وورم — الفصل البيني 3
لم يكن المبنى الذي يضم الفرع المحلي لفريق الاستجابة للباراهومانس مميزًا على نحو خاص. كانت واجهته مغطاة بالكامل بالنوافذ العاكسة، التي كانت تعكس اللون الرمادي الداكن المتفاوت لسماء المدينة فوقه. ولم يكن هناك ما يميّزه عن بقية مباني وسط بروكتون باي سوى شعار الدرع الذي يحمل الأحرف «P.R.T.».
كان الداخلون إلى الردهة سيلاحظون تناقضًا غريبًا في المكان. فمن جهة، كان الموظفون ببدلاتهم الرسمية يتحركون على عجل ذهابًا وإيابًا، ويتحدثون في مجموعات. وكانت فرقة من أربعة ضباط تابعين لفريق الاستجابة للباراهومانس في حالة تأهب، يقف كل واحد منهم في منطقة مختلفة من الردهة، مجهزين بأفضل المعدات التي يمكن للمال شراءها.
ارتدى جميعهم سترات واقية مصنوعة من الشبك المعدني وألياف الكيفلار، وخوذات تغطي وجوههم، وحملوا أسلحة نارية. ومع ذلك، كانت هناك اختلافات بين معداتهم؛ إذ حمل اثنان منهم قاذفات قنابل معلّقة بأحزمة على أكتافهما، وعلى صدريهما أحزمة ذخيرة تضم أنواعًا خاصة من المقذوفات، من بينها قنبلة لإطفاء الحرائق، وذخيرة كهرومغناطيسية لتعطيل الأجهزة الإلكترونية، وقنابل صاعقة متنوعة.
أما الآخران، فكان ما يحملانه يبدو للوهلة الأولى كأنه قاذفات لهب. لكن لو ضغطا على الزناد، لانطلقت منهما رغوة كثيفة غزيرة، تكفي لاحتواء جميع الأشرار تقريبًا، باستثناء أقواهم وأسرعهم.
وعلى النقيض التام من ذلك، كان هناك متجر للهدايا يمتلئ عادة بالمراهقين بعد انتهاء الدوام المدرسي، ويضم تشكيلة من مجسمات الحركة والملصقات وألعاب الفيديو والملابس.
وُضعت صور يبلغ ارتفاعها أربعة أقدام لأعضاء فرق منظمة الحماة والحماة الصغار في مواضع منتظمة حول الردهة، وخلف كل صورة ألوان زاهية.
وكان هناك مرشد سياحي بشوش ينتظر بصبر بالقرب من مكتب الاستقبال، مبتسمًا ابتسامة جذابة لكل من تقع عيناه عليه. ووفقًا للجدول المحدد، كان سيصطحب السياح والأطفال في جولة إلى مكاتب فريق الاستجابة للباراهومانس، ومستودع الأسلحة، ومنطقة التدريب، وموقف المركبات التي تنقل أصحاب القوى الخارقة المحتجزين، ليُريهم ما يتطلبه الأمر لإدارة الأبطال المحليين.
أما أولئك المستعدون لدفع ثمن الجولة المميزة، والانتظار حتى ساعتين، وتحمل مرافقة فرقة من فريق الاستجابة للباراهومانس، فكانوا سيحصلون على محطة إضافية ضمن الجولة: لمحة عن مقر الحماة الصغار.
لكن عندما دخل فريق من الأبطال الشباب المنهكين إلى الردهة مترنحين، لم تكن هناك جولة سياحية في انتظارهم، بل امرأة ممتلئة الجسد ذات قصة شعر قصيرة مستقيمة.
كانت ترتدي سترة وتنورة رسميتين باللون الأزرق الداكن، وتقف خلفها مباشرة رجلان ببدلتين رسميتين، يبدوان صارمين. قادتهم بصمت عبر باب خلف مكتب الاستقبال، ثم إلى غرفة اجتماعات.
«المديرة بيغوت. سيدتي»، حيّاها إيجيس بصوت متوتر.
كان زيه ممزقًا إلى أشلاء، وقد غطّى الدم القرمزي جسده حتى صار لونه أقرب إلى الأحمر القاني منه إلى الأبيض الأصلي. ولولا الدم المتخثر والكتل اللحمية الممزقة من جسده، التي خلّفت بعض الجروح التي بلغ عرضها قدمًا تقريبًا، لكان من الممكن أن تنكشف هويته المدنية بسهولة.
«يا إلهي يا إيجيس»، قالت المديرة بيغوت، وقد ارتفع حاجباها قليلًا. «تبدو في حالة مزرية. ما خطب صوتك؟»
«رئة مثقوبة، سيدتي»، أجاب إيجيس بصوت أجش. «أظن أن هناك ثقبًا في صدري من الأمام والخلف.»
وكأنه أراد إثبات كلامه، أدخل أصابعه في تجويف صدره.
لم تصرف المديرة بيغوت نظرها عنه، لكن أحد الرجلين الواقفَين خلفها شحب وجهه قليلًا.
«سأصدقك دون الحاجة إلى برهان. ليس عليك إدخال ذراعك عبر صدرك بالكامل لتثبت ذلك.»
ابتسم إيجيس وأخرج يده من صدره.
