وورم — الفصل البيني 5
«هل هذا ما أردته؟»
ناول الشاب المراهق، الذي غطى الزغب ذقنه وكان يضع غطاء رأسه على رأسه، الكيس الورقي للرجل الآخر.
تجولت يدان عريضتان، بأظافر بنية فاسدة ومتآكلة، في محتويات الكيس.
«نعم، هذا هو. تفضل».
كان الصوت يحمل لكنة خفيفة، وكانت الكلمات والأصوات تُنطق بعناية شديدة، كما لو أن صاحبها لم يكن مرتاحًا في استخدام اللغة الإنجليزية.
مد الشاب يده، واتسعت عيناه عندما وُضعت رزمة من الأوراق النقدية في كفيه.
«هذا… أكثر مما توقعت».
«هل تشتكي؟»
هز الشاب رأسه.
أدخل غريغور الحلزون يديه في جيبيه، وكأنه يحاول إخفاء أظافره والنموات التي غطت ظهور يديه بالقشور. كان لكل واحدة من تلك النموات الصلبة، التي ربما كانت أصدافًا أو حراشف، شكل حلزوني بارز، ولم تكن أي منها أكبر من عملة فضية كبيرة.
ومهما استطاع دس يديه في جيبيه، لم يكن قادرًا على إخفاء وجهه. لم يكن على رأسه شعر، ولا حتى حاجبان أو رموش، وكانت النموات الصلبة تغطي وجهه مثل حالة متقدمة ومستعصية من حب الشباب. لكن أغرب ما فيه وأكثره إثارة للقلق كان أن بشرته الشاحبة شفافة بما يكفي لرؤية ظلال هيكله العظمي وأسنان فمه ولسانه.
قال غريغور بلا أي تكلف: «كما ترى، سيكون من الصعب عليّ دخول متجر وشراء بعض الأشياء البسيطة. لا أحب الاعتماد على أصدقائي في هذا الأمر. يجعلني أشعر بأنني مدين لهم، وهذا ليس جيدًا للصداقات. إذا كنت مهتمًا بتكرار هذا النوع من التعاملات، وأن تكون مستعدًا لتولي بعض المهام نيابة عني لفترة من الزمن، فيمكننا ترتيب الأمر».
«حقًا؟» حك الشاب ذقنه. «ولكم من الوقت؟»
«حتى أتصل بك وتعجز عن تنفيذ مهمتي أو لا ترغب في ذلك. إذا حدث هذا أكثر من مرة، أو لم يكن لديك سبب وجيه، فسأبحث عن شخص آخر، كما فعلت مع الشخص السابق».
«ألم تؤذه أو تفعل به شيئًا؟»
«لا، لم أفعل. لقد قرر أنه يفضل قضاء المساء مع صديقته. ولم أتصل به مجددًا».
«لن يكون هذا شيئًا غير قانوني، أليس كذلك؟»
«لا. لا مخدرات، ولا عاهرات، ولا أسلحة».
«إذًا، تتصل بي، فأخرج وأشتري لك بعض البقالة أو الملابس أو الطعام الجاهز أو الشامبو أو أي شيء آخر، وتدفع لي ثلاثمئة…»
«أربعمئة. وأنا لا أملك شعرًا، لذا لن تحتاج إلى الاهتمام بالشامبو».
«صحيح. آسف. إذًا، أربعمئة دولار في كل مرة؟ ما الخدعة؟»
«لا توجد خدعة. لديّ المال، وأحب أن تكون الأمور مريحة. هناك احتمال صغير واحد لوقوع المتاعب. مساعدتي الأولى تركت العمل لأنها خشيت أن يستخدم أعدائي وجودها للوصول إليّ. لن أنكر أن هذا احتمال وارد».
«لديك أعداء؟»
«نعم. لكن لم تقع حتى الآن أي حالة تورط فيها أحد مساعديّ في مشكلة معهم».
«وهل تورط أحدهم في مشكلة من أي نوع؟»
«المساعد السابق، ذلك الشاب الذي لديه صديقة. ظن أنه يستطيع الحصول على المزيد من المال، لأنه كان قادرًا على الذهاب إلى الشرطة وإخبارهم بما يعرفه عني. كان محظوظًا لأنه حاول ذلك بينما كنت في مزاج كريم. أقنعته بالعدول عن الفكرة. وبعدها عمل لديّ شهرين من دون شكوى. لم تكن بيننا صداقة؛ كان الأمر عملًا بحتًا. وأنصحك بلطف بألا تحاول فعل الشيء نفسه».
«مهلًا، دع الناس تعيش حياتها، أليس كذلك؟»
«هذا قول جيد».
«حسنًا. أريد الالتحاق بالجامعة في الخريف المقبل، وهذا يبدو أفضل بكثير من العمل خمسين ساعة في الأسبوع مقابل الحد الأدنى للأجور. تفضل، هذا رقم هاتفي».
ناول هاتفه إلى غريغور.
استغرق غريغور لحظة لإدخال الرقم في هاتفه.
«حصلت عليه. سأتصل بك».
افترق الاثنان.
سار غريغور عبر الشوارع الجانبية في وسط مدينة بروكتون باي، وغطاء سترته يلقي بظلاله على وجهه. وكان كل من يصادفه وينظر تحت غطاء رأسه يسارع إلى صرف نظره، محرجًا أو مذعورًا.
