كان المطر قد توقف، لكن الدخان ظل يتصاعد من السجن الذي تحوّل إلى أطلال. ومن بين الغيوم الداكنة، تسلّل ضوء قرمزي خافت، ملقيًا بظلاله على المكان المدمّر.
وقف رجل أشقر الشعر متكئًا باسترخاء، وعيناه نصف مغمضتين كأنه على وشك النوم. كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، ويراقب الجنود وهم يفتشون بين الأنقاض بحثًا عن ناجين، مستعينين بقناديل زيتية تبعث وهجًا أصفر خافتًا.
بجانب الرجل المتكاسل، وقف رجلان يرتديان المعاطف السوداء الطويلة نفسها. كان أحدهما في الخمسينيات من عمره، عريض الجبهة، بينما بدا الآخر في أواخر العشرينيات. انعكس ضوء القمر القرمزي على وجوههم، مضفيًا على ملامحهم مسحة غامضة.
راقب الثلاثة الأضواء المتناثرة بين أطلال السجن من بعيد، بعيدًا عن صخب الحشود التي تجمعت لمشاهدة ما حدث.
— بالأمس كانت مؤسسة نيفيس، واليوم سجن العبيد. يبدو أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة حقًا. من تظن أنه فعل هذا يا غارون؟ وما الغاية التي يسعى إليها؟
ألقى غارون نظرة كسولة على عيني زميله ريكي الزرقاوين، ثم أجاب بنبرة فاترة:
— ليست لدي أدنى فكرة. لكن بحسب ما فهمته، فإن رجال روبرت فيسك هم المسؤولون عن الحادثة التي وقعت بالأمس. كانت هناك أدلة تشير إلى تورطهم داخل المؤسسة، لكن المشكلة أنهم ماتوا جميعًا. ربما كانت حارسة ابنة نيفيس هي من فعلت ذلك، غير أن هناك أشخاصًا آخرين ظهروا واختفوا في الوقت نفسه.
توقف لحظة، ثم أضاف:
— أما ما نراه الآن، فلا ينبغي أن نسميه انتقامًا. الفتاة لم تصل إلا للتو، بعدما كانت خارج المدينة.
صمت قليلًا، قبل أن يتابع بنبرة أكثر جدية:
— ومع ذلك، لا يمكننا الاستهانة بما يجري في الخفاء، ولا بمن يقف وراءه.
— هممم…
أطلق ريكي همهمة خافتة، ثم أخذ يتأمل الخراب الممتد أمامه.
— هروب السجناء يزيد من احتمالات استهداف السجن، لكن لا بد أن هناك سببًا وراء ما حدث. تحرير العبيد، مثلًا. لطالما عارضت عائلتا نيفيس وأورسيني وجود هذا السجن، لكن لا يمكننا اتهام إحداهما لمجرد هذا السبب السخيف.
تدخل رولف، الرجل الخمسيني، وهو يحك جبهته العريضة، وقال:
— حتى الآن، لم نعثر على جثة روبرت فيسك.
أطلق غارون ضحكة ساخرة، وقال بلامبالاة:
— أتظن أنه سيبقى له جسد إن كان قريبًا من مركز الانفجار؟ لا بد أنه تبخر تمامًا.
أدار رولف رأسه نحو الجانب المقابل، حيث تجمعت مجموعة صغيرة من الأشخاص. كان من بينهم نائبه، برادو جون، الذي فقد إحدى يديه وكان لا يزال فاقدًا للوعي.
قال رولف وهو يراقبهم:
— لن نعرف ما حدث حقًا حتى يستفيق برادو. أما الحراس، فلا أحد منهم مستعد للكلام. لكن أكثر ما يقلقني هو تلك الجثث المتفحمة في الداخل… الأجزاء الممزقة منها كانت مقطعة إلى قطع صغيرة.
— آه، صحيح!
قاطع ريكي حديثه، وكأنه تذكر أمرًا مهمًا.
— سمعت بعض الشائعات التي تزعم أن روبرت كان يدير صفقات سرية للاتجار بأعضاء البشر. ألم تسمعا بذلك؟
— سمعت ذلك أنا أيضًا.
