سارا هادئة بطباعها، وجاء هدوئي منها. ولمن يتسائل، تعمل والدتي كممرضة نفسية، فحقن المهدأ هذه دائمة الوجود في البيت.
أعتذرت، مخفضًا رأسي.
فعندما استيقظت، ووجدت نفسي داخل المنزل في غرفة الضيوف، وبعدما أحسست بتلك المشاعر التي تهدأني تعتريني، فهمت ما حدث، على الأقل، فهمت كيف انتهى بي الحال في هذه الغرفة، وكيف وقعت أرضًا.
الآن، ومع عودة تلك المشاعرة الغريبة، بل وزيادتها عن ذي قبل، وتحكمها الأكبر على عقلي، بدأت أفكر بمنطقية وهدوء فيما حدث.
من الجيد انها أسرعت في ذلك، دائمًا ما أخبرتني أن الأشخاص الذين يقعون في حالة كتلك التي كنت بها، يصبحون خطرًا على الذين من حوله. وأنا لم أرد أذية أحد.. صحيح؟
دعني أبدأ من البداية، حتى لو كنت قد سمعت عن هذه المراحل من قبل… الإنكار. البعض، حين يصعقهم الفقد، يغمضون أعينهم وكأنّ الحقيقة قد تختفي. هل تفهمني؟ يقولون لأنفسهم: مستحيل… لم يحدث. وربما هذا ما كان في ذهنك، ربما… لكن، الإنكار يذوب مع الوقت، مهما حاولت إطالة أمده.
نظرت من النافذة، فعلمت أن الوقت ليل.
“هل هناك أحد؟” ناديت.
وقفت، وبدأت أتوجه خارج الغرفة.
باتت ابتسامتينا مريبتين.. رهيبتين!
الآن، ومع عودة تلك المشاعرة الغريبة، بل وزيادتها عن ذي قبل، وتحكمها الأكبر على عقلي، بدأت أفكر بمنطقية وهدوء فيما حدث.
اقتربت خفية منه، وجثمت بجانبه أنظر للتمثال معه.
يبدو أنهم لا يميزوني، بل يصرون على أني صديق ل”خالد” ابنهم. وهذا ما يربكني، انه جسدي، جسد خالد الذين يتكلمون عنه، فبالتأكيد يجب عليهم أن يعلمون من أنا.. هل يحسبون أني شخص مطابق له أحاول سرقة هويته؟ لكن بالتأكيد لا يوجد شخص مجنون لتلك الدرجة، صحيح؟
نظرت.. وما رأيته كان كفيلًا بأن يجيبني على أغلب أسئلتي.
وصلت لباب الغرفة، ووضعت يدي على مقبض الباب، وقبل أن اسحبه، جاءتني تلك المشاعر مرة أخرى، وأجبرتني على النظر للمرآة بجانبي.
نظر باسل لي بصدمة، يملأ وجهه الرعب. حاول الوقوف بسرعة لكن كلماتي أوقفته.
نظرت.. وما رأيته كان كفيلًا بأن يجيبني على أغلب أسئلتي.
“ابكي يابني، البكاء جيد.”
…
بدأ قائلًا، “أتعلم، يا بني، حين عملت في المصحة النفسية، اعتدت رؤية الحزن في أوجه لا تُحصى… كنا نظن أننا نعرفه، لكن دائمًا كان يفاجئنا. خمس مراحل، هذا ما نعلمه عن الحزن. لكن دعني أخبرك شيئًا: ليست المراحل مرتبة، ليست متتابعة كما يُقال.
بعد دقائق، خرجت من الغرفة، مطأطأً رأسي.
كما أسلفت سابقًا، وبسبب كثرة المنشئات بجانب مقر عمل باسل، تواجدت محطة حافلات هناك بالتأكيد، على الرغم من قلة مستخدميها مقارنة بالمحطات الأخرى. كان من الجيد ان اليوم هو يوم الجمعة، أي عطلة نهاية الأسبوع، فهناك بعض المارة وبعض الحافلات التي تعمل في وقت متأخر كهذا.
