وورم — الفصل 7.7: الطنين
كانت بيوريتي تحلّق فوق الأرصفة، أشبه بذبابة مضيئة ضخمة أمام خلفية من السماء الزرقاء الرمادية. ثم توقفت فوق مبنى لم يكتمل بناؤه وتُرك مهجورًا، تتدلى من وسطه رافعة صغيرة. كان مبنى عرفته على الفور: مكان بيتش، مأواها المرتجل للكلاب.
«برايان!» ناديت. «تعال وشاهد هذا!»
حاول المصوّر تقريب الصورة والتركيز على بيوريتي، لكنه لم يفعل سوى زيادة تأثير الوهج الضوئي الذي كان يحيط بها.
ثم أعاد الكاميرا إلى وضعها الطبيعي في اللحظة المناسبة تمامًا ليرى ما ستفعله.
لم تكن أشعة الضوء التي انطلقت من كفها مستقيمة. كان فيها شيء من الالتواء، إذ تشكّلت على هيئة لولب مزدوج غير منتظم. وكانت النتيجة شعاعًا أعرض من طول بيوريتي نفسها، مزّق المبنى وأسقط الرافعة على أحد الجدران. ثم وجّهت الضوء نحو الجدران الأخرى، فمحَتها تمامًا.
لم يستغرق الأمر منها دقيقة واحدة حتى سوّت المبنى بالأرض، وسحقت كل جزء من هيكله كان يرتفع فوق مستوى الرصيف.
توقفت للحظة، معلّقة وسط الغبار والجزيئات الضوئية التي خلّفتها قدرتها. ثم استدارت وأطلقت النار على أقرب مبنى تالٍ، موجّهة شعاعًا أصغر وأكثر تركيزًا إلى إحدى الزوايا حيث يلتقي المبنى بالأرض. أصابت الزاوية التالية، ثم مرّرت عمود الضوء المتذبذب عبر الطابق الأرضي، محطّمة كل الدعامات الموجودة داخله. انهار المبنى بطريقة فوضوية، بينما راحت جدرانه الطوبية تتساقط وتتصاعد أعمدة الغبار من حوله.
لم يكن المبنى قد انتهى حتى من السقوط قبل أن تبدأ العمل على المبنيين التاليين، مخصّصة شعاعًا لكل واحد منهما.
«هل كان هناك أشخاص بالداخل؟» سألت، وقد أصابني الرعب من الفكرة ومن قدرة هذه المرأة على فعل ذلك. «وماذا عن المباني الأخرى؟»
كان برايان يقف خلف أريكته يراقب المشهد.
«ربما كان هناك أشخاص، وربما لا يزال هناك آخرون.»
تغلّبت حاجتي إلى الإسراع على شعوري بالخجل. نهضت وخلعت الجزء العلوي من ملابسي، فلم يبقَ عليّ سوى حمالة الصدر، وحرصت على أن أبقي ظهري مواجهًا لبرايان. ثم نزعت السترة التي كنت قد ربطتها حول خصري، وفككت أكمام الجزء العلوي من زيّي.
«ماذا تفعلين؟»
«أستعد.» أدخلت ذراعي في أحد الكمّين، وبدأت أُدخل أصابعي في القفاز.
دار برايان حول الأريكة، فسارعت إلى رفع النصف العلوي من زيّي وضمّه إلى صدري لأستر نفسي. وضع يديه على كتفيّ العاريتين، وضغط بقوة كافية لإعادتي إلى وضع الجلوس. امتثلت، لكن بجفاء وتردد.
سحب يديه بسرعة أكبر قليلًا مما كان سيفعل قبل يوم أو يومين، ثم دسّهما في جيبيه. حدّبت كتفيّ إلى الأمام بحرج.
أخذ برايان نفسًا عميقًا.
«ليس من واجبك.»