أما الذين يرونه من مسافة بعيدة، فيعرفونه بوصفه مسخًا أيضًا، ولكن بطريقة مختلفة. بالنسبة إليهم، لم يكن سوى رجل يعاني من سمنة مفرطة. رجل في أواخر العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات من عمره، يبلغ طوله خمسة أقدام وعشر بوصات، ويزن ما يقارب ثلاثة أضعاف الوزن الذي ينبغي أن يكون عليه.
وكان يعلم أن وزنه أحد الأشياء النادرة في هذا العالم الحديث التي يستطيع الناس استخدامها للسخرية منه علنًا.
لقد استغرق الأمر سنوات حتى يتصالح مع ذلك. حتى يتصالح مع كونه واحدًا من المسوخ.
عندما وصل إلى وجهته، بلغ أذنيه النبض المدوي للموسيقى. كان النادي يبعد شارعين عن شارع لورد، وامتد طابور الزبائن حول جانب المبنى. وكانت حروف صفراء متوهجة، مكتوبة بخط بسيط يكاد يبدو متعمدًا في بساطته، تشكّل اسم «بالانكوين».
تجاوز الطابور واتجه مباشرة إلى الباب الأمامي. فك حارس ضخم البنية، من أصول لاتينية، وله لحية ترسم حواف فكه، السلسلة المعدنية التي تسد المدخل ليسمح له بالمرور.
احتجت إحدى الفتيات القريبات من مقدمة الطابور: «ما هذا بحق الجحيم؟ لقد انتظرنا خمسًا وأربعين دقيقة، ثم تسمح لذلك البدين اللعين بالدخول هكذا؟»
قال الحارس بملل: «اخرجي من الطابور».
«ماذا بحق الجحيم؟ لماذا؟»
أجابها الحارس: «لقد أهنتِ شقيق صاحب النادي للتو، أيتها الحمقاء. اخرجي من الطابور. أنتِ وصديقاتك ممنوعات من الدخول».
ابتسم غريغور وهز رأسه. بالطبع، كان كلام الحارس هراءً؛ فهو لم يكن شقيق صاحب النادي. لكن كان من الجميل رؤية أحد الحمقى ينال ما يستحقه.
كان غريغور قد عمل حارسًا في نوادٍ أرادت توظيف شخص غريب المظهر يجذب الانتباه، وذلك منذ سنوات، عندما كان يحاول شق طريقه في الحياة. لذا كان يعلم أن الطابور الذي تراه ممتدًا خارج الباب نادرًا ما يعكس عدد الأشخاص الموجودين في الداخل. فقد يكون النادي فارغًا تمامًا، ومع ذلك يصطف الناس خارجه، لمجرد إعطاء المكان الصورة المطلوبة.
لكن بالانكوين لم يكن بحاجة إلى مثل هذه الخدع، حتى في ليلة الثلاثاء. كان يعج بالناس.
تنقل غريغور بحذر بين الراقصين والأشخاص الذين يحملون المشروبات، حتى وصل إلى درج يحرسه أحد أفراد الأمن. وكما حدث عند الباب الأمامي، سُمح له بالدخول إلى الدرج تلقائيًا، من دون أي سؤال.
لم تكن الشرفة العلوية مزدحمة. أما الموجودون فيها، وكانوا نحو اثني عشر شخصًا، فبدوا شبه فاقدين للحيوية من شدة الخمول. كانت معظمهم فتيات مستلقيات على الأرائك وفي المقاعد المنفصلة المنتشرة على طول الشرفة المطلة على حلبة الرقص.
لم يكن هناك سوى ثلاثة أشخاص بدوا واعين إلى حد ما عندما اقترب غريغور.
هتف نيوتر، مبتسمًا من أذن إلى أذن: «غريغور، يا صاحبي العزيز!»
لمح غريغور ومضة قصيرة من الاشمئزاز على وجه إحدى الفتيات الجالسات مع نيوتر، بينما كانت تنظر إليه. كانت شقراء، تضع أحمر شفاه أزرق، وتتخلل شعرها خصلات وردية. لو كان غريغور يعمل حارسًا عند المدخل، لطلب هويتها، ثم تحقق منها مرتين، وحتى لو بدت حقيقية، لطردها على أي حال لأنها أصغر من أن يُسمح لها بالدخول.
فلم يكن من الممكن أن يتجاوز عمرها السادسة عشرة.
ومع ذلك، كان هذا العمر يقارب عمر نيوتر نفسه، ولم يكن بوسعه أن يلوم الفتى على اهتمامه بشخص من عمره.
أما الفتاة الأخرى، ذات الشعر الداكن، فكانت ملامحها تحمل طابعًا أوروبيًا. لم تُظهر أي نفور من هذا النوع. وعندما ابتسمت له وهي ترفع رأسها نحوه، لم يكن هناك ما يشير إلى أن ابتسامتها مصطنعة.
كان ذلك أمرًا نادرًا ومثيرًا للاهتمام في آن واحد.
قال غريغور: «أحضرت عشاءك».
«رائع يا رجل! اسحب كرسيًا واجلس!»
«سيحتاج الآخرون إلى طعامهم أيضًا».
«اجلس فحسب، هيا! لديّ فتاتان مذهلتان هنا، وهما لا تصدقانني عندما أخبرهما ببعض العمليات الرائعة التي نفذناها. أحتاج إلى من يؤكد كلامي يا أخي».
