لماذا لم تتوقف؟
لم يفكر أورِن طويلًا. رأى حالة مارِن، وشيء بسيط وحازم استقر في رأسه فوق كل الثقل الذي كان يجلس فيه قبل لحظات: يجب أن يخرجها من هنا الآن.
مرر ذراعه تحت ركبتيها، والأخرى خلف ظهرها، وحاول أن يرفعها. صرخ الألم في ضلوعه فورًا، حادًا وواضحًا، وكاد يسقطها من يديه في اللحظة نفسها التي حملها فيها. ثبّت قدميه، وأعاد توزيع وزنها، فشعر بذراعه اليسرى ترتجف تحت ثقلها القليل نسبيًا، ثقل لا يبرر كل هذا الألم لولا أن جسده نفسه أصبح بالكاد قادرًا على حمل نفسه.
مرر ذراعه تحت ركبتيها، والأخرى خلف ظهرها، وحاول أن يرفعها. صرخ الألم في ضلوعه فورًا، حادًا وواضحًا، وكاد يسقطها من يديه في اللحظة نفسها التي حملها فيها. ثبّت قدميه، وأعاد توزيع وزنها، فشعر بذراعه اليسرى ترتجف تحت ثقلها القليل نسبيًا، ثقل لا يبرر كل هذا الألم لولا أن جسده نفسه أصبح بالكاد قادرًا على حمل نفسه.
جسدها استسلم بين ذراعيه بالكامل، رأسها مال على كتفه دون أن تحاول رفعه، ويداها معلقتان بلا حياة على جانبيها. لم تصدر صوتًا. لم تتحرك لتساعده. كان عليه أن يحملها بالكامل، وزنها الميت يضغط على ضلوعه المصابة مع كل خطوة.
استغرقه بضع ثوانٍ ليفهم ما يراه.
لم يفكر أورِن طويلًا. رأى حالة مارِن، وشيء بسيط وحازم استقر في رأسه فوق كل الثقل الذي كان يجلس فيه قبل لحظات: يجب أن يخرجها من هنا الآن.
توقف بعد بضع خطوات، يتنفس بصعوبة، وكاد يسقط على ركبتيه، لكنه أجبر نفسه على الثبات. غيّر طريقة حملها، رفعها أعلى قليلاً نحو كتفه، وواصل السير.
خرج من القاعة الكبرى عبر الباب الذي دخل الخدم منه، متوقعًا أن يصطدم بصراخ وحراس وأصوات إنذار.
“لماذا قتلتني؟”
لم يجد شيئًا.
لم يتحرك أورِن. لم يستطع. عرف، بيقين لا مجال للشك فيه، أن هذا الرجل مات. رآه يسقط. رآه بلا حركة بعد الطعنة الأخيرة. لكنه يقف الآن أمامه، بلا أثر واضح لأي جرح.
الممر الذي خرج إليه كان فارغًا تمامًا. لا خطوات. لا أصوات. لا حتى وهج ضوء متحرك يوحي بوجود أحد يقترب. توقف للحظة، رغم كل ما يدفعه للاستمرار، لأن هذا الفراغ نفسه بدا خاطئًا بطريقة لا يستطيع تسميتها. مكان كهذا، بهذا الحجم، بهذا العدد من الخدم والحراس الذين رآهم قبل ساعة فقط، لا يصبح صامتًا هكذا فجأة.
اقترب منه بحذر، وأسند مارِن بذراع واحدة بصعوبة ليدفع الباب بالأخرى.
استمع. لم يسمع سوى أنفاسه هو، واحتكاك ثوب مارِن مع كل خطوة يخطوها، وصدى خفيف لخطواته على الحجر.
تحركت.
واصل السير، باحثًا عن أي طريق يخرجه من هذا المبنى، وفي منتصف ممر طويل، لاحظ بابًا لم ينتبه إليه من قبل، نصف مواربًا، ضوء خافت يتسرب من خلفه.
شيء في داخل أورِن انهار عند هذه الجملة بالذات، أكثر مما انهار عند رؤية التشوه نفسه. جسده لم يعد يطيعه. شعر بغثيان يصعد بسرعة، وانحنى فجأة، وتقيأ على الأرض الحجرية، جسده يرتجف بعنف مع كل موجة، بينما ذراعه الأخرى تحاول، بصعوبة بالغة، أن تبقي مارِن مسندة إليه دون أن تسقط.
اقترب منه بحذر، وأسند مارِن بذراع واحدة بصعوبة ليدفع الباب بالأخرى.
وصلته الرائحة قبل أن يكمل استيعاب المشهد، خليطًا ثقيلاً من الدم ورطوبة قديمة ورائحة الصدي ورائحة أخرى لم يستطع تحديدها، أقرب إلى شيء عضوي تحلل بطريقة غير طبيعية.