«إنهم يفعلون هذا بسببنا.» عدّلت قبضتي على الجزء العلوي من زيّي لأحرر إحدى يدي، وأشرت بها نحو التلفاز. كان المصوّر يتراجع مبتعدًا عن المكان، والصورة تهتز مع حركة الكاميرا. أما الشرارة الضوئية التي تمثل بيوريتي، فكانت تتحرك في اتجاهه تقريبًا بينما تواصل تسوية المزيد من المباني بالأرض.
«بسبب كويل، لا بسببنا. الأبطال هم من سيتولون الأمر»، ردّ برايان.
«قد يكونون يؤذون أشخاصًا أبرياء.»
«بالنظر إلى نوع هؤلاء الأشخاص، فأنا متأكد تقريبًا من أنهم يؤذون الأبرياء منذ وقت طويل.»
استدرت ونظرت إلى برايان بعبوس.
«أنت تعرف ما أقصده. نحن…»
«الأندرسايدرز. منظمة الحماة. انتبهوا.»
قاطع صوت امرأة حديثنا.
أدرنا رأسيْنا نحو شاشة التلفاز مجددًا. أظهرت الكاميرا وهجًا ساطعًا لم يكن بالإمكان تمييزه إلا بصعوبة على أنه وجه. ثم تغيّرت زاوية التصوير، وسمعتها تأمر:
«أبقِها ثابتة.»
استقرت الكاميرا وركّزت على وجه بيوريتي من مستوى الأرض، وهي تنظر إلى الأسفل. خمّنت أن المصوّر كان مستلقيًا على الأرض.
«لقد أخذتم مني أهم شيء في العالم.» كان صوتها خاليًا من أي انفعال، جامدًا تمامًا. «وإلى أن تعيدوه إليّ، لن يتوقف هذا. سأمزّق هذه المدينة قطعةً قطعة حتى أعثر عليكم أو تأتوا لإيقافي. سيقتل مرؤوسِيّ أي شخص، بل الجميع، إلى أن تُحلّ هذه المسألة. لا يهمني إن كانوا أنقياء جينيًا أم لا. من لم يتحالف معنا بالفعل، فقد أضاع فرصته.»
انحنت لتلتقط الكاميرا. وبينما كانت الصورة تتمايل بعنف، قالت بيوريتي:
«نايت، فوغ. أريانا ما تستطيعان فعله.»
استقرت الكاميرا، وأصبحت موجّهة نحو رجل وامرأة يرتديان زيّين رماديًا وأسود، على التوالي، يتضمنان قلنسوتين وعباءتين. وخلفهما وإلى جانبهما وقف شاب شاحب بشكل غير طبيعي، ذو شعر أبيض.
تبخّر الرجل ذو الزي الرمادي، وتحول إلى سحابة ضبابية بيضاء رمادية أخذت تتدحرج باتجاه الكاميرا. حلّقت بيوريتي مبتعدة، وارتفعت فوق المشهد، مع إبقاء الكاميرا موجّهة نحو المصوّر. ومع ارتفاع الكاميرا واتساع زاوية الرؤية، استطعت رؤية كروسايدر على أحد الجوانب، مستندًا إلى جدار وذراعاه متقاطعتان.
بينما كان الضباب يحيط بالمصوّر، تقدّمت نايت واختفت داخله. حدث الأمر في توقيت خاطئ؛ كان سريعًا أكثر مما ينبغي بعد دخولها الضباب. انطلقت صرخة ممزقة، ثم تطاير الدم من داخل الضباب، ليرسم عشرات، بل عشرات وعشرات، من الرشّات القرمزية الطويلة على الطريق المحيط.
تحرك الضباب كما لو كان يمتلك عقلًا خاصًا به، ثم تكاثف حتى اتخذ شكل الرجل مجددًا. وعندما اكتمل تجسّده، لم يبقَ سوى بضع بقع من الدم على بعد ست خطوات تقريبًا من المكان الذي سقطت فيه الجثة، بينما كانت نايت واقفة في منتصف الطريق. لم تبقَ جثة، ولا ملابس، ولا دماء في المكان الذي مرّ منه الضباب.
