سيدريك فاين
بقي الاسم المحفور على الخاتم أمام عينيه لحظة أخيرة، ثم أغمض أورِن عينيه وهمس به.
مرة.
انتظر. لم يحدث شيء سوى صمت الزنزانة المعتاد، وصوت الماء البعيد الذي عاد إلى قطراته الرتيبة.
ثم، بعد نَفَس طويل، للمرة الثالثة.
مرة ثانية، بصوت أخفض هذه المرة، كأنه يتردد في أن يسمع نفسه ينطقه.
لم يكن تغييرًا كبيرًا بما يكفي ليبدو غريبًا تمامًا، لكنه كان كافيًا ليجعل أورِن يدرك أن أحدًا لن يتعرف عليه في الشارع، وأن الاسم الذي عاش به طوال حياته لن يجد له صاحبًا بعد الآن.
ثم، بعد نَفَس طويل، للمرة الثالثة.
لم يجلس أورِن. بقي واقفًا، يراقب الرجل بحذر لم يتغير منذ الزنزانة. “لماذا أنقذتني؟”
تردد أورِن للحظة، ثم وقف أمام قطعة الزجاج. لم ير انعكاسًا واضحًا فيها في البداية، فقط ظلًا داكنًا يتحرك مع حركته. لمس الرجل حافة الإطار النحاسي، وهمس بكلمات منخفضة لم يستطع أورِن تمييزها، وبدأ الزجاج يتوهج بضوء خافت من الداخل.
لم يكن يتوقع شيئًا واضحًا. جزء منه ظن أن الرجل الغريب كذب، أو أن الخاتم مجرد قطعة معدن باردة لا تحمل شيئًا سوى وهم منحه إياه ليموت وهو يظن أن أمامه طريقًا. لكن فكرة كهذه لم يعد لديه رفاهية التفكير فيها طويلًا. مارِن في مكان ما، وهو أسير، ولا يملك شيئًا آخر يجربه.
ستحتاج اسمًا جديدًا،” قال الرجل وهو ينظر إلى الانعكاس الغريب في الزجاج.
ستحتاج اسمًا جديدًا،” قال الرجل وهو ينظر إلى الانعكاس الغريب في الزجاج.
البرودة بدأت من عظامه.
جلس أورِن أخيرًا، ليس لأنه ارتاح، بل لأن جسده، رغم شفائه الغريب، لم يعد يحتمل الوقوف طويلًا. “أعمل معك في ماذا؟”
“لا تعرف.” رد النبيل ببساطة لا تحمل أي محاولة لإقناعه بأكثر مما قال. “لكن البديل أمامك هو زنزانة، وفجر لن تراه.”
لم تكن كالبرد العادي الذي عرفه في ليالي الشتاء، ولا حتى كالخدر الذي يسبق فقدان الوعي. كانت شيئًا أدق من ذلك، وكأن أصابع غير مرئية تتسلل إلى العظم المكسور في ذراعه وتلمسه من الداخل، وتبدأ بإعادة ترتيبه بخيوط باردة كالجليد. لم يكن الإحساس مريحًا؛ كان مزعجًا بطريقة عميقة، كأن جسده لم يعد بأكمله ملكه، وكأن شيئًا يمر عبره لا يستأذنه في ذلك.
لم تكن كالبرد العادي الذي عرفه في ليالي الشتاء، ولا حتى كالخدر الذي يسبق فقدان الوعي. كانت شيئًا أدق من ذلك، وكأن أصابع غير مرئية تتسلل إلى العظم المكسور في ذراعه وتلمسه من الداخل، وتبدأ بإعادة ترتيبه بخيوط باردة كالجليد. لم يكن الإحساس مريحًا؛ كان مزعجًا بطريقة عميقة، كأن جسده لم يعد بأكمله ملكه، وكأن شيئًا يمر عبره لا يستأذنه في ذلك.
