وورم — الفصل البيني 2
كانت هناك أشياء قليلة جدًا، في نظر فيكتوريا دالون، تضاهي روعة الطيران. وكان مجال القوة غير المرئي الذي يمتد بضعة مليمترات فوق بشرتها وملابسها يجعل التجربة أفضل بكثير. فقد كان المجال يحجب عنها أشد قسوة البرد، لكنه يتركها تشعر بالريح وهي تداعب بشرتها وشعرها. كما أن الحشرات لم تكن ترتطم بوجهها وتتهشم عليه كما يحدث مع الزجاج الأمامي للسيارات، حتى عندما كانت تندفع بسرعة تقترب من ثمانين ميلًا في الساعة.
ما إن رأت هدفها حتى أطلقت صيحة حماسية وانقضّت نحو الأرض، مكتسبةً السرعة في اللحظة التي كان أي شخص آخر سيبدأ فيها بإبطاء حركته. ارتطمت بالإسفلت بقوة كافية لتشققه وتبعثر شظاياه في الهواء، مستندةً إلى ركبتها وإحدى قدميها، بينما مدّت ذراعًا إلى جانبها. بقيت في وضعية الركوع تلك لبضع نبضات قلب فحسب، تاركةً خصلات شعرها البلاتينية الملتفة والعباءة المنسدلة فوق أحد كتفيها ترفرفان في تيار الهواء الذي خلّفه هبوطها. ثم واجهت فريستها بنظرة صارمة لا تلين.
لقد تدربت على تلك الهبطة لأسابيع حتى أتقنتها تمامًا.
كان الرجل في منتصف العشرينيات من عمره تقريبًا، أبيض البشرة، حليق الرأس، يرتدي قميصًا رسميًا مطويَّ الأكمام، وسروال جينز، وحذاء عمل. وما إن وقعت عيناه عليها حتى استدار وفرّ هاربًا.
ابتسمت فيكتوريا ابتسامة عريضة بينما اختفى الرجل عند الطرف البعيد من الزقاق. نهضت من وضعية الركوع، ونفضت الغبار عن نفسها، ثم مررت أصابعها في شعرها لترتيبه. بعد ذلك ارتفعت عن الأرض بمقدار قدم، وانطلقت خلفه بسرعة مريحة بلغت خمسةً وأربعين ميلًا في الساعة.
لم تحتج حتى إلى دقيقة واحدة للقبض عليه، رغم أنها منحته أفضلية الانطلاق. طارت بمحاذاته متجاوزةً إياه، واحتكت به احتكاكًا خفيفًا. وبعد لحظة، توقفت فجأة في مكانها، لتجد نفسها في مواجهته. ومرة أخرى، ساعدت الريح على إضفاء لمسة درامية على المشهد، إذ حرّكت شعرها وعباءتها وتنورة زيّها الخارق.
قالت له: «اسم المرأة التي اعتديت عليها هو أندريا يونغ».
نظر الرجل من فوق كتفه، وكأنه يقيّم طرق الهرب المتاحة أمامه.
قالت له: «لا تفكر حتى في الأمر، أيها القبيح. أنت تعرف أنني سأمسك بك، وصدقني، أنا غاضبة بما يكفي أصلًا، فلا تضيع وقتي».
زمجر الرجل: «لم أفعل شيئًا».
رفعت فيكتوريا صوتها: «أندريا يونغ!». وبينما كانت تصرخ، أطلقت العنان لقوتها. فانكمش الرجل كما لو أنها صفعته.
تابعت: «طالبة جامعية سوداء البشرة تعرّضت للضرب إلى درجة أنها احتاجت إلى عناية طبية! لقد كُسرت أسنانها! أتريد أن تقنعني بأنك، أنت، صاحب الرأس الحليق ومفاصل الأصابع المتورمة، والذي كان يقف وسط الحشد يراقب وصول المسعفين بملامح تكاد تعبّر عن الابتهاج، لم تفعل شيئًا؟!».