«نحن لسنا عصابة ABB»، قالت بيوريتي، دون أن تكلف نفسها عناء إعادة توجيه الكاميرا نحوها. «نحن أقوى، سواء من حيث القدرات أو العدد. لدينا الانضباط، وبفضلكم لم يعد لدينا ما نخسره. سأستعيد ابنتي، وسنحصل على تعويضنا.»
أسقطت بيوريتي الكاميرا، فبدأت الصورة تدور ببطء بينما كانت الكاميرا تهوي نحو الأرض. لمحت لمحة خاطفة من أثر الضوء الذي تركته وراءها وهي تغادر، قبل أن تصطدم الكاميرا بالأرض وتنطفئ شاشة التلفاز. وبعد لحظة، ظهر شعار «BB4 News» على خلفية زرقاء.
«تبًا»، قال برايان.
«حسنًا. إن لم تكن ستذهب لمواجهتهم لإنقاذ الناس…» لم أستطع إخفاء كل المرارة في صوتي. «فربما ستفعل ذلك من أجل سمعتنا، بعدما تحدّونا علنًا هكذا؟»
«الأمر ليس كذلك… تايلور، أنا أيضًا لا أريد أن يتعرض الناس للأذى أو يُقتلوا. لست شريرًا يسعى إلى إيذاء الناس. أنا فقط أحاول أن أكون عمليًا.»
«لم تجب عن سؤالي. ماذا سنفعل الآن بعد أن سمعنا ذلك؟»
«سنتصل بليزا. أو ستتصلين أنت بها، بينما أعتني بأذنك.»
أومأت. انتهزت الفرصة لارتداء الجزء العلوي من زيّي مجددًا، بينما أحضر هو حقيبة الإسعافات الأولية، والتقطت هاتفي المحمول. استخدم برايان محلولًا ملحيًا وقطعة قطن مبللة لمسح المنطقة المحيطة بأذني، واتصلت بليزا. أجابت من الرنة الأولى.
«ليمون J»، قلت لها.
«نحلة S»، ردّت. «لا يوجد خطر مباشر، لكن الوضع لا يبدو جيدًا؟»
«صحيح»، أجبت.
أبعد برايان قطعة القطن. كانت حمراء مائلة إلى الوردي، وعليها قشور من دمي الجاف. ثم جهّز قطعة أخرى لمواصلة تنظيف الجرح.
«هل رأيتِ ما حدث على التلفاز؟» سألتها. «انتظري، سأضعك على مكبر الصوت حتى يسمعك غرو.» استخدمت اسمه الحركي من أجل الأمان. عبثت بأزرار الهاتف حتى فعّلت وضع مكبر الصوت.
جاء صوت ليزا مكتومًا ومعدنيًا عبر مكبر الصوت منخفض الجودة.
«بيوريتي؟ نعم، رأيت المقطع على التلفاز. حسب ما تمكنت من معرفته، دخل موظفو خدمات حماية الأطفال ومعهم مجموعة من أصحاب الأزياء الخارقة إلى منزلها، وخرجوا بطفلتها بينما كانت في العمل، قبل أن تتاح لها حتى فرصة سماع خبر البريد الإلكتروني. لقد استيقظت غريزة الأم الدبّة لديها.»
«تاتلتيل»، تحدث برايان، «هل تحدثتِ مع كويل؟»
«يقول كويل إنه أخبر كايزر بصراحة أنه المسؤول عن رسائل البريد الإلكتروني. وأنا أصدقه. إذا كانت بيوريتي ومرؤوسو كايزر الآخرون لا يعرفون، فإما أن كايزر لم يرَ ضرورة لإخبارهم، أو أنه يتعمد إبقاءهم في الظلام.»
«ماذا؟ ولماذا قد يفعل ذلك؟» رفعت الهاتف أقرب إلى فمي لأطرح السؤال عليها.
