي. تراجع خطوة، ونظر إلى ساقه حيث بدأ الدم يتسرب من جرح صغير، عميق بما يكفي ليدمي لكنه بعيد عن أن يكون قاتلاً.

 

 

آخر ما استطاع تمييزه بوضوح، قبل أن يبتلعه الظلام تمامًا، كان وجهها، مائلاً قليلاً نحوه، عيناها شبه مغلقتين، وكأنها حاولت، في اللحظة الأخيرة، أن تراه.

ساد صمت غريب.

نظر إليه النبيل للحظة، ثم عاد إلى مارِن، وكأنه فقد الاهتمام بأورِن تمامًا. “جيد. أخيرًا فهمت.”

 

 

حتى أورِن نفسه بقي جامدًا للحظة، ينظر إلى القطعة الحديدية الملطخة في يده، غير مصدق أن جسده المنهك نفّذ ما فكر فيه عقله.

 

 

توقف الجنود للحظة، وكأن الجملة نفسها كانت كافية لتغيير كل شيء في الغرفة. نظروا إلى أورِن، وتغيّر شيء في نظراتهم؛ لم يعودوا ينظرون إلى رجل مهزوم على الأرض، بل إلى شيء يستحق معاملة مختلفة تمامًا.

نظر النبيل إلى الجرح، ثم رفع رأسه ببطء ونظر إلى أورِن. لم يكن في عينيه غضب، بل شيء أقرب إلى الفضول المتجدد، وكأن أورِن أصبح فجأة أكثر إثارة للاهتمام مما كان طوال الليل.

 

 

 

“ما زلت تحاول.” قالها بابتسامة صغيرة، شبه معجب، ثم نظر إلى يده التي لمس بها الجرح، ورأى الدم على أصابعه.

جرّوه إلى موضع قريب من العمود الذي تُقيَّد إليه مارِن، وأجبروه على الجلوس، ظهره إلى حائط بارد، وجهه إليها مباشرة، بحيث لا يستطيع أن يرى شيئًا آخر في الغرفة سوى أخته.

 

نظر إلى مارِن، ثم إلى أورِن، بنظرة لم تحمل شماتة ولا رحمة، بل تلك البرودة نفسها التي رافقته منذ البداية.

تغيّرت ملامحه قليلًا، لا غضبًا، بل جدية باردة حلّت محل الفضول.

عاد إلى التوسل، بصوت لم يعرف نفسه فيه، يطلب من النبيل أن يتوقف، يطلب من الجنود أن يتدخلوا، يطلب من مارِن نفسها أن تصمد، أن تنظر إليه، أن تعرف أنه هنا.

 

شعر بمقاومة خفيفة، ثم بشيء يمزق النسيج والجلد تحته.

“تعرف ماذا فعلت للتو؟”

لم يجب أورِن. حاول أن يدفع نفسه على يديه، فسقط مرة أخرى حين خانته ذراعه. سمع صوت مارِن قبل أن يراها، أنينًا خفيفًا لا يشبه صوتها الذي يعرفه ثم رآها: ممددة فوق منصة التجارب، أطواقها السحرية تُثبّت معصميها، ورأسها مائل قليلاً، عيناها نصف مفتوحتين، لا تنظران إليه ولا إلى أي شيء بالتحديد.

 

 

لم يجب أورِن. كان لا يزال ممسكًا بقطعة الحديد، وإن كانت يده ترتجف الآن من الإرهاق أكثر مما ترتجف من الخوف.

تحرك أورِن.

 

 

“أنت لا تعرف، بالطبع.” تابع النبيل، بصوت لم يرتفع، وكأنه يشرح قاعدة بسيطة لطفل. “جرح أحد أبناء طبقة السادة، مهما كانت درجة الجرح، عقوبته الإعدام. لا محاكمة تطول، ولا استثناء يُذكر. هذا قانون قديم بقدر الطبقة نفسها.”