تمتم غارون بكلمات مقتضبة، ثم أدار وجهه نحو الجدار المتهدم، وعادت عيناه نصف المغمضتين إلى مظهرهما الكسول.
“””
— هل عثرتم على مدير السجن؟
جاء صوت روجان وهو يخاطب لويستان، الذي كان قد وصل لتوّه إلى المكان.
كان لويستان يحمل قنديلًا زيتيًا، وقد غطّى السواد ملابسه بفعل الدخان الكثيف الذي لا يزال يملأ المكان. أجاب وهو يرفع القنديل قليلًا:
— ليس بعد، سيدي. لم نعثر على شيء حتى الآن، لكن… انظر إلى هذا.
اقترب روجان منه، فتوقّف أمام صندوق اسودّ سطحه بفعل النيران، وبدأت أطرافه تذوب من شدة الحرارة. أمسك لويستان بغطائه ورفعه ببطء، وما إن انفتح الصندوق حتى انبعثت منه رائحة شواء نفّاذة.
تجمّد روجان في مكانه، واتسعت عيناه قليلًا.
— هذا…!
ابتلع ريقه، ثم سأل بصوت متردد:
— هل هذه أعضاء بشرية؟
— نعم، سيدي. لقد أكد أحد أفراد الغربان السود ذلك.
استدار روجان نحو الجهة التي كان لويستان ينظر إليها. على مسافة غير بعيدة، وقف ريكي ورولف وغارون يتبادلون أطراف الحديث، غير مكترثين كثيرًا بالضجيج المحيط بهم.
— الغربان السود… تمتم روجان، وقد ارتسمت على وجهه علامات التفكير. لا بد أنهم تدخلوا بعد حادثة الأمس. وإذا استمر الوضع على هذا المنوال، فستخرج الأمور عن السيطرة تمامًا.
ثم التفت إلى لويستان وسأله:
— ماذا يقولون بشأن ما حدث؟
هزّ لويستان رأسه نافيًا.
— لم يكشفوا لأحد عمّا يدور في أذهانهم. بعد أن تفقدوا المكان لفترة وجيزة، انسحبوا إلى الجانب وتركوا الآخرين يتولون الأمر.
أومأ روجان برأسه، وكأن الأمر لم يفاجئه.
— لا عجب في ذلك. إنهم من الغربان السود، ومن الطبيعي أن يدركوا حقيقة الموقف بسرعة.
ساد الصمت بين الرجلين للحظات، بينما ظل لويستان يراقب الرجال الثلاثة من بعيد. كان يحدق فيهم باهتمام واضح، وكأنه يحاول استكشاف شيء يتجاوز مجرد مظهرهم.
لاحظ روجان نظراته، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
— هل تتطلع إلى الانضمام إليهم؟
انتفض لويستان قليلًا، وسرعان ما تبدّل تعبير وجهه، وقد تسلّل إليه شيء من الحرج بعدما أدرك أن نظراته لم تكن خافية على روجان.
ظل صامتًا للحظات، قبل أن يسأل بفضول:
— هل يمكنني الانضمام إليهم؟
— أممم… بصراحة، أظن أن الجميع يتمنى ذلك. وكيف لا؟ إنهم الغربان السود، بعد كل شيء.
توقف روجان قليلًا، ثم تابع بنبرة أكثر جدية:
— لكن الأمر ليس بهذه السهولة. ما لم تكن ممسوسًا، فسيكون انضمامك إليهم شبه مستحيل.
— هذا…
تمتم لويستان، وخبت الحماسة في عينيه. لم يكن قد دخل ذلك العالم بعد، ولم يصبح ممسوسًا.
راقب روجان تغير ملامحه، ثم أردف مؤكدًا:
— نعم، الشرط الوحيد للانضمام إليهم هو أن تكون ممسوسًا. وهذا أمر لا يقبل الجدل.
