سقوط العرش
وقفت إيفا تراقب جسد كريس الهامد وهو يُحمل بعيداً، وعيناها تقدحان شرراً، تلمعان بمزيجٍ من الحزن العميق والغضب الأعمى. تمتمت بصوتٍ مسموع: ” ماذا حصل لك يا كريس…”
وقفت إيفا تراقب جسد كريس الهامد وهو يُحمل بعيداً، وعيناها تقدحان شرراً، تلمعان بمزيجٍ من الحزن العميق والغضب الأعمى. تمتمت بصوتٍ مسموع: ” ماذا حصل لك يا كريس…”
التفتت بحدة نحو أرجوس الذي كان يقف ببرود في وسط الحلبة، وقالت بنبرة وعيد: ” هيا.. جاء دورك أيها الشقي. لا تظن أنني أراك نداً لي؛ انتقامي الحقيقي ليس منك، بل من ذلك المخادع صديقك.. لقد استعمل حيلة قذرة ليدفع كريس لقتل نفسه، وسيدفع الثمن غالياً! ”
وفجأة، وبلا أي حركةٍ ملموسة، انشقت الأرض تحت قدمي إيرك وانقسمت ساقاه إلى نصفين طوليين بحِدّةٍ جراحية مرعبة. سقط إريك يصرخ صرخاتٍ تمزق الحناجر وهو يتمرغ في دمائه، بينما قال آشورا بقسوة:
ضحك أرجوس بسخرية لاذعة، ورفع سيفه الهوائي ببطء ليشير إليها قائلاً: ” احذري.. فقد أجمعكِ مع صديقكِ الراحل أسرع مما تتخيلين. ”
” سقوط! ”
اشتعلت المدرجات بالهتاف، وصرخ المعلّق بصوتٍ يكاد يمزق حنجرته: ” يا إلهي! يا له من تهديد! الكلماتُ نارية قبل حتى أن تتشابك السيوف! هل سنشهد مجزرة أخرى أم مفاجأة جديدة؟! العد التنازلي يبدأ الآن.. ثلاثة.. اثنان.. واحد.. انطلقوا!!! ”
تحفز أرجوس للهجوم، واستعدت إيفا لإطلاق طاقتها.. ولكن فجأة.. توقف الزمن. … تجمد الجميع في أماكنهم.
إيرولد يتقدم، سيفه ثورن يلمع بين يديه، وعيناه ملتهبتان: ” ألم تكتفِ بالدمار الذي سببته؟ لن أسمح لك بفعل المزيد. ”
ارتجفت يد أرجوس التي تحمل السيف، وشعر ببرودةٍ غريبة تتسلل إلى نخاعه، فصرخ بصوتٍ حاول إخفاء رعشته: ” ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟!”
بدأت السماء تتصدّع ،و حطام المملكة بأكملها عائم ومغطاة بضوء بنفسجي غريب صادر من قوة الجاذبية، بينما توقف أرجوس بدهشة: ” مستحيل…!”
أما إيفا، فقد شحب وجهها وتصبب العرق البارد من جبينها، وتوسعت حدقتاها رعباً وهي تحدق في الفراغ. بصوتٍ مخنوق، همست وهي تدرك الكارثة: ” هذه.. هذه ليست طاقة الأمير جلجامش…. إنها شيءٌ آخر...من هذا؟!”
يتمالك أرجوس نفسه ليهاجم بشفرةٍ من الرياح، نحو آشورا يتصدّى لها بكفّه العاري، فتبعثر الهواء حوله. ابتسم بخفة وقال: “مدهش… أنت ذكي بحق. لقد زدتَ الضغط لتجعلها أَحدّ وأسرع. ”
” اعرفي قدركِ أيتها الفانية.. ”
في تلك اللحظة، ظهر الكيان المجهول واقفًا فوق القصر الملكي، عيناه تقدحان شررًا. قال بصوت بارد: ” إذا كانت حساباتي صحيحة… فمع هذه البيوت وهذه المساحة، ربما يوجد هنا من مئةٍ وعشرين إلى مئتي ألف نسمة… ممتاز. لم يتبقَّ الكثير بعد هذا. ”
في تلك اللحظة، ظهر الكيان المجهول واقفًا فوق القصر الملكي، عيناه تقدحان شررًا. قال بصوت بارد: ” إذا كانت حساباتي صحيحة… فمع هذه البيوت وهذه المساحة، ربما يوجد هنا من مئةٍ وعشرين إلى مئتي ألف نسمة… ممتاز. لم يتبقَّ الكثير بعد هذا. ”
ثم زفر تنهيدة طويلة، صوتها كاحتكاك حجرين في قبر، وتمتم بملل: ” لكنني أشعر بضجرٍ قاتل.. هل يوجد أي كائن قوي هنا؟ نسيت أن أسأل ذلك الغبي عن أي مملكة هذه… حسنًا، فلنرَ إن كان يمكنهم تسليتي. ”
لكنَّ آشورا لم يكن هناك تلاشى بجسده الرمادي قبل أن يلامسه النصل بشبرٍ واحد، ليظهر فجأة فوق كتف إيرولد، متوازناً بقدمٍ واحدة بخفةٍ مستحيلة، وكأنه يقف على غصن شجرة لا على كتف محارب. همس ببرودٍ يثير القشعريرة في النخاع: “ هيا يا فتى.. يمكنك فعل افضل من هذا …”
رفع إصبعيه نحو القصر الملكي، ثم ألقاهما إلى الأسفل قائلاً كلمة واحدة كانت بمثابة حكم الإعدام :
لكنَّ آشورا لم يكن هناك تلاشى بجسده الرمادي قبل أن يلامسه النصل بشبرٍ واحد، ليظهر فجأة فوق كتف إيرولد، متوازناً بقدمٍ واحدة بخفةٍ مستحيلة، وكأنه يقف على غصن شجرة لا على كتف محارب. همس ببرودٍ يثير القشعريرة في النخاع: “ هيا يا فتى.. يمكنك فعل افضل من هذا …”
” سقوط! ”
” سقوط! ”
لم يكن هناك انفجار، بل ضغطٌ جوي ساحق. في جزء من الثانية، تهشّم سقف القصر، كقشرة بيضة، وتداعت جدرانه العتيقة لتتحول إلى شلال من الأنقاض الصخرية التي دكت الأرض تحته. اختفت صرخات الحراس الواقفين عند البوابات تحت أطنان من الحجر والرخام، وغرقت ساحة القصر في سحابة كثيفة من الغبار.
اشتعلت المدرجات بالهتاف، وصرخ المعلّق بصوتٍ يكاد يمزق حنجرته: ” يا إلهي! يا له من تهديد! الكلماتُ نارية قبل حتى أن تتشابك السيوف! هل سنشهد مجزرة أخرى أم مفاجأة جديدة؟! العد التنازلي يبدأ الآن.. ثلاثة.. اثنان.. واحد.. انطلقوا!!! ”
ضحك الكيان ضحكة خبيثة وهو يرى الدمار الأولي، وقال بسخرية: ” سأكون كريماً مع الجميع. ”
دوى صوت آشورا في أرجاء أوروك المحتضرة، ضحكةٌ هادئة لكنها كانت مسموعة فوق ضجيج الصواعق وصرير الرياح، ونظر إلى أرجوس بنظرةٍ تجمع بين التقدير والسخرية: “ هنيئًا لك يا فتى.. لقد حققتَ أخيراً حلمك بمقابلتي. ”
قفز عاليًا في الهواء، ولوّح بيده مجددًا: ” سقوط! ”
قفز عاليًا في الهواء، ولوّح بيده مجددًا: ” سقوط! ”
استجابت الجاذبية لأمره؛ فتناثرت الأنقاض من السماء كنيزك صخري عملاق غطى مساحة أوسع من العاصمة. انهارت الأبنية السكنية فوق رؤوس ساكنيها، وتحولت الأسواق المزدحمة إلى مقابر جماعية. ارتفعت سيمفونية الرعب؛ صرخات النساء، بكاء الأطفال الذين فقدوا أهاليهم في غمضة عين، وهديرُ المباني المتساقطة، لتغرق أوروك في فوضى عارمة لم تشهد مثلها منذ تأسيسها.
ارتجفت يد أرجوس التي تحمل السيف، وشعر ببرودةٍ غريبة تتسلل إلى نخاعه، فصرخ بصوتٍ حاول إخفاء رعشته: ” ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟!”
لكنَّ الدخان انقشع عن مشهدٍ تقشعرُّ له الأبدان؛ كانت الصخرة العظيمة تتشقق وتتفتت فوق رأس آشورا كأنها قطعةُ فخارٍ هشّة، ليتصاعد صوته العميق من تحت الركام ببرودٍ مميت: ” بحقك… هل تظن أن هذا سيقتلني؟ هل تستهين بي؟”
وقف إيرولد وسط سحب الغبار المتصاعدة، يلهثُ وقد أخفى جسد جلجامش تحت ساترٍ صخري، ثم انتصب ليواجه الكارثة. رفع بصره ليجد ذلك الكيان يقف فوق عمودٍ متبقٍ من القصر، ثابتاً كتمثالٍ من الظلام، يراقب بالمدينة كملك يراقب حريقًا أشعله بيده.