تصلّبت ملامحها.
«لا أظن أن الابتسام مناسب في هذه اللحظة.»
اختفت ابتسامة إيجيس. ألقى نظرة خلف كتفه على زملائه. كان غالانت وكيد وين وفيستا وبراويت وكلوك بلوكر يبدون جميعًا بوجوه جادة تليق بالموقف.
قالت لهم: «كانت هذه مهزلة.»
«نعم، سيدتي. لقد خسرنا»، اعترف غالانت.
«نعم، خسرتم. وهذا أقل ما في الأمر. لقد تسببتم أيضًا في أضرار مادية هائلة ومروعة. وأخشى أن كل الأضرار التي تسببت بها نجمة الموجة الجديدة المدللة تقع على عاتقكم أيضًا، بما أنكم دعوتموها للمشاركة. من دون إذني.»
«أنا من دعاها»، تدخل غالانت. «سأتحمل اللوم، ويمكنك خصم تكاليف الأضرار المادية من صندوقي الائتماني.»
منحته المديرة بيغوت ابتسامة رفيعة خالية تمامًا من المرح.
«أراك تجسّد اسمك بالفعل. نعم، أنا متأكدة أن هذه أفضل طريقة لإيصال الرسالة. أنت وزملاؤك تعرفون جميعًا هويتك الحقيقية خلف القناع. ومن بين جميع الحاضرين هنا، بمن فيهم أنا، أنت الأكثر قدرة على تحمل غرامة بعشرات الآلاف من الدولارات.»
«لن أنكر ذلك، سيدتي»، قال غالانت بصعوبة.
«أخشى أنني أؤمن بالعقاب حين يكون مستحقًا. أخذ المال من شخص يملك الكثير منه لن يعني له شيئًا. ستتقاسمون جميعًا الغرامات فيما بينكم. وبما أنني لا أستطيع المساس بالأموال الائتمانية التي أنشأها فريق الاستجابة للباراهومانس من أجلكم، فسأكتفي بخصم المبالغ من رواتبكم. ربما في المرة القادمة تستطيعون إقناع غالانت بالعدول عن دعوة حبيبته إلى المهمة.»
تداخلت الاعتراضات من كل جانب.
«كانت أختها داخل البنك! كانت ستذهب على أي حال!»
«سأبدأ الدراسة الجامعية في الخريف المقبل!»
تحملت المديرة بيغوت الاعتراضات والشكاوى ببساطة. وربما اقترح شخص أكثر تشاؤمًا أنها كانت تستمتع بسماعها.
وبعد مرور دقيقة أو دقيقتين، اتضح أنها لن ترد ولن تنجر إلى الجدال، فغرق الأبطال الشباب في صمت كئيب.
تنحنحت المديرة وتحدثت مجددًا.
«كيد وين. يهمني كثيرًا أن أسمع منك تفاصيل هذا السلاح الذي استخدمته في ساحة المعركة.»
«مدفع التناوب الخاص بي؟» سأل كيد وين، وقد انكمش قليلًا.
«اعذرني»، ابتسمت بيغوت. «أحيانًا تصبح الأوراق الإدارية كثيرة أكثر مما ينبغي. ربما تعرف أين يمكنني العثور على الوثائق الخاصة بمدفع التناوب، الصادرة عن فرقنا العسكرية والعلمية؟»
«يا إلهي يا كيد»، تمتم إيجيس بصوت متهالك.
بدا كيد وين أكثر انزعاجًا من رد فعل إيجيس مقارنة بأي شيء آخر.
«أنا… حسنًا، لم أحصل على الموافقة الرسمية عليه بعد. ظننت فقط أن استخدام المدفع سيكون أفضل خيار، وأنه سيساعدني على فعل ما بوسعي لإيقاف عملية السرقة.»
«وهنا كنت مخطئًا»، أخبرته بيغوت. «الحقيقة أن الأموال التي سُرقت من البنك تأتي في مرتبة متأخرة جدًا ضمن أولوياتي. بل يمكنك حتى القول إنني لا أهتم بها.»
«أيتها المديرة…» بدأ إيجيس، لكنه لم يتمكن من إكمال كلامه.
«ما يهمني هو نظرة العامة إلى أصحاب القوى الخارقة. يهمني ضمان حصولنا على التمويل الكافي لدفع رواتبكم، ورواتب منظمة الحماة وفرق الاستجابة للباراهومانس، وتوفير المعدات لكم. من دون ذلك، سينهار كل ما عملت على بنائه.»
سألها كيد وين: «ماذا ستفعلين؟»
«أولًا، سيُفكك المدفع.»
«لا!» قال إيجيس وكيد وين في اللحظة نفسها.
بدت المديرة بيغوت متفاجئة للحظة من هذا التحدي.
قال كيد وين: «بدأت العمل على مدفع التناوب حتى أمتلك شيئًا أستطيع إخراجه إذا واجهنا تهديدًا من الفئة A. التخلص منه سيكون هدرًا هائلًا. لا يهمني إن لم أتمكن من استخدامه مرة أخرى. أعطيه لفرقة من فريق الاستجابة للباراهومانس. سأعلّم أحدهم طريقة تشغيله. يمكنكم تثبيته على إحدى شاحناتكم أو شيء من هذا القبيل.»