سخر الرجل قائلًا: «لم أفعل شيئًا يستحق الاهتمام». لكن جرأته تراجعت قليلًا حين ألقى نظرة ثانية فوق كتفه، وكأنه يتمنى بشدة لو كان في مكان آخر في تلك اللحظة.
اندفعت نحوه، وأمسكت بقبضتيها بياقة قميصه. وللحظة قصيرة، فكرت في صفعه بالجدار. كان من الممكن أن يكون ذلك مُرضيًا ومناسبًا للموقف؛ أن تدفعه بقوة نحو الطوب حتى يتشقق، ثم تلقي به في حاوية القمامة الموضوعة عند قاعدة الجدار.
لكنها بدلًا من ذلك ارتفعت قليلًا، وأوقفت حركتهما. أصبحا الآن على ارتفاع يكفي عن الأرض لجعله يشعر بعدم الارتياح. كانت حاوية القمامة، الفارغة في معظمها، أسفله مباشرة، لكنها شكّت في أنه كان ينتبه إلى أي شيء سوى وجهها.
قالت وهي تحدق في عينيه بصرامة: «أظن أن من الآمن افتراض أنك عضو في إمبراطورية الثمانية والثمانين، أو على الأقل لديك أصدقاء ينتمون إليها. لذا، إليك ما سيحدث: إما أن تخبرني بكل ما كانت تفعله جماعة الثلاثة أحرف E، وإما أن أكسر ذراعيك وساقيك، وبعدها ستخبرني بكل شيء».
وبينما كانت تتحدث، رفعت مستوى قوتها تدريجيًا. وعرفت أن الأمر ينجح حين بدأ الرجل يتلوّى محاولًا تجنب النظر إلى عينيها.
تلعثم قائلًا: «تبًا لك، لا يمكنك لمسي. هناك قوانين تمنع هذه التفاهات».
رفعَت مستوى قوتها درجة أخرى. أخذ جسدها يخفق بطاقة متدفقة، موجات من الطاقة يشعر بها كل من يقف بالقرب منها على هيئة اندفاع عاطفي من الرهبة والإعجاب. أما أولئك الذين يملكون سببًا للخوف منها، فكانوا يشعرون بدلًا من ذلك بترهيب خامّ ومباشر.
حذرته: «هذه فرصتك الأخيرة».
لسوء الحظ، لم يكن الخوف يؤثر في الجميع بالطريقة نفسها. ففي حالة هذا الوغد تحديدًا، لم يفعل الخوف سوى دفعه إلى التصلب والعناد. استطاعت أن ترى ذلك في لغة جسده حتى قبل أن يفتح فمه؛ فقد كان من النوع الذي يواجه أي شيء يخيفه أو يزعجه برفض أعمى يكاد يخلو من التفكير.
زمجر قائلًا: «العق كرتَيّ المشعرتين المتعرقتين!»، ثم بصق على الأرض وأضاف: «أيتها العاهرة».
قذفته بعيدًا. وبما أنها كانت قادرة على رفع خلاطة إسمنت فوق رأسها، رغم صعوبة موازنة شيء ضخم وغير متزن كهذا، فإن رمية عابرة منها كانت كافية لإرساله لمسافة طويلة. طار الرجل نحو خمسة وعشرين أو ثلاثين ياردة على طول الطريق الخلفي قبل أن يرتطم بالإسفلت، ثم تدحرج لمسافة عشر ياردات أخرى.
ظل ساكنًا تمامًا مدة طويلة بما يكفي لجعل فيكتوريا تخشى أنه ربما كسر رقبته أو عموده الفقري أثناء تدحرجه. لكنها شعرت بالارتياح عندما تأوه وبدأ يحاول النهوض.
سألته بصوت حمله الهواء على طول الزقاق: «هل أنت مستعد للكلام؟».
لم تتقدم من مكانها في الجو، لكنها سمحت لنفسها بالهبوط قليلًا نحو الأرض.