قال غريغور: «لا أعتقد أن الحديث عن هذه الأمور فكرة جيدة».
وبقي واقفًا.
مد نيوتر يده إلى الكيس وأخرج شطيرة.
«لا بأس. لقد انضمت فولتلاين إلى الحديث منذ فترة، وهذا يعني بوضوح أنها لا تمانع. لن تخبري أحدًا، أليس كذلك يا لورا؟ يا ماري؟»
هزت كل فتاة رأسها عندما ناداهما نيوتر باسميهما. وهكذا عرف غريغور أن الفتاة ذات الشعر الداكن تُدعى لورا، وأن صاحبة أحمر الشفاه الأزرق تُدعى ماري.
قال غريغور: «إذا كانت فولتلاين قد قالت إن الأمر لا بأس به…»
أخذ الكيس من نيوتر، وأخرج شطيرته الخاصة.
«لورا وماري، أعتذر، لكن الشطائر الأخرى التي أحملها مخصصة لأشخاص آخرين. يمكنني أن أعرض عليكما بعضًا من شطيرتي، إن كنتما ترغبان في ذلك».
أجابت لورا: «لا بأس، لست جائعة. تعجبني لكنتك. هل هي نرويجية؟»
أنهى غريغور اللقمة الأولى وابتلعها، ثم هز رأسه.
«لست متأكدًا. لكنني تحدثت إلى خبير، وقال إن اللغة الأخرى التي أتحدثها هي الآيسلندية».
«أنت لا تعرف؟»
«لا»، أجاب غريغور.
لم تؤد إجابته المقتضبة إلى تعطيل الحديث إلا للحظة، قبل أن يعيده نيوتر إلى مساره.
«حسنًا يا أخي، أخبر هاتين الفتاتين عن الأشخاص الذين واجهناهم الشهر الماضي».
سأل غريغور: «مهمة صندوق الألعاب؟ مع السوق السوداء للمخترعين الخارقين؟ لم يكن هناك أحد…»
«المهمة الأخرى. تلك التي نفذناها في فيلادلفيا».
«آه. شوفالييه وميردين».
صفق نيوتر بيديه، واتكأ إلى الخلف في مقعده.
«ألم أقل لكما؟»
قالت الفتاة ذات الشعر الداكن بعدم تصديق: «وهل هزمتموهما؟»
هتف نيوتر: «لم نخسر!»
وأضاف غريغور موضحًا: «كانت المواجهة قريبة جدًا من أن تسوء. شوفالييه هو قائد منظمة الحماة في فيلادلفيا، وميردين يقود منظمة الحماة في شيكاغو. إنهما شخصيتان يعرفهما العالم بأسره. وقد حصلا على منصبيهما في حماية مدن أمريكية كبرى لأنهما قويان وذكيان وموهوبان. أنجزنا المهمة، كما نفعل دائمًا، ثم غادرنا».
ضحك نيوتر وقال: «ادفعا ما عليكما».
لم تبدُ لورا ولا ماري منزعجتين. مدت الأولى يدها إلى جيبها، والثانية إلى حقيبتها، وأخرجتا بعض الأوراق النقدية.
سأل غريغور: «ما الرهان الذي عقدتموه؟»
أجاب نيوتر: «قلت لهما إنهما لا تحتاجان إلى الدفع إذا كنت أكذب».
«وإذا كنت صادقًا، فعليهما دفع مبلغ أكبر؟»
«لا توجد غرامة. لقد حصلت على صحبة وحديث لبعض الوقت»، قال نيوتر مبتسمًا.
مد يده إلى الجزء الخلفي من المقعد، والتقط كيسًا كان موضوعًا هناك، ثم أخرج منه ملعقتين بلاستيكيتين وزجاجة ماء. وباستخدام قطّارة ماء أخرجها من جيبه، سحب بعض الماء من الزجاجة ووضع بضع قطرات على كل ملعقة.
وكانت الخطوة الأخيرة أن يغمس طرف لسانه في كل قطرة ماء.
قال للفتاتين: «العقاها».
سألته لورا: «أهذا كل شيء؟»
«هذا يكفي. إذا أخذتما أكثر، فقد تغيبان عن الوعي مدة طويلة ومزعجة. تلك القطرة هناك»، أشار نيوتر إلى الملعقة بطرف ذيله، «ستمنحكما أقل بقليل من ساعة من الهلوسات المخدرة. لا صداع بعدها، ولا آثار جانبية، وليست مادة تسبب الإدمان، ولا يمكنكما تناول جرعة زائدة منها. صدقاني، لقد حاولت جعل شخص يتناول جرعة زائدة منها من قبل، خلال موقف قتالي، لكنني لم أستطع التسبب في ذلك».
كانت ماري أول من أخذ الملعقة ووضعها في فمها. وبعد لحظات، اتسعت عيناها، ثم ارتخى جسدها وسقط إلى الخلف على المقعد.
قالت لورا، وهي تلتفت إلى غريغور: «اسمع».
أخرجت إيصالًا وقلمًا من جيبها، وكتبت شيئًا على ظهر الورقة الفارغ، ثم ناولته إياه.
«هذا رقمي. إذا أردت التحدث، أو… تعرف، شيئًا آخر».
غمزت له، ثم وضعت الملعقة في فمها.
رمش غريغور، وقد أصابه شيء من الحيرة، بينما تهاوى رأسها إلى الخلف.