“تعرف ماذا فعلت للتو؟”

 

 

شعر أورِن ببرودة تسري في جسده لا علاقة لها بالأرض الحجرية تحته. لم يكن يعرف هذا القانون، ولم يخطر بباله أن ما فعله قد يكون أكثر خطورة من مجرد مقاومة يائسة. لكن الأوان كان قد فات لفهم ذلك بشكل مختلف.

 

 

 

ضغط النبيل بإبهامه على ختم خاتمه مستدعيًا الحراسة، وفي ثوانٍ دخل عدد من الجنود، سيوفهم لا تزال في أغمادها لكن أيديهم عليها، عيونهم تتنقل بين النبيل وأورِن قبل أن تستقر على الدم على ساق سيدهم.

 

 

 

قال أحدهم، صوته يحمل قلقًا حقيقيًا. “ماذا حدث يا سيدي ؟”

 

 

 

“جرحني.” قالها النبيل ببساطة، دون أن يلتفت إليهم، عيناه لا تزالان على أورِن.

شيء في داخل أورِن انكسر بهدوء في تلك اللحظة، دون أن يعرف أنه ينكسر بعد.

 

جرّوه إلى موضع قريب من العمود الذي تُقيَّد إليه مارِن، وأجبروه على الجلوس، ظهره إلى حائط بارد، وجهه إليها مباشرة، بحيث لا يستطيع أن يرى شيئًا آخر في الغرفة سوى أخته.

توقف الجنود للحظة، وكأن الجملة نفسها كانت كافية لتغيير كل شيء في الغرفة. نظروا إلى أورِن، وتغيّر شيء في نظراتهم؛ لم يعودوا ينظرون إلى رجل مهزوم على الأرض، بل إلى شيء يستحق معاملة مختلفة تمامًا.

 

 

 

“قيّدوه.” قال النبيل، وأشار بيده إشارة بسيطة، ثم أضاف، وكأنه يتذكر تفصيلًا: “بالسلاسل الفضية، لا الحبال.”

جرّب أورِن كل ما يستطيع؛ صرخ في الجنود الواقفين قربه أن يوقفوا هذا، فلم يتحرك أحدهم. حاول أن يهدد النبيل، أن يقول له إنه سيقتله يومًا ما، فلم يلتفت أحد لكلماته. حاول أن يتفاوض، أن يعرض نفسه بديلاً، أن يقول إن بإمكانهم فعل ما يريدون به هو بدلاً منها، فبقيت الغرفة على حالها، وكأن كلماته تتبخر قبل أن تصل إلى أي أذن.

 

 

تقدم اثنان من الجنود نحو أورِن، وانتزعوا قطعة الحديد من يده بسهولة لم تترك له مجالًا للمقاومة، ثم أمسكوا بذراعيه ورفعوه عن الأرض بقسوة لم تخلُ من عجلة، وكأنهم يريدون إنهاء الأمر بأسرع ما يمكن.

بدأ صوته يتغير بعد ذلك. لم يعد صراخًا واضحًا، بل كلمات متقطعة، اسم مارِن يتكرر بينها أكثر من مرة، دون رد واضح منها سوى تلك الشهقات المتقطعة التي بدأت تتباطأ، لا لأن الألم قلّ، بل لأن استجابتها له بدأت تخفت.

 

ثم عاد الغضب فجأة، أعنف من قبل، فضرب بجسده السلاسل، دفع بكتفه إلى الأمام رغم علمه أن شيئًا لن ينكسر، فقط ليشعر بألم آخر يوازي ما يشعر به من الداخل. لم تتحرك السلاسل قيد أنملة، لكن الحركة نفسها كانت ضرورية له، كأنه يحتاج جسده أن يفعل شيئًا، أي شيء، حتى لو لم يغيّر شيئًا.