استند الرجل بإحدى يديه إلى ساقه ليساعد نفسه على الوقوف، ثم رفع يده الأخرى وأشار إليها بإصبعه الأوسط، قبل أن يستدير ويبدأ بالتعرج مبتعدًا في الزقاق.
بماذا كان يفكر هذا الوغد؟ هل ظن أنها ستتركه يذهب ببساطة؟ أم ماذا، هل اعتقد أنها ستخضع لعناده الغبي وافتقاره إلى غريزة الحفاظ على النفس؟ هل ظن أنها عاجزة عن إلحاق أي أذى حقيقي به؟ وفوق كل ذلك، كان سيهينها ثم يحاول الابتعاد وكأن شيئًا لم يحدث!
همست من بين أسنانها: «تبًا لك أنت أيضًا».
ثم ركلت حاوية القمامة الموجودة أسفلها بقوة جعلتها تنطلق في الهواء على طول الطريق الضيق. دارت الحاوية ببطء وهي ترسم قوسًا في الهواء نحو الرجل المنسحب، وظل مسارها ودورانها شبه ثابتين حتى اصطدمت به وأسقطته أرضًا. ثم انزلقت وتوقفت على بُعد ثلاثة إلى خمسة ياردات منه، بينما أصدرت جوانبها المعدنية صريرًا وتناثرت منها شرارات وهي تحتك بالإسفلت.
هذه المرة، لم ينهض.
لعنت قائلة: «تبًا! تبًا، تبًا، تبًا!».
طارت نحوه وتحققت من نبضه. ثم تنهدت واتجهت إلى أقرب شارع. عثرت على عنوان الشارع، وأخرجت هاتفها الخلوي من الحزام الذي ترتديه، ثم اتصلت.
«مرحبًا، أختي؟ نعم، وجدته. حسنًا، هذه هي المشكلة نوعًا ما. نعم. اسمعي، أنا آسفة… حسنًا، هل يمكننا التحدث عن هذا لاحقًا؟ نعم. أنا عند تقاطع سبايدر آند روك، هناك طريق صغير يمتد خلف المباني. في وسط المدينة تقريبًا، نعم. أحقًا؟ شكرًا».
عادت فيكتوريا إلى الرجل الحليق فاقد الوعي، وتحققت من نبضه، وأصغت باهتمام إلى أي تغير في تنفسه. استغرق الأمر خمس دقائق طويلة جدًا قبل أن تصل أختها.
قال صوتها، قاطعًا أفكار فيكتوريا: «مرة أخرى يا فيكتوريا؟».
قالت فيكتوريا للفتاة: «استخدمي اسمي الحركي، من فضلك».
كانت أختها مختلفة عنها تمامًا، كالليل والنهار. فبينما كانت فيكتوريا جميلة وطويلة وفاتنة وشقراء، كانت إيمي عادية المظهر، هادئة الملامح. كان زي فيكتوريا يُبرز قوامها؛ فستانًا أبيض من قطعة واحدة يصل إلى منتصف الفخذ، ترتدي تحته سروالًا قصيرًا، وعباءة فوق أحد الكتفين، وحذاءً طويلًا، وتاجًا ذهبيًا تتشعب منه أشواك تشبه أشعة الشمس أو تمثال الحرية بصورة مبهمة. أما زي إيمي، فعلى النقيض من ذلك، لم يكن يختلف عن البرقع إلا بدرجة واحدة. كانت ترتدي رداءً بغطاء رأس كبير ووشاحًا يغطي النصف السفلي من وجهها. وكان الرداء أبيض ناصعًا، تتوسط صدره وظهره علامة الصليب الأحمر الخاصة بالمسعفين.
ردت إيمي وهي تدفع غطاء الرأس إلى الخلف وتخفض الوشاح، كاشفةً عن شعر بني مجعد ووجه تتوزع عليه النمشات بانتظام: «هويتنا معلنة للجميع».
أجابت فيكتوريا: «المسألة مبدئية».