ضحك نيوتر: «يبدو أنك تركت انطباعًا جيدًا يا غريغستر».
قال غريغور: «ربما».
أعاد نصف شطيرته المتبقي إلى الكيس الورقي، ثم كوّر غلافها. وبعد تردد قصير، أضاف الإيصال الذي يحمل رقم لورا إلى الكرة الورقية، ثم قذفها نحو سلة مهملات في الجانب الآخر من الغرفة.
صاح نيوتر: «مهلًا! ما الذي تفعله؟»
قال غريغور: «لا أعتقد أنها أعجبت بي لأنني أنا. أظن أنها أعجبت بي لأنني مسخ».
«أظن أنك تخرب الأمور على نفسك يا رجل. إنها جميلة. انظر إليها».
نظر غريغور إليها. كانت جذابة بالفعل.
تنهد.
«نيوتر، هل تعرف معنى كلمة ديفوتي؟»
هز نيوتر رأسه.
«إنها كلمة عامية تصف شخصًا ينجذب إلى ذوي الإعاقات بسبب إعاقتهم. أعتقد أن الأمر يتعلق بالقوة، أي الانجذاب إلى شخص لأنه ضعيف بطريقة ما. أظن أن لورا تراني ضعيفًا بسبب مظهري، وبسبب الصعوبات التي قد أواجهها في حياتي اليومية، وهذا يثير اهتمامها بطريقة تشبه انجذاب شخص من هذا النوع إلى رجل أعرج أو أعمى. لا يعجبني ذلك».
«مستحيل. ربما أعجبت بك بسبب الشخص الذي أنت عليه من الداخل».
«لم ترَ مني ما يكفي لتعرف من قد يكون ذلك الشخص»، أجاب غريغور.
«أظنك تظلم نفسك. لو كنت مكانك، لانتهزت الفرصة».
«أنت أقوى مني في نواحٍ كثيرة يا نيوتر. ينبغي أن أحضر العشاء للآخرين».
استدار غريغور ليغادر.
ناداه نيوتر: «مهلًا، هلّا طلبت من بيرس في الأسفل إرسال فتاة أو اثنتين أخريين إلى هنا؟»
نفذ غريغور طلبه، فلفت انتباه الحارس عند أسفل الدرج. وبدوره، أشار الحارس إلى مجموعة من الفتيات على حلبة الرقص.
وبينما كانت الفتيات يشقّقن طريقهن صعودًا، التفت غريغور إلى نيوتر.
«هل أنت سعيد؟»
قال نيوتر: «يا رجل، لا تقل لي إنك ستدخل في مرحلة فلسفية أخرى!»
«سأعفيك من ذلك. هل أنت سعيد؟»
«يا صاح، انظر إليّ. لديّ مال أحرقه كيفما أشاء، وأجمل الفتيات في المدينة يتوسلن إليّ كي يحصلن على فرصة لتذوقي. حرفيًا، يردن تذوقي! ما رأيك؟»
«إذًا، أنت سعيد؟»
«أعيش أفضل أيام حياتي يا أخي».
فتح نيوتر ذراعيه مرحبًا بثلاث فتيات وصلن لتوهن إلى أعلى الدرج.
قال غريغور: «يسرني ذلك».
ثم استدار ودخل الممر الواقع خلف الشرفة. وما إن أُغلق الباب خلفه حتى خفت صوت الموسيقى الصاخب القادمة من خلفه.
كانت محطته التالية الباب الأول على يساره. طرق الباب.
«ادخل».
كانت غرفة النوم تضم سريرين، أحدهما في كل جانب من جوانب الغرفة، موضوعين في ركنين متقابلين.
كان أحد الجانبين مزدحمًا بالملصقات والصور ورف كتب يفيض بالمجلدات، وحاسوب من شركة أبل تعلوه حوامل لقرصين مدمجين، بالإضافة إلى نظامين لمكبرات الصوت. بالكاد كان صوت الموسيقى الصادر عن مكبرات الحاسوب قادرًا على حجب الموسيقى القادمة من النادي في الطابق السفلي.
كانت الفتاة المستلقية على السرير تمتلك وجهًا ويدين تغطيهما طبقة كثيفة من النمش، وشعرًا بنيًا مجعدًا. تراكمت المجلات في أكوام حولها فوق السرير، مهددة بالسقوط عند أقل حركة.
أما الجانب الآخر من الغرفة فكان بسيطًا إلى حد التقشف. لم تكن هناك زينة على الجدران، ولا كتب، ولا حاسوب أو أي ملحقات له. لم يكن هناك سوى سرير وطاولة بجانبه وخزانة ملابس. وكان الشيء الوحيد الذي يضفي عليه أي طابع مميز غطاء سرير وغطاء وسادة ملونين.
كان غريغور يعرف أن فولتلاين هي من أهدتهما لصاحبة هذا الجانب من الغرفة. فهي لم تكن لتخرج لشراء شيء كهذا بنفسها.
كانت الفتاة المقيمة في ذلك الجانب جالسة في الركن، تحدق في الجدار. كانت شقراء ذات شعر أشقر بلاتيني شديد البياض، من ذلك النوع الذي نادرًا ما يحتفظ بلونه حتى بعد البلوغ. كان كنزتها الأرجوانية الملكية أكبر قليلًا من مقاسها، بحيث تتدلى فوق يديها، أما سروالها الجينز الشاحب فكان واضحًا أنه اختير للراحة أكثر من الأناقة.