التفتت بحدة نحو أرجوس الذي كان يقف ببرود في وسط الحلبة، وقالت بنبرة وعيد: ” هيا.. جاء دورك أيها الشقي. لا تظن أنني أراك نداً لي؛ انتقامي الحقيقي ليس منك، بل من ذلك المخادع صديقك.. لقد استعمل حيلة قذرة ليدفع كريس لقتل نفسه، وسيدفع الثمن غالياً! ”
وببطءٍ قاتل، انخفضت تلك النظرات الحمراء لتستقر على إيرولد، الناجي الوحيد الذي يجرؤ على الوقوف بانتصاب. انفرجت شفاه الكيان عن ابتسامةٍ باردة أرسلت القشعريرة في الهواء، وقال بصوتٍ دوى بوضوح رغم المسافة: ” أووه… أخيرًا ظهر أحد قد يسلّيني. ”
استدار إيرولد، ملامحه اشتعلت بغضب : ” لا أعلم… لكن علينا إيقافه قبل أن يقتل المزيد! ”
رمش إيرولد لثانية واحدة، وكانت تلك الثانية كافية ليختفي الكيان من فوق العمود. لم يكن انتقالاُ، بل محواً للمسافة. شعر إيرولد ببرودة الموت تلفح رقبته من الخلف مباشرة، وأنفاسٍ ثقيلة تهمسُ قرب أذنه: ” أشعر منك بذبذباتٍ غريبة.. رائحةٌ لا تنتمي لطين البشر وحدهم.. مزيجٌ نادر بين البشر والجان.. ما أنتَ بالضبط؟”
“أيها الوغد” انطلقت الصرخة من أعماق إيرولد، ممزوجة بمرارة العجز وغليان الغضب. لم يعد يرى أمامه سوى ملامح آشورا المستفزة، فرفع سيف ثورن بكلتا يديه، وانهال به في ضربةٍ عمودية جبارة، ضربةٍ حملت ثقل حزنه على المدينة، وكأنها نصل سيشطر الأرض ومن عليها إلى نصفين.
ضيّق عينيه وهو يحدّق فيه بفضولٍ حاد، قبل أن يتابع: ” ما اسمك؟”
” هيا.. دوركما الآن. قدما أفضل ما لديكما من يأس.. أنتما الآن تقاتلان سيد الدمار نفسه. ”
تحفزت كل عضلة في جسد إيرولد، وانسابت يده ببطءٍ شديد نحو خصره لتطبق بقوة على مقبض ثورن، مستعداً لسلّه في أي جزء من الثانية. لم يلتفت، بل ثبت نظره للأمام وأجاب بصوتٍ حازمٍ، قاوم فيه ارتجاف روحه: ” اسمي إيرولد. ”
لم يمنحه آشورا فرصةً للالتفاف؛ قفز في الهواء بحركةٍ لولبية رشيقة، ثم تلوّى جسده كالسوط ليوجه ركلةً مباشرةً نحو صدر إيرولد. كانت الركلةُ صاعقةً مدمرة؛ شعر إيرولد بعظامه تتوسلُ الرحمة، وانطلق جسده كالقذيفة المرتدة، ليخترق ما تبقى من جدران القصر الملكي العظيمة، واحداً تلو الآخر، حتى غاب في أعماق الركام وغطى المكان سحابٌ كثيفٌ من الغبار والرماد.
قهقه الكيان بخفة، ضحكةً تشبه صوت تكسر العظام الجافة، ثم دار حول إيرولد ليقف أمامه وجهاً لوجه، وقال بنبرة ملؤها الغرور الملكي: ” إيرولد.. حسناً يا إيرولد. يُلقبونني آشورا . افخر بنفسك يا فتى، فأنت من القلائل الذين حظوا بأن أتحدث معهم. ”
لم يتردد كوبرا لثانية؛ رفع يديه نحو السماء، وبقوة سحر الجاذبية، اقتلع صخرةً رخامية ضخمة من أنقاض القصر تزنُ أطنانًا، ثم أهبطها بكل قوته فوق رأس آشورا. ساد غبارٌ كثيف، وارتجت الأرضُ تحت وطأة الاصطدام. تنفس كوبرا بصعوبة، والدمُ يسيل من أذنية من فرط الضغط، وقال بلهجةٍ واثقة: ” هكذا.. لقد سحقتُ كبرياءك أخيراً! ”
انحنى قليلًا إلى الأمام يظهر احترامه بسخريه، ابتسامته تتسع والشرر يشتعل في عينيه: ” أما الآن… فلنبدأ التسلية. ”
كان إيرولد يرى أمامه تجسيداً للموت، يده تقبض على ثورن حتى ابيضت مفاصِله، بينما كان النور والظلام يرقصان على نصل السيف بتناغمٍ غريب لم يلحظه من قبل. في تلك اللحظة، ضاقت عينا آشورا وهو يتفحص السيف بدقة، ثم انفجر بضحكةٍ مجنونة تردد صداها عبر النيران، وصاح متسائلاً بنبرةٍ امتزج فيها الفضول بالخطر : ” أنت هو من يملك قوة التوازن؟”
في لحظةٍ واحدة، اهتزّت الأرض تحت أقدام إيرولد. ضغط آشورا بخطوة واحدة فقط، فانفجر البلاط الحجري حوله إلى شظايا متطايرة. قبل أن يدرك إيرولد ما يحدث، كان الخصم أمامه مباشرة، عيناه المتلألئتان تعكسان لامبالاة مرعبة.
جمّد الرعبُ في عيني كوبرا، وشعر بظلال الموت تلتفُّ حوله. لكنه، بقلب محاربٍ لم يعرف الانحناء، قبض على مقبض سيفه بكلتا يديه، وثبّت قدميه في الأرض المحطمة وقال بصلابةٍ هزت الأنقاض: ” إما أن أموت موتة رجل… أو أسحبك للموت معي. ”
اندفع إيرولد بكل ما أوتي من يأس، وهوى بسيفه ثورن بضربةٍ كان من شأنها أن تشق الجبال. لكنَّ الصدمة كانت حين مدَّ آشورا يده العارية، وبحركةٍ رشيقة كأنما يمسك ريشةً طائرة، أوقف النصل في منتصف الهواء. ضحك آشورا ضحكةً هزت نخاع إيرولد، وقال بسخريةٍ لاذعة: ” هه.. سيفٌ جميل، وصناعةٌ مثيرة.. لكنَّ يدك ترتجف يا فتى، هل الجو باردٌ ؟”
انحنى آشورا فوقه، وبدت ملامحه غارقةً في هدوءٍ غريب، خالٍ من الغطرسة لأول مرة. نظر إلى جسد المحارب المنهار، وقال بصوتٍ يحملُ احتراماً لم يحظَ به ملكٌ من قبل: ” لكنني.. رغم كل شيء.. أقدّر هذه الشجاعة. لقد قاتلتَ كما يقاتلُ العظماء. أخبرني قبل أن يبتلعك الصمت.. ما اسمك؟”
لم ينتظر إيرولد الرد، فرفع آشورا إصبعيه نحو عنان السماء وفي تلك اللحظة، انشقت الغيوم عن طوقٍ ناريٍّ ضخم، حلقةٌ من اللهب الأحمر أحاطت بالمملكة وبدأت رماحٌ من لهبٍ مقدّس تهوي من السماء كالمطر ، تخترق الأبنية وتُحيل ما تبقى من أوروك إلى رماد. ابتسم آشورا بخبثٍ شيطاني وهو يهمس: ” هكذا سوف تشعر بالدفء. ”
تجمد كوبرا في مكانه، وسقط سيفه من يده ليرتطم بالأرض بوقعٍ حزين. خانته قواه، وانهار جسده الذي لم يعد يحتمل ضغط الحياة؛ سقط على ركبتيه، والدمُ ينفجرُ من عينيه وأنفه وفمه كشلالٍ قرمزيٍّ يروي أرض أوروك للمرة الأخيرة. غاب الضياءُ عن عينيه، وبدأ الوعي يتسرب منه كما يتسرب الرمل من بين الأصابع.