عبست المديرة بيغوت.
«الوقت والمال اللذان سيتطلبهما ذلك من أجل حادثة قد لا تقع أبدًا… لا. أظن أنه يمكنك الاحتفاظ بالمدفع.»
كاد كيد وين ينهار من شدة الارتياح.
«لكن مصدر الطاقة، أيًا كان، ستنزعه منه، وسأحتفظ به تحت القفل والمفتاح. إذا ظهر تهديد من الفئة A، فسأسلمه إليك. وسيخضع المدفع أيضًا لإجراءات المراجعة المعتادة التي تشمل جميع المعدات التي يصنعها المخترعون الخارقون. إذا فشل في اجتياز المراجعة، أو إذا كنت قد عرّضت الناس والممتلكات لخطر لا مبرر له بما استخدمته اليوم، فأخشى أنك قد تواجه غرامة كبيرة أو عقوبة بالسجن.»
شحب وجه كيد وين.
«أيتها المديرة!» قال إيجيس بصوت أجش، وهو يتقدم خطوة إلى الأمام.
«اصمت يا إيجيس!» صاحت بيغوت. «محاولتك الكلام برئة مثقوبة تسبب لي ألمًا جسديًا، وعلى الرغم من أنني أقدّر دفاعك عن فريقك، فإن الهواء الوحيد الذي تستطيع إخراجه من رئتيك يضيع هنا بلا فائدة.»
التفت كيد وين إلى إيجيس ومنحه ابتسامة صغيرة اعتذارية.
قالت المديرة: «كيد وين، ستأتي معنا لإجراء مراجعة تأديبية. أما البقية، فيمكنكم الانصراف. ستصل المجموعة السياحية إلى مقر إقامتكم بعد ساعة، ومن المرجح أن يكون هناك عدد غير قليل من الصحفيين الذين يطلون عبر النوافذ. حاولوا تنظيف أنفسكم قبل التقاط الصور التي ستظهر حتمًا في صحف الغد. من فضلكم.»
اصطحب الرجلان اللذان يرتديان البدلتين كيد وين البائس إلى الخارج، بعد أن غادرت المديرة بيغوت الغرفة. ألقى كيد وين نظرة قلقة على فريقه قبل أن يختفي عن الأنظار.
«سنُجري جلسة استخلاص المعلومات»، تمتم إيجيس. «يتولاها غالانت أو كلوك بلوكر. اختارا أحدكما.»
خرج الفريق من غرفة الاجتماعات بخطوات ثقيلة، وشق طريقه إلى المصعد المخصص لهم.
كان المصعد من تصميم أحد المخترعين الخارقين، وقد صُمم ليبهر السياح، إلى جانب توفير قدر أكبر بكثير من الأمان. انفتحت أجزاء معدنية متشابكة وانزلقت مبتعدة عندما اقتربوا، ثم أُغلقت خلفهم. كانت الرحلة إلى الأسفل سلسة إلى درجة جعلت من المستحيل تقريبًا معرفة أن المصعد يتحرك.
خرجوا إلى ممر طويل من الفولاذ اللامع.
«ستطاردني الكوابيس»، تأوه كلوك بلوكر وهو يلمس برفق الانتفاخات المتورمة حول أنفه وفمه. «كوابيس مليئة بالعناكب. بالكثير والكثير من العناكب.»
عند الطرف البعيد من الممر، وصلوا إلى محطة أمنية. أشار إيجيس إلى كلوك بلوكر.
«ألا تتولى الأمر عادة؟»
أجاب إيجيس بصوته المتقطع: «ربما انفصلت شبكية عيني. لا أريد أن أفشل في الفحص.»
أومأ كلوك بلوكر بتردد، ثم انحنى إلى الأمام كي تفحص المحطة عينيه.
صدر صوت نقر من الأبواب الفولاذية، ثم انفتحت بانزلاق مصحوب بأزيز بالكاد يُسمع، لتسمح للأبطال الشباب بالدخول إلى المنطقة الرئيسية من مقرهم.
كانت الغرفة تشبه القبة إلى حد كبير، لكن بعض أقسام جدرانها كانت قابلة للفك وإعادة الترتيب بسرعة. خُصصت بعض الأقسام لتكون غرفًا فردية لأعضاء الفريق، بينما أحاطت أقسام أخرى بالمداخل المؤدية إلى الحمامات وغرفة الملفات وغرفة الصحافة والاجتماعات.
وعلى أحد جانبي الغرفة، امتدت مجموعة من الحواسيب والشاشات الكبيرة المترابطة عبر الشبكة، وحولها نصف دزينة من الكراسي.
كانت إحدى الشاشات تعرض عدًا تنازليًا حتى وصول المجموعة السياحية التالية، بينما عرضت شاشات أخرى صورًا من كاميرات تراقب مواقع مهمة في المدينة. وكان البنك المركزي أحد تلك المواقع، ظاهرًا في صورة مظلمة تتخللها أضواء صفارات الشرطة الحمراء والزرقاء.
«هل شادو ستوكر غائبة دون إذن؟» سأل غالانت.
«لم تستطع الوصول في الوقت المناسب»، تمتم إيجيس. «أخبرتها أن تبقى في مكانها.»