“هل هناك أحد؟” ناديت.
تعالت الضحكات.
“تعال يا بني. هل استيقظت؟” سمعت صوت رجل عميق يناديني من غرفة الجلوس، فتوجهت له.
“ذلك التمثال اللعين!! ذلك الدين! أجل، انه السبب! لولاه لما فعلت ما فعلته!”
عندما اقتربت، رأيت جدي أحمد، جالسًا على الأريكة بمفرده. كان جدي رجلًا حكيمًا وموثوقًا في أي موقف، وظهر على مظهره الخارجي. شعره الأبيض، ذقنه الفضية التي تضيفه هيبة، جسده المتوسط طولًا ولكنه عريض. وزادت حكمته وفطتنه من كل هذا.
اقتربت خفية منه، وجثمت بجانبه أنظر للتمثال معه.
اقتربت له، ووقفت أمامه.
وصلت لباب الغرفة، ووضعت يدي على مقبض الباب، وقبل أن اسحبه، جاءتني تلك المشاعر مرة أخرى، وأجبرتني على النظر للمرآة بجانبي.
“امم.. أعتذر عن الجلبة التي أحدثتها في الصباح.”
كان الباب الداخلي سهل المرور إلى حد كبير بفعل قوتي.. لم أعد أتعجب منها في هذه المرحلة.
أعتذرت، مخفضًا رأسي.
بعد دقائق، خرجت من الغرفة، مطأطأً رأسي.
“هوووه.”
سمعته، ونظرت لأسفل، مخفيًا وجهي عن مرأى بصره. وعندما جفت دموعي، مسحت براحة يدي عيناي، ورفعت رأسي لأنظر في عينيه، وابتسامة خفيفة تظهر على محياي.
سمعت تنهيدة تخرج من فم أحمد العجوز.
وقفت، وبدأت أتوجه خارج الغرفة.
“اجلس يا بني.”
من الجيد انها أسرعت في ذلك، دائمًا ما أخبرتني أن الأشخاص الذين يقعون في حالة كتلك التي كنت بها، يصبحون خطرًا على الذين من حوله. وأنا لم أرد أذية أحد.. صحيح؟
جلست، ولم أنتظر كثيرًا ليبدأ أحدنا المحادثة، فبدأ أحمد قائلًا، “من الجيد عودتك لرشدك. يبدو أن كنت قريبًا جدًا من خالد، أوليس كذلك؟”
سمعته، ونظرت لأسفل، مخفيًا وجهي عن مرأى بصره. وعندما جفت دموعي، مسحت براحة يدي عيناي، ورفعت رأسي لأنظر في عينيه، وابتسامة خفيفة تظهر على محياي.
“نعم، لقد كان صديقي. صديق مقرب للغاية. لقد أخبرني الكثير عن عائلته حتى.. أنت الجد أحمد صحيح؟ أذكر انه أخبرني انك كنت تعمل في منشأة بها علاقة بالصحة النفسية، صحيح؟”
تبادل الصوتان مهمة كسر هدوء الليل لثوانٍ، ولكن.. لم تستمر منافسة الأصوات هذه، فسرعان ما ظهر المنتصر.
“هاهاها، أجل بالفعل. حسنًا، وهل أخبرك بأني كنت السبب في حدوث زيجة والده بوالدته؟”
فقط لتفهموا الأمر.. هذه الرواية “مجلس الخال!”، ليست رواية معتادة.. بل إنها “مجلس” فعليّ، نتحاكى به الحكايات ونتبادل النقاشات. هناك أفكار كثيرة أخطط لها بالمستقبل، لكن كله في وقته.
“أوه، كلا.. كلا لم يخبرني.”