“””
قاد نومريس السجناء الذين حرّرهم في الليلة الماضية عبر غابة كثيفة الأشجار. بدا الإرهاق واضحًا على وجهه، ولم يكن ذلك مستغربًا، فقد أمضى الليل بأكمله في الحركة دون أن يتوقف للحظة، وها هو الصباح يوشك على البزوغ، بينما بدأت خيوطه الأولى تتسلل عبر الغيوم في الأفق البعيد. كانوا قد اتجهوا جنوبًا، مبتعدين عن العاصمة نيڤيريا في طريقهم إلى إقليم كوردو.
ورغم المطاردة التي استمرت طوال الليل، لم يتمكن أحد من إيقافهم. فوجود نومريس وفورتكس إلى جانب رورمين جعل الاقتراب منهم مهمة بالغة الصعوبة.
ومع ذلك، لم يكن نومريس وحده من أنهكه التعب؛ فمعظم السجناء كانوا في حالة لا تقل سوءًا عن حاله. غطّى الوحل ملابسهم، بعدما تعثروا وسقطوا مرارًا على الأرض المبتلة. وقد جعلهم المطر الغزير الذي هطل طوال الليل يعانون في كل خطوة، حتى غدت أقدامهم ثقيلة، وأصبح التقدم عبر الغابة أشبه بمعاناة لا تنتهي.
لكن ذلك كله لم يكن يعني لهم الكثير. فحتى لو غمرهم الوحل من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم، لم تكن ملابسهم المتسخة لتثير قلقهم. لقد استعادوا حريتهم أخيرًا، وما داموا قد تخلّصوا من قيودهم، فإن بقية المتاعب بدت تافهة، لا تستحق أن تشغل بالهم.
كان عددهم ثلاثمئة شخص، وهو عدد لا يمكن تجاهله. أينما مرّوا، استقطبوا الأنظار، وأثار مشهدهم فضول كل من صادفهم. فمرأى هذا الحشد الكبير من الأشخاص المنهكين، بملابسهم الموحلة ووجوههم الشاحبة، كان كافيًا لدفع أي شخص إلى التساؤل عن هويتهم والوجهة التي يقصدونها.
ألقى فورتكس نظرة جانبية على الحشد الممتد خلفه، ثم حوّل نظره إلى نومريس وأشار بإصبعه نحو السجناء.
— علينا أن نتوقف قليلًا ونمنحهم فرصة لالتقاط أنفاسهم.
التفت نومريس برأسه قليلًا، وألقى نظرة سريعة على من يسيرون خلفهم، قبل أن يعيد عينيه إلى الطريق أمامه.
— لنخرج من هذه الغابة أولًا. بعدها يمكننا أن نرتاح قليلًا.
تأمل فورتكس وجه نومريس للحظات، ولاحظ الشحوب والإرهاق اللذين ارتسما عليه.
يبدو الفتى بائسًا حقًا.
رفع فورتكس عينيه نحو الطريق الممتد أمامهم، وغرق في أفكاره.
لا يزال صغيرًا، ومع ذلك، مرّ بالكثير من الأشياء التي تركت أثرها في نفسيته.
تنهد في صمت، ثم ألقى نظرة أخرى على نومريس.
لكنه فتى جيد، في نهاية المطاف.
واصلوا السير لبعض الوقت، متوغلين بين الأشجار المتشابكة والجذور البارزة من الأرض الموحلة. ومع استمرارهم في التقدم، بدأت الأشجار تتباعد تدريجيًا، حتى ظهرت نهاية الغابة على مسافة قصيرة أمامهم.
توقّف الحشد عند نهر عريض، تتناثر على امتداده شلالات صغيرة تنحدر فوق الصخور، فيما كانت المياه الصافية تتلألأ تحت ضوء الصباح.
ما إن بلغوا ضفافه حتى اتجه إليه كل من أثقل الوحل ملابسه. وبعد أن رووا عطشهم، انشغلوا بغسل وجوههم وتنظيف ثيابهم من الأوساخ المتراكمة عليها طوال الليل. لم يعد أحد منهم يحتمل البقاء بتلك الهيئة، بعدما اضطروا إلى شق طريقهم عبر الغابة الموحلة تحت المطر.