كان إيرولد يرى أمامه تجسيداً للموت، يده تقبض على ثورن حتى ابيضت مفاصِله، بينما كان النور والظلام يرقصان على نصل السيف بتناغمٍ غريب لم يلحظه من قبل. في تلك اللحظة، ضاقت عينا آشورا وهو يتفحص السيف بدقة، ثم انفجر بضحكةٍ مجنونة تردد صداها عبر النيران، وصاح متسائلاً بنبرةٍ امتزج فيها الفضول بالخطر : ” أنت هو من يملك قوة التوازن؟”
وقف إيرولد بانتصابٍ يتحدى الجاذبية، ورفع نصله المدمى نحو السماء، وصاح بصوتٍ جهوريٍّ زلزلَ ما تبقى من أعمدة القصر: ” آشورا! ”
أفلت آشورا نصل السيف فجأة، وتراجع خطوةً للخلف ببرودٍ مستفز، وكأنه يمنح فريسته فرصةً أخيرة للتنفس، وقال بنبرةٍ غلبت عليها الغطرسة: ” لا تخيّب ظني .. أرني ما تستطيع فعله. ”
لم يحول إيرولد نظره عن آشورا، بل رفع سيفه ثورن بثباتٍ رغم ارتعاش عضلاته، وصاح بصوتٍ غلبه القلقُ على الرفاق: ” أرجوس! لوس! لا تقفا هنا.. خذا جاسمين واخرجا فورًا. ”
لم ينتظر إيرولد؛ انطلق كالإعصار، ممرراً نصل ثورن في سلسلة من الضربات الخاطفة التي مزجت بين وهج النور الحارق وسواد الظلام الدامس. كان الهواء يرتجفُ مع كل صدام، والشرر المتطاير من احتكاك السيف بهالة آشورا يشقُّ عتمة المدينة المحترقة. ومع ذلك، كان آشورا يتمايلُ وسط هذا الوابل من الضربات كراقصٍ يداعبُ العاصفة؛ يتصدى لكل هجومٍ بيدٍ واحدة، والابتسامةُ لا تفارق وجهه: ” أعجبني هذا… واصل، لا تجعلني أمل سريعًا. ”
اندفع إيرولد بكل ما أوتي من يأس، وهوى بسيفه ثورن بضربةٍ كان من شأنها أن تشق الجبال. لكنَّ الصدمة كانت حين مدَّ آشورا يده العارية، وبحركةٍ رشيقة كأنما يمسك ريشةً طائرة، أوقف النصل في منتصف الهواء. ضحك آشورا ضحكةً هزت نخاع إيرولد، وقال بسخريةٍ لاذعة: ” هه.. سيفٌ جميل، وصناعةٌ مثيرة.. لكنَّ يدك ترتجف يا فتى، هل الجو باردٌ ؟”
وبينما كان إيرولد في قمة اندفاعه، رفع آشورا إصبعه نحو برجٍ شاهق يقبع خلفهم، وكأن الأمر مجرد نزوة، ثم همس: ” سقوط. ”
في لحظة، انفجر البرجُ من أساساته، وتحوّل إلى جبالٍ من الحجر والأنقاض التي انهمرت كالموت المحقق على مئات الأبرياء في الساحة المشتعلة بالأسفل. تعالت الصرخاتُ الممزقة للقلوب، بينما انفجر آشورا بضحكةٍ ساخرة، يراقبُ احتضار المدينة وكأنه يشاهدُ عرضاً مسرحياً ممتعاً.
ليُصدم أرجوس بصوت متردد: ” هذه… ليست قوى طبيعية! كيف يمكنه فعل هذا؟ ولقد استعمل النار للتو! إن الجاذبية والنار لا يجتمعان في مسار العناصر! ”
“أيها الوغد” انطلقت الصرخة من أعماق إيرولد، ممزوجة بمرارة العجز وغليان الغضب. لم يعد يرى أمامه سوى ملامح آشورا المستفزة، فرفع سيف ثورن بكلتا يديه، وانهال به في ضربةٍ عمودية جبارة، ضربةٍ حملت ثقل حزنه على المدينة، وكأنها نصل سيشطر الأرض ومن عليها إلى نصفين.
ضحك أرجوس بسخرية لاذعة، ورفع سيفه الهوائي ببطء ليشير إليها قائلاً: ” احذري.. فقد أجمعكِ مع صديقكِ الراحل أسرع مما تتخيلين. ”
لكنَّ آشورا لم يكن هناك تلاشى بجسده الرمادي قبل أن يلامسه النصل بشبرٍ واحد، ليظهر فجأة فوق كتف إيرولد، متوازناً بقدمٍ واحدة بخفةٍ مستحيلة، وكأنه يقف على غصن شجرة لا على كتف محارب. همس ببرودٍ يثير القشعريرة في النخاع: “ هيا يا فتى.. يمكنك فعل افضل من هذا …”
يرفع آشورا يده في الهواء، وعيناه تتلألأ بالشرر، ثم رفع جميع الحطام المتناثر في المملكة فوق أرجوس ولوس.
لم يمنحه آشورا فرصةً للالتفاف؛ قفز في الهواء بحركةٍ لولبية رشيقة، ثم تلوّى جسده كالسوط ليوجه ركلةً مباشرةً نحو صدر إيرولد. كانت الركلةُ صاعقةً مدمرة؛ شعر إيرولد بعظامه تتوسلُ الرحمة، وانطلق جسده كالقذيفة المرتدة، ليخترق ما تبقى من جدران القصر الملكي العظيمة، واحداً تلو الآخر، حتى غاب في أعماق الركام وغطى المكان سحابٌ كثيفٌ من الغبار والرماد.
في تلك اللحظة، ظهر الكيان المجهول واقفًا فوق القصر الملكي، عيناه تقدحان شررًا. قال بصوت بارد: ” إذا كانت حساباتي صحيحة… فمع هذه البيوت وهذه المساحة، ربما يوجد هنا من مئةٍ وعشرين إلى مئتي ألف نسمة… ممتاز. لم يتبقَّ الكثير بعد هذا. ”
وسط سحب الغبار الكثيفة ورائحة الرماد التي خنقت الأنفاس، لم يكن إيرولد وحده من استشعر الكارثة. انشقت العتمة عن ثلاث ظلالٍ مهيبة؛ الكبار قد وصلوا أخيراً إلى ساحة الإعدام. تقدم كوبرا بخطواتٍ تملؤها الهيبة، وعيناه تشتعلان : ” من هذا الذي يهاجم المملكة؟”
التفت آشورا ببطءٍ شديد، وراح يجول ببصره في الأرجاء ببرود، وكأنه يبحث معهم عن الجاني، ثم رسم ابتسامةً ساخرة على شفتيه الرماديتين وقال: ” آه.. حقاً مَن هذا الوغد الذي فعل ذلك؟.. لحظة، لقد نسيتُ أنه أنا. ”
” اعرفي قدركِ أيتها الفانية.. ”
استشاطت إيفا غضباً، ولم تحتمل تلك السخرية التي تُهين كرامة أوروك، فصرخت بصوتٍ مزق الصمت: ” أيها اللعين! ألا يكفيك الهجوم حتى تستهزئ؟ ”
انطلق كوبرا كالسهم، مستعداً للموت، لكنه لاحظ أنَّ إصبع آشورا لا يشير إليه، بل يشيرُ إلى الخلف بسخرية. التفت كوبرا بذعرٍ ليجد أنَّ إريك قد أدار ظهره وفرَّ مسرعاً بين الأنقاض، تاركاً صديقه وكبرياءه خلفه.
تغيرت ملامح آشورا في لحظة؛ اختفت السخرية وحلّ مكانها انزعاجٌ مخيف، قال بنبرةٍ باردة: ” هل تجرأت تلك المرأة على الحديث بدون إذني؟”
رفع إصبعيه نحو القصر الملكي، ثم ألقاهما إلى الأسفل قائلاً كلمة واحدة كانت بمثابة حكم الإعدام :
شعر إريك ببرودة الموت تخترق الجو، فصرخ محذراً بملء فمه: ” إيفا! تراجعي! إياكِ أن تتقدمي خطوةً واحدة! ”
” ما الذي يفعله هذا المخبول؟!”
لكنَّ كبرياء إيفا كان أسرع من حذرها؛ تقدمت وهي ترفع سلاحها وتصيح: ” هذه المملكة أعظم من أن يهاجمها نكرةٌ مثلك، أيها الـ… ”
بأنفاسٍ متقطعة، وبصوتٍ لا يكادُ يُسمع وسط حشرجة الموت، همس المحارب بكلمته الأخيرة: ” كو.. برا.. ”
ولم تكمل كلمتها. لم يرَ أحدٌ حركةً، ولم يشعر أحدٌ بانتقالٍ للطاقة. كل ما سُمِع هو صوتُ خفقٍ خاطف يشق الهواء، وفي جزءٍ من الثانية، توقف كل شيء. سقط رأسُ إيفا على الرخام المحطم بوقعٍ مكتوم، قبل أن يلحق به جسدها الذي تهاوى كدميةٍ قُطعت خيوطها، بينما ظلَّ آشورا واقفاً في مكانه، ينظر إلى أظافره بملل وكأن شيئاً لم يحدث.