قال غريغور: «أحضرت عشاءك يا إميلي».
أجابته الفتاة ذات النمش: «شكرًا»، والتقطت الشطيرة التي قذفها إليها وبدأت في فتح غلافها.
سأل غريغور، مشيرًا إلى الفتاة الجالسة في الركن: «هل هي بخير؟»
أجابت إميلي: «ليس هذا من أفضل أيامها».
أومأ برأسه.
ثم تحدث بلطف إلى الفتاة في الركن.
«إيل، هل يمكنني الاقتراب منكِ؟»
لقد تعلموا بالطريقة الصعبة أن قدرة الفتاة تزداد قوة كلما ابتعدت عن الواقع. وهذا ما جعلها خطيرة على نحو خاص عندما تكون غارقة في عالمها إلى درجة أنها قد لا تتعرف إليه.
ورأى غريغور مفارقة قاسية في كونها تكاد لا تملك أي قوة عندما تكون أقرب إلى طبيعتها الحقيقية. كانت تلك مشكلة يأملون في إيجاد حل لها يومًا ما.
استدارت الفتاة في الركن ونظرت إلى عينيه. اعتبر ذلك موافقة، فاقترب منها ووضع شطيرة في يديها.
«كلي»، أمرها.
ففعلت، وكانت حركاتها آلية تقريبًا.
بعد أن ضمّت فولتلاين غريغور ونيوتر إلى فريقها، قادتهما إحدى المهام إلى مصحّة ذات إجراءات أمنية مشددة. كانا هناك لاستجواب شخص بشأن «قاتلي التنانين»، وهي مجموعة من الأشرار تستخدم تقنية المخترعين الخارقين المسروقة من أقوى مخترع خارق وأكثرهم شهرة في العالم، في أعمال سرقة صغيرة وخدمات قتالية مأجورة.
لم يجرِ اقتحامهما للمصحّة كما كان ينبغي، وأدى ذلك إلى إغلاق المنشأة بإجراءات أمنية عالية التقنية. ولم يقتصر الأمر على تمديد مهمتهما عدة ساعات، بل تسبب أيضًا في مشكلات مع إحدى المقيمات، وهي باراإنسانة كان من الواضح أنه يتعين نقلها بانتظام، وإلا امتد تأثيرها على محيطها إلى خارج حدود زنزانتها، لتصبح مشكلة خطيرة للعاملين والمقيمين الآخرين والمارة الذين لا يعرفون شيئًا عن الأمر.
وفي النهاية، وبعد التعامل مع الفرقة التي أرسلتها منظمة الحماة في بوسطن والحصول على المعلومات التي احتاجا إليها بشأن قاتلي التنانين، قررا تجنيد الفتاة.
راقبها غريغور وانتظر حتى تأكد من أنها بدأت تقترب من إنهاء شطيرتها، ثم استدار ليغادر.
لوّحت له إميلي بيدها مودعة، فأومأ لها مرة واحدة اعترافًا بتحيتها.
كانت محطته الأخيرة المكتب الواقع في نهاية ممر الطابق الثاني. ألقى نظرة عبر النافذة، ثم دخل بهدوء قدر استطاعته.
كانت فولتلاين، صاحبة نادي بالانكوين وعدد من الشركات التي تعمل كواجهات في أنحاء بروكتون باي، جالسة خلف مكتب كبير من خشب البلوط.
وأمامها، وسط دفاتر الحسابات والكراسات والكتب الجامعية، كان هناك شيء يشبه آلة إكسيليفون، يتألف من مجموعة قضبان متراصة بجانب بعضها ومثبتة بإحكام إلى لوح.
كانت فولتلاين ترتدي ملابس العمل الرسمية: قميصًا أبيض بأكمام مطوية إلى أعلى، وسروالًا أسود مدسوسًا داخل حذاء ركوب أسود لامع ذي رؤوس فولاذية. ربطت شعرها الأسود المتموج على هيئة ذيل حصان.
لم تكن ترتدي قناعًا؛ فموظفو بالانكوين الذين يُسمح لهم بالوصول إلى هذا المكتب كانوا يتقاضون أجورًا مرتفعة بما يكفي لضمان عدم خيانتهم لها.
كانت ملامحها حادة إلى درجة قد تجعل من الصعب وصفها بالجمال التقليدي، لكن غريغور كان يعلم أنها أكثر جاذبية بالتأكيد من نيوتر أو منه.
راقبها وهي تغمض عينيها، ثم تمرر يدها على الأطراف العليا للقضبان. تشققت طاقة حمراء وزرقاء، وسقطت على سطح المكتب قطع صغيرة على شكل عملات، مصنوعة من الخشب والمعدن والحجر والبلاستيك.
أما القضبان الأخرى، وكان بعضها مصنوعًا من الخشب الأخضر، فلم تتأثر.
تمتمت: «اللعنة».
كنست القطع الدائرية المصنوعة من مواد مختلفة إلى سلة مهملات بجانب المكتب. ثم رفعت عينيها نحو غريغور الواقف داخل المدخل مباشرة، ورفعت حاجبًا واحدًا.
قال غريغور: «لم أرغب في مقاطعتك».
«لا تقلق بشأن ذلك. ربما يساعدني تشتيت انتباهي».
«إذا كنتِ متأكدة».
اقترب من المكتب ووضع الكيس الورقي فوقه.