أُحضرت السلاسل من مكان لم يره أورِن، معدنية باهتة اللون، تحمل نقوشًا دقيقة على طولها. بمجرد أن لامست معصميه، شعر بثقلها يتضاعف فجأة، لا كوزن حديدي عادي، بل كضغط يمتد من معصميه إلى كتفيه، ثم إلى صدره، كأن السلاسل لا تقيد يديه فقط بل تقيد شيئًا أعمق داخل جسده.

 

 

 

حاول تحريك ذراعه فلم يتحرك شيء. حاول أن يرفع كتفه فقط، بلا جدوى؛ الثقل لم يكن في العضلات، بل في مكان لا يعرف اسمه، مكان يكتم كل ذرة طاقة في عضلاته، ويسحق قدرته على توجيه قوته الجسدية.

لم يفهم أورِن الجملة كاملة، لكن شيئًا فيها استقر في معدته كحجر بارد. نظر إلى مارِن مرة أخرى، إلى الطريقة التي تتنفس بها، سطحية وغير منتظمة، وإلى يديها المقيدتين اللتين لا تحاولان التحرر، وكأن جسدها توقف عن اعتبار ذلك خيارًا.

 

تغيّرت ملامحه قليلًا، لا غضبًا، بل جدية باردة حلّت محل الفضول.

جرّوه إلى موضع قريب من العمود الذي تُقيَّد إليه مارِن، وأجبروه على الجلوس، ظهره إلى حائط بارد، وجهه إليها مباشرة، بحيث لا يستطيع أن يرى شيئًا آخر في الغرفة سوى أخته.

راقبه النبيل من طرف عينه، ثم توقف عن التجربة للحظة، وكأن بكاء أورِن أثار فضوله أكثر من صراخه.

 

“أنت لا تفهم بعد.” قال النبيل وهو يبتعد خطوة، ناظرًا إليه من عل. “أنت لست هنا لأنك تشكل خطرًا. أنت هنا لأنها احتاجت إلى أن ترى وجهًا مألوفًا قبل أن تفقد القدرة على تمييز الوجوه المألوفة.”

عاد النبيل إلى مارِن، وكأن الجرح على ساقه مجرد تفصيل مؤجل، أهم منه استكمال ما كان يفعله قبل أن يقاطعه أورِن.

استمرت التجربة، وبدأت الغرفة من حوله تتغير. لم يعد يرى وجوه الجنود بوضوح، أصبحت أشكالًا داكنة عند أطراف رؤيته. صوت الطنين المعدني، وأنين مارِن الخافت، وصوت النبيل الهادئ، كل ذلك بدأ يذوب في ضجيج واحد بعيد، وكأنه يسمعه من خلف جدار سميك.

 

 

“أين كنا؟” قال بهدوء، أكثر لنفسه منه لأورِن أو لمارِن.

نظر إلى مارِن، ثم إلى أورِن، بنظرة لم تحمل شماتة ولا رحمة، بل تلك البرودة نفسها التي رافقته منذ البداية.

 

قال أحدهم، صوته يحمل قلقًا حقيقيًا. “ماذا حدث يا سيدي ؟”

بدأ يتحرك حولها ببطء، ويده تحمل الآن أداة صغيرة معدنية، لم يستطع أورِن تمييز شكلها بوضوح من مكانه، لكنه رأى الطريقة التي ارتجفت بها مارِن حين اقتربت منها.

 

 

 

“لا.” قالها أورِن، وحاول أن يتحرك، فلم تتحرك السلاسل، وشعر بالثقل نفسه يزداد كأنه يرد على محاولته. “لا تلمسها. لا تفعل هذا.”

 

 

 

لم يلتفت إليه النبيل.

بدأ يتحرك حولها ببطء، ويده تحمل الآن أداة صغيرة معدنية، لم يستطع أورِن تمييز شكلها بوضوح من مكانه، لكنه رأى الطريقة التي ارتجفت بها مارِن حين اقتربت منها.