من الجيد انها أسرعت في ذلك، دائمًا ما أخبرتني أن الأشخاص الذين يقعون في حالة كتلك التي كنت بها، يصبحون خطرًا على الذين من حوله. وأنا لم أرد أذية أحد.. صحيح؟
قهقه العجوز أحمد وهدأ قليلًا بعدها، يكفتي بالتحديق في عيني. وفعلت أنا بالمثل، وانتظرته يتحدث..
نظرت للتمثال في يدي.. حدقت به بقوة، رأيت ابتسامته تتسع، وتتسع ابتسامتي تباعًا..
لحسن حظي، أو لذكائي وفطتني، سارت الخطة على نحو جيد.
ليس فقط هذا، بل اكتشفت أن قوتي وقدرة تحملي قد ازدادا إلى حد كبير، أعتقد أن ذلك يؤول إلى سرعة دوران الدم بجسدي بفعل تلك المشاعر؟ لا أعرف..
بدأ قائلًا، “أتعلم، يا بني، حين عملت في المصحة النفسية، اعتدت رؤية الحزن في أوجه لا تُحصى… كنا نظن أننا نعرفه، لكن دائمًا كان يفاجئنا. خمس مراحل، هذا ما نعلمه عن الحزن. لكن دعني أخبرك شيئًا: ليست المراحل مرتبة، ليست متتابعة كما يُقال.
عندما اقتربت، رأيت جدي أحمد، جالسًا على الأريكة بمفرده. كان جدي رجلًا حكيمًا وموثوقًا في أي موقف، وظهر على مظهره الخارجي. شعره الأبيض، ذقنه الفضية التي تضيفه هيبة، جسده المتوسط طولًا ولكنه عريض. وزادت حكمته وفطتنه من كل هذا.
دعني أبدأ من البداية، حتى لو كنت قد سمعت عن هذه المراحل من قبل… الإنكار. البعض، حين يصعقهم الفقد، يغمضون أعينهم وكأنّ الحقيقة قد تختفي. هل تفهمني؟ يقولون لأنفسهم: مستحيل… لم يحدث. وربما هذا ما كان في ذهنك، ربما… لكن، الإنكار يذوب مع الوقت، مهما حاولت إطالة أمده.
تعالت أكثر.
ثم تأتي المساومة… مرحلة التمنيات المستحيلة، أن يعود الراحل لو أنك فعلت شيئًا مختلفًا. قد تجد نفسك غارقًا في “لو”… لو كان يمكنني تغيير شيء واحد فقط. لكن، يا ولدي، الزمن لا يعود، ولا يُصلح عثرات الماضي.
“ههاهاهاها، آآخ. تحاول التخلص من التمثال، هاه؟”
أما الغضب، فهو صاخب وحاد، يقتحم النفس بغتة. تغضب ممن حولك، من الحياة، وربما… ممن رحلوا أنفسهم. كأن العالم ظلمك، وليس لك خيار إلا الصراخ في وجه السماء الصامتة.
“هل هناك أحد؟” ناديت.
وحين يخمد الغضب، يبقى الاكتئاب، ثقيلًا وهادئًا كظلال الليل. تعرفه جيدًا، أليس كذلك؟ تتسلل الوحدة، وتخدعك بأنك… أنك فقدت نفسك مع الفقيد. وهذا ما أراه في عينيك: ظنك أنك خالد نفسه، أنه لم يغادر حقًا. آه، كم يؤلمني أن أراك هكذا…
“ابكي يابني، البكاء جيد.”
لكن يا بني، لا يتوقف الحزن عند الاكتئاب. بعد الألم، يأتي القبول، أو ربما شيء يشبهه. ليس نسيانًا، لا. بل سلام داخلي، كأنه هدوء ما بعد العاصفة. تبدأ بتذكره بابتسامة بين الدموع، وتدرك أنك لم تفقده تمامًا. لم تُنسَ ذكراه، ولم تُمحَ بصماته.