شعر بضلوعه تستقر واحدة تلو الأخرى، بصوت خافت أقرب إلى طقطقة صغيرة داخل صدره، وتنفسه، الذي كان ضحلًا ومؤلمًا منذ المواجهة في المنشأة، بدأ يتسع دون أن يبذل جهدًا. لم يشعر بارتياح تجاه هذا الشفاء؛ شعر بالخوف منه، من سرعته، ومن غرابة أن يلتئم جسده وهو لا يعرف ثمن ذلك.
وفي لحظة قصيرة، خاطفة، أحس بشيء آخر تحت كل ذلك. ليس البرد، ولا الألم المتراجع، بل حضورًا غامضًا، بعيدًا جدًا، كأن شيئًا نائمًا في مكان لا يعرف موقعه بالضبط داخله تحرك للحظة، ثم سكن من جديد. لم يستطع الإمساك بالإحساس قبل أن يتلاشى، ولم يكن متأكدًا حتى أنه حدث فعلًا.
جلس أورِن أخيرًا، ليس لأنه ارتاح، بل لأن جسده، رغم شفائه الغريب، لم يعد يحتمل الوقوف طويلًا. “أعمل معك في ماذا؟”
وفي لحظة قصيرة، خاطفة، أحس بشيء آخر تحت كل ذلك. ليس البرد، ولا الألم المتراجع، بل حضورًا غامضًا، بعيدًا جدًا، كأن شيئًا نائمًا في مكان لا يعرف موقعه بالضبط داخله تحرك للحظة، ثم سكن من جديد. لم يستطع الإمساك بالإحساس قبل أن يتلاشى، ولم يكن متأكدًا حتى أنه حدث فعلًا.
ثم بدأت أطراف أصابعه بالتلاشي.
نهض الرجل ببطء، واتجه نحو خزانة صغيرة قرب رفوف الكتب، وأخرج منها قطعة زجاج داكنة مثبتة داخل إطار نحاسي منقوش برموز قديمة لم يتعرف أورِن على أي منها. حملها إلى الطاولة الكبيرة، ووضعها قائمة أمامه.
وفي لحظة قصيرة، خاطفة، أحس بشيء آخر تحت كل ذلك. ليس البرد، ولا الألم المتراجع، بل حضورًا غامضًا، بعيدًا جدًا، كأن شيئًا نائمًا في مكان لا يعرف موقعه بالضبط داخله تحرك للحظة، ثم سكن من جديد. لم يستطع الإمساك بالإحساس قبل أن يتلاشى، ولم يكن متأكدًا حتى أنه حدث فعلًا.
لم يكن اختفاءً كالضوء الذي ينطفئ، ولا كالدخان الذي يتصاعد ويتبدد. كانت أصابعه تتحول، ببطء، إلى شيء أشبه بحبر كثيف، أسود مائع يلتف على نفسه بدل أن يتبخر. امتد التحول إلى يديه، ثم إلى ذراعيه، وشعر بصوته يخفت وهو يحاول أن يقول شيئًا لم يعد يتذكر ما هو. الرائحة، رائحة الدم الجاف والرطوبة التي عرفها طوال الليل، بدأت تنسحب من حوله، كأن الزنزانة نفسها تنسى أنه كان فيها.
بقي الاسم المحفور على الخاتم أمام عينيه لحظة أخيرة، ثم أغمض أورِن عينيه وهمس به.
قبل أن يستطيع فهم ما يحدث، اختفت الزنزانة.
فتح عينيه على مكان آخر تمامًا.
“أنقذتك؟” رفع الرجل حاجبًا واحدًا، بابتسامة صغيرة لا تحمل سخرية واضحة. “أنا فقط منحتك خيارًا. أنت من اخترت أن تستخدمه.”