قالت إيمي بأقصى قدر من السخرية استطاعت إظهاره: «أتريدين التحدث عن المبادئ يا غلوري غيرل؟ هذه هي المرة السادسة، السادسة! التي تكادين فيها تقتلين شخصًا. على حد علمي!».
تمتمت فيكتوريا: «أنا قوية بما يكفي لرفع سيارة دفع رباعي فوق رأسي. من الصعب أن أضبط قوتي طوال الوقت».
قالت إيمي بنبرة أوضحت أنها لا تصدقها: «أنا متأكدة أن كارول ستقتنع بهذا العذر». ثم أضافت: «لكنني أعرفك أكثر من أي شخص آخر. إذا كنت تجدين صعوبة في ضبط نفسك، فالمشكلة ليست هنا…».
نقرت بإصبعها على عضلة ذراع فيكتوريا.
ثم وجهت إصبعها إلى جبهة أختها وضربتها بقوة قائلة: «بل هنا».
لم ترمش فيكتوريا حتى.
توسلت قائلة: «اسمعي، هل يمكنك أن تعالجيه فحسب؟».
أجابت إيمي بهدوء: «أفكر في أنني لا ينبغي أن أفعل».
«ماذا؟».
«هناك عواقب يا فيكي. إذا ساعدتك الآن، فما الذي سيمنعك من تكرار الأمر؟ يمكنني الاتصال بالمسعفين. أعرف بعض الأشخاص الجيدين في المستشفى. وربما يستطيعون علاجه كما ينبغي».
قالت فيكتوريا: «مهلًا، مهلًا، مهلًا. هذا ليس مضحكًا. إذا ذهب إلى المستشفى، فسيبدأ الناس بطرح الأسئلة».
أجابت إيمي بصوت خافت: «نعم، وأنا أدرك ذلك جيدًا».
تابعت فيكتوريا: «الأمر ليس كأنني سأُعاقَب بمنعي من الخروج. سأُجرّ إلى المحكمة بتهم الاعتداء والضرب المشددين. وهذا لن يدمّر حياتي وحدي، بل سيؤثر في عائلتنا كلها، وفي الموجة الجديدة بأكملها. في كل ما كافحنا لبنائه».
عبست إيمي ونظرت إلى الرجل الملقى على الأرض.
«أعرف أنك لست متحمسة لفكرة الأبطال الخارقين، لكن هل ستذهبين إلى هذا الحد؟ هل ستفعلين ذلك بنا؟ بي أنا؟».
أشارت إيمي بإصبعها نحو أختها وقالت: «هذا ليس من طبعي. وليس ذنبي أننا وصلنا إلى هذه المرحلة. إنه ذنبك أنت. أنت تتجاوزين الحدود وتتمادين أكثر مما ينبغي. وهذا بالضبط ما يخشاه الأشخاص الذين ينتقدون الموجة الجديدة. نحن لا نحظى برعاية الحكومة، ولا نتمتع بالحماية أو التنظيم أو الرقابة بالطريقة نفسها. الجميع يعرف هويتنا الحقيقية خلف الأقنعة. وهذا يعني أنه يجب أن نتحمل مسؤولية أفعالنا. الشيء المسؤول الذي ينبغي لي فعله، بصفتي عضوًا في هذا الفريق، هو السماح للمسعفين بأخذه وترك القانون يتصرف معه كما يراه مناسبًا».
فجأة، جذبت فيكتوريا إيمي إلى عناق. قاومت إيمي للحظة، ثم تركت ذراعيها تتدليان بلا حراك إلى جانبيها.
قالت فيكتوريا: «لسنا مجرد فريق يا إيمي. نحن عائلة. نحن عائلتك».
تحرك الرجل الملقى على بُعد بضعة أقدام منهما، ثم أطلق أنينًا طويلًا مرتفعًا.
تمتمت إيمي في كتف فيكتوريا: «عائلتي بالتبني. وتوقفي عن محاولة استخدام قوتك اللعينة لتجعليني أذوب إعجابًا بمدى روعتك. لن ينجح الأمر. لقد تعرضت لها مدة طويلة حتى أصبحت محصنة ضدها».