«كانت الساعة السابعة، ولم يكن أحد قد تناول الطعام بعد. أحضرت لنا بعض الشطائر».
«شكرًا. كيف حال إيل؟»
«قالت سبيتفاير إن يومها سيئ، لكنها تناولت الطعام الآن. ربما يكون الغد أفضل».
تنهدت فولتلاين.
«لنأمل ذلك. من السهل جدًا أن يتعلق المرء بتلك الفتاة، أتعرف ما أعنيه؟»
«نعم».
لعنت قائلة: «اللعنة!»
ومررت يدها فوق القضبان مجددًا، لكن الخشب الأخضر رفض أن ينقطع مرة أخرى.
سألها غريغور: «ماذا تفعلين؟»
«لقد تحدثنا عن تأثير مانتون».
«القاعدة التي تمنع بعض القوى من التأثير في الكائنات الحية. لقد كنتِ تحاولين إزالة هذه القيود عن نفسك».
«من دون نجاح. إنها مسألة وقت قبل أن نجد أنفسنا في مهمة ما، وتصبح الأمور على المحك، فأكون أضعف من المطلوب بسبب هذا القيد الاعتباطي».
قال غريغور: «يصعب عليّ تصديق أن شخصًا أسقط مبنى فوق أحدهم يمكنه أن يصف نفسه بالضعف».
«كان ذلك حظًا أكثر من أي شيء آخر»، تنهدت وهي تعدّل مواضع القضبان.
«إذا كنتِ تقولين ذلك».
«ليس الأمر وكأننا لا نملك سوابق تثبت إمكانية ذلك. نحن نعرف يقينًا أن بعض أصحاب القوى الذين كانوا مقيدين سابقًا بتأثير مانتون وجدوا طريقة لتجاوزه أو الالتفاف حوله. نارهول هي أوضح مثال».
«نعم».
«هناك نظرية تقول إن تأثير مانتون ليس سوى حاجز نفسي. فبسبب تعاطفنا مع الكائنات الحية، نكبح قوانا على مستوى غريزي. أو ربما نكبحها تجاه الكائنات الحية الأخرى لأن هناك قيدًا مزروعًا في عقلنا الباطن يمنعنا من إيذاء أنفسنا بقوانا، لكنه عام أكثر من اللازم، فيشمل الكائنات الحية الأخرى بدلًا من أن يقتصر علينا وحدنا».
«أفهم».
«لذلك أحاول خداع عقلي. باستخدام هذا الترتيب، أنتقل من المواد غير العضوية إلى المواد العضوية الميتة، ثم إلى الأنسجة الحية. الخشب الأخضر في هذه الحالة. أو أخلط الترتيب بحيث أنتقل من مادة إلى أخرى من دون نمط محدد. إذا استطعت خداع عقلي وجعله يتوقع المادة الخطأ، فقد أتمكن من اختراق هذا الحاجز النفسي. وإذا نجحت في ذلك مرة واحدة، فستصبح المحاولات التالية أسهل. هذه هي النظرية على أي حال».
حاولت مجددًا.
«اللعنة!»
قال غريغور: «لا يبدو أن الأمر ينجح».
«لا تقُل! أسدِ إليّ معروفًا. أعد ترتيب هذه القضبان. لا تدعني أراها».
اقترب من المكتب، وفك القضبان، وخلط ترتيبها، ثم ثبتها في أماكنها بينما كانت جالسة وعيناها مغمضتان.
قال لها: «ابدئي».
حاولت مجددًا، وعيناها لا تزالان مغمضتين. وعندما فتحتهما، أطلقت سلسلة من الشتائم.
دار غريغور حول المكتب، وأمسكها من عنقها بيده اليسرى، ثم سحبها من كرسيها. دفعها إلى الأرض وصعد فوقها، جالسًا على جسدها بحيث يضغط بركبتيه على ذراعيها. وأخذت قبضته تشتد تدريجيًا.
اتسعت عينا فولتلاين، وبدأ لون وجهها يتغير وهي تقاوم. رفعت ركبتيها وضربت بهما ظهره، لكن كان من الممكن أن تحقق النتيجة نفسها لو حاولت ضرب مرتبة مائية.
فجسده، تحت جلده الأكثر صلابة مما قد يتوقعه المرء، كان يحتوي على هيكل عظمي وعضلات وأعضاء تطفو جميعها في بحر من السوائل اللزجة. وكان قد تعلم أن هيكله العظمي أقرب إلى هيكل القرش منه إلى هيكل الإنسان. فقد كان غضروفًا مرنًا ينثني حيث تنكسر العظام، ويلتئم أسرع منها.
لقد صدمته سيارة ذات مرة، ومع ذلك نهض بعد وقت قصير.
لم تكن ركلاتها لتؤثر فيه كثيرًا.
قال لها: «أنا آسف».
بدأت مقاومتها تضعف تدريجيًا. واستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يرتخي جسدها تمامًا.
انتظر ثانية إضافية، ثم أطلق سراحها.
أخذت تسعل وهي تلهث، محاوِلة إدخال الهواء إلى رئتيها.
انتظر غريغور بصبر حتى تعافت. وعندما بدا أنها استعادت السيطرة على تنفسها إلى حد ما، تحدث.
