«دارين.»
بدت الكلمة، في المرة الأولى، مألوفة تمامًا، بثقل اسم يخص شخصًا حقيقيًا. حاول أن يقولها مرة أخرى بعد لحظة، فوجد أن ثقلها قد خفّ قليلًا، كأنها كلمة سمعها مرة في مكان بعيد ولا يتذكر مناسبتها.
نظر حوله. الساحة. التمثال. البيت الذي طرق بابه للتو.
كان يعرف أنه جاء إلى هنا بحثًا عن شخص. كان يعرف أن هذا الشخص كان مهمًا بما يكفي ليقطع هذا الطريق كله من أجله. لكن حين حاول أن يستدعي الاسم مرة ثالثة، لم يجد في مكانه سوى فراغ هادئ، بلا صدى، وكأن مكانًا كان مشغولًا قد أُخلي دون ضجيج.
وقف في وسط الطريق، والقرية ساكنة من حوله كما كانت منذ دخولها، وحاول أن يتذكر لماذا جاء إلى هنا أصلًا.
كان يعرف أنه كان يبحث عن أحد.
لم يعد يعرف عمّن.
ابتعد أورِن عن البيت الذي كان يظنه بيت والد دارين، وسار بلا وجهة واضحة بضع دقائق، قبل أن تتضح أمامه وجهة واحدة.
بيته.
لم يذهب إليه بحثًا عن راحة. ذهب إليه لأنه احتاج إلى شيء يستطيع أن يلمسه، شيء ثابت يقيس عليه ما تبقى من ثقته بذاكرته.
عرف الطريق دون تفكير، كما يعرف المرء طريقًا مشى فيه مئات المرات. انعطف عند الزاوية المعتادة، وعدّ البيوت الثلاثة التي تسبق بيته، ووقف أمام الباب الرابع.
كان الباب في مكانه تقريبًا، بلونه الداكن ومقبضه النحاسي، لكن هناك تفصيلًا صغيرًا لم يستطع تحديده بدقة، شيء في زاوية الإطار أو في ارتفاع العتبة.
مده يده لأجل أن يفتح الباب.
ثم فتح الباب رجل في منتصف العمر، لم يرَه أورِن من قبل. عيناه ضيقتان من التعب أو من ضوء الظهيرة، وثيابه بسيطة من نوع من يعمل بيديه طوال النهار.
«نعم؟» قال الرجل.
«هذا بيتي،» قال أورِن.
نظر إليه الرجل نظرة من يواجه سوء فهم لا يعرف مصدره.
«بيتك؟» قال. «هذا بيتي. اسمي أدريان. أعيش هنا مع عائلتي منذ أن بناه أبي، قبل زواجي بسنوات.»
حاول أورِن أن ينظر من خلفه إلى داخل البيت. رأى جزءًا من غرفة الاستقبال، طاولة خشبية لم يتذكرها، مقاعد مختلفة، وستارة بلون لم يكن يعرفه على النافذة. جاءته من الداخل رائحة طعام غريبة عليه، ولم تكن الرائحة التي اعتاد أن تستقبله كل مساء.
«كان هنا سرير عند الجدار الشرقي،» قال أورِن، أكثر لنفسه منه للرجل. «وخزانة عند الباب.»
نظر إليه صفوان بحذر أكبر.
«لا أعرف من أين أتيت،» قال، «لكن هذا البيت لعائلتي وحدها.»
لم يكن في صوته عداء، بل حيرة رجل يواجه غريبًا يتحدث عن ملكيته وكأنها ملكية مشتركة لسبب لا يفهمه.
لم يجد أورِن ما يرد به. لم يكن معه دليل واحد يستطيع أن يضعه أمام هذا الرجل. وقف لحظة أخرى، ثم تراجع خطوة، وقال بصوت هادئ:
«آسف. أظن أنني أخطأت المكان.»
أغلق أدريان الباب دون أن يزيد شيئًا.
بقي أورِن في الطريق، ينظر إلى الباب المغلق. إذا كان بيته يمكن أ يكون بيت رجل آخر، فلا بد من مكان يستطيع فيه أن يثبت وجوده بدليل لا يعتمد على ذاكرته وحدها.
الأرشيف.
كان الأرشيف كما تذكره من الخارج، حجرًا رماديًا وبابًا ثقيلًا وسلمًا حجريًا قصيرًا. دخل دون أن يستأذن، كما اعتاد أن يدخل كل صباح.
كان المشرف جالسًا خلف طاولته المعتادة، ينظم أوراقًا أمامه. وكان زميله واقفًا عند رف الوثائق، يرتب صناديق مصنفة بعناية.
توقف الاثنان عند دخوله.
نظر المشرف إليه نظرة موظف يواجه زائرًا لا يعرفه.
«هل تريد شيئًا؟» قال.
لم يجب أورِن فورًا. نظر إلى زميله في العمل، منتظرًا أن يقول شيئًا، أن يتعرف عليه بابتسامة أو بإيماءة اعتادها بينهما. لكن زميله نظر إليه بالحيرة نفسها التي في وجه المشرف.