تأوه الرجل: «إنه يؤلمني».
قالت فيكتوريا لإيمي وهي تفك عناقها: «أنا لا أستخدم قوتي، أيها الأحمق. أنا أعانق أختي. أختي الرائعة والحنونة والرحيمة».
تذمر الرجل بصوت أعلى: «لا أستطيع الحركة. أشعر بالبرد».
عبست إيمي ونظرت إلى فيكتوريا: «سأعالجه. لكن هذه آخر مرة».
ابتسمت فيكتوريا ابتسامة مشرقة: «شكرًا لك».
انحنت إيمي نحو الرجل ووضعت يدها على خده، ثم بدأت تعدد الإصابات: «كسر في الأضلاع بسبب ضربة شديدة، وترقوة مكسورة، وفك سفلي مكسور، ولوح كتف مكسور، وعظم قص مكسور، ورئة مصابة بكدمة، وعظم زند مكسور، وعظم كعبرة مكسور…».
قالت فيكتوريا: «وصلتني الفكرة».
سألت إيمي: «حقًا؟». ثم تنهدت وأضافت: «لم أكن قد وصلت حتى إلى منتصف القائمة. سيستغرق هذا بعض الوقت. هل ستجلسين؟».
عقدت فيكتوريا ساقيها واتخذت وضعية الجلوس، وهي تطفو على ارتفاع نصف قدم فوق الأرض. أما إيمي، فاكتفت بالركوع في مكانها وإبقاء يدها على خد الرجل. سرعان ما زال التوتر من جسده واسترخى.
سألت فيكتوريا: «كيف حال المرأة؟ أندريا؟».
أجابت إيمي: «أفضل من أي وقت مضى، من الناحية الجسدية. أنبتُّ لها أسنانًا جديدة، وعالجت كل شيء، من الكدمات إلى الخدوش، بل ومنحت جسدها كله عناية شاملة من الرأس إلى أخمص القدمين. جسديًا، ستشعر وكأنها في قمة العالم، كما لو أنها قضت شهرًا كاملًا في منتجع صحي، تحت رعاية أفضل اختصاصي تغذية وأفضل خبير لياقة وأفضل طبيب».
قالت فيكتوريا: «جيد».
تابعت إيمي: «أما عقليًا وعاطفيًا، فعليها أن تتعامل بنفسها مع تبعات تعرضها للضرب. لا أستطيع التأثير في الدماغ».
بدأت فيكتوريا تقول: «حسنًا…».
قاطعتها إيمي: «نعم، نعم. ليس الأمر أنني لا أستطيع، بل إنني لا أريد. المسألة معقدة، ولا أثق بنفسي بما يكفي كي لا أفسد شيئًا عندما أعبث برأس شخص ما. هذا كل شيء، انتهى الأمر».
همّت فيكتوريا بقول شيء، لكنها أغلقت فمها. حتى لو لم تربطهما صلة دم، فهما أختان. والأخوات وحدهن يستطعن خوض هذا النوع من الجدالات المتكررة. لقد خضتا عشرات النسخ المختلفة من هذا النقاش من قبل. ومن وجهة نظر فيكتوريا، كانت إيمي تظلم نفسها حين ترفض التدرب على استخدام قوتها في الدماغ. فلم يكن سوى مسألة وقت قبل أن تجد أختها نفسها في موقف تحتاج فيه إلى إجراء جراحة دماغية طارئة، ثم تكتشف أنها عاجزة عن القيام بها. أما إيمي، فكانت ترفض حتى مناقشة الأمر.
لم ترغب في إثارة موضوع حساس بينما كانت إيمي تقدم لها خدمة كبيرة. ولتغيير الموضوع، سألت فيكتوريا: «هل تمانعين إن استجوبته؟».
تنهدت إيمي: «لا بأس، افعلي ما تشائين».
ربتت فيكتوريا على جبهة الرجل عدة مرات لجذب انتباهه. كان بالكاد قادرًا على تحريك رأسه، لكن عينيه تحركتا نحوها.