«لن يعجبها ذلك. أليست تكره غرو بشدة؟» سأل كلوك بلوكر.
«هذا أحد الأسباب»، قال إيجيس بصعوبة. «لم أكن بحاجة إلى ذلك. سأذهب للاستحمام وأعالج جروحي. تولوا أنتم استخلاص المعلومات.»
«حاضر يا زعيم»، أدّى كلوك بلوكر التحية. «اعتنِ بنفسك.»
«الكلاب المتحولة اللعينة»، تمتم إيجيس وهو يتجه إلى الحمام. وكان قد خلع النصف العلوي من زيه الممزق قبل أن يعبر الباب.
«فيستا؟ هل يمكنك إحضار السبورة البيضاء؟ بل أحضري اثنتين.» التفت غالانت إلى أصغر أعضاء الفريق.
كادت فيستا تقفز وهي تسرع لتنفيذ الطلب.
تحدث براويت للمرة الأولى: «ماذا سيحدث لكيد؟ لا أعرف كيف تسير هذه الأمور. هل الأمر خطير؟»
فكر غالانت للحظة.
«قد يكون كذلك، لكن حدسي يخبرني أن بيغي تريد إخافته فحسب. عليه أن يتوقف عن اختبار حدود صبر المسؤولين، وإلا فسيجد نفسه في ورطة حقيقية في مرحلة ما.»
التفت كلوك بلوكر إلى براويت.
«إذن، ليست هذه أفضل بداية لمسيرتك المهنية الجديدة، أليس كذلك؟»
«تبًّا، لم أكن لأهتم كثيرًا لو كنت أعرف ما حدث.» تمدد براويت، وبدأت عضلاته تتقلص حتى عاد جسده إلى حجمه الطبيعي. «على الأقل، كنت سأتمكن من معرفة ما ينبغي فعله بصورة أفضل في المرة القادمة. كل ما أعرفه أنني فقدت البصر والسمع فجأة، وعندما حاولت التحرك، كان كل شيء ينحني في الاتجاه الخاطئ. ثم أظن أن أحدهم صعقني بالكهرباء.»
عادت فيستا وهي تجر خلفها سبورتين بيضاوين مثبتتين على عجلات.
قال غالانت لأحدث أعضاء الفريق انضمامًا: «احتفظ بهذه الفكرة قليلًا.»
ثم التفت إلى كلوك بلوكر.
«اسمع يا كلوك، هل تمانع أن أتولى القيادة؟»
كان كلوك بلوكر لا يزال يستكشف بأطراف أصابعه النتوءات المرتفعة على وجهه.
«تفضل. سأماطل في موضوع القيادة لأطول وقت ممكن.»
«أنت ثاني أكبرنا سنًا بعد كارلوس. لن يمر سوى ثلاثة أو أربعة أشهر قبل أن تصبح أقدم أعضاء الفريق، أليس كذلك؟»
ابتسم كلوك بلوكر ابتسامة ساخرة من نفسه.
«ثم لن أحتفظ بهذا المنصب حتى نهاية الصيف، قبل أن أتخرج وأسلم الراية إليك. لا تقلق. تولَّ المسؤولية.»
خلع غالانت خوذته وأمسكها بيد واحدة، ثم مرر أصابعه في شعره الأشقر المبلل بالعرق. وابتسم ابتسامة آسرة لفيستا وهي تضع السبورتين بحيث يتمكن الجميع من رؤيتهما.
«شكرًا لك.»
لم يكن غالانت بحاجة إلى استخدام قوته كي يثير استجابة عاطفية لدى البطلة ذات الثلاثة عشر عامًا. فقد احمرّ وجهها بلون وردي زاهٍ.
لم يكن هناك أي شك لدى الحاضرين في أن فيستا تكنّ إعجابًا كبيرًا بأحد زملائها الأكبر سنًا.
قال غالانت: «حسنًا يا رفاق، قبل أن نبدأ، أعتقد أن من المهم توضيح بعض الأمور. أولًا، والأهم من كل شيء، ما حدث اليوم لم يكن فشلًا. بل إنني سأذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إن اليوم كان انتصارًا للأخيار، وسنبدأ بترسيخ هذه الفكرة هنا والآن.»
توقف لحظة ليتفحص ردود الفعل المشككة على وجوههم، ثم ابتسم.
«الأندرسايدرز. ظلوا بعيدين عن الأنظار حتى الآن، لكنهم بدأوا مؤخرًا تنفيذ عمليات أكثر بروزًا. سرقوا كازينو روبي دريمز قبل خمسة أسابيع، والآن سرقوا أكبر بنك في بروكتون باي. هذه المرة حالفنا الحظ بما يكفي لنقف في طريقهم. وهذا يعني أننا حصلنا أخيرًا على معلومات عن فريقهم.»
استدار نحو السبورة وكتب أسماء خصومهم.
كتب «غرو» و«تاتلتيل» و«هيلهاوند» على السبورة الأولى، وقسّمها بخطوط إلى ثلاثة أعمدة. ثم كتب «ريجنت» على السبورة الثانية، ورسم خطًا، قبل أن يتردد أمام العمود الخامس والأخير.