“انظر له. انظر لوجهه. انظر كم يشبه وجهي الحالي.”
أعرف أن الطريق صعب، وأعرف أنك لا تصدقني الآن. لكنك لست وحدك، ولا شيء سيجعلك تتلاشى كما ظننت. الحزن، يا ولدي، لا يمحي منّا، لكنه يغيرنا، يدفعنا لنكون نسخة أكثر وعيًا… وأكثر امتنانًا.”
لم أرغب قط أن ابتسم تلك الابتسامة ولم تكن بقصد مني، بل أجبرتني تلك المشاعر الغريبة على ذلك. كانت تتحكم بجسدي إلى حد كبير الآن.
نظرت له، ولم أقل شيئًا، فقط نظرت. تجمعت الدموع في عيني، ونزلوا دمعة وراء دمعة بلا صوت.
عندما دخلت المبنى، علمت كيف مساري، وخطوت خطواتي الأولى نحو هدفي المنشود. ولم تمر دقائق حتى وصلت لغرفة صغيرة منزوية بقسم بعيد بعمق المنشأة.
“ابكي يابني، البكاء جيد.”
ليس فقط هذا، بل اكتشفت أن قوتي وقدرة تحملي قد ازدادا إلى حد كبير، أعتقد أن ذلك يؤول إلى سرعة دوران الدم بجسدي بفعل تلك المشاعر؟ لا أعرف..
سمعته، ونظرت لأسفل، مخفيًا وجهي عن مرأى بصره. وعندما جفت دموعي، مسحت براحة يدي عيناي، ورفعت رأسي لأنظر في عينيه، وابتسامة خفيفة تظهر على محياي.
“ههاهاهاها، آآخ. تحاول التخلص من التمثال، هاه؟”
“أشكرك.. يا جدي. أثر حديثُك فيَّ. أنا.. أعتذر مرة أخرى عما بدر مني صباحًا. وأتمنى أن توصل اعتذاري لبقية العائلة.”
فعندما استيقظت، ووجدت نفسي داخل المنزل في غرفة الضيوف، وبعدما أحسست بتلك المشاعر التي تهدأني تعتريني، فهمت ما حدث، على الأقل، فهمت كيف انتهى بي الحال في هذه الغرفة، وكيف وقعت أرضًا.
“أوه، لا مشكلة بحق. يسعدني أن أعلم أن حفيدي كان يمتلك صديق مقرب له لتلك الدرجة، وأعتقد أن الجميع سيفعل أيضًا، لا تقلق من ذلك الأمر، لا تلق له بالًا.”
“نعم؟ ما الأمر؟ هل أنت بالصدفة.. جائع؟”
“حسنًا، أشكرك.. امم، أعذرني.”
فقط لتفهموا الأمر.. هذه الرواية “مجلس الخال!”، ليست رواية معتادة.. بل إنها “مجلس” فعليّ، نتحاكى به الحكايات ونتبادل النقاشات. هناك أفكار كثيرة أخطط لها بالمستقبل، لكن كله في وقته.
“نعم؟ ما الأمر؟ هل أنت بالصدفة.. جائع؟”
أو “هو” من اقترب مني!
“ها؟ لا لا. فقط.. أريد مقابلة عمي.. والد خالد. هناك شيء مهم يجب عليَّ إيصاله له بأسرع وقت.”
“نعم؟ ما الأمر؟ هل أنت بالصدفة.. جائع؟”
“باسل؟ حسنًا، انه ليس هنا في الوقت الراهن. كان يتصرف بغرابة منذ مجيئ.. آه، لا تهتم. انه ليس هنا، لقد رحل من عدة ساعات، وأخبرني انه ذاهب لمقر عمله. يمكنك النوم هنا أو الجلوس معي للغد لحين عودته، حينها صِل له ما تريد.”
سمعت تنهيدة تخرج من فم أحمد العجوز.