وبينما كان إيرولد في قمة اندفاعه، رفع آشورا إصبعه نحو برجٍ شاهق يقبع خلفهم، وكأن الأمر مجرد نزوة، ثم همس: ” سقوط. ”
نظر إلى جثة إيفا ببرودٍ يوازي صقيع القبور، ونبَس بصوتٍ هادئٍ لكنه اخترق النخاع:
قفز عاليًا في الهواء، ولوّح بيده مجددًا: ” سقوط! ”
” اعرفي قدركِ أيتها الفانية.. ”
جمّد الرعبُ في عيني كوبرا، وشعر بظلال الموت تلتفُّ حوله. لكنه، بقلب محاربٍ لم يعرف الانحناء، قبض على مقبض سيفه بكلتا يديه، وثبّت قدميه في الأرض المحطمة وقال بصلابةٍ هزت الأنقاض: ” إما أن أموت موتة رجل… أو أسحبك للموت معي. ”
ثم حوّل بصره ببطء نحو كوبرا وإريك ، اللذين كان الرعبُ ينهشُ ملامحهما، وأردف بابتسامةٍ خبيثة:
” هيا.. دوركما الآن. قدما أفضل ما لديكما من يأس.. أنتما الآن تقاتلان سيد الدمار نفسه. ”
ثم حوّل بصره ببطء نحو كوبرا وإريك ، اللذين كان الرعبُ ينهشُ ملامحهما، وأردف بابتسامةٍ خبيثة:
شحب وجه إريك وارتجفت أطرافه، وخرجت كلماته متعثرة: ” سيد الدمار… هنا؟ ”
التفت إريك نحو كوبرا ليجد في عينيه إصراراً منتحراً. صرخ كوبرا محاولاً استجماع ما تبقى من شجاعتهم: ” إريك! لا وقت للذهول! يجب أن نهاجمه معاً بكل قوتنا.. هيا! ”
وسطَ دوامةِ الغبار وحطامِ الأبنية المنهارة، انشقتِ الظلالُ عن قادمينِ جديدين. اعتلى أرجوس و لوس قممَ الأنقاض، يرقبانِ ساحةَ المذبحة بعيونٍ صلبةٍ وحضورٍ مهيب، وقد استلا أسلحتَهما لمواجهةِ القدر.
انطلق كوبرا كالسهم، مستعداً للموت، لكنه لاحظ أنَّ إصبع آشورا لا يشير إليه، بل يشيرُ إلى الخلف بسخرية. التفت كوبرا بذعرٍ ليجد أنَّ إريك قد أدار ظهره وفرَّ مسرعاً بين الأنقاض، تاركاً صديقه وكبرياءه خلفه.
ضحك آشورا ضحكةً قصيرة جافة، وراح يطقطق أصابع يده ببرودٍ أثار القشعريرة في الأجواء، وعيناه الحمراوان تلمعان بفضولٍ متجدد: ” هه.. حقاً؟ لا تزال تملكُ أنفاساً للصراخ يا إيرولد؟”
قهقه آشورا ضحكةً هزت أركان القصر المحطم: ” أووه.. يا له من ضعيفِ قلب! الهروب من الفناء هو أسرع طريقٍ إليه. ” ثم وجّه إصبعه نحو إريك الهارب وأردف ببرود: ” الضعفاء لا يستحقون ميتاً عظيمًا، بل نهايةً وضيعةً تليق بهم. ”
اندفع نحو الفراغ.. نحو الموت.. نحو آشورا. لكن، وفي اللحظة التي كان من المفترض أن يشق فيها السيفُ صدر الخصم، ساد صمتٌ مطبق. تلاشت الحركة، وتوقف الزمن، ليهمس صوتُ آشورا ببرودٍ جنائزيٍّ في أذنه مباشرة: ” لقد أخطأت… يا فتى. ”
أفلت آشورا نصل السيف فجأة، وتراجع خطوةً للخلف ببرودٍ مستفز، وكأنه يمنح فريسته فرصةً أخيرة للتنفس، وقال بنبرةٍ غلبت عليها الغطرسة: ” لا تخيّب ظني .. أرني ما تستطيع فعله. ”
وفجأة، وبلا أي حركةٍ ملموسة، انشقت الأرض تحت قدمي إيرك وانقسمت ساقاه إلى نصفين طوليين بحِدّةٍ جراحية مرعبة. سقط إريك يصرخ صرخاتٍ تمزق الحناجر وهو يتمرغ في دمائه، بينما قال آشورا بقسوة:
كان إيرولد يرى أمامه تجسيداً للموت، يده تقبض على ثورن حتى ابيضت مفاصِله، بينما كان النور والظلام يرقصان على نصل السيف بتناغمٍ غريب لم يلحظه من قبل. في تلك اللحظة، ضاقت عينا آشورا وهو يتفحص السيف بدقة، ثم انفجر بضحكةٍ مجنونة تردد صداها عبر النيران، وصاح متسائلاً بنبرةٍ امتزج فيها الفضول بالخطر : ” أنت هو من يملك قوة التوازن؟”
” انزف حتى الموت.. هذا هو الموت الذي يليقُ بجبان. ”
ثم حوّل بصره ببطء نحو كوبرا وإريك ، اللذين كان الرعبُ ينهشُ ملامحهما، وأردف بابتسامةٍ خبيثة:
عاد آشورا بنظره إلى كوبرا الواقف وحيداً وسط الجثث والدم، وقال بنبرةٍ غلبت عليها الجدية المفاجئة: ” الآن.. بما أنك تقف أمامي وحدك، وبما أنه لا يوجد عدلٌ في هذا العالم.. سأمنحك فرصةً أخيرة للتسلية. سأسمح لك بثلاث هجماتٍ ضدي، ضرباتٌ مجانية لن أصدها أو أتحرك منها. بعدها.. سأكون أنا من يهاجم.. هيا، أرني ما لديك. ”
ابتلع كوبرا ريقه الجاف، وهو يدرك أنَّ التاريخ يُكتبُ الآن بدمائه؛ تمتم في نفسه بمرارة: ” لن أحصل على فرصةٍ ذهبية كهذه أبداً.. إما أن أكون المنقذ، أو أكون القربان. ” استجمع كل ذرةِ طاقةٍ في كيانه، وأحاط جسده بهالةٍ أرجوانية كثيفة من سحر الجاذبية. بدأ يضغطُ الهواء حوله، ويسرّع ضخ الدم في عروقه لدرجةٍ جعلت عضلاته تتضخم وتكاد تنفجر، متجاوزاً حدود التحمل البشري بمرات.
وسط هذا السكون الجنائزي الذي خيّم على الساحة، انبعثَ صوتُ حطامٍ يتحطم من تحت الأنقاض. خرج إيرولد من بين الركام كأنه بعثٌ من الجحيم؛ كان جسده مغطىً بالغبار، والدمُ يسيلُ من جروحه، لكنَّ يده كانت تقبضُ على سيف ثورن بقوةٍ لم يسبق لها مثيل. لم يعد السيفُ يضيءُ بنورٍ خالص، بل امتزج ضياؤه بلون الدم المسكوب، ليتشكل توهجٌ قرمزيٌّ مخيف يسطعُ وسط الظلام.
وبسرعة خارقة ندفع كوبرا مخلفاً وراءه فراغاً هوائياً، ووجّه سيفه في طعنةٍ دقيقة استهدفت عروق عنق آشورا. كان النصلُ مشحوناً بضغطِ جاذبيةٍ يكفي لسحق صخرة، لكنه حين لامس جلد آشورا، لم يترك سوى خدشٍ ضئيلٍ يكادُ لا يُرى. قهقه آشورا ضحكةً باردة هزت سكون الدمار: ” جميل.. خدشٌ جديد أضيفه لمجموعتي التافهة. بقيت لك هجمتان.. حاول ألا تبددهما في الهواء. ”
كان إيرولد يرى أمامه تجسيداً للموت، يده تقبض على ثورن حتى ابيضت مفاصِله، بينما كان النور والظلام يرقصان على نصل السيف بتناغمٍ غريب لم يلحظه من قبل. في تلك اللحظة، ضاقت عينا آشورا وهو يتفحص السيف بدقة، ثم انفجر بضحكةٍ مجنونة تردد صداها عبر النيران، وصاح متسائلاً بنبرةٍ امتزج فيها الفضول بالخطر : ” أنت هو من يملك قوة التوازن؟”
لم يتردد كوبرا لثانية؛ رفع يديه نحو السماء، وبقوة سحر الجاذبية، اقتلع صخرةً رخامية ضخمة من أنقاض القصر تزنُ أطنانًا، ثم أهبطها بكل قوته فوق رأس آشورا. ساد غبارٌ كثيف، وارتجت الأرضُ تحت وطأة الاصطدام. تنفس كوبرا بصعوبة، والدمُ يسيل من أذنية من فرط الضغط، وقال بلهجةٍ واثقة: ” هكذا.. لقد سحقتُ كبرياءك أخيراً! ”
ومع آخر نبضةٍ من قلبه، أغمض عينيه وسكن جسده للأبد، تاركاً خلفه إرثاً من الكبرياء فوق ركام أوروك.