أجاب برايان نيابةً عن ليزا:
«الأمر منطقي بطريقة ملتوية. إنه يترك رجاله يعتقدون أننا المسؤولون، بينما تتجه مجموعة بيوريتي لمهاجمتنا ومهاجمة منظمة الحماة. هوك وولف يكرهنا أصلًا بسبب بيتش، لذا فهو يسايرهم. يسمح كايزر لهم بالتعامل معنا، بكل ذلك الغضب والكراهية والتعذيب والقتل والتشويه بلا أي قيود، الناتج عن اعتقادهم أننا المسؤولون. وعندما نتخلص منهم، أو عندما يصبح الوقت مناسبًا، يخبرهم بالحقيقة ويوجه عطشهم للدماء نحو كويل. لن يكون رجاله أكثر رعبًا أو وحشية مما هم عليه الآن. فلماذا لا يستغل ذلك إلى أقصى حد؟»
«ألا تنهار هذه الخطة إذا اعترف كويل علنًا، أو أمام أعضاء إمبراطورية الثمانية والثمانين، بأنه المسؤول؟» سألت.
«بلى»، أجاب صوت ليزا المكتوم. «لكن كويل لن يفعل ذلك. لقد كان مستعدًا للتحدث إلى كايزر والاعتراف له شخصيًا وجهًا لوجه، لكن اتباع طريق أكثر علنية قد يسلط الأضواء عليه ويجذب الانتباه إلى شخصه، وهو لن يفعل ذلك. أظن أن كايزر يعرف هذا ويأخذه في الحسبان.»
«إذًا، ما الخطوة التالية؟» سألت. «أعتقد أنه ينبغي لنا التدخل بطريقة ما، لكن برايان كان يرى أننا يجب أن نواصل التزام الهدوء والابتعاد عن الأنظار. على الأقل قبل أن تقول بيوريتي ما قالته. لست متأكدة إن كان قد غيّر رأيه الآن.» ألقيت عليه نظرة.
«لم أغيّر رأيي»، قال برايان بصوت مرتفع بما يكفي ليلتقطه الهاتف. ثم وضع مرهمًا على أذني، فتكشّرت من الألم. «آسف.»
لم أكن متأكدة إن كان اعتذاره بسبب موقفه في النقاش أم بسبب العلاج الطبي.
«وفقًا للأخبار ومصدري الداخلي، أمم…» قالت ليزا، مشيرة إلى قدرتها. «لم تتوقف بيوريتي. إنها تشن غارات خاطفة عبر منطقة الأرصفة. تتحرك بسرعة لا يستطيع مجاراتها سوى دونتلس أو فيلوسيتي، وتضرب بقوة تفوق قوة الاثنين مجتمعين. لقد أسقطت أربعة مبانٍ أخرى بينما كنا نتحدث، وأنا شبه متأكدة من ذلك. كم من الوقت سيمر قبل أن تصادف مبنانا الآمن وتسقطه؟»
ضمّ برايان شفتيه.
«وهي تقود مجموعة فرعية خاصة بها داخل إمبراطورية الثمانية والثمانين، لذا أراهن أن فوغ ونايت وألباستر وكروسايدر يجوبون الشوارع ويفعلون ما يحلو لهم. لا أعرف رأيكم، لكن لدي أصدقاء في حيّنا. وأنا لا أقبل هذا إطلاقًا.»
تنهد برايان.
«حسنًا. سنذهب. لكن لا مواجهة مباشرة قبل أن نضع خطة، وبالتأكيد ليس قبل أن نجمع مجموعتينا مجددًا. أين أنتم؟»
أجابت ليزا: «نحن متحصنون في الجانب البعيد من ساحة القطارات، مع الكلاب. إنه مكان جيد، أفضل من المبنى الذي هدمته بيوريتي. لا أعرف لماذا كانت متمركزة هناك بدلًا من هنا.»
سمعت صوتًا في الطرف الآخر، ربما كان صوت بيتش، لكنني لم أتمكن من تمييز الكلمات.
«إذًا، هل نلتقي؟» سألت ليزا.