“لا لا، هذا شيء يجب عليَّ الإسراع بفعله. أشكرك على كلماتك السابقة. ودت لو جالستك أكثر، وسأفعل ذلك بالتأكيد بالمستقبل.”
“نعم؟ ما الأمر؟ هل أنت بالصدفة.. جائع؟”
ثم وقفت وأكملت حديثي، “أنا أعرف مقر عمله، سأتوجه له الآن. شكرًا وأعتذر مرة أخرى.”
لحسن حظي، أو لذكائي وفطتني، سارت الخطة على نحو جيد.
“آه، لا لا بأس.. لكن، عليك الانتظار. الوقت متأخر بالفعل.”
“ابكي يابني، البكاء جيد.”
بعد القليل من المناوشات.. خرجت من المنزل في عتمة الليل.. تعدت الساعة منتصف الليل الآن. نظرت للخلف نحو المنزل، ثم..
“آه، لا لا بأس.. لكن، عليك الانتظار. الوقت متأخر بالفعل.”
ركضت مسرعًا بإبتسامة غريبة على محياي نحو أقرب محطة حافلات.
اقتربت له، ووقفت أمامه.
————
بدأ وجه باسل يتعرق، وزادت ابتسامتي أكثر، وقل “أنا” في جسدي، وزاد “هو” تباعًا. مددت يدي نحو التمثال، وقربته لوجهي.
كما أسلفت سابقًا، وبسبب كثرة المنشئات بجانب مقر عمل باسل، تواجدت محطة حافلات هناك بالتأكيد، على الرغم من قلة مستخدميها مقارنة بالمحطات الأخرى. كان من الجيد ان اليوم هو يوم الجمعة، أي عطلة نهاية الأسبوع، فهناك بعض المارة وبعض الحافلات التي تعمل في وقت متأخر كهذا.
“اجلس يا بني.”
عندما خرجت من الحافلة، نظرت نحو المنشأة من بعيد، وتوجهت إليها وابتسامة غريبة نزين محياي.
“هاهاها، أجل بالفعل. حسنًا، وهل أخبرك بأني كنت السبب في حدوث زيجة والده بوالدته؟”
لم أرغب قط أن ابتسم تلك الابتسامة ولم تكن بقصد مني، بل أجبرتني تلك المشاعر الغريبة على ذلك. كانت تتحكم بجسدي إلى حد كبير الآن.
سمعت تنهيدة تخرج من فم أحمد العجوز.
ليس فقط هذا، بل اكتشفت أن قوتي وقدرة تحملي قد ازدادا إلى حد كبير، أعتقد أن ذلك يؤول إلى سرعة دوران الدم بجسدي بفعل تلك المشاعر؟ لا أعرف..
“ابكي يابني، البكاء جيد.”
ما أعرفه هو أني تغيرت.
بدأت أقترب له، أرغم نفسي على اخفاء ابتسامتي.
غيرتني تلك المشاعر.. وهي لا تخصني، بل مشاعر أجنبية عني. وكأنها ملك لشخص آخر يحاول التحكم فيَّ.. وأشعر أنني اقتربت له كثيرًا.
كتابة الخال.
أو “هو” من اقترب مني!
وصلت لبوابة المنشأة، كانت مقفلة.
وصلت لبوابة المنشأة، كانت مقفلة.
تعالت أكثر.
حركت يدي عليها قليلًا، ثم بقوتي الرهيبة، قفزت على الجدار بمساعدة شجرة قريبة، وفي ثوان كنت داخل جدران المنشأة.
غيرتني تلك المشاعر.. وهي لا تخصني، بل مشاعر أجنبية عني. وكأنها ملك لشخص آخر يحاول التحكم فيَّ.. وأشعر أنني اقتربت له كثيرًا.
كان الباب الداخلي سهل المرور إلى حد كبير بفعل قوتي.. لم أعد أتعجب منها في هذه المرحلة.