جلس أورِن أخيرًا، ليس لأنه ارتاح، بل لأن جسده، رغم شفائه الغريب، لم يعد يحتمل الوقوف طويلًا. “أعمل معك في ماذا؟”
سقف مرتفع، أخشاب داكنة تتقاطع فوقه بنقوش هندسية قديمة. أرضية من حجر مصقول تعكس ضوء الشموع بدل أن تبتلعه كما فعلت أرضية زنزانته. جدران مغطاة برفوف كتب ضخمة تمتد حتى السقف، جلود كتب قديمة بألوان بنية وحمراء داكنة، وسلّم خشبي صغير مسند إلى أحد الرفوف العالية. مدفأة حجرية في الطرف البعيد من القاعة، نارها هادئة لا تصدر أزيزًا عاليًا، وستائر ثقيلة مغلقة على نافذة طويلة لا يستطيع تخمين ما خلفها. طاولة كتابة واسعة قرب المدفأة، عليها أوراق مرتبة وكتاب مفتوح، وخريطة قديمة مطوية جزئيًا كأن أحدهم كان يدرسها قبل قليل. سيف بسيط معلّق على الجدار الجانبي، ومسدس بارود ملقى بإهمال طبيعي على حافة رف منخفض، لا كقطعة عرض بل كأداة يستخدمها صاحبها فعلًا.
شعر أورِن بغضب خافت يتحرك في صدره، لكنه ابتلعه. لم يكن هذا وقت المواجهة. “ماذا سأحصل عليه إن قبلت؟”
لم يكن المكان مرعبًا. كان جميلًا بهدوء يزعج أورِن أكثر من أي رعب مباشر كان يتوقعه.
جلس رجل في كرسي جلدي قرب المدفأة، كتاب مغلق بين يديه، وكأنه أنهى قراءته للتو، أو كأنه كان ينتظر هذه اللحظة بالضبط. رفع عينيه نحو أورِن دون أي مفاجأة في ملامحه، كمن يستقبل ضيفًا كان يعرف موعد وصوله.
“تنتهي.” قالها الرجل بوضوح لا لبس فيه. “الاسم الذي عرفته طوال حياتك لن يعود آمنًا لك بعد الليلة. سأمنحك اسمًا آخر، ووجهًا آخر.”
“يبدو أنك اخترت أن تسأل مرة أخرى.” قالها بهدوء، ووضع الكتاب على الطاولة القريبة منه.
“إذا رفضت؟”
نظر أورِن إلى يديه، إلى ذراعه التي كانت مكسورة قبل دقائق، فوجدها سليمة، وإن كان يشعر بثقل غريب فيها لم يعرفه من قبل. نظر حوله مرة أخرى، محاولًا أن يفهم كيف انتقل من زنزانة حجرية إلى قاعة كهذه دون أن يشعر بأي مسافة بينهما.
“ماذا فعلت بي؟” سأل، وصوته لا يزال يحمل خشونة من الليلة الماضية.
“من الآن فصاعدًا… اسمك “ سيدريك فاين”.
“لم أفعل شيئًا بك.” رد الرجل ، وأشار بيده إلى كرسي آخر قريب، دون أن يصرّ على أن يجلس أورِن فيه. “الخاتم فعل ما طُلب منه. أنت من ناداه.”
“في مسار يُسمى السرقة.” قالها الرجل ببساطة، وكأنها كلمة عادية لا تحتاج إلى شرح مطول. “ما تعرفه عنه على الأرجح بسيط: القدرة على نقل الأشياء دون لمسها. هذا صحيح، لكنه ليس كل شيء. سأعلمك ما تحتاج معرفته، بالقدر الذي تحتاجه، حين تحتاجه.”
“عندها سأعيدك إلى حيث أخذتك منه.” لم تحمل الجملة تهديدًا واضحًا، بل واقعية باردة. “لن أجبرك على شيء.”
لم يجلس أورِن. بقي واقفًا، يراقب الرجل بحذر لم يتغير منذ الزنزانة. “لماذا أنقذتني؟”
“أنقذتك؟” رفع الرجل حاجبًا واحدًا، بابتسامة صغيرة لا تحمل سخرية واضحة. “أنا فقط منحتك خيارًا. أنت من اخترت أن تستخدمه.”