«هل أطلق على نفسه اسمًا؟ أقصد، صاحب الحشرات؟»
«إنها فتاة»، صحح له كلوك بلوكر. «كنت أتحدث مع الرهائن بعد هروب الأندرسايدرز. قال أحدهم إنه كان خائفًا من التحرك لأنها ستجعلها تعضه. احتجت إلى بعض الوقت لأفهم ما كان يقصده بالضبط. المسكين كان في حالة صدمة.»
«لكننا لا نعرف الاسم الذي تطلقه على نفسها؟»
لم يكن لدى أحد إجابة.
«إذن، علينا الاتفاق على اسم لها، وإلا فستصبح الأوراق الرسمية غير متسقة. هل لديكم اقتراحات لاسم فتاة الحشرات؟»
اقترح براويت: «يرقة؟ وورم؟ نختار لها اسمًا سيئًا ومثيرًا للسخرية؟»
تنهد كلوك بلوكر.
«لا نريد فعل ذلك. ربما كان بإمكاننا الإفلات بهذا لو انتصرنا، لكن الأمر لن يبدو جيدًا إذا ذكرت الصحافة أننا تعرضنا لهزيمة ساحقة على يد شخص يُدعى يرقة.»
اقترحت فيستا: «ستينغر؟ بستيلاينس؟»
استدار كلوك بلوكر على كرسيه، وأدخل الاسمين في الحاسوب.
«كلاهما مستخدم. ستينغر شرير في كاليفورنيا يرتدي درعًا قتاليًا، ويحمل حقيبة نفاثة وصواريخ موجهة. أما بستيلاينس فهو مختل مرعب في لندن.»
طرح غالانت اسمًا آخر.
«سكيتر؟»
توالى صوت نقر المفاتيح بينما بحث كلوك بلوكر عن الاسم.
«ليس مستخدمًا.»
«إذن، هو مناسب بما يكفي.» كتب غالانت الاسم على السبورة. «والآن، لنبدأ العصف الذهني. هنا سنعوّض خسائرنا من أحداث اليوم، ونبحث عن طريقة تتيح لنا الفوز في المرة القادمة. لذا لا تترددوا في الكلام. شاركونا أي تفصيل، مهما بدا تافهًا.»
قال براويت: «قوة غرو ليست مجرد ظلام. لا يمكنك السماع داخله أيضًا. كما أن الشعور فيه غريب. هناك مقاومة للحركة، كأنك تتحرك تحت الماء، لكنك لا تطفو.»
«جيد.» دوّن غالانت المعلومة في عمود غرو. «التالي؟»
قالت فيستا: «المسوخ التي تصنعها هيلهاوند، أي الكلاب، لا تتحكم بها ذهنيًا. إنها مدرّبة. تخبرها بما يجب فعله باستخدام الصفارات والإشارات.»
«صحيح، جيد. لقد لاحظت ذلك أيضًا.» أضاف غالانت ملاحظة أخرى إلى السبورة بحماس.
أضاف كلوك بلوكر: «أما الفتاة التي تتحكم بالحشرات… سكيتر. فالأمر معاكس تمامًا. إنها تسيطر عليها بدقة شديدة.»
«رائع!»
«وبحسب أحد الرهائن الذين تحدثت إليهم، قالت إنها تستطيع الإحساس بالأشياء من خلال حشراتها، وهذا ما سمح لها بمراقبة الرهائن.»
لم يمضِ وقت طويل حتى امتلأت معظم الأعمدة بالملاحظات، واضطر غالانت إلى قلب السبورتين واستخدام الجهتين الخلفيتين.
عاد كارلوس من الاستحمام، مرتديًا سروالًا رياضيًا، ومنشفة ملفوفة حول كتفيه. كان من أصول بورتوريكية، وشعره طويلًا.
كان جسده خاليًا من الدم، باستثناء قطرات قليلة لا تزال تنزف من الجروح الممزقة على ذراعيه وبطنه وصدره. وكان قد خيط الجروح والتمزقات بنفسه بطريقة غير متقنة، وهو ما لم يجعل منظرها أقل إزعاجًا كما قد يتوقع المرء.
جلس على كرسي وأضاف بعض المعلومات إلى القوائم، لكن مساهمته لم تكن كبيرة. فقد كان عاجزًا عن المشاركة في جزء طويل من القتال، ولم يكن لديه الكثير ليقوله.
صدر صوت حاد من الحاسوب، وفجأة تحولت جميع الشاشات إلى اللون الأصفر.
أسرع الحماة الصغار إلى ارتداء أقنعتهم. وأخرج إيجيس قناعًا احتياطيًا من درج بجانب الحواسيب.
صدر أزيز من المدخل وهو ينفتح، ثم دخل آرمزماستر بخطوات واثقة، ترافقه الآنسة ميليشيا ذات الحضور الآسر.
كانت ترتدي زيًا عسكريًا معدلًا، ضيقًا بما يكفي في المواضع الأساسية لإبراز انحناءات جسدها، ولفّت وشاحًا حول الجزء السفلي من وجهها، مطرزًا عليه العلم الأمريكي. كما ارتدت وشاحًا مشابهًا حول خصرها.
لكن أكثر ما لفت الأنظار كان قاذف الصواريخ الضخم الذي حملته فوق كتفيها، بالطريقة التي يحمل بها رافع الأثقال قضيبًا حديديًا.