الآن، تغيرتُ بنسبة مهولة، تبقى جزء صغير فقط بداخلي. بدأ جسدي يرتعش قليلًا، فنظرت ليدي وقبضتها، مما أوقف ارتعاشي.
عندما دخلت المبنى، علمت كيف مساري، وخطوت خطواتي الأولى نحو هدفي المنشود. ولم تمر دقائق حتى وصلت لغرفة صغيرة منزوية بقسم بعيد بعمق المنشأة.
“أوه، كلا.. كلا لم يخبرني.”
وهناك، جاء صوت رجل ينوح، وعلى عكس مرتي السابقة في هذا المكان، سمعت ما يقوله.
وأكثر.
“ماذا فعلتُ! لقد جاءت! لقد جاءت بحق.. روح التمثال جاءت!”
“تعال يا بني. هل استيقظت؟” سمعت صوت رجل عميق يناديني من غرفة الجلوس، فتوجهت له.
روح؟ تمثال؟ همم، ماذا تخفي فقط يا باسل..
ارتطام.
“ذلك التمثال اللعين!! ذلك الدين! أجل، انه السبب! لولاه لما فعلت ما فعلته!”
قهقه العجوز أحمد وهدأ قليلًا بعدها، يكفتي بالتحديق في عيني. وفعلت أنا بالمثل، وانتظرته يتحدث..
بدأت أقترب له، أرغم نفسي على اخفاء ابتسامتي.
باتت ابتسامتينا مريبتين.. رهيبتين!
“أنا.. أنا.. يجب عليَّ التخلص منه! ذلك التمثال! يجب علي التخلص منه! هكذا سأنقذ عائلتي! مالي سوى هذا!”
أو “هو” من اقترب مني!
اقتربت خفية منه، وجثمت بجانبه أنظر للتمثال معه.
“ماذا فعلتُ! لقد جاءت! لقد جاءت بحق.. روح التمثال جاءت!”
قلتُ كلمات لم أقصدها، خرجت من فمي رغمًا عني، “هاها، كم أنت جاهل. لا أنصحك أن تفعل ذلك.”
لحسن حظي، أو لذكائي وفطتني، سارت الخطة على نحو جيد.
نظر باسل لي بصدمة، يملأ وجهه الرعب. حاول الوقوف بسرعة لكن كلماتي أوقفته.
————————
“لا تتحرك!”
نظرت له، ولم أقل شيئًا، فقط نظرت. تجمعت الدموع في عيني، ونزلوا دمعة وراء دمعة بلا صوت.
ارتطام.
“تعال يا بني. هل استيقظت؟” سمعت صوت رجل عميق يناديني من غرفة الجلوس، فتوجهت له.
“ههاهاهاها، آآخ. تحاول التخلص من التمثال، هاه؟”
ليس فقط هذا، بل اكتشفت أن قوتي وقدرة تحملي قد ازدادا إلى حد كبير، أعتقد أن ذلك يؤول إلى سرعة دوران الدم بجسدي بفعل تلك المشاعر؟ لا أعرف..
أحسست بنفسي بدأت تتغير، وكأنها تتحول لشخص آخر غيري.. أحسست بشيء يصعد من أعماقي، يملأني جزء بجزء.
دعني أبدأ من البداية، حتى لو كنت قد سمعت عن هذه المراحل من قبل… الإنكار. البعض، حين يصعقهم الفقد، يغمضون أعينهم وكأنّ الحقيقة قد تختفي. هل تفهمني؟ يقولون لأنفسهم: مستحيل… لم يحدث. وربما هذا ما كان في ذهنك، ربما… لكن، الإنكار يذوب مع الوقت، مهما حاولت إطالة أمده.
بدأ وجه باسل يتعرق، وزادت ابتسامتي أكثر، وقل “أنا” في جسدي، وزاد “هو” تباعًا. مددت يدي نحو التمثال، وقربته لوجهي.
“ابكي يابني، البكاء جيد.”