توقفت، وكأن التنفس نفسه يمزق حنجرتها، ثم أضافت بصوت أضعف، وبنبرة غريبة بريئة وسط كل هذا الرعب: “أريد أن أبيع المزيد من الزهور.”
استغرقه بضع ثوانٍ ليفهم ما يراه.
لم يفكر بعد ذلك. أراد فقط الابتعاد. سحب مارِن بقوة لم يكن يعرف أنه لا يزال يملكها، وابتعد عن الباب، تاركًا خلفه ذلك الصوت الضعيف يتلاشى في الظلام دون أن يجرؤ على النظر إليه مرة أخرى.
في البداية ظن أنها أكوام من الملابس، أو ربما جثث ملقاة بشكل عشوائي، لكن مع اتساع عينيه في الضوء الخافت، بدأت التفاصيل تتضح، وتفاصيل أخرى ترفض أن تُفهم. أجساد بشرية، أو ما كان بشريًا في وقت ما، ملقاة على الأرض بأوضاع لا يستطيع جسد سليم أن يتخذها. طرف ملتوٍ في زاوية مستحيلة. جذع منتفخ بشكل غير طبيعي في مكان يجب أن يكون نحيلًا. جلد بدا وكأنه شُدّ فوق عظام تغيرت أشكالها من الداخل.
جسدها استسلم بين ذراعيه بالكامل، رأسها مال على كتفه دون أن تحاول رفعه، ويداها معلقتان بلا حياة على جانبيها. لم تصدر صوتًا. لم تتحرك لتساعده. كان عليه أن يحملها بالكامل، وزنها الميت يضغط على ضلوعه المصابة مع كل خطوة.
وصلته الرائحة قبل أن يكمل استيعاب المشهد، خليطًا ثقيلاً من الدم ورطوبة قديمة ورائحة الصدي ورائحة أخرى لم يستطع تحديدها، أقرب إلى شيء عضوي تحلل بطريقة غير طبيعية.
تراجع خطوة، لكنه لم يستطع أن يبعد عينيه.
لاحظ قطعة قماش زرقاء ممزقة على أحد الأجساد، نمط خياطة يعرفه، رآه في متجر يزوره أحيانًا. نظر إلى الوجه، أو ما تبقى منه، وأدرك ببطء رهيب من تكون: ابنة صاحب متجر الخياطة، الفتاة التي رآها أكثر من مرة تساعد والدها خلف الطاولة، وجهها الآن ممتد بشكل غير طبيعي، وفكها في زاوية لا تنتمي إلى وجه بشري.
لم يفكر بعد ذلك. أراد فقط الابتعاد. سحب مارِن بقوة لم يكن يعرف أنه لا يزال يملكها، وابتعد عن الباب، تاركًا خلفه ذلك الصوت الضعيف يتلاشى في الظلام دون أن يجرؤ على النظر إليه مرة أخرى.
نظر بعيدًا، محاولًا أن يجد شيئًا آخر يركّز عليه، فرأى جسدًا أصغر وشعرًا طويلاً مضفورًا بضفيرتين ملتصقتين بجلد رأس مشوه. تعرف على الضفيرتين قبل أن يتعرف على الوجه: بائعة الزهور، التي رآها في سوق القرية أكثر مما يستطيع عدّه، تبتسم دائمًا وهي تمد باقة صغيرة لمن يمر.
شيء في داخل أورِن انهار عند هذه الجملة بالذات، أكثر مما انهار عند رؤية التشوه نفسه. جسده لم يعد يطيعه. شعر بغثيان يصعد بسرعة، وانحنى فجأة، وتقيأ على الأرض الحجرية، جسده يرتجف بعنف مع كل موجة، بينما ذراعه الأخرى تحاول، بصعوبة بالغة، أن تبقي مارِن مسندة إليه دون أن تسقط.
لكنها لم تكن وحدها؛ كان جسدها ملتحمًا بعضامِه ولحمه بجسدٍ آخر لم يستطع تمييزه، كأن السحر صهرهما معًا في كتلة واحدة، ويخرج من بين الأنسجة الملتصقة صدى خافت كأنه طنين سحري مكتوم.
رفعت رأسها بصعوبة واضحة، وعنقها يصدر صوت طقطقة لا يمكن أن يصدر عن عنق بشري، ونظرت إليه بعينين لا تزالان تحملان شيئًا بشريًا وسط كل هذا التشوه، شيئًا يشبه اليأس الذي رآه في عيني مارِن قبل قليل.
لم يجد شيئًا.
تحركت.