نهض غالانت.
«آرمزماستر. يسعدني رؤيتك، سيدي. والآنسة ميليشيا، يسعدني لقاؤك دائمًا.»
«دائمًا ما كنت مهذبًا»، قالت الآنسة ميليشيا، وقد لمعت عيناها بما يشير إلى ابتسامة خلف وشاحها. «أحضرنا ضيفة معنا.»
كانت تتبعهما فتاة مراهقة ترتدي رداءً أبيض واسعًا يغطي جسدها. باناسيا.
تتدلى من عنقها بطاقة تعريف على خيط، تحمل صورتها وكلمة «ضيفة» بأحرف زرقاء زاهية.
أخبرت الآنسة ميليشيا الأبطال الشباب: «لقد تطوعت بلطف للمجيء إلى هنا ومساعدتكم على التعافي. لا يمكننا إعادتكم إلى منازلكم بجروح مروعة ومئات من لدغات الحشرات، أليس كذلك؟ سيكشف ذلك حقيقة العرض بأكمله.»
غيّرت موضع قاذف الصواريخ فوق كتفيها، فتحول إلى ضباب من الطاقة الخضراء والسوداء. اندفعت الطاقة والتفّت حولها لبضع لحظات، ثم تجسدت على هيئة رشاش.
لم يحتفظ السلاح بهذا الشكل إلا لبضع ثوانٍ، قبل أن يومض ويتحول إلى بندقية قنص، ثم إلى بندقية حربة، وأخيرًا استقر على هيئة مسدسين رشاشين صغيرين، واحد في كل يد.
وبدت وكأنها لم تلاحظ التحولات إلا بالقدر الذي دفعها إلى وضع السلاحين في موضعهما تلقائيًا.
قالت باناسيا بخجل: «أردت أن أشكركم على مجيئكم لإنقاذي، وعلى السماح لغلوري غيرل بمرافقتكم.»
ابتسم غالانت، ثم سأل بنبرة أكثر قلقًا:
«هل أنتما بخير؟»
هزت باناسيا رأسها.
«وجدت تاتلتيل طريقة لتجاوز مناعة أختي. تعرضت غلوري غيرل لعدد كبير من اللدغات، ولهذا لم آتِ في وقت أبكر. أظن أن الإصابة تؤثر فيك نفسيًا بدرجة أكبر عندما تكون شبه منيعة، ثم تتأذى رغم ذلك. لكننا بخير الآن. لقد عالجتها، لكنها لا تزال عابسة ومستاءة. أنا… أنا بخير. لديّ نتوء في رأسي، لكنني بخير.»
«جيد.»
كان آرمزماستر يقف أمام السبورة، يراجع الملاحظات.
«يعجبني هذا. لكن هذا العمود…» أشار إلى العمود المعنون باسم تاتلتيل. «يكاد يكون فارغًا.»
أجاب غالانت: «لم يواجهها أحد منا، ولم يكن لدى الرهائن ما يقولونه عنها.»
قالت الآنسة ميليشيا: «ربما تستطيع باناسيا المساعدة في هذا الجانب.»
اتجهت جميع الأنظار نحو الفتاة.
«أنا… لقد حدثت أشياء كثيرة»، قالت باناسيا بتردد.
«كل تفصيل مفيد.»
«حسنًا… أنا آسفة.» نظرت إلى الأرض. «تلقيت ضربة على رأسي، لكن قوتي لا تعمل على نفسي، وأنا لست من النوع الذي يرتدي زيًا خارقًا ويخرج لخوض المعارك. لذلك، عندما هُددت حياتي… لا أعرف. كل ما حدث… لا أستطيع ترتيب أفكاري بعد.»
بدأ آرمزماستر يقول: «كلما أسرعنا…»
لكن الآنسة ميليشيا قاطعته.
«لا بأس. إيمي، لماذا لا تبدئين بمعالجة الحماة الصغار؟ وإذا تذكرتِ أي شيء، أي شيء قاله الأندرسايدرز أو فعلوه، أو أي دليل تظنين أنه قد يساعدنا، فأخبرينا به بعد ذلك، اتفقنا؟»
ابتسمت باناسيا للبطلة بامتنان، ثم التفتت إلى المجموعة.
«من يحتاج إلى المساعدة أكثر؟ إيجيس؟»
قال إيجيس: «سأبقى على قيد الحياة. يمكنني أن أكون الأخير.»
رفع غالانت يده بتردد.
«أحد كلاب هيلهاوند اصطدم بي بقوة. أظن أن أحد أضلاعي قد كُسر. فحصني المسعفون، لكنني أريد التأكد تمامًا من أنني لا أخاطر برئة مثقوبة أو شيء من هذا القبيل.»
عبست باناسيا، ثم أشارت إلى الطرف البعيد من الغرفة.
«هل يمكنني فحصك هناك؟»
ابتسم كلوك بلوكر ابتسامة عريضة، موضحًا أنه يمزح فحسب.
«بالطبع، يحصل حبيب غلوري غيرل على معاملة خاصة.»
اكتفى غالانت بالابتسام بسخرية ردًا عليه.