“تنتهي.” قالها الرجل بوضوح لا لبس فيه. “الاسم الذي عرفته طوال حياتك لن يعود آمنًا لك بعد الليلة. سأمنحك اسمًا آخر، ووجهًا آخر.”
“وماذا تريد مقابل هذا الخيار؟”
لم يكن اختفاءً كالضوء الذي ينطفئ، ولا كالدخان الذي يتصاعد ويتبدد. كانت أصابعه تتحول، ببطء، إلى شيء أشبه بحبر كثيف، أسود مائع يلتف على نفسه بدل أن يتبخر. امتد التحول إلى يديه، ثم إلى ذراعيه، وشعر بصوته يخفت وهو يحاول أن يقول شيئًا لم يعد يتذكر ما هو. الرائحة، رائحة الدم الجاف والرطوبة التي عرفها طوال الليل، بدأت تنسحب من حوله، كأن الزنزانة نفسها تنسى أنه كان فيها.
لم يتردد الرجل في الإجابة، لكنه أيضًا لم يسرع بها. “أريدك أن تعمل معي.”
لم يكن المكان مرعبًا. كان جميلًا بهدوء يزعج أورِن أكثر من أي رعب مباشر كان يتوقعه.
“عندها سأعيدك إلى حيث أخذتك منه.” لم تحمل الجملة تهديدًا واضحًا، بل واقعية باردة. “لن أجبرك على شيء.”
جلس أورِن أخيرًا، ليس لأنه ارتاح، بل لأن جسده، رغم شفائه الغريب، لم يعد يحتمل الوقوف طويلًا. “أعمل معك في ماذا؟”
نظر أورِن إلى النار في المدفأة لحظة، يفكر لا بالكلمات بل بالصورة التي عادت إليه رغمًا عنه: مارِن مقيدة، عيناها نصف مغلقتين. لم يكن أمامه قرار حقيقي، وكلاهما يعرف ذلك.
“في مسار يُسمى السرقة.” قالها الرجل ببساطة، وكأنها كلمة عادية لا تحتاج إلى شرح مطول. “ما تعرفه عنه على الأرجح بسيط: القدرة على نقل الأشياء دون لمسها. هذا صحيح، لكنه ليس كل شيء. سأعلمك ما تحتاج معرفته، بالقدر الذي تحتاجه، حين تحتاجه.”
لم يكن اختفاءً كالضوء الذي ينطفئ، ولا كالدخان الذي يتصاعد ويتبدد. كانت أصابعه تتحول، ببطء، إلى شيء أشبه بحبر كثيف، أسود مائع يلتف على نفسه بدل أن يتبخر. امتد التحول إلى يديه، ثم إلى ذراعيه، وشعر بصوته يخفت وهو يحاول أن يقول شيئًا لم يعد يتذكر ما هو. الرائحة، رائحة الدم الجاف والرطوبة التي عرفها طوال الليل، بدأت تنسحب من حوله، كأن الزنزانة نفسها تنسى أنه كان فيها.
“ولماذا أنا؟”
سقف مرتفع، أخشاب داكنة تتقاطع فوقه بنقوش هندسية قديمة. أرضية من حجر مصقول تعكس ضوء الشموع بدل أن تبتلعه كما فعلت أرضية زنزانته. جدران مغطاة برفوف كتب ضخمة تمتد حتى السقف، جلود كتب قديمة بألوان بنية وحمراء داكنة، وسلّم خشبي صغير مسند إلى أحد الرفوف العالية. مدفأة حجرية في الطرف البعيد من القاعة، نارها هادئة لا تصدر أزيزًا عاليًا، وستائر ثقيلة مغلقة على نافذة طويلة لا يستطيع تخمين ما خلفها. طاولة كتابة واسعة قرب المدفأة، عليها أوراق مرتبة وكتاب مفتوح، وخريطة قديمة مطوية جزئيًا كأن أحدهم كان يدرسها قبل قليل. سيف بسيط معلّق على الجدار الجانبي، ومسدس بارود ملقى بإهمال طبيعي على حافة رف منخفض، لا كقطعة عرض بل كأداة يستخدمها صاحبها فعلًا.