 

 

بدأ صوت خفيف، أشبه بطنين معدني، ينبعث من الأداة، ورأى أورِن جسد مارِن يتصلب فجأة، ثم يرتجف، ثم تُصدر صوتًا لم يسمعه منها من قبل، ليس صراخًا، بل شيئًا أقرب إلى شهقة طويلة متقطعة، وكأن الألم كان يمر عبرها بدل أن ينفجر منها.

 

 

 

“توقف!” صرخ أورِن، وسحب ذراعيه بكل ما تبقى من قوته، فشعر بالسلاسل تضغط أكثر، وكأنها تتغذى على مقاومته. “توقف، أرجوك!”

 

 

 

لم يستجب النبيل. كانت عيناه على مارِن، على استجابتها، بتركيز من يراقب تجربة لا شخصًا يتألم.

ساد صمت غريب.

 

حاول النهوض مرة أخرى. هذه المرة نجح في الوقوف على ركبة واحدة قبل أن يدفعه النبيل بيده، بلا غضب، بحركة تشبه إبعاد شيء يعيق الطريق. سقط أورِن جانبًا، واصطدم كتفه بحافة المنصة الحجرية.

جرّب أورِن كل ما يستطيع؛ صرخ في الجنود الواقفين قربه أن يوقفوا هذا، فلم يتحرك أحدهم. حاول أن يهدد النبيل، أن يقول له إنه سيقتله يومًا ما، فلم يلتفت أحد لكلماته. حاول أن يتفاوض، أن يعرض نفسه بديلاً، أن يقول إن بإمكانهم فعل ما يريدون به هو بدلاً منها، فبقيت الغرفة على حالها، وكأن كلماته تتبخر قبل أن تصل إلى أي أذن.

 

 

ثم عاد الغضب فجأة، أعنف من قبل، فضرب بجسده السلاسل، دفع بكتفه إلى الأمام رغم علمه أن شيئًا لن ينكسر، فقط ليشعر بألم آخر يوازي ما يشعر به من الداخل. لم تتحرك السلاسل قيد أنملة، لكن الحركة نفسها كانت ضرورية له، كأنه يحتاج جسده أن يفعل شيئًا، أي شيء، حتى لو لم يغيّر شيئًا.

عاد إلى التوسل، بصوت لم يعرف نفسه فيه، يطلب من النبيل أن يتوقف، يطلب من الجنود أن يتدخلوا، يطلب من مارِن نفسها أن تصمد، أن تنظر إليه، أن تعرف أنه هنا.

 

 

 

ثم عاد الغضب فجأة، أعنف من قبل، فضرب بجسده السلاسل، دفع بكتفه إلى الأمام رغم علمه أن شيئًا لن ينكسر، فقط ليشعر بألم آخر يوازي ما يشعر به من الداخل. لم تتحرك السلاسل قيد أنملة، لكن الحركة نفسها كانت ضرورية له، كأنه يحتاج جسده أن يفعل شيئًا، أي شيء، حتى لو لم يغيّر شيئًا.

جرّب أورِن كل ما يستطيع؛ صرخ في الجنود الواقفين قربه أن يوقفوا هذا، فلم يتحرك أحدهم. حاول أن يهدد النبيل، أن يقول له إنه سيقتله يومًا ما، فلم يلتفت أحد لكلماته. حاول أن يتفاوض، أن يعرض نفسه بديلاً، أن يقول إن بإمكانهم فعل ما يريدون به هو بدلاً منها، فبقيت الغرفة على حالها، وكأن كلماته تتبخر قبل أن تصل إلى أي أذن.

 

 

بدأ صوته يتغير بعد ذلك. لم يعد صراخًا واضحًا، بل كلمات متقطعة، اسم مارِن يتكرر بينها أكثر من مرة، دون رد واضح منها سوى تلك الشهقات المتقطعة التي بدأت تتباطأ، لا لأن الألم قلّ، بل لأن استجابتها له بدأت تخفت.

 

 

لم يجب أورِن. كان لا يزال ممسكًا بقطعة الحديد، وإن كانت يده ترتجف الآن من الإرهاق أكثر مما ترتجف من الخوف.