توجه الاثنان إلى المساحة الخاصة بغالانت. أجلسَته باناسيا على السرير، ثم وضعت يدها على كتفه. سحبت غطاء رأسها إلى الخلف وعقدت حاجبيها.
«ليست لديك رئة مثقوبة. لديك ضلع واحد متصدع، لكنك لا تشعر حتى بألم شديد. لماذا…؟»
«لقد كذبت. أردت التحدث إليك على انفراد.» أمسك بيدها.
عبست وسحبت يدها كما لو أنه عضّها. ولكي تضمن أنه لن يحاول الإمساك بها مرة أخرى، عقدت ذراعيها أمام صدرها.
قال: «أنت تعرفين أنني أستطيع الإحساس بالعواطف. عواطف الجميع، كأنها سحابة من الألوان تحيط بهم. لا أستطيع إيقاف ذلك. هكذا أرى العالم فحسب.»
«أخبرتني فيكتوريا بذلك.»
«إذن، أنت كتاب مفتوح بالنسبة إليّ. أعرف أنك خائفة. لا… أنت مرعوبة، وهذا هو سبب عدم حديثك.»
تنهدت وجلست على السرير، في أبعد موضع ممكن عن غالانت.
«لم أرغب في هذه القوى قط. بل لم أرغب في امتلاك أي قوى من الأساس.»
أومأ برأسه.
«لكنني حصلت عليها رغم ذلك، وحظيت باهتمام دولي بسببها. المعالجة. الفتاة التي تستطيع علاج السرطان بلمسة، وجعل شخص أصغر بعشر سنوات، وإعادة نمو الأطراف المفقودة. لقد أُجبرت على أن أكون بطلة. وحُمّلت عبء هذا الواجب. لا أستطيع التعايش مع نفسي إن لم أستخدم قوتي. إنها فرصة عظيمة لإنقاذ الأرواح.»
«لكن…؟»
«لكنني، في الوقت نفسه، لا أستطيع علاج الجميع. حتى لو ذهبت إلى المستشفى كل ليلة لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات، فهناك آلاف المستشفيات الأخرى التي لا أستطيع زيارتها، وعشرات الملايين من الأشخاص الذين يعانون أمراضًا عضالًا أو يعيشون جحيمًا شخصيًا، إما لأنهم مشلولون أو لأنهم يتألمون باستمرار.»
ابتلعت ريقها، ثم تابعت:
«هؤلاء الناس لا يستحقون أن يواجهوا كل ذلك، لكنني لا أستطيع مساعدتهم جميعًا. لا أستطيع حتى مساعدة واحد في المئة منهم، ولو عملت عشرين ساعة يوميًا.»
قال لها غالانت: «عليك التركيز على ما تستطيعين فعله.»
أجابته باناسيا بشيء من المرارة: «يبدو الأمر أسهل مما هو عليه. هل تفهم ما يعنيه أن تعالج بعض هؤلاء الناس؟ أشعر أن كل ثانية أخصصها لنفسي هي ثانية أخفقت فيها بطريقة ما.»
توقفت قليلًا ثم تابعت:
«منذ عامين، وأنا أعيش تحت هذا الضغط. أستلقي في السرير مستيقظة ليلًا، ولا أستطيع النوم. لذلك أنهض وأذهب إلى المستشفى في منتصف الليل. أزور قسم الأطفال وأعالج بعض الصغار، ثم أذهب إلى العناية المركزة وأنقذ بعض الأرواح… وكل ذلك بدأ يختلط بعضه ببعض. لم أعد أتذكر حتى آخر الأشخاص الذين أنقذتهم.»
تنهدت مجددًا.
«آخر شخص أتذكره حقًا… ربما كان قبل أسبوع. كنت أعالج طفلًا. كان لا يزال صغيرًا جدًا، طفلًا مهاجرًا من القاهرة على ما أظن. كان يعاني من حالة تُسمى القلب المنتبذ. وهي حالة يُولد فيها الإنسان وقلبه خارج جسده. كنت أعيد كل شيء إلى موضعه الصحيح، وأمنحه فرصة لعيش حياة طبيعية.»
«ما الذي جعله عالقًا في ذاكرتك؟»
«لقد استأت منه. كان مستلقيًا هناك، نائمًا بهدوء كالملاك، وللحظة واحدة فقط فكرت في أن أتركه وشأنه. كان بإمكان الأطباء إكمال العملية، لكن ذلك كان خطيرًا. ربما مات لو تركته على الطاولة والعملية لم تكتمل إلا إلى منتصفها. لقد كرهته.»
لم يقل غالانت شيئًا.
حدقت باناسيا في الأرض، وملامحها متجهمة.
«لا، لم أكرهه هو. بل كرهت فكرة أنه سيحظى بحياة طبيعية، بينما كنت قد تخليت عن حياتي من أجله. كنت خائفة من أن أرتكب خطأً متعمدًا. أن أسمح لنفسي بإفساد العملية لهذا الطفل. كان بإمكاني قتله أو تدمير حياته، لكن ذلك كان سيخفف الضغط عني. كان سيقلل التوقعات، أتفهم؟ وربما كان سيقلل حتى توقعاتي من نفسي.»
اهتز صوتها.
«أنا… كنت متعبة جدًا. منهكة تمامًا. لقد فكرت للحظة وجيزة جدًا في التخلي عن طفل وتركه يعاني أو يموت.»