قالت: «هل أنت مستعد للإجابة عن أسئلتي، أم تريدني أنا وأختي أن نغادر ونتركك على هذه الحال؟».
تمتم بصعوبة: «سأ… أقاضيك». ثم تمكن من إضافة: «أيتها العاهرة».
قالت فيكتوريا: «جرّب ذلك. أود حقًا أن أرى حليق الرأس ذا العظام المكسورة وهو يواجه بطلة خارقة تصادف أن أمها واحدة من أفضل المحاميات في بروكتون باي. أنت تعرفها، أليس كذلك؟».
قال الرجل: «برانديش».
«هذا اسمها عندما ترتدي زيها الخارق. أما في حياتها العادية، فهي كارول دالون. ستسحقك في المحكمة، صدقني».
كانت فيكتوريا تؤمن بما تقوله. ما لم يفهمه الوغد هو أنه حتى لو خسر القضية، فإن الضجة الإعلامية التي ستنشأ عنها ستلحق به ضررًا أكبر من أي شيء آخر. لكنها لم تكن بحاجة إلى إخباره بذلك.
سألته: «إذًا، هل أجعل أختي تتركك على حالك، أم أنك مستعد لمقايضة بعض المعلومات بالتخلص من أشهر من الألم المبرح، ومن تيبس المفاصل والعظام طوال حياتك؟».
قالت إيمي بصوت مرتفع بما يكفي ليسمعها الرجل: «وضعف الانتصاب أيضًا. لقد كسرت الفقرة التاسعة من عمودك الفقري. سيؤثر ذلك في وظائف الأعصاب كلها في الأطراف الواقعة أسفل خصرك. إذا تركتك على حالك، فستظل أصابع قدميك مخدرة قليلًا إلى الأبد، وستواجه صعوبة هائلة في الانتصاب، إن كنت تفهم قصدي».
اتسعت عينا الرجل الحليق قليلًا.
قال: «أنت تعبثين معي».
أجابته إيمي بوجه جاد: «لديّ ترخيص طبي فخري. وليس مسموحًا لي أن أعبث معك بشأن أمور كهذه. قسم أبقراط».
سأل الرجل: «أليس القسم هو: لا تُلحق الضرر؟».
ثم أطلق أنينًا طويلًا مرتفعًا، تخلله صوت خشخشة خفيف في أنفاسه، بينما رفعت إيمي يدها عن جسده.
قالت إيمي: «هذه مجرد البداية، مثلما أن حرية التعبير وحق حمل السلاح ليسا سوى الجزء الأول من دستور طويل جدًا. يبدو أنه لا يتعاون يا غلوري غيرل. هل نغادر؟».
صرخ الرجل: «تبًا! سأخبركما. أرجوكما، فقط… واصلي ما كنت تفعلينه. المسيني واجعلي الألم يختفي، أعيدي جسدي إلى حالته الطبيعية. أصلحيني!».
لمسته إيمي. فاسترخى، ثم بدأ يتكلم.
«إمبراطورية الثمانية والثمانين تتوسع داخل منطقة الأحواض بأوامر من كايزر. لونغ رهن الاعتقال، ومهما حدث، فإن عصابة ABB أضعف مما كانت عليه. وهذا يعني أن هناك أراضي متاحة للاستيلاء عليها، بينما الإمبراطورية لا تحرز أي تقدم في وسط المدينة».
سألته فيكتوريا: «لماذا لا تحرز تقدمًا هناك؟».