“انظر له. انظر لوجهه. انظر كم يشبه وجهي الحالي.”
الآن، ومع عودة تلك المشاعرة الغريبة، بل وزيادتها عن ذي قبل، وتحكمها الأكبر على عقلي، بدأت أفكر بمنطقية وهدوء فيما حدث.
وبالفعل، كان وجه التمثال الذهبي ذو الابتسامة الغريبة يشبه وجهي كثيرًا.. لكن بعبارة أكثر دقة، وجهي هو من يشبه وجه التمثال. كان وجهي الحالي مزيج من وجه التمثال ووجه خالد.
وقفت، وبدأت أتوجه خارج الغرفة.
“سأقولها لك.. عندما فعلتَ فعلتك تلك.. وأجبرت ابنك المسكين على العمل معك في مقر عملك هذا.. مصيره.. قد تحتم. ابنك ميت.. خالد مات! هاهاهاها.. لكن..”
“ماذا فعلتُ! لقد جاءت! لقد جاءت بحق.. روح التمثال جاءت!”
الآن، تغيرتُ بنسبة مهولة، تبقى جزء صغير فقط بداخلي. بدأ جسدي يرتعش قليلًا، فنظرت ليدي وقبضتها، مما أوقف ارتعاشي.
أعرف أن الطريق صعب، وأعرف أنك لا تصدقني الآن. لكنك لست وحدك، ولا شيء سيجعلك تتلاشى كما ظننت. الحزن، يا ولدي، لا يمحي منّا، لكنه يغيرنا، يدفعنا لنكون نسخة أكثر وعيًا… وأكثر امتنانًا.”
“أنا لم أكذب عندما قلت أنني خالد.. وأتعرف شيئًا؟ حقيقة أني ‘خالد’ هي ما تمنعني عن قتلك الآن. آخر أجزاء خالد فيَّ. لكن.. لقد بلغ السيلُ الزُبى.”
بعد القليل من المناوشات.. خرجت من المنزل في عتمة الليل.. تعدت الساعة منتصف الليل الآن. نظرت للخلف نحو المنزل، ثم..
نظرت للتمثال في يدي.. حدقت به بقوة، رأيت ابتسامته تتسع، وتتسع ابتسامتي تباعًا..
“لا لا، هذا شيء يجب عليَّ الإسراع بفعله. أشكرك على كلماتك السابقة. ودت لو جالستك أكثر، وسأفعل ذلك بالتأكيد بالمستقبل.”
باتت ابتسامتينا مريبتين.. رهيبتين!
بدأت أقترب له، أرغم نفسي على اخفاء ابتسامتي.
وعندها، انفجرتُ ضحكًا.
وحين يخمد الغضب، يبقى الاكتئاب، ثقيلًا وهادئًا كظلال الليل. تعرفه جيدًا، أليس كذلك؟ تتسلل الوحدة، وتخدعك بأنك… أنك فقدت نفسك مع الفقيد. وهذا ما أراه في عينيك: ظنك أنك خالد نفسه، أنه لم يغادر حقًا. آه، كم يؤلمني أن أراك هكذا…
“هاهاهاهاهاها!! وأخيرًا! شكرًا لك يا باسل، جزيل الشكر لك! ههههه.”
بدأ وجه باسل يتعرق، وزادت ابتسامتي أكثر، وقل “أنا” في جسدي، وزاد “هو” تباعًا. مددت يدي نحو التمثال، وقربته لوجهي.
وقفتُ، ونظرت له، “بسببك! هاهاها! بسببك أنتَ قد تحررت! هاهاهاهه.”
“ههاهاهاها، آآخ. تحاول التخلص من التمثال، هاه؟”
“هاهاهاهاهاهاه!”
وقفت، وبدأت أتوجه خارج الغرفة.
“هاههاهاها.”
ويتردد بعدها أصوات ترجٍ، وخوف.