«قبل أشهر، كنا نتحدث عن هذا الموضوع، تأثير مانتون. ذكرتِ أنه قد يكون من الممكن لشخص مثلنا أن يمر بحدث استثارة ثانٍ. تغيير جذري أو تحسن في القوى نتيجة لحظة حياة أو موت. وقد يفسر ذلك كيف تمكن أحدهم من كسر قاعدة مانتون».
أومأت، ثم سعلت مجددًا.
«لم تكن التجربة لتنجح لو أنني حذرتك مسبقًا. أنا آسف».
هزت رأسها وسعلت مرة، ثم أجابته بصوت أجش:
«لم تنجح على أي حال».
«أنا آسف».
«ماذا لو نجحت، أيها المجنون الضخم؟ ماذا توقعت أن أفعل بك؟ أقطع يدك؟ أقتلك؟»
«ظننت أنكِ ربما ستقطعين يدي أو ذراعي في أسوأ الأحوال. لا أعتقد أنكِ ستقتلينني، حتى في لحظة كهذه. لقد فعلتِ الكثير من أجلي. وحتى لو استحال إعادة وصلها، فلا أستطيع القول إن هذه يد جذابة للغاية».
تفحص اليد التي استخدمها للتو لخنق فولتلاين.
«إن فقدانها مقابل شيء تعملين عليه منذ زمن طويل ليس أمرًا يستحق الندم».
قالت: «أحمق»، وهي تنهض على قدميها، ثم سعلت مرة أخرى. «كيف يُفترض بي أن أغضب منك عندما تقول شيئًا كهذا؟»
ظل صامتًا.
قالت وهي تعود إلى مقعدها: «حسنًا، إما أن هذه الطريقة لن تنجح، أو أنني أحتاج إلى شيء يقربني أكثر من الموت… وفي هذه الحالة، سأشطبها من القائمة على أي حال».
سحبت كرسيها وجلست إلى المكتب، ثم دفعت الجهاز ذي القضبان إلى سلة المهملات.
«أنا أحب الحياة أكثر من أن أخاطر بها على حافة كهذه».
قال بصوت خافت: «نعم».
«وبالمناسبة، شكرًا لمحاولتك فعل ذلك»، قالت له وهي تخرج من الكيس شطيرة ونصفًا. أعادت نصف شطيرة غريغور إلى الكيس، ووضعت شطيرتها جانبًا من دون فتحها. «لا أظن أن الأمر كان سهلًا».
هز رأسه.
قالت: «إذًا، لرد الجميل. اجلس».
سحب كرسيًا وجلس على الجانب الآخر من المكتب.
«قبل عام، وافقت على أن تمنحني حصة من أرباحك في مجموعتنا الصغيرة، بشرط أن أستخدمها للإجابة عن بعض الأسئلة التي كانت لدينا».
«أتذكر».
«سأتحدث مع الآخرين عن هذا قريبًا، لكن بما أنك الشخص الذي دفع أكبر مبلغ، رأيت أنه من العدل أن أطلعك على النتائج أولًا».
فتحت درجًا وأخرجت ملفًا، ثم دفعته عبر المكتب.
«هذا ما توصلت إليه حتى الآن».
فتح غريغور الملف. كانت الصفحة الأولى صورة عالية الدقة لرمز يشبه حرف «u» مزخرفًا، أو حرف «c» مدوّرًا تسعين درجة عكس اتجاه عقارب الساعة.
لمس أعلى ذراعه، حيث وُشم الرمز نفسه على جلده.
أوضحت فولتلاين: «أيًا كان الشخص المسؤول، سواء أكان فردًا واحدًا أم مجموعة، فهو بارع للغاية في إخفاء آثاره».
قلب الصفحات. كانت الصفحات التالية تضم صورًا وتقارير عن مسارح جرائم وملفات رسمية ومقالات إخبارية تتعلق بباراإنسانيين مختلفين، وكل مجموعة من الصفحات مخصصة لشخص بعينه.
كان الأول رجلًا ضخمًا يغطي جسده درع يشبه صدفة الخنفساء.
أما غريغور نفسه، فكان الشخص الثاني.
قالت فولتلاين: «أنت ونيوتر، كما تعرفان بالفعل، لستما الوحيدين. على نحو متواصل، يظهر باراإنسانيون في أنحاء أمريكا الشمالية. يعاني جميعهم من فقدان الذاكرة الرجعي، ويحملون الوشم نفسه الذي تحمله أنت، في مواضع مختلفة من أجسادهم. وقد تُرك كل واحد منهم في مكان منعزل داخل منطقة حضرية؛ في الأزقة أو الخنادق أو فوق أسطح المباني أو تحت الجسور».
«نعم».
قلب غريغور المزيد من الصفحات. كانت كل مجموعة منها تعرض أشخاصًا آخرين يشبهونه.
تابعت فولتلاين: «لكن إليك الأمر. في البداية، كان معظمهم غريبي المظهر. أربعة من كل خمسة تقريبًا من الباراإنسانيين المشوهين، إن سمحت لي باستخدام هذا الوصف، يتبعون النمط نفسه. وربما ترتفع هذه النسبة لو أتيحت لنا فرصة فحص الآخرين أو إجراء مقابلات جيدة معهم. الوشم نفسه، وفقدان الذاكرة، وأول ذكرياتهم هي الاستيقاظ في مكان ما داخل مدينة غريبة».
سأل غريغور: «قلتِ في البداية؟ هل تغير الأمر؟»
«اقلب إلى الصفحة ذات العلامة الحمراء».