رفعت رأسها بصعوبة واضحة، وعنقها يصدر صوت طقطقة لا يمكن أن يصدر عن عنق بشري، ونظرت إليه بعينين لا تزالان تحملان شيئًا بشريًا وسط كل هذا التشوه، شيئًا يشبه اليأس الذي رآه في عيني مارِن قبل قليل.
خرج من القاعة الكبرى عبر الباب الذي دخل الخدم منه، متوقعًا أن يصطدم بصراخ وحراس وأصوات إنذار.
فتحت فمها، وخرج صوت مكسور، يتردد بصدى مزدوج بالكاد يشبه كلامًا: “أنقذني…”
نظر بعيدًا، محاولًا أن يجد شيئًا آخر يركّز عليه، فرأى جسدًا أصغر وشعرًا طويلاً مضفورًا بضفيرتين ملتصقتين بجلد رأس مشوه. تعرف على الضفيرتين قبل أن يتعرف على الوجه: بائعة الزهور، التي رآها في سوق القرية أكثر مما يستطيع عدّه، تبتسم دائمًا وهي تمد باقة صغيرة لمن يمر.
توقفت، وكأن التنفس نفسه يمزق حنجرتها، ثم أضافت بصوت أضعف، وبنبرة غريبة بريئة وسط كل هذا الرعب: “أريد أن أبيع المزيد من الزهور.”
فتحت فمها، وخرج صوت مكسور، يتردد بصدى مزدوج بالكاد يشبه كلامًا: “أنقذني…”
شيء في داخل أورِن انهار عند هذه الجملة بالذات، أكثر مما انهار عند رؤية التشوه نفسه. جسده لم يعد يطيعه. شعر بغثيان يصعد بسرعة، وانحنى فجأة، وتقيأ على الأرض الحجرية، جسده يرتجف بعنف مع كل موجة، بينما ذراعه الأخرى تحاول، بصعوبة بالغة، أن تبقي مارِن مسندة إليه دون أن تسقط.
آلام إصاباته تضاعفت فجأة، كأن جسده استغل هذه اللحظة ليذكّره بكل ما تحمله، ضلوعه، وجهه، ساقه التي بدأت ترتجف تحته. كاد يسقط بالكامل، لكنه أجبر نفسه على النهوض، مسندًا كتفه إلى إطار الباب.
لم يفكر بعد ذلك. أراد فقط الابتعاد. سحب مارِن بقوة لم يكن يعرف أنه لا يزال يملكها، وابتعد عن الباب، تاركًا خلفه ذلك الصوت الضعيف يتلاشى في الظلام دون أن يجرؤ على النظر إليه مرة أخرى.
سار بسرعة أكبر مما يسمح به جسده، لا يعرف إلى أين، فقط بعيدًا، عبر ممر آخر لم يتعرف عليه، حتى وصل إلى باب جديد، دفعه بكتفه دون تفكير.
كان النبيل يقف هناك.
توقف فورًا.
“لماذا لم تتوقف؟”
كان النبيل يقف هناك.
الرجل نفسه، ثوبه الداكن، وقفته الهادئة، وجهه الذي رآه آخر مرة ملقًى بلا حركة على الرخام، مغطى بدمه.
سار بسرعة أكبر مما يسمح به جسده، لا يعرف إلى أين، فقط بعيدًا، عبر ممر آخر لم يتعرف عليه، حتى وصل إلى باب جديد، دفعه بكتفه دون تفكير.
لم يتحرك أورِن. لم يستطع. عرف، بيقين لا مجال للشك فيه، أن هذا الرجل مات. رآه يسقط. رآه بلا حركة بعد الطعنة الأخيرة. لكنه يقف الآن أمامه، بلا أثر واضح لأي جرح.
لكنها لم تكن وحدها؛ كان جسدها ملتحمًا بعضامِه ولحمه بجسدٍ آخر لم يستطع تمييزه، كأن السحر صهرهما معًا في كتلة واحدة، ويخرج من بين الأنسجة الملتصقة صدى خافت كأنه طنين سحري مكتوم.
تحركت.
نظر إليه النبيل، بنفس الهدوء الذي عرفه فيه طوال المعركة.
اندفع النبيل نحوه فجأة، بسرعة لا تناسب حركته البطيئة قبل لحظات.
“لماذا قتلتني؟”
لم يستطع أورِن أن يجيب. صوته اختفى تمامًا، وشعر بالأرض تحته تميل قليلاً، وإن لم تكن تتحرك فعلاً.
تراجع خطوة، لكنه لم يستطع أن يبعد عينيه.
تراجع خطوة، لكنه لم يستطع أن يبعد عينيه.