لم يجب الرجل على هذا السؤال مباشرة. نظر إليه لحظة، وكأنه يزن كم من الحقيقة يستحق أورِن سماعه الآن، ثم قال فقط: “لأسباب سأشرحها حين يحين وقتها. ليس الآن.”
شعر أورِن بغضب خافت يتحرك في صدره، لكنه ابتلعه. لم يكن هذا وقت المواجهة. “ماذا سأحصل عليه إن قبلت؟”
“معرفة. مهارة. وهوية جديدة تسمح لك بالبقاء حيًا خارج هذه الزنزانة.” قالها الرجل، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: “اسمك موجود الآن في سجلات الإمبراطورية، ووجهك معروف لمن يبحث عنك. لو عدت إلى حياتك القديمة، ستُقبض عليك قبل أن تصل إلى الحدود الأولى للمقاطعة.”
“وماذا عن مارِن؟”
“كيف أعرف أنك تستطيع فعلًا؟”
توقف الرجل قليلًا قبل أن يجيب، وكأن هذا السؤال يستحق دقة أكبر من غيره. “لن أعدك بأنني أستطيع إعادتها. لا أحد يستطيع أن يعدك بذلك بصدق. لكنني أستطيع أن أجعلك قادرًا على الوصول إليها، وإلى الرجل الذي أخذها.”
“كيف أعرف أنك تستطيع فعلًا؟”
لم يجب الرجل على هذا السؤال مباشرة. نظر إليه لحظة، وكأنه يزن كم من الحقيقة يستحق أورِن سماعه الآن، ثم قال فقط: “لأسباب سأشرحها حين يحين وقتها. ليس الآن.”
“لا تعرف.” رد النبيل ببساطة لا تحمل أي محاولة لإقناعه بأكثر مما قال. “لكن البديل أمامك هو زنزانة، وفجر لن تراه.”
صمت أورِن. كان يعرف أن الرجل محق، وكرهه لهذا أكثر مما كره أي شيء آخر قاله.
“يبدو أنك اخترت أن تسأل مرة أخرى.” قالها بهدوء، ووضع الكتاب على الطاولة القريبة منه.
“ولماذا أنا؟”
“إذا رفضت؟”
“عندها سأعيدك إلى حيث أخذتك منه.” لم تحمل الجملة تهديدًا واضحًا، بل واقعية باردة. “لن أجبرك على شيء.”
جلس رجل في كرسي جلدي قرب المدفأة، كتاب مغلق بين يديه، وكأنه أنهى قراءته للتو، أو كأنه كان ينتظر هذه اللحظة بالضبط. رفع عينيه نحو أورِن دون أي مفاجأة في ملامحه، كمن يستقبل ضيفًا كان يعرف موعد وصوله.
نظر أورِن إلى النار في المدفأة لحظة، يفكر لا بالكلمات بل بالصورة التي عادت إليه رغمًا عنه: مارِن مقيدة، عيناها نصف مغلقتين. لم يكن أمامه قرار حقيقي، وكلاهما يعرف ذلك.
“ماذا يحدث لهويتي القديمة؟”
“اقترب.”
“تنتهي.” قالها الرجل بوضوح لا لبس فيه. “الاسم الذي عرفته طوال حياتك لن يعود آمنًا لك بعد الليلة. سأمنحك اسمًا آخر، ووجهًا آخر.”
“في مسار يُسمى السرقة.” قالها الرجل ببساطة، وكأنها كلمة عادية لا تحتاج إلى شرح مطول. “ما تعرفه عنه على الأرجح بسيط: القدرة على نقل الأشياء دون لمسها. هذا صحيح، لكنه ليس كل شيء. سأعلمك ما تحتاج معرفته، بالقدر الذي تحتاجه، حين تحتاجه.”