«سنلتقي»، أجاب برايان. «سأتصل بكويل لأطلب منه سيارة، ولأطرح عليه بضعة أسئلة وأسمع بنفسي أنه تحدث إلى كايزر. والوقت الذي ستستغرقه السيارة للوصول سيمنحني فرصة لخياطة جرح سكيتر.»
تكشّرت من الألم.
«ترميم جرحها؟ لماذا؟»
«هذا ليس مهمًا في الوضع الحالي. سنشرح لاحقًا»، قال.
«إلى ذلك الحين، اعتني بنفسك يا سكيتر.» أنهت ليزا المكالمة.
رفع برايان الإبرة والخيط.
«دعيني أعتذر مقدمًا.»
■
«تشاهد الأطفال وهم يتعرضون لشدّ آذانهم في الأفلام والتلفاز طوال الوقت. لكن ما لا يعرضونه هو كم يؤلم ذلك اللعين.» لمست الجزء من قناعي الذي يغطي شحمة أذني المضمدة. كانت تنبض بالألم، ويرجع ذلك جزئيًا إلى ما فعله برايان بها.
«فقط اتركيها وشأنها. سيبدأ مفعول المسكنات قريبًا.»
«حسنًا.»
جلسنا في صمت لبضع لحظات. حدّقت من النافذة الصغيرة في مؤخرة المركبة. كانت السيارات المتجهة في الاتجاه الذي نسلكه قليلة جدًا.
كان الجزء الداخلي من المركبة التي دبّرها كويل لنا مليئًا بالمعدات الطبية. كان هناك سرير نقال جلست عليه، وسرير نقال آخر أصغر حجمًا، يمكن تفكيكه وإعادة تركيبه حسب الحاجة، مثبت قرب السقف. كانت المساحة الداخلية محشوة بكفاءة بالمستلزمات الطبية: أسطوانة أكسجين تحت المقعد الذي جلس عليه غرو، وجهاز لمراقبة نبضات القلب، وسترات نجاة، وأنابيب بأشكال وأحجام مختلفة، وخزائن وأدراج تحتوي على الحبوب والجبائر والضمادات.
كانت، من جميع النواحي الظاهرة، سيارة إسعاف حقيقية. لم أستطع الجزم إن كانت سيارة إسعاف أصلية أضاف كويل إليها حجرات إضافية للأسلحة وحشراتي، أم أنه صنع المركبة من الصفر لتستوعب إضافاته.
تباطأنا، فمال غرو نحو مقدمة سيارة الإسعاف.
«ما الذي يعطلنا؟»
أجاب السائق: «هناك حاجز تفتيش أمامنا.» كان هو والمرأة الجالسة في مقعد الراكب من رجال كويل، ويرتديان زيّ المسعفين. «لا مشكلة.»
ضغط مفتاحًا، فانطلقت صفارة الإنذار بصوت مدوٍّ. وبعد ثوانٍ، زاد سرعة المحرك وتابع السير دون صعوبة. نظرت من النافذة الخلفية، فرأيت صفًا من سيارات الشرطة وشاحنات هيئة الاستجابة للباراإنسان خلفنا، تتحرك لإغلاق الفجوة التي فتحوها للتو في تشكيلهم.
«مرحبًا، هل أنت بخير؟» سألني غرو. كان يرتدي زيّه، وقد وضع خوذته وأغلق واقي الوجه.
«همم؟»
«أشعر بأنك غاضبة.»
«إذا كنت غاضبة من أي شخص بسبب ما حدث خارج المركز التجاري، فأنا غاضبة من نفسي. هل يمكننا أن ننسى ذلك الموضوع إلى الأبد؟ وكأنه لم يحدث قط؟»
«لا، لا. أقصد، هل أنت غاضبة لأنني لم أقفز من مقعدي فورًا لأقاتل إمبراطورية الثمانية والثمانين، قبل أن نعرف كل ما هو على المحك؟»
«آه…» احمرّ وجهي، ونبضت أذني استجابة لاندفاع الدم إليها. كدت أركل نفسي من الغباء. «بصراحة، لا أعرف. لم أكن أتوقع ذلك. أرى الجهد الذي تبذله للاعتناء بأحد أفراد… عائلتك، وأعتقد أنك شخص يتحلى بقدر كبير من الشرف، أتعرف؟» كان الحديث يقترب أكثر مما أحب من تلك المحادثة التي لا ينبغي التطرق إليها. تعمدت ترك الفكرة معلّقة دون إكمالها.