أجاب غالانت بهدوء: «يبدو أن الأمر يتجاوز مجرد الإرهاق.»
«هل هكذا يبدأ الأمر؟ هل هذه هي اللحظة التي أبدأ فيها بالتحول إلى شخص يشبه أبي، أيًا كان؟»
أطلق غالانت زفيرًا بطيئًا.
«يمكنني أن أقول لك لا، وإنك لن تصبحي مثل أبيك أبدًا. لكنني سأكون كاذبًا. كل واحد منا، بل جميعنا، معرضون لأن نشق طريقنا الخاص نحو ذلك المصير. أستطيع أن أرى الضغط الذي تعانين منه والتوتر الذي ينهشك. لقد رأيت أشخاصًا ينهارون تحت ضغط أقل من هذا. لذا نعم، هذا ممكن.»
«حسنًا»، تمتمت بصوت خافت.
انتظرها كي تضيف شيئًا، لكنها لم تفعل.
قال لها: «خذي استراحة. أقنعي نفسك بأنك بحاجة إليها لاستعادة طاقتك، كي تتمكني من مساعدة مزيد من الناس على المدى الطويل.»
«لا أظن أنني أستطيع ذلك.»
جلسا في صمت للحظات.
ثم التفت إليها غالانت.
«إذن، ما علاقة كل هذا بما حدث في البنك؟»
«لقد كانت تعرف كل شيء. تلك الفتاة، تاتلتيل. قالت إنها تمتلك قدرة على قراءة الأفكار، وبناءً على ما قالته وما كانت تعرفه، فأنا أصدقها.»
أومأ غالانت برأسه.
تابعت باناسيا: «هل تعرف كيف يكون الحديث مع أشخاص مثلها؟ مثلك أنت أيضًا، من دون إساءة؟ تبني قناعًا حول نفسك، وتخدع نفسك معتقدًا أن كل شيء طبيعي، وتجبر نفسك على تجاهل أسوأ جوانب شخصيتك… ثم يأتي أمثال غالانت وتاتلتيل وينزعون عنك كل شيء. يجبرونك على مواجهة الحقيقة كاملة.»
«أنا آسف.»
«لقد قلت بنفسك إنك لا تستطيع إيقاف قوتك، أليس كذلك؟ لا يمكنني لومك على ذلك. لكن… من الصعب الوجود بالقرب من شخص مثلك. خصوصًا بعد التعامل مع تاتلتيل.»
«ماذا قالت لك؟»
«هددت بالتحدث عن أشياء. أشياء أسوأ مما أخبرتك به للتو، على ما أظن. هددت بإخباري بأمور لا أريد معرفتها. وقالت إنها ستستخدم ما تعرفه لتدمير علاقتي بفيكتوريا وبقية عائلتي.»
عانقت إيمي نفسها بذراعيها.
«أختي هي كل ما أملكه. الشخص الوحيد الذي لا يضع توقعات عليّ، والذي يعرفني كما أنا. كارول لم ترغب بي حقًا قط. أما مارك، فهو يعاني اكتئابًا سريريًا، لذا، على الرغم من طيبته، فإنه منشغل بنفسه أكثر مما ينبغي ليكون أبًا حقيقيًا. عمّي وعمّتي لطيفان، لكن لديهما مشكلاتهما الخاصة. لذا، لم يبقَ سوى أنا وفيكتوريا. هكذا كان الأمر منذ البداية تقريبًا.»
ارتجف صوتها وهي تتابع:
«ذلك الوحش المتعجرف هدد بتمزيق علاقتي بأختي باستخدام شيء آخر لم أرده، شيء آخر لم تكن لدي أي سيطرة عليه.»
بدأ غالانت الكلام، ثم توقف.
«ماذا؟»
«هل… هل لهذا علاقة بالمشاعر القوية جدًا التي تكنّينها تجاهي؟»
تجمدت باناسيا في مكانها.
«أنا آسف»، سارع إلى القول. «لم يكن ينبغي لي إثارة الموضوع.»
«لم يكن ينبغي لك ذلك.» نهضت وبدأت تتجه نحو الباب.
قال لها: «اسمعي، إذا احتجتِ يومًا إلى التحدث…»
«أنا…»
«ربما لن ترغبي في أن أكون أنا الشخص الذي تتحدثين إليه، حسنًا. لكن بابي مفتوح دائمًا، ويمكنك الاتصال بي في أي ساعة. أردت فقط أن تعرفي ذلك.»
«حسنًا»، أجابت.
ثم مدت يدها ولمست كتفه.
«ها قد عالجت الكدمات، وأصلحت ضلعك.»
«شكرًا لك»، قال وهو يفتح لها الباب.
ترددت باناسيا عند المدخل، ثم تمتمت:
«اعتنِ بأختي، حسنًا؟ اجعلها سعيدة.»
«هذا أمر مفروغ منه.»
عاد الاثنان إلى المجموعة الرئيسية.
وحين التقطت باناسيا القلم بجانب الحواسيب، استدارت كل الرؤوس في الغرفة نحوها.
وبملامح قاتمة، بدأت تملأ القسم المخصص لتاتلتيل على السبورة البيضاء.
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.