خارج المنشأة، تحت عتمة الليل، وتحت وهيج القمر، في وقت لا يسير أحدهم في الطرقات، الكل نيام.. يتردد صدى ضحكات غريبة مريبة.
غيرتني تلك المشاعر.. وهي لا تخصني، بل مشاعر أجنبية عني. وكأنها ملك لشخص آخر يحاول التحكم فيَّ.. وأشعر أنني اقتربت له كثيرًا.
ويتردد بعدها أصوات ترجٍ، وخوف.
بدأ وجه باسل يتعرق، وزادت ابتسامتي أكثر، وقل “أنا” في جسدي، وزاد “هو” تباعًا. مددت يدي نحو التمثال، وقربته لوجهي.
تبادل الصوتان مهمة كسر هدوء الليل لثوانٍ، ولكن.. لم تستمر منافسة الأصوات هذه، فسرعان ما ظهر المنتصر.
“هاهاهاهاهاها!! وأخيرًا! شكرًا لك يا باسل، جزيل الشكر لك! ههههه.”
…
ليس فقط هذا، بل اكتشفت أن قوتي وقدرة تحملي قد ازدادا إلى حد كبير، أعتقد أن ذلك يؤول إلى سرعة دوران الدم بجسدي بفعل تلك المشاعر؟ لا أعرف..
تعالت الضحكات.
بدأ قائلًا، “أتعلم، يا بني، حين عملت في المصحة النفسية، اعتدت رؤية الحزن في أوجه لا تُحصى… كنا نظن أننا نعرفه، لكن دائمًا كان يفاجئنا. خمس مراحل، هذا ما نعلمه عن الحزن. لكن دعني أخبرك شيئًا: ليست المراحل مرتبة، ليست متتابعة كما يُقال.
تعالت أكثر.
سارا هادئة بطباعها، وجاء هدوئي منها. ولمن يتسائل، تعمل والدتي كممرضة نفسية، فحقن المهدأ هذه دائمة الوجود في البيت.
وأكثر.
وأكثر.
وأكثر.
“أوه، كلا.. كلا لم يخبرني.”
————————
من الجيد انها أسرعت في ذلك، دائمًا ما أخبرتني أن الأشخاص الذين يقعون في حالة كتلك التي كنت بها، يصبحون خطرًا على الذين من حوله. وأنا لم أرد أذية أحد.. صحيح؟
تم بحمد الله!
من الجيد انها أسرعت في ذلك، دائمًا ما أخبرتني أن الأشخاص الذين يقعون في حالة كتلك التي كنت بها، يصبحون خطرًا على الذين من حوله. وأنا لم أرد أذية أحد.. صحيح؟
فقط لتفهموا الأمر.. هذه الرواية “مجلس الخال!”، ليست رواية معتادة.. بل إنها “مجلس” فعليّ، نتحاكى به الحكايات ونتبادل النقاشات. هناك أفكار كثيرة أخطط لها بالمستقبل، لكن كله في وقته.
تبادل الصوتان مهمة كسر هدوء الليل لثوانٍ، ولكن.. لم تستمر منافسة الأصوات هذه، فسرعان ما ظهر المنتصر.
بالمناسبة، من لديه رواية قصيرة يريد اخبارها لنا في المجلس فليتفضل..
“أنا لم أكذب عندما قلت أنني خالد.. وأتعرف شيئًا؟ حقيقة أني ‘خالد’ هي ما تمنعني عن قتلك الآن. آخر أجزاء خالد فيَّ. لكن.. لقد بلغ السيلُ الزُبى.”
كتابة الخال.
أما الغضب، فهو صاخب وحاد، يقتحم النفس بغتة. تغضب ممن حولك، من الحياة، وربما… ممن رحلوا أنفسهم. كأن العالم ظلمك، وليس لك خيار إلا الصراخ في وجه السماء الصامتة.
وقفت، وبدأت أتوجه خارج الغرفة.