وجد العلامة الحمراء البارزة بين الصفحات، وفتح الصفحة التي تشير إليها. كانت هناك صورة عالية الجودة لفتاة جميلة ذات شعر أحمر.
قالت فولتلاين: «ظهرت في لاس فيغاس. لقد انهار نشاط الكازينوهات تقريبًا منذ ظهور باراإنسانيين قادرين على التلاعب بالاحتمالات أو الغش. لكن ألعاب القمار السرية ما زالت موجودة. شاركت في بعضها، وخلال بضعة أيام فقط أصبح هناك من يرصد مكافأة لمن يقبض عليها. تطلق على نفسها اسم شامروك، وأنا مستعدة للمراهنة بمبلغ كبير على أنها تمتلك قوى تسمح لها بالتلاعب بالاحتمالات».
«أفهم. ولماذا نتحدث عنها؟»
«الصفحة التالية».
قلب الصفحة.
«آه».
كانت صورة مشوشة التقطتها كاميرا مراقبة. ظهرت شامروك وهي تبدل ملابسها في موقف سيارات تحت الأرض، وكان الوشم ظاهرًا على لوح كتفها، رغم أن حمالة صدرها حجبت جزءًا منه.
رمز يشبه حرف «u» مزخرفًا.
قالت فولتلاين: «هذه هي القطعة الأولى من الأحجية. إذا نظرت إلى التواريخ، ويمكنك مراجعتها بنفسك متى شئت، فستلاحظ أن الأشخاص الذين يظهرون حاملين هذه الأوشام، وفقًا لتواريخ أول مشاهدة لهم، يصبحون أقل تشوهًا عامًا بعد عام. ليس دائمًا، لكنه اتجاه واضح. ثم فجأة، تظهر شامروك. لا توجد فيها أي سمات جسدية غريبة تستحق الذكر».
قلب غريغور عدة صفحات أخرى.
«القطعة الثانية من الأحجية. أخشى أن الأمر يتعلق بإحدى الحالات التي جرى فيها إخفاء الحقائق بإحكام شديد، بحيث لا نستطيع التحقق منها، لكنني سأخبرك بما سمعته. قبل ثلاثة أشهر فقط، انتشرت شائعة في تالاهاسي بولاية فلوريدا عن شخص يطلق على نفسه اسم الموزّع».
«ماذا كان يوزع؟»
«القوى».
ردد غريغور: «القوى؟»
«تدفع له مبلغًا يقارب خمسة وثلاثين ألف دولار، فيعطيك الموزّع شيئًا لتشربه، ثم تنضم إلى صفوف الأبطال والأشرار في مجتمع أصحاب الأزياء الخارقة. قوى داخل زجاجة».
«أفهم. وما علاقة هذا بالأمر؟»
«لأن شخصًا واحدًا على الأقل ادعى أنه زبون نشر تدوينة في مدونة عن الصفقة التي عقدها معه. ستجدها قرب نهاية الملف. وصف الموزّع في تدوينته وهو يحمل حقيبة معدنية مليئة بالقوارير. وعلى الجانب الداخلي من غطاء الحقيبة كان منقوشًا…»
خمّن غريغور: «الرمز نفسه الموجود على الوشم؟»
أومأت فولتلاين.
«وهذا كل ما لدينا حتى الآن».
«أفهم. هل يمكننا تعقب صاحب المدونة؟»
«إنه ميت. قتله اثنان من أصحاب القوى الخارقة مجهولي الهوية بعد أقل من يوم على نشره التدوينة».
«آه».
قالت فولتلاين: «أعتقد أن هناك شخصًا ما اكتشف طريقة حصول الناس على القوى، وحوّل هذا الاكتشاف إلى عمل تجاري. لكن المحاولات الأولى لم تسر على ما يرام. من المحتمل أنه إذا كانت التركيبة الكيميائية غير صحيحة، فإن الأشخاص الذين يشربون ذلك المزيج يصبحون مثلك، أو مثل نيوتر، أو مثل سيبيل وسكاراب».
قال غريغور: «إذًا، تعتقدين أن هذا الشخص، أو هؤلاء الأشخاص، يجرون تجارب. لقد حسّنوا عملهم تدريجيًا، وأصبحت التغييرات الجسدية أقل وضوحًا».
«وهذا الموزّع إما كان مندوب مبيعاتهم، أو، وهو الاحتمال الأرجح، شخصًا سرق بعض منتجاتهم وحاول تحقيق الربح منها. الأشخاص الذين باعهم تلك المنتجات لم يحصلوا على الأوشام».
أصدر كرسي غريغور صريرًا مؤلمًا عندما اتكأ إلى الخلف.
«ما الخطوة التالية؟»
«لم يرَ أحد الموزّع أو يسمع عنه شيئًا منذ مقتل صاحب المدونة. إما أنه مات، أو أنه اختفى عن الأنظار. لذا سنتبع الخيط الآخر. لقد استعنت بمحققين خاصين للبحث عن شامروك. أفكر في أن ننهي عقدنا مع كويل هنا، ثم، إذا حالفنا الحظ وعثر محققونا عليها قبل صائدي المكافآت، نزورها. إما أن تخبرنا بشيء، أو أن نعرض عليها الانضمام إلى الفريق».
قال غريغور: «أو الأمرين معًا».
ابتسمت فولتلاين.
«هذا هو السيناريو المثالي».
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.