أجاب: «هذا الرجل، كويل. لا أعرف ما قواه، لكنه يملك جيشًا خاصًا. كلهم عسكريون سابقون. خمسون رجلًا على الأقل، بحسب ما قال كايزر، وكل واحد منهم مجهز بأفضل المعدات. دروعهم أفضل من الكيفلار. تطلق النار عليهم، ثم ينهضون مجددًا بعد بضع ثوانٍ. على الأقل، عندما تطلق النار على شرطي، يمكنك أن تكون واثقًا إلى حد ما أنك كسرت له بعض الأضلاع. لكن هذا ليس الجزء اللعين في الأمر. هؤلاء الرجال لديهم أشعة ليزر موصولة بالرشاشات التي يحملونها. إذا ظنوا أن الرصاص لا يفي بالغرض، أو إذا كانوا يستهدفون أشخاصًا يحتمون خلف ساتر، يطلقون أشعة ليزر بنفسجية تستطيع قطع الفولاذ. تخترق أي ساتر تختبئ خلفه، ثم تحرقك أنت أيضًا».
قالت فيكتوريا: «نعم، أعرف أمره. أساليبه مكلفة. جنود من الطراز الأول ومعدات من الطراز الأول».
أومأ الرجل بضعف: «لكن حتى مع كل الأموال التي يمكنه إنفاقها، فهو يقاتلنا على مناطق وسط المدينة. شد وجذب مستمر، ولا يحرز أي منا تقدمًا يُذكر. وهذا مستمر منذ أشهر. لذلك يعتقد كايزر أنه ينبغي لنا السيطرة على منطقة الأحواض الآن، بعد تراجع عصابة ABB، والاستيلاء على بعض الأراضي في مكان أسهل. لا أعرف المزيد عن خططه».
سألته فيكتوريا: «من غيره يخطط لشيء ما؟ فولتلاين؟».
قال: «تلك العاهرة التي تضم في طاقمها مجموعة من المسوخ؟ إنها مرتزقة، ولديها أهداف مختلفة. لكن ربما. إذا أرادت توسيع نفوذها، فالوقت الحالي هو الأنسب. وبفضل سمعتها، ستنجح على الأرجح».
سألته: «إذًا، من غيرها؟ هناك فراغ في السلطة داخل منطقة الأحواض. أعلن كايزر أنه يريد الاستيلاء عليها، لكنني أراهن أنه حذّركم من وجود آخرين يسعون إلى السيطرة».
ضحك الرجل ثم تأوه من الألم: «هل أنت غبية يا فتاة؟ الجميع سيسعى للاستيلاء عليها. الأمر لا يقتصر على العصابات والفرق الكبرى التي تريد نصيبها من الكعكة، بل يشمل الجميع. منطقة الأحواض جاهزة للاستيلاء عليها. موقعها يساوي من حيث المال ما يساويه وسط المدينة. إنها المكان الذي تذهب إليه إذا أردت شراء شيء من السوق السوداء. الجنس، والمخدرات، والعنف. والسكان المحليون معتادون أصلًا على دفع أموال الحماية. كل ما في الأمر هو تغيير الجهة التي يدفعون لها. منطقة الأحواض أرض غنية، ونحن نتحدث عن احتمال اندلاع حرب شاملة بحق بسببها».
رفع رأسه نحو البطلة الشقراء وضحك. أما هي، فقد انطبقت شفتاها في خط مستقيم صارم.
واصل كلامه: «أتريدين معرفة توقعي؟ ستستولي إمبراطورية الثمانية والثمانون على الحصة الأكبر من منطقة الأحواض، لأننا نملك القوة الكافية لذلك. وسيحاول كويل دسّ أنفه في الأمر لمجرد مضايقتنا، وستحتفظ عصابة ABB ببعض المناطق. لكن سيكون هناك أيضًا عدد كبير من العصابات الصغيرة التي ستحاول انتزاع شيء لنفسها. أوبر وليت، وسيركس، والأندرسايدرز، وسكوييلر، وترين وريك، وستين، وغيرهم ممن لم تسمعي بهم قط. سيحاولون جميعًا تثبيت أقدامهم في مناطقهم، وعندها سيحدث واحد من أمرين: إما أن تندلع الحرب، فيتضرر المدنيون وتسوء الأمور بالنسبة إليك، أو تتحالف الفرق المختلفة والأشرار المستقلون، وعندها ستصبح الأمور أسوأ بكثير بالنسبة إليك».