“لماذا لم تتوقف؟”
آلام إصاباته تضاعفت فجأة، كأن جسده استغل هذه اللحظة ليذكّره بكل ما تحمله، ضلوعه، وجهه، ساقه التي بدأت ترتجف تحته. كاد يسقط بالكامل، لكنه أجبر نفسه على النهوض، مسندًا كتفه إلى إطار الباب.
سمع أورِن السؤال يتردد داخل رأسه، السؤال نفسه الذي طارده منذ لحظة سقوط الرجل، والآن يُقال بصوت الرجل نفسه.
“لماذا قتلتني؟”
بدأ كل شيء أمامه يهتز. ليس المكان، بل إدراكه له. رأى وجه النبيل يتحرك بطريقة لا تنتمي إلى حركة طبيعية، فكه يتسع أكثر مما يجب، وعيناه تنزلقان قليلاً عن مكانهما المعتاد، ورقبته تميل بزاوية لا يستطيع عنق بشري أن يتخذها دون أن ينكسر. لم يكن التشوه واضحًا بما يكفي ليتأكد أنه حقيقي، ولا خفيفًا بما يكفي ليقنع نفسه أنه وهم.
توقف فورًا.
توقف فورًا.
سمع صوتًا آخر، بعيدًا، ربما مارِن، ربما شيئًا آخر تمامًا، لا يستطيع تمييزه وسط الطنين الذي بدأ يملأ أذنيه.
لم يستطع أورِن أن يجيب. صوته اختفى تمامًا، وشعر بالأرض تحته تميل قليلاً، وإن لم تكن تتحرك فعلاً.
لكنها لم تكن وحدها؛ كان جسدها ملتحمًا بعضامِه ولحمه بجسدٍ آخر لم يستطع تمييزه، كأن السحر صهرهما معًا في كتلة واحدة، ويخرج من بين الأنسجة الملتصقة صدى خافت كأنه طنين سحري مكتوم.
اندفع النبيل نحوه فجأة، بسرعة لا تناسب حركته البطيئة قبل لحظات.
لاحظ قطعة قماش زرقاء ممزقة على أحد الأجساد، نمط خياطة يعرفه، رآه في متجر يزوره أحيانًا. نظر إلى الوجه، أو ما تبقى منه، وأدرك ببطء رهيب من تكون: ابنة صاحب متجر الخياطة، الفتاة التي رآها أكثر من مرة تساعد والدها خلف الطاولة، وجهها الآن ممتد بشكل غير طبيعي، وفكها في زاوية لا تنتمي إلى وجه بشري.
حاول أورِن أن يتحرك، أن يسحب مارِن خلفه، أن يرفع ذراعًا لحمايتهما، لكن جسده استجاب متأخرًا، بطيئًا، مثقلاً بكل الجروح التي تراكمت عليه تلك الليلة.
سار بسرعة أكبر مما يسمح به جسده، لا يعرف إلى أين، فقط بعيدًا، عبر ممر آخر لم يتعرف عليه، حتى وصل إلى باب جديد، دفعه بكتفه دون تفكير.
رأى الشكل يقترب، أسرع مما تستطيع عيناه تتبعه بوضوح، وحاول أن يرفع يده، فشعر بدوار حاد يجتاحه، والأصوات من حوله تبتعد أكثر، والضوء نفسه يبدأ بالتلاشي عند أطراف رؤيته.
في البداية ظن أنها أكوام من الملابس، أو ربما جثث ملقاة بشكل عشوائي، لكن مع اتساع عينيه في الضوء الخافت، بدأت التفاصيل تتضح، وتفاصيل أخرى ترفض أن تُفهم. أجساد بشرية، أو ما كان بشريًا في وقت ما، ملقاة على الأرض بأوضاع لا يستطيع جسد سليم أن يتخذها. طرف ملتوٍ في زاوية مستحيلة. جذع منتفخ بشكل غير طبيعي في مكان يجب أن يكون نحيلًا. جلد بدا وكأنه شُدّ فوق عظام تغيرت أشكالها من الداخل.
سمع شيئًا يشبه صوت النبيل، أو ربما صوته هو، يتردد مرة أخيرة قبل أن يبتلع الظلام كل شيء:
لاحظ قطعة قماش زرقاء ممزقة على أحد الأجساد، نمط خياطة يعرفه، رآه في متجر يزوره أحيانًا. نظر إلى الوجه، أو ما تبقى منه، وأدرك ببطء رهيب من تكون: ابنة صاحب متجر الخياطة، الفتاة التي رآها أكثر من مرة تساعد والدها خلف الطاولة، وجهها الآن ممتد بشكل غير طبيعي، وفكها في زاوية لا تنتمي إلى وجه بشري.
“لماذا لم تتوقف؟”
اقترب منه بحذر، وأسند مارِن بذراع واحدة بصعوبة ليدفع الباب بالأخرى.