أما نومريس، فقد ابتعد عن الحشد وجلس فوق صخرة سوداء ملساء، يراقبهم في صمت. كان قد نظّف ملابسه هو الآخر، وإن ظلت آثار الدماء تلطخ أجزاءً منها.
استند بإحدى يديه إلى الصخرة خلفه، بينما رفع ركبته قليلًا وأبقى الأخرى مثنية إلى الداخل. أرخى جسده في سكون غريب، وأمال رأسه نحو الأسفل، متأملًا أبناء عِرقه المنبوذ.
لم تكن في عينيه قسوة المنتصر، ولا ازدراء من ينظر إلى الآخرين من علٍ. بل كانت هناك شفقة باردة، شفقة شخص يراقب معاناة قومه من مسافة لم يعد يعرف كيف يقطعها.
أطفال لم يتجاوزوا الخامسة من أعمارهم، وعجائز أنهك الزمن أجسادهم حتى نخر الضعف مفاصلهم، وشبان ورجال ونساء… جميعهم اجتمعوا في المكان نفسه، تجمعهم معاناة واحدة، وتفصل بينهم حكايات لا يعرف نومريس عنها شيئًا.
اقترب رورمين من الصخرة الكبيرة، ثم تسلّقها وجلس إلى جوار نومريس. كانت عيناه لا تزالان مغمضتين، لم يفتحهما منذ بداية الرحلة.
مرّت عدة دقائق دون أن يتبادل الاثنان كلمة واحدة. لم يُسمع سوى خرير المياه وأصوات السجناء المتناثرة على الضفة.
وأخيرًا، قطع رورمين الصمت:
— أنت ممسوس، أليس كذلك؟
أومأ نومريس برأسه دون أن يلتفت إليه.
— نعم.
— أنا أيضًا ممسوس.
أدار نومريس رأسه نحوه، لكنه لم ينبس ببنت شفة.
لم يكن قد تحدث مع شخص في مثل عمره منذ وقت طويل. ولسبب لم يستطع تحديده، شعر بشيء من الغرابة وهو يجلس إلى جوار رورمين. كان ذلك الإحساس المألوف بالفراغ يلازمه دائمًا؛ شعور بالفقد لا يعرف مصدره، وكأن شيئًا ما انتُزع منه منذ زمن بعيد، لكنه لم يعد قادرًا على تذكّر ماهيته، مهما حاول.
ظل يتأمل رورمين للحظات، قبل أن يسأله:
— منذ متى؟
— أممم… منذ شهرين تقريبًا، قبل أن أطرد من منزل عائلتي.
تأمل نومريس وجهه، ثم سأله باستغراب:
— طُردت؟ لماذا؟ هل فعلت شيئًا خاطئًا؟
ابتسم رورمين، ثم أدار وجهه نحوه.
— لا شيء. هكذا جرت الأمور فحسب.
سكت قليلًا، قبل أن يضيف:
— أنت ثاني شخص ألتقيه في مثل عمري، بعد ييمير.
— ييمير…
كرّر نومريس الاسم بصوت خافت، ثم أشاح بنظره نحو النهر.
كان هناك صبي نحيل لا يزال جالسًا بالقرب من الماء، وقد غمر قدميه فيه، منشغلًا بما يدور حوله.
ظل نومريس يراقبه للحظات، ثم أعاد نظره إلى رورمين.
— أنت من أطلق سراح جميع السجناء، أليس كذلك؟
أومأ رورمين برأسه.
— بلى.
عقد نومريس حاجبيه قليلًا، وطرح سؤالًا آخر:
— لكن كيف انتهى بك المطاف في السجن، وأنت ممسوس؟
لم تختفِ الابتسامة عن وجه رورمين، لكنه بدا وكأنه يستعيد ذكرى لم تكن تستحق الابتسام.
— لقد خدعني أحدهم. فقدت وعيي، وعندما استعدته، وجدت نفسي في السجن.
توقف لحظة، ثم تابع:
— لكنني كنت قد فقدت كل ذرة من الكا.
انتبه نومريس إلى الكلمة الغريبة، والتفت إليه باهتمام أكبر.
— الكا؟ ما هذا؟
نهاية الفصل
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.