وانفجر ضاحكًا مرة أخرى.
قالت فيكتوريا وهي تنهض، وتضع حذاءها على الأرض، ثم تسوّي تنورتها: «هيا يا باناسيا، لقد حصلنا على ما يكفي».
سألتها إيمي: «أمتأكدة؟ لم أنتهِ بعد».
«لقد عالجت الكدمات والخدوش والعظام المكسورة، أليس كذلك؟» كانت تقصد كل ما قد يورطها في المشاكل، بطبيعة الحال.
أجابت إيمي: «نعم، لكنني لم أعالج كل شيء».
قررت فيكتوريا: «هذا يكفي».
صرخ الرجل الحليق: «مهلًا! كان الاتفاق أن تعالجيني إذا تكلمت! هل أصلحتِ عضوي؟».
حاول النهوض، لكن ساقيه انهارتا تحته.
«مهلًا! لا أستطيع المشي! سأقاضيكِ!».
تغير تعبير فيكتوريا في لحظة، وانطلقت قوتها لتصدم الرجل على حين غرة. وللحظة، بدت عيناه كعيني حصان مذعور، لا يظهر منهما سوى البياض، وهما تتحركان في محجريهما بلا تركيز. أمسكت به من ياقة قميصه ورفعته، ثم زمجرت في أذنه بصوت خافت بالكاد يتجاوز الهمس:
«جرّب ذلك. أختي عالجتك للتو… أو عالجت معظمك، بلمسة واحدة. هل تساءلت يومًا عما يمكنها فعله أيضًا؟ هل فكرت يومًا في أنها تستطيع تحطيمك بالسهولة نفسها؟ أو تغيير لون بشرتك، أيها العنصري اللعين؟ سأخبرك بشيء: أنا لست مخيفة حتى بنصف قدر أختي الصغيرة».
تركته، فسقط على الأرض ككومة من الخرق.
وبينما كانت الأختان تبتعدان، أخرجت فيكتوريا هاتفها من جراب على حزامها بيدها الحرة. ثم التفتت إلى إيمي وقالت: «شكرًا لك».
قالت إيمي: «كوني حذرة يا فيكتوريا. لا أستطيع إعادة الموتى إلى الحياة، وحين تتجاوزين ذلك الحد…».
وعدتها فيكتوريا: «سأكون جيدة. سأكون أفضل». ثم بدأت تطلب الرقم بيد واحدة ووضعت الهاتف على أذنها.
«مرحبًا؟ خدمات الطوارئ؟ أطلب الخط الخاص. الموجة الجديدة، غلوري غيرل. لديّ مجرم عاجز عن الحركة كي تأتوا لاصطحابه، ولا يملك قوى خارقة. لا، لا داعي للعجلة، يمكنني الانتظار».
نظرت فيكتوريا من فوق كتفها إلى الرجل، الذي ظل يتخبط على الأرض ويحاول الزحف بصعوبة، ثم سألت: «لن يتمكن من النهوض؟».
ابتسمت إيمي وقالت: «ستظل المنطقة من خصره إلى أسفل مخدرة لمدة ثلاث ساعات أخرى. وستكون ذراعه اليسرى ضعيفة كذلك طوال هذه المدة تقريبًا، لذا لن يتحرك ما لم يستطع جر نفسه إلى مكان ما باستخدام طرف واحد فقط. وستظل أصابع قدميه مخدرة لمدة شهر تقريبًا أيضًا».
قالت فيكتوريا: «أنت لم تفعلي ذلك حقًا…».
أجابت إيمي: «لا. لم يُكسر شيء، ولم أفسد أي شيء، باستثناء التسبب بخدر مؤقت. لكنه لا يعرف ذلك. الخوف والشك سيكملان التأثير، وسيصبح الإيحاء نبوءة تحقق نفسها بنفسها».
ضحكت فيكتوريا وهي تعانق أختها بذراع واحدة: «إيمي! ألم تكوني تقولين للتو إنك لن تعبثي بعقول الناس؟».
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.