بقيت يد أورِن فوق السجل، أصابعه لا تزال على السطر الذي يحمل اسمه.
قرأ التاريخ مرة أخرى.
حسبه من جديد، يومًا يومًا، من التاريخ المكتوب في أعلى الصفحة إلى التاريخ الذي أمامه. توقف عند الرقم نفسه الذي توقف عنده قبل قليل. أعاد الحساب مرة ثالثة، بتمهل أكبر، وكأن بطء العد قد يغير النتيجة.
لم تتغير.
بعد يومين.
من كتب هذا؟
نظر إلى خط اليد. لم يكن مختلفًا عن خطوط باقي الصفحة، ولا عن خط الأسماء التي فوقه وتحته. لم تكن هناك علامة تشير إلى أن هذا السطر كُتب في وقت مختلف، أو بقلم مختلف، أو بيد مضطربة.
ربما هو خطأ. ربما الاسم لشخص آخر يحمل الاسم نفسه.
لكن العمر، إحدى وعشرون عامًا، لم يكن خطأً يمكن أن يقع مصادفة على الرقم نفسه بالضبط.
هذا هو.
نظر إلى يده الممتدة فوق الورقة. حرّك أصابعه، فرآها تتحرك. ضغط بإبهامه على حافة الطاولة الخشبية حتى شعر بالخشونة تخز جلده. سمع صوت خطوات المشرف على الأرضية الحجرية خلفه، وسمع صرير قلم مارتن وهو يكتب شيئًا في مكان بعيد من الغرفة.
كل هذا كان حقيقيًا.
لكن هذا لم يعنِ شيئًا.
ولم يكن يملك إجابة بعد.
طُرق الباب.
كان طرقًا عاديًا، ثلاث نقرات متباعدة بإيقاع رجل يعرف أن هناك من يجب أن يفتح له.
توقف عن التفكير للحظة، وأدار رأسه.
سار المشرف نحو الباب وفتحه.
وقف عند العتبة رسول يرتدي زي الحرس الإمبراطوري، يحمل حزمة أوراق مربوطة بشريط أحمر، وعلى غلافها ختم بارز يحمل شعار الإمبراطور. سلّم الحزمة إلى المشرف دون كلام كثير، وقال جملة عابرة عن ضرورة تسجيل الاستلام، ثم انصرف.
أغلق المشرف الباب، وحمل الحزمة إلى طاولته، ونظر إلى الختم قبل أن يفك الشريط.
نهض أورِن من مكانه ببطء، وترك سجل الوفيات مفتوحًا خلفه، واقترب.
لم يكن يفكر بوضوح فيما يفعله. كان جزء منه ما يزال غارقًا في السؤال الذي لا جواب له، لكن جزءًا آخر، أقدم من الاضطراب، تحرك نحو الأوراق الرسمية بغريزة رجل قضى حياته بين الوثائق ويعرف وزنها.
فتح المشرف الحزمة، وأخرج الصفحة الأولى، وقرأها بصمت.
مدّ أورِن يده وسحب الصفحة الثانية دون أن يستأذن، فلم يعترض المشرف، مشغولًا بما بين يديه.
كانت الصفحة إعلانًا رسميًا، بخط الديوان الإمبراطوري، مصاغًا بجمل قصيرة لا تترك مجالًا للتأويل.
يأمر جلالته بتعبئة كافة الرعايا القادرين داخل حدود الإمبراطورية للمشاركة في مواجهة الخونة وقوى الشعلة الزرقاء، كل بحسب قدرته وموقعه، وعلى كل من يتلقى هذا الأمر أن يحضر إلى النقاط المخصصة وفق الجداول الملحقة.
من يتخلف عن الحضور دون عذر، أو يرفض تنفيذ ما يُطلب منه، يُعامل باعتباره خائنًا لعهد الولاء، وتُطبق عليه الأحكام المقررة لذلك.
توقف أورِن عند كلمة «كافة».
فكر، بلا قصد واضح، في الأطفال. إذا كانت التعبئة تشمل كل الرعايا القادرين، فما الذي يُطلب من طفل لا يستطيع حمل سيف؟ لم يجد في الصفحة إجابة، ولم يكن هذا ما شغل تفكيره طويلًا. كانت مجرد فكرة عابرة، سؤال صغير بلا وزن أمام الأسئلة الأكبر التي يحملها.
طوى الصفحة، وانتقل إلى التي تليها.
كانت أمرًا آخر، أقصر، يخص القوات الإمبراطورية المتمركزة في الأراضي الشرقية والجبهات المتاخمة لمناطق نفوذ الخونة، يأمرها بالانسحاب فورًا والتوجه نحو العاصمة، لتشارك في مواجهة ما وصفته الوثيقة بالتهديد الداخلي المتصاعد.
أعاد أورِن قراءة السطر الذي يذكر موقع تلك القوات.
كانت المنطقة نفسها.
المنطقة التي عبرها في طريقه إلى القرية.
توقف.
تذكر الطريق. الغابة التي كثفت أشجارها كلما اقترب. الصمت الثقيل. توقف العربة المفاجئ. لم يتذكر جنودًا في أي مكان من تلك الرحلة، لا معسكرًا، ولا رايات، ولا أثر حركة قوات بهذا الحجم الذي تصفه الوثيقة.
كان وحده.
توقف عند هذه الفكرة قبل أن تكتمل.
هل كان؟
نظر إلى الوثيقة في يده مرة أخرى. القوات التي تذكرها الوثيقة لم تكن تخصه هو بالضرورة. ربما كانت في جزء آخر من تلك الأراضي، أبعد مما رآه، خارج مسار الطريق الذي سلكه. ربما لم يكن يعرف عنها لأن أحدًا لم يخبره.
حاول أن يستقر على هذا التفسير، فوجد أنه لا يمنحه الطمأنينة التي يحتاجها. كان تفسيرًا معقولًا بقدر ما كان تفسيره الأول عن ندبة دارين معقولًا، قبل أن ينهار أمام باب مغلق.
نظر إلى المشرف، الذي كان يراقبه الآن بقلق واضح، دون أن يقول شيئًا لبعض الوقت.
«هل تعرف شيئًا عن هذه القوات؟» سأله المشرف أخيرًا، مشيرًا إلى الأوراق التي في يد أورِن. «تبدو مهتمًا بها أكثر من اللازم.»
لم يجب أورِن مباشرة. نظر إلى السطر الذي يذكر موقع القوات، ثم إلى يده التي تحمل الورقة، ثم إلى النافذة البعيدة التي يدخل منها ضوء الظهيرة.
حاول أن يستعيد الطريق إلى القرية مرة أخرى، من البداية، خطوة خطوة، كما يتذكره.
تذكره.
ثم شكّ فيه.
تذكر أنه ذهب وحده.
ثم لم يعد قادرًا على أن يكون متأكدًا.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.