حكّ غرو مؤخرة عنقه.
«لست متأكدًا من أنني شخص جيد بالقدر الذي تصوّرينني به…»
هزّ اصطدامٌ سيارة الإسعاف بعنف، فقذف غرو من مقعده وكاد يقلبني رأسًا على عقب. انحرفت سيارة الإسعاف عن سيطرة السائق، ثم مالت واستقرت على جانبها، دافعة غرو نحو الجانب السفلي من النقالة التي كنت أجلس عليها. وانفلت السرير النقال الاحتياطي، إلى جانب محتويات الأدراج والخزائن المحيطة بنا، وتبعثرت في كل مكان.
«اللعنة!» شتم السائق. «اللعنة، تبًا!»
حررت نفسي من الأنابيب ونصف السرير النقال الذي سقط فوقي، ثم زحفت نحو المقدمة لألقي نظرة من بين المقعدين الأماميين.
لم يكن شكله مختلفًا كثيرًا عن كلاب بيتش من حيث البنية العامة. ربما كان أكبر قليلًا أيضًا، لكن كان من الصعب الجزم بذلك. كان أجوف، وأطرافه أنحف من أطراف الكلاب. ولم أستطع تحديد الحد الفاصل بين ما يشكل «لحم» جسده وما لا يشكله، لأن الكائن بأكمله كان دوامة صاخبة من المناشير ذات الشفرات المسننة والخطافات والرؤوس المدببة، تتزاحم وتتحرك حول بعضها، وترتفع وتنخفض بسرعة تفوق قدرة العين على تتبعها. ومع ذلك، حافظ على شكل رباعي الأرجل بصورة عامة، مع ذيل وخطم طويل.
كان يسير على جانبيه شخصان. رجل طويل شاحب، يمتلك ذلك الجسد الضخم المليء بالعضلات الذي لا تراه إلا لدى المجرمين ولاعبي كمال الأجسام. كان يرتدي سروالًا أسود ممزقًا حول قدميه، وسلاسل ملتفة حول ساعديه ويديه وربلتي ساقيه، وقناع نمر أزرق وأبيض. وعلى الجانب المقابل للوحش المعدني، كانت هناك فتاة في العشرينيات من عمرها، ذات بنية جسدية تشبه لاعبات الجمباز، وندوب تتقاطع فوق جلدها المكشوف. كان شعرها محلوقًا على هيئة قصة قصيرة شقراء مبيّضة، ووجهها مغطى بقفص معدني.
ذابت دوامة القطع المعدنية الخطرة، وتراجعت كل الخطافات والشفرات إلى جلد الرجل الموجود في مركز صدر ذلك الكائن. ومع انكماش ساقيه الأماميتين داخل كتفيه، هبط إلى وضع القرفصاء في الشارع. كان يرتدي قناع ذئب مصنوعًا من صفائح معدنية ثُنيت بشكل بدائي لتأخذ شكلًا يشبه الذئب، ويحيط به شعر أشقر طويل ودهني.
هوك وولف.
كانت الشائعات تقول إن هوك وولف، في الماضي، كان أحد أفضل المقاتلين في حلبة قتال للباراإنسان في نيويورك. لكنه أصبح جشعًا، فقتل الرجل الذي كان يدير الحلبة ليتمكن من الوصول إلى الخزنة التي تحتوي على أرباح تلك الليلة، وصنع لنفسه عددًا كبيرًا من الأعداء في أثناء ذلك. وكانت مجموعة من المتعصبين لتفوق العرق الأبيض في تلك المنطقة هي من وفرت له المأوى والدعم، إذ كانوا سعداء بالوقوف إلى جانبه لأن الرجل الذي قتله كان «هدفًا مقبولًا». ربما كانت أيديولوجيته حقيقية منذ البداية، وربما كانت مجرد تمثيل تحول إلى حقيقة عندما اكتشف أنه يستمتع برؤية الناس يحتفون به كلما أطلق العنان لأكثر نزواته انحرافًا وزاد عدد ضحاياه. وفي كلتا الحالتين، كنت أظن أن هناك القليل من الأشياء التي قد يمتنع عن فعلها من أجل «إمبراطوريته» في الوقت الحاضر.