لكنَّ الدخان انقشع عن مشهدٍ تقشعرُّ له الأبدان؛ كانت الصخرة العظيمة تتشقق وتتفتت فوق رأس آشورا كأنها قطعةُ فخارٍ هشّة، ليتصاعد صوته العميق من تحت الركام ببرودٍ مميت: ” بحقك… هل تظن أن هذا سيقتلني؟ هل تستهين بي؟”
لكنَّ الدخان انقشع عن مشهدٍ تقشعرُّ له الأبدان؛ كانت الصخرة العظيمة تتشقق وتتفتت فوق رأس آشورا كأنها قطعةُ فخارٍ هشّة، ليتصاعد صوته العميق من تحت الركام ببرودٍ مميت: ” بحقك… هل تظن أن هذا سيقتلني؟ هل تستهين بي؟”
جمّد الرعبُ في عيني كوبرا، وشعر بظلال الموت تلتفُّ حوله. لكنه، بقلب محاربٍ لم يعرف الانحناء، قبض على مقبض سيفه بكلتا يديه، وثبّت قدميه في الأرض المحطمة وقال بصلابةٍ هزت الأنقاض: ” إما أن أموت موتة رجل… أو أسحبك للموت معي. ”
” انزف حتى الموت.. هذا هو الموت الذي يليقُ بجبان. ”
هوى ضحك آشورا في أرجاء المملكة المحطمة، ضحكةٌ لم تكن سخريةً هذه المرة، بل كانت نشوةً بوجدِ خصمٍ يملكُ شعلةً ترفض الانطفاء: “ هاهاها… هذه هي الروح التي أريدها! ”
في تلك اللحظة، تحول الواقع إلى مسلخٍ كوني؛ تشكلت آلاف الشفرات الهوائية والبروق الحمراء التي انطلقت في كل اتجاه كأمواجٍ من الغضب السائل. لم تكن مجرد رياح، بل كانت تمزقات في نسيج المكان؛ جدران المملكة العظيمة التي صمدت لقرون تلاشت أمامها كأنها من رمل، وكل شيء وقع في طريقها تبخر في لمح البصر.
في تلك اللحظة، اتخذ كوبرا قراره النهائي؛ قرر أن يحرق حياته في ومضةٍ واحدة. ضاعف تدفق الدم في عروقه إلى عشرين ضعفاً، فاحتقن جسده بلونٍ أرجواني داكن، وبدأت الشرايينُ تبرزُ تحت جلده كأفاعٍ محبوسة تكاد تنفجر. تشوش بصره، وغامت الدنيا في عينيه، لكنَّ قلبه كان يقرعُ طبول الحرب للمرة الأخيرة. أمسك سيفه بكلتا يديه، وانطلق في وثبةٍ انتحارية، محولاً جسده وروحه إلى نصلٍ واحدٍ من الجاذبية المطلقة، مستهدفاً سيد الدمار.
اندفع نحو الفراغ.. نحو الموت.. نحو آشورا. لكن، وفي اللحظة التي كان من المفترض أن يشق فيها السيفُ صدر الخصم، ساد صمتٌ مطبق. تلاشت الحركة، وتوقف الزمن، ليهمس صوتُ آشورا ببرودٍ جنائزيٍّ في أذنه مباشرة: ” لقد أخطأت… يا فتى. ”
اتسعت ابتسامة آشورا، وتوهجت عيناه الحمراوان كجمرتين مستعرتين في جوف ليلٍ مظلم، وقال بنبرةٍ امتزجت فيها اللذة بالوعيد: ” آه… جميل، جميل جدًا. لكن الا تعتقد أنّ اللعب قد نتهى الآن، وحان وقت الدمار! ”
تجمد كوبرا في مكانه، وسقط سيفه من يده ليرتطم بالأرض بوقعٍ حزين. خانته قواه، وانهار جسده الذي لم يعد يحتمل ضغط الحياة؛ سقط على ركبتيه، والدمُ ينفجرُ من عينيه وأنفه وفمه كشلالٍ قرمزيٍّ يروي أرض أوروك للمرة الأخيرة. غاب الضياءُ عن عينيه، وبدأ الوعي يتسرب منه كما يتسرب الرمل من بين الأصابع.
ظلامٌ واحد يبتلع ثلاثة شموع؛ ‘الوحش’ يقف بوقفة السيد أمام نخبة كبار مملكة أوروك، حيث تتلاشى قوتهم أمام جبروت حضوره.
انحنى آشورا فوقه، وبدت ملامحه غارقةً في هدوءٍ غريب، خالٍ من الغطرسة لأول مرة. نظر إلى جسد المحارب المنهار، وقال بصوتٍ يحملُ احتراماً لم يحظَ به ملكٌ من قبل: ” لكنني.. رغم كل شيء.. أقدّر هذه الشجاعة. لقد قاتلتَ كما يقاتلُ العظماء. أخبرني قبل أن يبتلعك الصمت.. ما اسمك؟”
في تلك اللحظة، تحول الواقع إلى مسلخٍ كوني؛ تشكلت آلاف الشفرات الهوائية والبروق الحمراء التي انطلقت في كل اتجاه كأمواجٍ من الغضب السائل. لم تكن مجرد رياح، بل كانت تمزقات في نسيج المكان؛ جدران المملكة العظيمة التي صمدت لقرون تلاشت أمامها كأنها من رمل، وكل شيء وقع في طريقها تبخر في لمح البصر.
بأنفاسٍ متقطعة، وبصوتٍ لا يكادُ يُسمع وسط حشرجة الموت، همس المحارب بكلمته الأخيرة: ” كو.. برا.. ”
” انزف حتى الموت.. هذا هو الموت الذي يليقُ بجبان. ”
رفع آشورا يديه إلى الأعلى كأنه يحتضن العاصفة ذاتها، وصرخ بصوتٍ شقَّ عنان السماء: ” فليشهدوا الدمار ! ”
هزَّ آشورا رأسه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ أخيرة، صادقة وباردة في آنٍ واحد، وقال وهو يضع يده على كتف كوبرا: ” افخر بنفسك.. لقد متَّ على يدي يا كوبرا. لقد قدمتَ أفضل ما يملكهُ بشر.. فلتمت الآن بسلام. ”
ظلامٌ واحد يبتلع ثلاثة شموع؛ ‘الوحش’ يقف بوقفة السيد أمام نخبة كبار مملكة أوروك، حيث تتلاشى قوتهم أمام جبروت حضوره.
ارتسمت على وجه كوبرا ملامح سلام عميق لم يعرفه في حياته الصاخبة؛ بدت تقاطيع وجهه مسترخية وكأنَّ الموت لم يكن عدواً بل رفيقاً انتظره طويلاً. همس بكلماته الأخيرة التي حملتها الرياح المحملة برائحة الرماد:
ثم زفر تنهيدة طويلة، صوتها كاحتكاك حجرين في قبر، وتمتم بملل: ” لكنني أشعر بضجرٍ قاتل.. هل يوجد أي كائن قوي هنا؟ نسيت أن أسأل ذلك الغبي عن أي مملكة هذه… حسنًا، فلنرَ إن كان يمكنهم تسليتي. ”
” لقد عشتُ حياةً جميلة.. وأعلمُ أنَّ أبي سيفخر بي حين ألقاه، فقد وقفتُ صامداً أمام سيد الدمار ذاته.. ”
كان إيرولد يرقصُ على حافةِ الموت؛ يتصدى بمرارةٍ ويراوغُ بيأس، محاولاً قراءة أسلوب آشورا ، لكن الخصم كان يغير حركته باستمرار، يتفادى، يضحك، ثم يهاجم بجدية مرة أخرى، ضاربًا بثقة وإتقان، كما لو أنه يختبر حدود إيرولد.
ومع آخر نبضةٍ من قلبه، أغمض عينيه وسكن جسده للأبد، تاركاً خلفه إرثاً من الكبرياء فوق ركام أوروك.
يتمالك أرجوس نفسه ليهاجم بشفرةٍ من الرياح، نحو آشورا يتصدّى لها بكفّه العاري، فتبعثر الهواء حوله. ابتسم بخفة وقال: “مدهش… أنت ذكي بحق. لقد زدتَ الضغط لتجعلها أَحدّ وأسرع. ”
وسط هذا السكون الجنائزي الذي خيّم على الساحة، انبعثَ صوتُ حطامٍ يتحطم من تحت الأنقاض. خرج إيرولد من بين الركام كأنه بعثٌ من الجحيم؛ كان جسده مغطىً بالغبار، والدمُ يسيلُ من جروحه، لكنَّ يده كانت تقبضُ على سيف ثورن بقوةٍ لم يسبق لها مثيل. لم يعد السيفُ يضيءُ بنورٍ خالص، بل امتزج ضياؤه بلون الدم المسكوب، ليتشكل توهجٌ قرمزيٌّ مخيف يسطعُ وسط الظلام.
وسط سحب الغبار الكثيفة ورائحة الرماد التي خنقت الأنفاس، لم يكن إيرولد وحده من استشعر الكارثة. انشقت العتمة عن ثلاث ظلالٍ مهيبة؛ الكبار قد وصلوا أخيراً إلى ساحة الإعدام. تقدم كوبرا بخطواتٍ تملؤها الهيبة، وعيناه تشتعلان : ” من هذا الذي يهاجم المملكة؟” التفت آشورا ببطءٍ شديد، وراح يجول ببصره في الأرجاء ببرود، وكأنه يبحث معهم عن الجاني، ثم رسم ابتسامةً ساخرة على شفتيه الرماديتين وقال: ” آه.. حقاً مَن هذا الوغد الذي فعل ذلك؟.. لحظة، لقد نسيتُ أنه أنا. ”
وقف إيرولد بانتصابٍ يتحدى الجاذبية، ورفع نصله المدمى نحو السماء، وصاح بصوتٍ جهوريٍّ زلزلَ ما تبقى من أعمدة القصر: ” آشورا! ”
لم يلتفت آشورا ، وبدأ برمي الصخور مرة أخرى، كل صخرة تصدم المباني، فتتفتت، وتنهار المملكة أكثر فأكثر قال: ” أظن أن نصف السكان ماتوا بالفعل…”
ضحك آشورا ضحكةً قصيرة جافة، وراح يطقطق أصابع يده ببرودٍ أثار القشعريرة في الأجواء، وعيناه الحمراوان تلمعان بفضولٍ متجدد: ” هه.. حقاً؟ لا تزال تملكُ أنفاساً للصراخ يا إيرولد؟”
وسطَ دوامةِ الغبار وحطامِ الأبنية المنهارة، انشقتِ الظلالُ عن قادمينِ جديدين. اعتلى أرجوس و لوس قممَ الأنقاض، يرقبانِ ساحةَ المذبحة بعيونٍ صلبةٍ وحضورٍ مهيب، وقد استلا أسلحتَهما لمواجهةِ القدر.
إيرولد يتقدم، سيفه ثورن يلمع بين يديه، وعيناه ملتهبتان: ” ألم تكتفِ بالدمار الذي سببته؟ لن أسمح لك بفعل المزيد. ”
في المقابل، كان إيرولد يتصبّب عرقًا وهو يحاول صد الشفرات المتفجرة والتفادي بينها، وكل شفرة تمرّ تكاد تبتره نصفين. الهواء نفسه صار عدوًا، والسماء غطّاها لون من الدمار جعل الحركة شبه مستحيلة.
اتسعت ابتسامة آشورا، وتوهجت عيناه الحمراوان كجمرتين مستعرتين في جوف ليلٍ مظلم، وقال بنبرةٍ امتزجت فيها اللذة بالوعيد: ” آه… جميل، جميل جدًا. لكن الا تعتقد أنّ اللعب قد نتهى الآن، وحان وقت الدمار! ”
وببطءٍ قاتل، انخفضت تلك النظرات الحمراء لتستقر على إيرولد، الناجي الوحيد الذي يجرؤ على الوقوف بانتصاب. انفرجت شفاه الكيان عن ابتسامةٍ باردة أرسلت القشعريرة في الهواء، وقال بصوتٍ دوى بوضوح رغم المسافة: ” أووه… أخيرًا ظهر أحد قد يسلّيني. ”
تحرك آشورا فجأة، وبسرعةٍ لم تعد العينُ تدركها؛ تحول إلى ظلٍّ خاطفٍ يشقُّ جدار الصوت. هذه المرة، لم يكتفِ بالدفاع أو اللكمات العابرة، بل بدأ يهاجمُ بجديةٍ قاتلة. كانت قبضتاه العاريتان تصطدمان بنصل ثورن في دويٍّ أليمٍ يصنعُ أصداءً عميقة في جدران القصر المنهارة، والأرضُ تحت أقدامهما بدأت تتشققُ وتنهار، وكأنها لا تستطيعُ تحملَ عبء هذا الصدام كلما هبطت قبضةُ آشورا، كانت المباني المحيطة تهتزُّ وتتساقطُ أحجارها، وكأنَّ زلزالاً قد حُبس في جسد رجلٍ واحد.
ارتجفت يد أرجوس التي تحمل السيف، وشعر ببرودةٍ غريبة تتسلل إلى نخاعه، فصرخ بصوتٍ حاول إخفاء رعشته: ” ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟!”
كان إيرولد يرقصُ على حافةِ الموت؛ يتصدى بمرارةٍ ويراوغُ بيأس، محاولاً قراءة أسلوب آشورا ، لكن الخصم كان يغير حركته باستمرار، يتفادى، يضحك، ثم يهاجم بجدية مرة أخرى، ضاربًا بثقة وإتقان، كما لو أنه يختبر حدود إيرولد.
يقول لوس بهدوء ممزوج بذهول: “من أنت بحق الجحيم؟ عرف بنفسك! ”
وسطَ دوامةِ الغبار وحطامِ الأبنية المنهارة، انشقتِ الظلالُ عن قادمينِ جديدين. اعتلى أرجوس و لوس قممَ الأنقاض، يرقبانِ ساحةَ المذبحة بعيونٍ صلبةٍ وحضورٍ مهيب، وقد استلا أسلحتَهما لمواجهةِ القدر.
ضحك آشورا مجددًا، صوته يتردد في أرجاء ساحة المملكة المدمرة: ” آه… يبدو أن اللعبة أصبحت أكثر إثارة. هل ترغبون بالمشاركة في التسلية؟”
أفلت آشورا نصل السيف فجأة، وتراجع خطوةً للخلف ببرودٍ مستفز، وكأنه يمنح فريسته فرصةً أخيرة للتنفس، وقال بنبرةٍ غلبت عليها الغطرسة: ” لا تخيّب ظني .. أرني ما تستطيع فعله. ”
لم يحول إيرولد نظره عن آشورا، بل رفع سيفه ثورن بثباتٍ رغم ارتعاش عضلاته، وصاح بصوتٍ غلبه القلقُ على الرفاق: ” أرجوس! لوس! لا تقفا هنا.. خذا جاسمين واخرجا فورًا. ”
في المقابل، كان إيرولد يتصبّب عرقًا وهو يحاول صد الشفرات المتفجرة والتفادي بينها، وكل شفرة تمرّ تكاد تبتره نصفين. الهواء نفسه صار عدوًا، والسماء غطّاها لون من الدمار جعل الحركة شبه مستحيلة.
جاء رد لوس هادئاً كجريان النهر، وهو يثبت قدمه فوق صخرةٍ محطمة: ” لقد فعلنا هذا بالفعل لا تقلق. ”
لكنَّ الدخان انقشع عن مشهدٍ تقشعرُّ له الأبدان؛ كانت الصخرة العظيمة تتشقق وتتفتت فوق رأس آشورا كأنها قطعةُ فخارٍ هشّة، ليتصاعد صوته العميق من تحت الركام ببرودٍ مميت: ” بحقك… هل تظن أن هذا سيقتلني؟ هل تستهين بي؟”
اتسعت ابتسامة آشورا، وتوهجت عيناه الحمراوان كجمرتين مستعرتين في جوف ليلٍ مظلم، وقال بنبرةٍ امتزجت فيها اللذة بالوعيد: ” آه… جميل، جميل جدًا. لكن الا تعتقد أنّ اللعب قد نتهى الآن، وحان وقت الدمار! ”
آشورا يتظر اليه ،و ضحكته تملأ الجو: ” حسنًا، لنرى إن كان الثلاثة قادرين على إيقافي… هيا، فلنبدأ الجولة! ”
ارتفع أرجوس عن الأرض، عينيه تتوهجان بقوة، وبدأ يستخدم سحر الجاذبية. الحجارة والأنقاض حوله طارت في الهواء، تتحرك كما لو كانت تحت إرادته المطلقة، متجهة بسرعة هائلة نحو آشورا : ” لنرى مدى قدرتك على مواجهة هذا! ”
ضحك آشورا مجددًا، صوته يتردد في أرجاء ساحة المملكة المدمرة: ” آه… يبدو أن اللعبة أصبحت أكثر إثارة. هل ترغبون بالمشاركة في التسلية؟”
في الوقت نفسه، انطلق لوس، ورفع يديه نحو السماء، تتحول إلى كفين من نار متقدة، مشتعلة بطاقة لا يمكن تصورها : ” ها هو القتال الذي تريده! ”
ضحك آشورا مجددًا، صوته يتردد في أرجاء ساحة المملكة المدمرة: ” آه… يبدو أن اللعبة أصبحت أكثر إثارة. هل ترغبون بالمشاركة في التسلية؟”
ضحك آشورا بلا مبالاة ليتصدى لهجمات لوس، ثم يركله ليتفاداها لوس ويبتعد. ليتصدى آشورا لهجمات أرجوس، ليقول : “أوه… سحر الجاذبية! لحظة، هل ألقيتَ عليَّ بعض الحجارة؟ اتعلم كيف تستعمل الجاذبية ؟”
” لقد أعجبت بشفرة الرياح الخاصة بك… ما رأيك أن ترى نسختي؟”
يرفع آشورا يده في الهواء، وعيناه تتلألأ بالشرر، ثم رفع جميع الحطام المتناثر في المملكة فوق أرجوس ولوس.
اشتعلت المدرجات بالهتاف، وصرخ المعلّق بصوتٍ يكاد يمزق حنجرته: ” يا إلهي! يا له من تهديد! الكلماتُ نارية قبل حتى أن تتشابك السيوف! هل سنشهد مجزرة أخرى أم مفاجأة جديدة؟! العد التنازلي يبدأ الآن.. ثلاثة.. اثنان.. واحد.. انطلقوا!!! ”
لينظر آشورا الى أرجوس : ” إذًا ما رأيك في هذا يا فتى الجاذبية ؟ ”
هزَّ آشورا رأسه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ أخيرة، صادقة وباردة في آنٍ واحد، وقال وهو يضع يده على كتف كوبرا: ” افخر بنفسك.. لقد متَّ على يدي يا كوبرا. لقد قدمتَ أفضل ما يملكهُ بشر.. فلتمت الآن بسلام. ”
ليُصدم أرجوس بصوت متردد: ” هذه… ليست قوى طبيعية! كيف يمكنه فعل هذا؟ ولقد استعمل النار للتو! إن الجاذبية والنار لا يجتمعان في مسار العناصر! ”
لم يكن هناك انفجار، بل ضغطٌ جوي ساحق. في جزء من الثانية، تهشّم سقف القصر، كقشرة بيضة، وتداعت جدرانه العتيقة لتتحول إلى شلال من الأنقاض الصخرية التي دكت الأرض تحته. اختفت صرخات الحراس الواقفين عند البوابات تحت أطنان من الحجر والرخام، وغرقت ساحة القصر في سحابة كثيفة من الغبار.
يتمالك أرجوس نفسه ليهاجم بشفرةٍ من الرياح، نحو آشورا يتصدّى لها بكفّه العاري، فتبعثر الهواء حوله.
ابتسم بخفة وقال: “مدهش… أنت ذكي بحق. لقد زدتَ الضغط لتجعلها أَحدّ وأسرع. ”
ضحك آشورا ضحكةً قصيرة جافة، وراح يطقطق أصابع يده ببرودٍ أثار القشعريرة في الأجواء، وعيناه الحمراوان تلمعان بفضولٍ متجدد: ” هه.. حقاً؟ لا تزال تملكُ أنفاساً للصراخ يا إيرولد؟”
بدأت السماء تتصدّع ،و حطام المملكة بأكملها عائم ومغطاة بضوء بنفسجي غريب صادر من قوة الجاذبية، بينما توقف أرجوس بدهشة: ” مستحيل…!”
في تلك اللحظة، ظهر الكيان المجهول واقفًا فوق القصر الملكي، عيناه تقدحان شررًا. قال بصوت بارد: ” إذا كانت حساباتي صحيحة… فمع هذه البيوت وهذه المساحة، ربما يوجد هنا من مئةٍ وعشرين إلى مئتي ألف نسمة… ممتاز. لم يتبقَّ الكثير بعد هذا. ”
يقول لوس بهدوء ممزوج بذهول: “من أنت بحق الجحيم؟ عرف بنفسك! ”
جمّد الرعبُ في عيني كوبرا، وشعر بظلال الموت تلتفُّ حوله. لكنه، بقلب محاربٍ لم يعرف الانحناء، قبض على مقبض سيفه بكلتا يديه، وثبّت قدميه في الأرض المحطمة وقال بصلابةٍ هزت الأنقاض: ” إما أن أموت موتة رجل… أو أسحبك للموت معي. ”
نظر له آشورا وهو يتجاهل السؤال، ثم قال إيرولد بقوة: ” اسمه… آشورا . ”
اندفع نحو الفراغ.. نحو الموت.. نحو آشورا. لكن، وفي اللحظة التي كان من المفترض أن يشق فيها السيفُ صدر الخصم، ساد صمتٌ مطبق. تلاشت الحركة، وتوقف الزمن، ليهمس صوتُ آشورا ببرودٍ جنائزيٍّ في أذنه مباشرة: ” لقد أخطأت… يا فتى. ”
تصاعد صمت لوس للحظة، قبل أن يرد بتعجب: “مستحيل… ماذا يفعل سيد الدمار هنا؟ وكيف دخلت إلى هذا العالم؟!”
لم يمنحه آشورا فرصةً للالتفاف؛ قفز في الهواء بحركةٍ لولبية رشيقة، ثم تلوّى جسده كالسوط ليوجه ركلةً مباشرةً نحو صدر إيرولد. كانت الركلةُ صاعقةً مدمرة؛ شعر إيرولد بعظامه تتوسلُ الرحمة، وانطلق جسده كالقذيفة المرتدة، ليخترق ما تبقى من جدران القصر الملكي العظيمة، واحداً تلو الآخر، حتى غاب في أعماق الركام وغطى المكان سحابٌ كثيفٌ من الغبار والرماد.
لم يلتفت آشورا ، وبدأ برمي الصخور مرة أخرى، كل صخرة تصدم المباني، فتتفتت، وتنهار المملكة أكثر فأكثر قال: ” أظن أن نصف السكان ماتوا بالفعل…”
ومع آخر نبضةٍ من قلبه، أغمض عينيه وسكن جسده للأبد، تاركاً خلفه إرثاً من الكبرياء فوق ركام أوروك.
ثم نظر إليهم ببرود، وابتسم ابتسامة مخيفة: ” سأوفر بعض الوقت… لنلعب. ”
جمّد الرعبُ في عيني كوبرا، وشعر بظلال الموت تلتفُّ حوله. لكنه، بقلب محاربٍ لم يعرف الانحناء، قبض على مقبض سيفه بكلتا يديه، وثبّت قدميه في الأرض المحطمة وقال بصلابةٍ هزت الأنقاض: ” إما أن أموت موتة رجل… أو أسحبك للموت معي. ”
قهقه الكيان بخفة، ضحكةً تشبه صوت تكسر العظام الجافة، ثم دار حول إيرولد ليقف أمامه وجهاً لوجه، وقال بنبرة ملؤها الغرور الملكي: ” إيرولد.. حسناً يا إيرولد. يُلقبونني آشورا . افخر بنفسك يا فتى، فأنت من القلائل الذين حظوا بأن أتحدث معهم. ”
رفع صوته العميق، بينما الطاقة المحيطة به تهتز: ” واقع الروح……. أساس الدمار ! ”
في المقابل، كان إيرولد يتصبّب عرقًا وهو يحاول صد الشفرات المتفجرة والتفادي بينها، وكل شفرة تمرّ تكاد تبتره نصفين. الهواء نفسه صار عدوًا، والسماء غطّاها لون من الدمار جعل الحركة شبه مستحيلة.
في تلك اللحظة، انهار مفهوم المكان؛ انشقت الأرض من المنتصف لينبثق منها عرشٌ حجريٌّ أسودٌ ضخم، ممتدٌ إلى أعنان السماء كأنه خنجرٌ يطعن الغيوم. تبدلت السماء الزرقاء بفيضٍ من العواصف الأرجوانية والبروق الحمراء التي لا تهدأ، وهبت رياحٌ عاتية تحملُ رائحة الكبريت والخراب، لتختلط حطام الأبنية بطاقة الدمار المتولدة من العرش.
تحفز أرجوس للهجوم، واستعدت إيفا لإطلاق طاقتها.. ولكن فجأة.. توقف الزمن. … تجمد الجميع في أماكنهم.
تراجع لوس بخطواتٍ مهزوزة، وعيناه متسعتان من هول ما يراه: ” مستحيل.. هذا يتجاوز قدرة البشر والجان.. لقد قام بتجسيد عالم الروح بكل قوانينه داخل واقعنا المادي! ”
” ما الذي يفعله هذا المخبول؟!”
تجسّد آرثر فجأة بجانب إيرولد، كيانه الروحي كان يرتعشُ من كثافة الطاقة المحيطة، وصاح بذهولٍ تام:
انحنى آشورا فوقه، وبدت ملامحه غارقةً في هدوءٍ غريب، خالٍ من الغطرسة لأول مرة. نظر إلى جسد المحارب المنهار، وقال بصوتٍ يحملُ احتراماً لم يحظَ به ملكٌ من قبل: ” لكنني.. رغم كل شيء.. أقدّر هذه الشجاعة. لقد قاتلتَ كما يقاتلُ العظماء. أخبرني قبل أن يبتلعك الصمت.. ما اسمك؟”
” ما الذي يفعله هذا المخبول؟!”
ارتجفت يد أرجوس التي تحمل السيف، وشعر ببرودةٍ غريبة تتسلل إلى نخاعه، فصرخ بصوتٍ حاول إخفاء رعشته: ” ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟!”
استدار إيرولد، ملامحه اشتعلت بغضب : ” لا أعلم… لكن علينا إيقافه قبل أن يقتل المزيد! ”
” ما الذي يفعله هذا المخبول؟!”
ضيّق آشورا عينيه وهو يحدق في آرثر، ولأول مرة منذ ظهوره، لمست ملامحه مسحة من الحيرة الحقيقية. تمتم بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع وسط زئير الرياح: ” ما هذا الكيان..؟ أهو روح؟ لا… ليس كذلك. ”
انحنى آشورا فوقه، وبدت ملامحه غارقةً في هدوءٍ غريب، خالٍ من الغطرسة لأول مرة. نظر إلى جسد المحارب المنهار، وقال بصوتٍ يحملُ احتراماً لم يحظَ به ملكٌ من قبل: ” لكنني.. رغم كل شيء.. أقدّر هذه الشجاعة. لقد قاتلتَ كما يقاتلُ العظماء. أخبرني قبل أن يبتلعك الصمت.. ما اسمك؟”
لم يطل تساؤله، فسرعان ما استدار نحو أرجوس بابتسامةٍ مشوبة بتحدٍّ قاتل، وقال بنبرةٍ مستفزة:
أما أرجوس فقد تجمّد مكانه، عينيه تتسعان مع كل ثانية يهمس : ” هذا… هذا ليس طبيعيًا…!”
” لقد أعجبت بشفرة الرياح الخاصة بك… ما رأيك أن ترى نسختي؟”
نظر له آشورا وهو يتجاهل السؤال، ثم قال إيرولد بقوة: ” اسمه… آشورا . ”
رفع آشورا يديه إلى الأعلى كأنه يحتضن العاصفة ذاتها، وصرخ بصوتٍ شقَّ عنان السماء: ” فليشهدوا الدمار ! ”
ثم حوّل بصره ببطء نحو كوبرا وإريك ، اللذين كان الرعبُ ينهشُ ملامحهما، وأردف بابتسامةٍ خبيثة:
في تلك اللحظة، تحول الواقع إلى مسلخٍ كوني؛ تشكلت آلاف الشفرات الهوائية والبروق الحمراء التي انطلقت في كل اتجاه كأمواجٍ من الغضب السائل. لم تكن مجرد رياح، بل كانت تمزقات في نسيج المكان؛ جدران المملكة العظيمة التي صمدت لقرون تلاشت أمامها كأنها من رمل، وكل شيء وقع في طريقها تبخر في لمح البصر.
في تلك اللحظة، اتخذ كوبرا قراره النهائي؛ قرر أن يحرق حياته في ومضةٍ واحدة. ضاعف تدفق الدم في عروقه إلى عشرين ضعفاً، فاحتقن جسده بلونٍ أرجواني داكن، وبدأت الشرايينُ تبرزُ تحت جلده كأفاعٍ محبوسة تكاد تنفجر. تشوش بصره، وغامت الدنيا في عينيه، لكنَّ قلبه كان يقرعُ طبول الحرب للمرة الأخيرة. أمسك سيفه بكلتا يديه، وانطلق في وثبةٍ انتحارية، محولاً جسده وروحه إلى نصلٍ واحدٍ من الجاذبية المطلقة، مستهدفاً سيد الدمار.
فتح آشورا ذراعيه على اتساعهما، كأنّه يرحّب بالمذبحة التي صنعها بنفسه، وضحكته تتردّد كالرعد فوق المملكة الممزقة: ” هيا… أمتعوني أكثر! ”
شحب وجه إريك وارتجفت أطرافه، وخرجت كلماته متعثرة: ” سيد الدمار… هنا؟ ” التفت إريك نحو كوبرا ليجد في عينيه إصراراً منتحراً. صرخ كوبرا محاولاً استجماع ما تبقى من شجاعتهم: ” إريك! لا وقت للذهول! يجب أن نهاجمه معاً بكل قوتنا.. هيا! ”
في المقابل، كان إيرولد يتصبّب عرقًا وهو يحاول صد الشفرات المتفجرة والتفادي بينها، وكل شفرة تمرّ تكاد تبتره نصفين. الهواء نفسه صار عدوًا، والسماء غطّاها لون من الدمار جعل الحركة شبه مستحيلة.
جمّد الرعبُ في عيني كوبرا، وشعر بظلال الموت تلتفُّ حوله. لكنه، بقلب محاربٍ لم يعرف الانحناء، قبض على مقبض سيفه بكلتا يديه، وثبّت قدميه في الأرض المحطمة وقال بصلابةٍ هزت الأنقاض: ” إما أن أموت موتة رجل… أو أسحبك للموت معي. ”
أما أرجوس فقد تجمّد مكانه، عينيه تتسعان مع كل ثانية يهمس : ” هذا… هذا ليس طبيعيًا…!”
وسط سحب الغبار الكثيفة ورائحة الرماد التي خنقت الأنفاس، لم يكن إيرولد وحده من استشعر الكارثة. انشقت العتمة عن ثلاث ظلالٍ مهيبة؛ الكبار قد وصلوا أخيراً إلى ساحة الإعدام. تقدم كوبرا بخطواتٍ تملؤها الهيبة، وعيناه تشتعلان : ” من هذا الذي يهاجم المملكة؟” التفت آشورا ببطءٍ شديد، وراح يجول ببصره في الأرجاء ببرود، وكأنه يبحث معهم عن الجاني، ثم رسم ابتسامةً ساخرة على شفتيه الرماديتين وقال: ” آه.. حقاً مَن هذا الوغد الذي فعل ذلك؟.. لحظة، لقد نسيتُ أنه أنا. ”
لكن قبل أن تبتلعه الشفرات، اندفع إيرولد و لوس نحوه، تصدّيا للهجوم بأسلحتهم، حاجزين بينه وبين الموت، ليصرخا في وجهه: ” استيقظ يا أرجوس! ”
ومع آخر نبضةٍ من قلبه، أغمض عينيه وسكن جسده للأبد، تاركاً خلفه إرثاً من الكبرياء فوق ركام أوروك.
شهق أرجوس وكأن قلبه توقف للحظة، ثم همس بصوت مبحوح وهو يرفع رأسه نحو آشورا : ” مستحيل… هذا هو… آشورا … الأول في قائمتي… انه أقوى مما تخيّلت بكثير…”
شعر إريك ببرودة الموت تخترق الجو، فصرخ محذراً بملء فمه: ” إيفا! تراجعي! إياكِ أن تتقدمي خطوةً واحدة! ”
تراجع لوس بخطواتٍ مهزوزة، وعيناه متسعتان من هول ما يراه: ” مستحيل.. هذا يتجاوز قدرة البشر والجان.. لقد قام بتجسيد عالم الروح بكل قوانينه داخل واقعنا المادي! ”
دوى صوت آشورا في أرجاء أوروك المحتضرة، ضحكةٌ هادئة لكنها كانت مسموعة فوق ضجيج الصواعق وصرير الرياح، ونظر إلى أرجوس بنظرةٍ تجمع بين التقدير والسخرية: “ هنيئًا لك يا فتى.. لقد حققتَ أخيراً حلمك بمقابلتي. ”
وسط سحب الغبار الكثيفة ورائحة الرماد التي خنقت الأنفاس، لم يكن إيرولد وحده من استشعر الكارثة. انشقت العتمة عن ثلاث ظلالٍ مهيبة؛ الكبار قد وصلوا أخيراً إلى ساحة الإعدام. تقدم كوبرا بخطواتٍ تملؤها الهيبة، وعيناه تشتعلان : ” من هذا الذي يهاجم المملكة؟” التفت آشورا ببطءٍ شديد، وراح يجول ببصره في الأرجاء ببرود، وكأنه يبحث معهم عن الجاني، ثم رسم ابتسامةً ساخرة على شفتيه الرماديتين وقال: ” آه.. حقاً مَن هذا الوغد الذي فعل ذلك؟.. لحظة، لقد نسيتُ أنه أنا. ”
ثم وقف آشورا ببطء فوق عرشه الأسود، وتوهجت الهالة المحيطة به بضوءٍ رمادي كالح، وأكمل بصوتٍ عميقٍ زلزل أركان واقع الروح : ” والآن، أصبح دور تحقيق حلم روحك… بأن تسلب مني. ”
نظر إلى جثة إيفا ببرودٍ يوازي صقيع القبور، ونبَس بصوتٍ هادئٍ لكنه اخترق النخاع:
استشاطت إيفا غضباً، ولم تحتمل تلك السخرية التي تُهين كرامة أوروك، فصرخت بصوتٍ مزق الصمت: ” أيها اللعين! ألا يكفيك الهجوم حتى تستهزئ؟ ”

ظلامٌ واحد يبتلع ثلاثة شموع؛ ‘الوحش’ يقف بوقفة السيد أمام نخبة كبار مملكة أوروك، حيث تتلاشى قوتهم أمام جبروت حضوره.
جاء رد لوس هادئاً كجريان النهر، وهو يثبت قدمه فوق صخرةٍ محطمة: ” لقد فعلنا هذا بالفعل لا تقلق. ”
بأنفاسٍ متقطعة، وبصوتٍ لا يكادُ يُسمع وسط حشرجة الموت، همس المحارب بكلمته الأخيرة: ” كو.. برا.. ”