«أنا أورِن،» قال أخيرًا.
لم يتغير شيء في وجهيهما.
«أورِن؟» قال المشرف، وكأنه يعيد الاسم إلى ذاكرته ليتأكد. مرت لحظة صمت. «لا أظنني أعرف هذا الاسم.»
«كنت أعمل هنا،» قال أورِن. «كنت أجلس عند تلك الطاولة، بجانب الرف الثالث.»
نظر المشرف إلى الطاولة التي أشار إليها. كان عليها كومة أوراق ينظمها موظف آخر، لم يره أورِن من قبل، جالس هناك منذ دخوله دون أن ينتبه إليه.
«هذه طاولة كامل،» قال المشرف. «يعمل هنا منذ خمس سنوات.»
لم يقل أورِن شيئًا. نظر إلى الرجل الجالس، الذي رفع رأسه لحظة ثم عاد إلى عمله، غير مهتم بالحوار الدائر.
«هل تحتاج إلى مساعدة في شيء محدد؟» سأل المشرف، بنبرة أقرب إلى الصبر منها إلى الشك.
«أريد أن أراجع السجلات،» قال أورِن.
سمح له المشرف بالجلوس إلى طاولة جانبية، وأحضر له بنفسه بعض السجلات التي طلبها، مراقبًا إياه من حين لآخر دون أن يتدخل.
بدأ أورِن بسجل الموظفين. كان اسم المشرف فيه، واسم مارتن، واسم كامل الذي لم يسمع به من قبل. لم يجد اسمه.
انتقل إلى سجل السكان. مرّ إصبعه على الأسماء صفحة بعد صفحة، بحثًا عن حرف يبدأ به اسمه. وجد أسماء مشابهة في الوقع، لا في الحروف. لم يجد اسمه.
فتح سجل العائلات، بحثًا عن أي فرع يحمل اسم عائلته. لم يجد شيئًا هناك أيضًا.
طلب ملحق القرية القديمة، فأحضره له المشرف دون تعليق، وربما بدأ يظنه باحثًا يبحث عن معلومة قديمة، أو رجلًا مضطربًا يحتاج إلى وقت ليهدأ.
ثم وجد سجلًا يذكر أن المنزل في الطرف الغربي مملوك لعائلة أدريان منذ ثلاثة أجيال، دون أي إشارة إلى حدادة أو أدوات أو نار فرن.
ضمن أسماء أصحاب الأراضي في المنطقة، مكتوبًا بخط رسمي عادي، لا يختلف عن أي اسم آخر في الصفحة نفسها. لم يتوقف عنده أورِن طويلًا. لم يكن هذا ما يبحث عنه.
عاد إلى نفسه.
فتح سجل الموظفين مرة أخرى، وأعاد قراءته سطرًا سطرًا. فتح سجل السكان مرة ثانية. فتح سجل العائلات مرة أخرى.
لم يجد نفسه في أي منها.
راقبه المشرف من بعيد، بقلق متزايد لا يخفيه تمامًا، وهو يرى رجلًا يبحث عن اسمه في كل سجل رسمي متاح، دون أن يجده مرة واحدة.
حين أفرغ الأدراج التي طلبها من أجل السجلات الحية، بقي أمامه درج واحد لم يفتحه.
سجل الوفيات.
لم يفتحه بخطة واضحة. فتحه لأنه لم يبقَ أمامه شيء آخر يبحث فيه.
قلّب الصفحات دون ترتيب واضح في البداية، أسماء غريبة عنه، تواريخ متفرقة، أسباب موت مكتوبة بخط موظفين مختلفين على مدى سنوات.
ثم توقفت يده.
أورِن.
كان الاسم مكتوبًا بخط واضح، لا شيء غريب فيه، لا حبر يتحرك، لا كلمة تهتز. كان اسمًا مكتوبًا كأي اسم آخر في الصفحة.
أعاد قراءته.
أورِن.
نظر إلى الخانة المجاورة.
العمر: 21 عامًا.
تأكد من الرقم مرة، ثم مرة أخرى. كان عمره هو، بالضبط.
انتقل إلى الخانة التالية، حيث كُتب تاريخ، بخط الموظف نفسه، بلا تمييز عن باقي الصفحة.
قرأه.
لم يفهمه في القراءة الأولى، أو ربما فهمه ورفض أن يصدقه. أعاد قراءته حرفًا حرفًا، رقمًا رقمًا.
نظر إلى الخانة الأخيرة في السطر، حيث كلمة واحدة:
الوفاة .
بقيت عيناه على الكلمة لحظة طويلة.
ثم عاد إلى التاريخ، وحسب المسافة بينه وبين اليوم الذي هو فيه الآن. أخطأ الحساب مرة، فأعاده. أخطأه مرة ثانية، فأعاده بتمهل أكبر، عادًّا الأيام واحدًا واحدًا.
بعد يومين.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.