أما ستورمتايغر، الرجل الذي يرتدي السلاسل وقناع النمر، وكريكيت، الفتاة، فيبدو أنهما ينتميان إلى الدوائر نفسها التي كان هوك وولف جزءًا منها ذات يوم، أي دوائر مقاتلي الباراإنسان المحترفين. لم أستطع حتى تخمين دوافعهما لاتباعه، لكنني أفترض أن ذلك لم يكن مهمًا على أي حال. كان هوك وولف خطيرًا بما يكفي بمفرده. فماذا لو كان برفقة أصدقائه؟
«علينا الهرب»، تمتمت.
كان هوك وولف ورفيقاه يديرون ظهورهم لنا، ويسيرون باتجاه حاجز الشرطة. قبض ستورمتايغر يديه، فتموّج الهواء حولهما، ثم تكاثف وتحول إلى نصف دزينة من الشفرات الشاحبة الشفافة التي برزت من كل يد.
قال السائق: «لدينا أسلحة. يمكننا إطلاق النار عليهم من الخلف.»
«لا»، قال برايان. «لن يؤثر ذلك في هوك وولف، وأظن أن كريكيت وستورمتايغر قادران على التعامل مع الأمر بطريقة ما، وإلا لما تجرآ على السير نحو رجال الشرطة بهذه الجرأة. سكيتر محقة. علينا الانسحاب. مستعدون؟»
غطّى غرو الأبواب الخلفية لسيارة الإسعاف بالظلام لكتم الصوت، بينما فتحها بحذر ليغطي الخارج بالظلام أيضًا. ثم تراجعنا نحن الأربعة من سيارة الإسعاف دون إصدار أي صوت.
غمر غرو الحي بأكمله بالظلام، ونشرت حشراتي من المنطقة المحيطة ومن الحجرات الموجودة داخل سيارة الإسعاف، لتتبع أثر الظلام. وزعتها على مسافات متباعدة لتغطي الأرض والأشياء الأخرى المحيطة بنا، مانحةً إياي إحساسًا بسربي بمحيطي. أمسكت بيد المرأة التي كانت ترتدي زي «المسعفة»، وسحبتها بعيدًا عن منتصف الشارع باتجاه الرصيف. وجلب برايان السائق في الاتجاه نفسه تقريبًا.
شعرت حشراتي بأن أحدهم يلاحقنا بسرعة. لم يكن لدي وقت للابتعاد عن طريقه وإرشاد المسعفة المزيفة التابعة لكويل إلى بر الأمان في الوقت نفسه، لذا دفعتها في اتجاه وقفزت في الاتجاه الآخر. قفز الرجل إلى المساحة التي أخليناها، وشعرت باندفاع الهواء وهو يجعل شعري يتطاير حول وجهي.
حدث نوع من الانفجار، موجة هواء قوية بما يكفي لرفعي عن الأرض ودفع جزء كبير من ظلام غرو بعيدًا. وقف ستورمتايغر في مركز المنطقة التي انكشف فيها المشهد، وهو يعيد تشكيل «المخالب» الشفافة حول يده اليسرى المرفوعة.
استخدم إحدى الشفرات الشفافة في يده للنقر على جانب أنف قناع النمر الذي يرتديه، بينما استدار لينظر إليّ من الأعلى. وعندما تحدث، كان صوته أعمق من صوت برايان.
«لا أحتاج إلى رؤيتك يا حلوتي.»
بدأت أكره الحواس المعززة أكثر فأكثر.
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.