نهض الرجل ببطء، واتجه نحو خزانة صغيرة قرب رفوف الكتب، وأخرج منها قطعة زجاج داكنة مثبتة داخل إطار نحاسي منقوش برموز قديمة لم يتعرف أورِن على أي منها. حملها إلى الطاولة الكبيرة، ووضعها قائمة أمامه.
“اقترب.”
تردد أورِن للحظة، ثم وقف أمام قطعة الزجاج. لم ير انعكاسًا واضحًا فيها في البداية، فقط ظلًا داكنًا يتحرك مع حركته. لمس الرجل حافة الإطار النحاسي، وهمس بكلمات منخفضة لم يستطع أورِن تمييزها، وبدأ الزجاج يتوهج بضوء خافت من الداخل.
شعر أورِن بحرارة خفيفة تمر على وجهه، لا تحرق، بل تعيد تشكيله بلطف مزعج. رأى في الزجاج ملامحه تتغير ببطء: أنفه يضيق قليلًا، فكه يتحدد بشكل مختلف، خط شعره يتراجع درجة بسيطة عما كان عليه، ولون عينيه يميل إلى درجة أغمق مما اعتاد رؤيته في كل مرآة نظر فيها طوال حياته.
لم يجب الرجل على هذا السؤال مباشرة. نظر إليه لحظة، وكأنه يزن كم من الحقيقة يستحق أورِن سماعه الآن، ثم قال فقط: “لأسباب سأشرحها حين يحين وقتها. ليس الآن.”
“اقترب.”
توقف التوهج. نظر أورِن إلى الزجاج، فرأى وجه رجل لا يعرفه.
انتظر. لم يحدث شيء سوى صمت الزنزانة المعتاد، وصوت الماء البعيد الذي عاد إلى قطراته الرتيبة.
لم يكن تغييرًا كبيرًا بما يكفي ليبدو غريبًا تمامًا، لكنه كان كافيًا ليجعل أورِن يدرك أن أحدًا لن يتعرف عليه في الشارع، وأن الاسم الذي عاش به طوال حياته لن يجد له صاحبًا بعد الآن.
نهض الرجل ببطء، واتجه نحو خزانة صغيرة قرب رفوف الكتب، وأخرج منها قطعة زجاج داكنة مثبتة داخل إطار نحاسي منقوش برموز قديمة لم يتعرف أورِن على أي منها. حملها إلى الطاولة الكبيرة، ووضعها قائمة أمامه.
بقي واقفًا أمام الزجاج وقتًا طويلاً، ينظر إلى الوجه الذي أصبح وجهه الآن دون أن يشعر أنه له .
“ماذا فعلت بي؟” سأل، وصوته لا يزال يحمل خشونة من الليلة الماضية.
“عندها سأعيدك إلى حيث أخذتك منه.” لم تحمل الجملة تهديدًا واضحًا، بل واقعية باردة. “لن أجبرك على شيء.”
ستحتاج اسمًا جديدًا،” قال الرجل وهو ينظر إلى الانعكاس الغريب في الزجاج.
توقف الرجل قليلًا قبل أن يجيب، وكأن هذا السؤال يستحق دقة أكبر من غيره. “لن أعدك بأنني أستطيع إعادتها. لا أحد يستطيع أن يعدك بذلك بصدق. لكنني أستطيع أن أجعلك قادرًا على الوصول إليها، وإلى الرجل الذي أخذها.”
لم ينطق أورِن بحرف. كان يحمل ثقل وجهه الجديد بعينين تائهتين، يراقب الملامح التي لا تشبهه، وكأن صمته اعترافٌ أخير بأنه لم يعد يملك حتى حق تسمية نفسه.
“ولماذا أنا؟”
“من الآن فصاعدًا… اسمك “ سيدريك فاين”.
“ماذا يحدث لهويتي القديمة؟”