ثم جاء البكاء.

شيء في داخل أورِن انكسر بهدوء في تلك اللحظة، دون أن يعرف أنه ينكسر بعد.

 

سمع صوت تصدّع خفيفًا تحته، ونظر فوجد أن جزءًا من حافة المنصة قد تشقق من الاصطدام، وقطعة صغيرة من حديد ملتوٍ، بحجم إصبع تقريبًا، سقطت على الأرض على بعد شبر من يده. لم يتحرك نحوها فورًا. أبقى عينيه عليها لجزء من ثانية فقط، ثم أعاد نظره إلى النبيل، خشية أن تلفت حركته الانتباه.

لم يكن بكاءً هادئًا. كان صوتًا مكسورًا يخرج رغمًا عنه، مصحوبًا بارتجاف في صدره لم يستطع السيطرة عليه، ودموعًا مختلطة بالدم الجاف على وجهه من الضربات السابقة. لم يكن يحاول إخفاءه، ولم يكن قادرًا على ذلك حتى لو أراد؛ لم يبكِ بهذه الطريقة منذ كان طفلاً صغيرًا، ولم يكن يعرف أن جسده لا يزال يملك هذه القدرة، أن يخرج كل شيء دفعة واحدة بهذا الشكل المهين.

 

 

 

راقبه النبيل من طرف عينه، ثم توقف عن التجربة للحظة، وكأن بكاء أورِن أثار فضوله أكثر من صراخه.

قال أحدهم، صوته يحمل قلقًا حقيقيًا. “ماذا حدث يا سيدي ؟”

 

“انتهيت؟” سأل النبيل، لا بسخرية، بل بفضول هادئ، كمن يسأل سؤالًا فنيًا محضًا.

“الآن فهمت.” قالها بهدوء، دون أن يوضح ماذا فهم بالضبط.

 

 

 

نظر إلى مارِن، ثم إلى أورِن، بنظرة لم تحمل شماتة ولا رحمة، بل تلك البرودة نفسها التي رافقته منذ البداية.

 

 

تقدم اثنان من الجنود نحو أورِن، وانتزعوا قطعة الحديد من يده بسهولة لم تترك له مجالًا للمقاومة، ثم أمسكوا بذراعيه ورفعوه عن الأرض بقسوة لم تخلُ من عجلة، وكأنهم يريدون إنهاء الأمر بأسرع ما يمكن.

استمرت التجربة، وبدأت الغرفة من حوله تتغير. لم يعد يرى وجوه الجنود بوضوح، أصبحت أشكالًا داكنة عند أطراف رؤيته. صوت الطنين المعدني، وأنين مارِن الخافت، وصوت النبيل الهادئ، كل ذلك بدأ يذوب في ضجيج واحد بعيد، وكأنه يسمعه من خلف جدار سميك.

“سأسمح لك بشيء واحد،” قال النبيل، وقد اقترب من مارِن هذه المرة، ورفع يده نحو وجهها بحركة شبه علمية، كطبيب يفحص مريضًا لا كسجّان يهين أسيرًا. “سأدعك تشاهد.”

 

 

حاول أن ينادي مارِن مرة أخيرة، لكن الاسم خرج من فمه مشوهًا، بالكاد يشبه اسمها.

 

 

شعر بمقاومة خفيفة، ثم بشيء يمزق النسيج والجلد تحته.

آخر ما استطاع تمييزه بوضوح، قبل أن يبتلعه الظلام تمامًا، كان وجهها، مائلاً قليلاً نحوه، عيناها شبه مغلقتين، وكأنها حاولت، في اللحظة الأخيرة، أن تراه.

لم يجب أورِن. كان لا يزال ممسكًا بقطعة الحديد، وإن كانت يده ترتجف الآن من الإرهاق أكثر مما ترتجف من الخوف.

 

 

ثم لم يبقَ شيء.

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط