وورم — الفصل 7.8: الطنين
رفع ستورمتايغر إحدى يديه في الاتجاه الذي أتى منه، وأطلق دفعة من الرياح شقّت طريقًا عبر ظلام غرو، كاشفةً عن هوك وولف وكريكيت.
«يا للمصادفة!» ضحك هوك وولف وهو ينظر إليّ من الأعلى. «نقرر مهاجمة الحواجز وتجنب الوقوع في الحصار كما حدث مع عصابة ABB، فنصادفك أنتِ؟»
«لا نبحث عن شجار»، أخبرته.
زمجر هوك وولف، وكأنه لا يرى أن كلماتي تستحق الرد.
«ستورمتايغر، اعثر على بقية أفراد مجموعتها.»
«لا أستطيع»، أجاب ستورمتايغر من مكانه فوقي. «لا أشم رائحتهم.»
«لقد شممت رائحتها.»
«وشممت رائحة الشخصين اللذين يرتديان زيّ المسعفين في سيارة الإسعاف. الآخر ينزف، ويجلس قرب سيارة الإسعاف في مكان ما هناك. أما فتى الظلام، فلم يعد موجودًا هنا، وإلا لكنت قادرًا على شم رائحته.»
كان مخطئًا. استطاعت حشراتي الإحساس بوجود غرو هناك. وإذا كان السائق قد أُصيب، فقد يفسر ذلك سبب تأخر غرو عن اللحاق بنا. لكن ستورمتايغر لم يستطع شم رائحة غرو؟
استدار هوك وولف نحوي.
«فتاة الكلاب. أين بيتش؟»
«ليست هنا.»
«أعرف ذلك»، زمجر.
تحولت يده إلى كتلة فوضوية من السكاكين والخطافات ورؤوس الرماح، ثم تبلورت من جديد على هيئة مخلب ضخم، أصابعه بطول جذعه. حرّكها وجرب ثنيها. كيف يمكن حتى تصنيف قدرة كهذه؟ تغيير شكل حركي للمعادن؟
زحفت إلى الخلف بضعة أقدام، محاولة الحفاظ على مسافة بيننا. مدّ ستورمتايغر يده وأوقف تراجعي بيده المغطاة بالشفرات.
نظرت إلى ستورمتايغر وقلت:
«لقد افترقنا في وقت سابق من اليوم. كان لدى أحد أفراد مجموعتنا مصدر للمعلومات، وسمعنا عن البريد الإلكتروني في الوقت نفسه الذي سمعته فيه محطات الأخبار والصحف. قررنا أن الأفضل هو الابتعاد عن الأنظار، تحسبًا لأي طارئ.»
لم يكن هناك ضرر من الاعتراف بهذا القدر.
زمجر قائلًا: «لا أصدقك. هذا لا يفسر سبب وجودك هنا.»
«ذلك لأن…»
توقفت عندما استدار الاثنان مبتعدين عني. كانت «المسعفة» التي تقف على بعد بضعة أقدام من ستورمتايغر قد انطلقت هاربة، وهي تسحب مسدسًا بينما تركض نحو أقرب رقعة من الظلام. وعندما اقتربت من وجهتها، استدارت في مكانها، ورفعت مسدسها لتطلق النار على ستورمتايغر وهوك وولف.
لم يُبدِ هوك وولف أي رد فعل يُذكر بينما اخترقت الرصاصات صدره، وحتى ذلك كان مجرد استجابة حتمية لقوة الطلقات. أما ستورمتايغر، فرفع إحدى ذراعيه كما لو كان يحاول حماية نفسه، لكن الرصاصات كانت قد انحرفت عن مسارها قبل أن تصيبه، تاركةً وراءها ثلاثة مسارات ضبابية في الهواء عند نقاط انحرافها.
«تولّي أمرها يا كريكيت»، قال هوك وولف، واضعًا يده على عظمة الترقوة حيث أصابته إحدى الرصاصات.
اندفعت الفتاة ذات الندوب وقصة الشعر القصيرة إلى الأمام، ومدّت يدها خلف ظهرها لتسحب سلاحين يشبهان المنجلين، لا يتجاوز طول كل منهما طول ساعدها تقريبًا.
استدار جندي كويل ليطلق النار على الشريرة القادمة، لكن كريكيت انحنت إلى اليمين، ثم تفادت الطلقات إلى اليسار بالتزامن مع أصوات إطلاق النار. تقلصت المسافة بينهما بسرعة. لم أرَ ما حدث بعد ذلك، إذ اختفى جندي كويل داخل الظلام، ولحقت به كريكيت.
استدار هوك وولف نحوي مجددًا.
«كفؤة بشكل يثير الشك بالنسبة إلى سائقة سيارة إسعاف. أنا متأكد تمامًا من أنها واحدة من رجال كويل. ماذا تفعلين معها؟»
لم أجب.
تفاعلت حشراتي مع صوت غريب قادم من اتجاه كريكيت وامرأة كويل، لكنني لم أستطع سماعه بنفسي. كانت قدرة غرو تفعل أشياء غريبة بالأصوات. وكان لدي ما يشغلني أكثر من ذلك.
أنزل هوك وولف يده إلى جانبه، ورأيت كيف اخترقت الرصاصة جلده، لكنها لم تتمكن من التقدم أكثر من الشبكة المعدنية المتشابكة التي كانت تحل محل عضلاته. ابتسم.
«كنت آمل ألا تجيبي. فهذا يعني أننا سنتمكن من استجوابك.»
خيارات، خيارات… ما الخيارات المتاحة أمامي؟
الحشرات؟ كانت موجودة في كل مكان، لكنني شعرت بأن هوك وولف لن يتأثر كثيرًا حتى لو أغرقته بسربي، كما أن ستورمتايغر يمتلك نوعًا من التحكم بالهواء، وهو ما سيكون فعالًا جدًا ضد الحشرات خفيفة الوزن.
سكين؟ هراوة؟ لم يكن أي منهما أفضل بكثير. هؤلاء الرجال يجيدون القتال بالأيدي. أما أنا، فلا.
أين كان غرو؟
مددت إحساسي بقدرتي، فعثرت عليه عند مؤخرة سيارة الإسعاف مع السائق. أيًا كان ما يفعله، فقد تمنيت أن يفعله بسرعة. كنت بحاجة إلى مساعدته.
بحثت عن كريكيت، فوجدتها في الظلام، تجرّ جندي كويل نحونا. رأيتها تخرج من الظلام، وقد غُرس أحد المنجلين الصغيرين في أعلى ذراع المرأة، بينما غُرس الآخر في فخذها. وببذل جهد من جسدها كله، دفعت كريكيت المرأة إلى الأمام وسحبت المنجلين من جسدها. تدحرج جندي كويل على الأرض أمام كريكيت. وإذا لم تكن قدراتها تمنحها ميزة إضافية في اللياقة البدنية، فهي بالتأكيد تتمتع بلياقة مذهلة مقارنة ببنيتها.
هل ماتت امرأة كويل؟ لا. كانت تتنفس. أنفاسها قصيرة وسريعة ومتلاحقة، ولم تكن تتحرك، لكنها كانت لا تزال تتنفس.
راقب هوك وولف المشهد لثانية قبل أن يستدير نحوي.
«ربما سأمنح ستورمتايغر بعض التدريب على انتزاع الإجابات من الناس. تلك المخالب التي يمتلكها؟ إنها هواء مضغوط. في كل ثانية، يسحب المزيد من الهواء ويدفعه إلى ذلك الحيز الذي يشبه المخلب، ليجعله أكثر كثافة وصلابة. وعندما يطلقه…» أطلق ضحكة خافتة.
هيا يا غرو. لم أكن قادرة على التعامل مع هذا وحدي.
«هل تريدين أن تري ما يحدث عندما يُدفن أحدها بداخلك، ثم يحوّله إلى إحدى دفعات الرياح تلك؟» سأل هوك وولف، وأطلق مجددًا ضحكته الخافتة على حسابي.
كان غرو يتحرك نحوي الآن بعزم واضح. حرّكت حشراتي من الأرض المحيطة به لتستقر على جسده، محاوِلةً تكوين إحساس بما كان يفعله. كان يحمل شيئًا طوله ثلاثة أقدام ونصف تقريبًا، وعرضه يقارب قدمًا واحدة، ذا شكل مستدير وأسطح معدنية ملساء بالكامل.
اللعنة.
انقلبت على جانبي واندفعت بعيدًا. كان ستورمتايغر خلفي، وركلني في ظهري بينما كنت أحاول النهوض والبدء بالركض، دافعًا إياي بقوة نحو الأرض. كنت ممتنة لارتدائي القناع، إذ ارتطم وجهي بالإسفلت.
انسجمي مع الحركة. تذكرت النصائح التي أعطاني إياها برايان خلال جلسة التدريب القتالي بيننا. استغللت المسافة الإضافية التي خلقها ستورمتايغر بيننا، وواصلت الابتعاد بأقصى سرعة أستطيعها.
«تهربين؟» ضحك هوك وولف. «يمكنك المحاولة.»
«زيت أسلحة»، صاح ستورمتايغر، وهو يستدير لمواجهة غرو. «أشم رائحة زيت الأسلحة.»
رفع غرو الجسم المعدني الطويل بكلتا يديه إلى الخلف، ثم قذفه إلى الأمام. لم يُنزِل ذراعيه مع تركه للجسم، بل استخدم يده اليسرى لإطلاق دفعة موجّهة من الظلام خلفه، لتغطيه بينما يتدحرج إلى المنطقة المكشوفة.
وضعت يديّ على أذنيّ، رغم الألم الذي سببه ذلك لأذني اليمنى المضمدة.
كانت يد غرو اليمنى قد بدأت بالفعل تسحب مسدسًا من جيب سترته بينما كان يتراجع إلى الخلف.
ارتجفت ذراعه مرتين وهو يطلق النار على أسطوانة الأكسجين التي أحضرها من مؤخرة سيارة الإسعاف. أخطأت الطلقة الأولى. أما الثانية، فلم تخطئ.
كان الانفجار هادئًا إلى درجة جعلتني أظن أنني فقدت السمع بسبب شدته المفاجئة. لكن صرخة هوك وولف المتأخرة، المليئة بالألم والغضب، كانت بمثابة راحة مريرة.
لم يضيع غرو أي فرصة، بل تقدم إلى الأمام والمسدس في يده. كان ستورمتايغر أبعد عنه، وقد سقط على وجهه فوق الأرض، ينزف بشدة لكنه سليم من حيث البنية، بحسب ما استطعت أنا وحشراتي رؤيته. توقف غرو، وصوّب، وأطلق رصاصة على كل ساق من ساقيه.
«مهلًا!» جاء صوت كريكيت مخنوقًا ومجهدًا. تساءلت إن كانت إحدى الإصابات التي تسببت في تلك الندوب قد ألحقت ضررًا بأحبالها الصوتية. وجّهت أحد المنجلين نحو جندي كويل.
«لقد أمسكت بـ…»
غطّى غرو كريكيت والرهينة التي معها بالظلام، ثم استدار نحوي ونحو هوك وولف. كانت الرسالة واضحة. لم يكن ينوي التفاوض. كنت متأكدة تقريبًا من أنني لم أكن لأتخذ ذلك القرار بنفسي، حتى مع علمي بأن التوقف من أجل المرأة سيؤدي حتمًا إلى وضع أسوأ.
ترنح هوك وولف وهو ينهض. لقد تلقى ضررًا من الانفجار أكثر من أي شخص آخر، وكان جلده يتدلى في قطع ممزقة حول ذراعه التي لم يحوّلها بعد، ومعظم جذعه وفخذه، مع أضرار أقل في المناطق المحيطة. وتحت أشلاء الجلد، كما رأيت في موضع إصابته بالرصاصة، لم يكن هناك سوى شرائط وشفرات معدنية ملطخة بالدماء. خطافات وسكاكين مصطفة جنبًا إلى جنب، تتخذ الشكل العام لعضلات جسم الإنسان.
دفع هوك وولف ذراعه المصابة إلى أحد الجانبين، فانفصلت عضلاته وفتحت مثل سكين الجيش السويسري، كاشفةً عن المزيد من الشفرات والخطافات التي انبسطت وانتفخت وتداخلت لتغطي المنطقة المصابة وترقّعها. نما حجم ذراعه مع استخدامه لقدرته، وأصبح الطرف الناتج ثلاثة أضعاف حجمه الطبيعي، وانتهى بما بدا وكأنه خطاف سمك بطول قدمين.
«سكيتر!» نادى غرو. «اركضي!»
نهضت على قدميّ وأسرعت نحوه. استدار هوك وولف ليواجهني، ثم اندفع في اتجاهي، قاطعًا مسافة أكبر مما توقعت. تخليت عن محاولتي للانضمام إلى غرو واتجهت يسارًا، مباشرةً نحو الظلام.
كانت حشراتي منتشرة على سطح صندوق بريد، على بعد ثلاث خطوات داخل الظلام. انحنيت والتففت حوله بينما كان هوك وولف يتبعني دون أن يرى شيئًا. لوّح بذراعه عشوائيًا، فضرب صنبور إطفاء الحريق، لكن الماء لم يندفع منه. اندفع نحو اليسار، فاقتلع قطعًا من الطوب من جدار، ثم قفز إلى اليمين، وضرب صندوق البريد وشطره إلى نصفين.
كنت قد بدأت بالفعل أزحف باتجاه المكان الذي يوجد فيه غرو، وكان صندوق البريد قد أصبح خلفي بمسافة كبيرة.
شعرت بارتياح كبير عندما أدركت أن كريكيت تخلت عن رهينتها وفضّلت ملاحقة غرو، لتبدأ تبادلًا قصيرًا للضربات معه. لكن ارتياحي لم يدم طويلًا، لأن القتال لم يكن قصيرًا بالمعنى الجيد للكلمة. أطلق غرو النار مرتين، وفي المرتين تفادت كريكيت الرصاصة، رغم أنها لم تكن تبعد عن فوهة المسدس سوى عشرة أقدام في المرة الأولى وسبعة في الثانية. لم تكن تتحرك بسرعة خارقة أيضًا، رغم أنها كانت سريعة. كانت حركاتها ببساطة فعالة للغاية، وإذا كان هناك أي تأخير في ردود أفعالها، فلم أتمكن من ملاحظته.
وجّه غرو لكمة بينما كانت تقترب. مالت كريكيت بجسدها لتفاديها، ثم لوّحت بمنجلها لتخدش صدره. ومن الطريقة التي ترنح بها، عرفت أنها أصابته. وجّه لكمة أخرى، فتفادتها بسهولة ظاهرة، ثم تابعت هجومها بضربتين إضافيتين، ولم يتمكن من تفادي أي منهما. ترنح إلى الخلف، واضعًا إحدى ذراعيه على صدره.
غطّى المنطقة المحيطة بهما بالظلام، وملأ المكان المكشوف. تحولت كريكيت فورًا إلى التأرجح العشوائي والعنيف بسلاحيها حول جسدها، وهي تتقدم نحو المكان الذي كان غرو يقف فيه. تراجع غرو إلى الخلف، لكن ذلك كانت له نتيجة سيئة، إذ قرّبه أكثر من هوك وولف، الذي كان يفعل الشيء نفسه تقريبًا الذي تفعله كريكيت. استدار غرو وركض ليخلق مسافة بينه وبينهما ويتجنب الوقوع في حصار.
ثم تفاعلت كل حشرة في المنطقة مع ذلك الصوت الذي لم أستطع تمييزه، الصوت نفسه الذي سمعته عندما هاجمت كريكيت جندي كويل. كان مرتفعًا بما يكفي ليسمعوه رغم الظلام، لكن… كان خارج نطاق سمعي تمامًا.
لم أستطع الجزم، لكنني حصلت على انطباع بأن الحشرات الأقرب إلى كريكيت سمعته قبل غيرها بجزء من الثانية.
«غرو!» صرخت داخل الظل الخانق. «تحرّك!»
استدارت كريكيت نحوه واندفعت في حركة واحدة، وهي تهوي بالمنجلين معًا في ضربة من الأعلى. تحرك غرو بعيدًا عن طريقها في اللحظة الأخيرة.
«لديها رادار!» صرخت، وكان صوتي بالكاد مسموعًا بالنسبة إليّ. لم يكن ذلك مهمًا. كان غرو قادرًا على سماعي.
نقلت كريكيت أحد المنجلين الصغيرين إلى يد واحدة، ثم استخدمت يدها التي تحررت لمسح الحشرات عن جلدها. كانت تتجمع عليها، وبدأت تشعر بها. جيد.
مرة أخرى، انبعثت منها تلك النبضة. لكنها أبقتها هذه المرة مستمرة، وبدأت حشراتي تعاني بسببها. تدهور تنسيق حركتها، وبدأت تتحرك ببطء أكبر، كما بدأت حواسها ــ على حالها في الظلام ــ تتصرف بشكل مضطرب.
بعد ثانية أو ثانيتين، ظننت أنني بدأت أشعر بتأثيرها أنا أيضًا. اختل توازني قليلًا وشعرت بالغثيان. كان غرو منحنياً إلى الأمام، ويداه على ركبتيه، لكنني لم أكن متأكدة إن كان ذلك بسبب قدرة كريكيت أم بسبب الإصابات التي ألحقتها به. ومن طريقة تحرك كريكيت، استنتجت أنها لم تكن قادرة على رؤيتنا. هل كان الأمر تحديدًا بالصدى؟ وهل لم تنجح قدرتها إذا أطلقت الصوت باستمرار بدلًا من استخدامه على شكل نبضات متقطعة؟
كان الأمر مزعجًا أن يبدو أن الجميع يمتلك طريقة للتعامل مع حشراتي، لكنني على الأقل كنت أضعها في موقف لا تستطيع فيه العثور علينا والتعامل معها في الوقت نفسه.
كنت أجد صعوبة في فهم طبيعة قدراتها. كنت قد سمعت عنها، ورأيت صورها، وقرأت عنها في الويكي ولوحات النقاش. نادرًا ما كانت تُذكر إلا في هامش الأخبار، وعادةً ما كانت مشتبهًا بها في قضية قتل أو حريق متعمد إلى جانب ستورمتايغر وهوك وولف. لم أصادف قط معلومة مثل: «كريكيت تمتلك قدرة محدودة على استشراف المستقبل»، أو «كريكيت تتحكم بالأصوات».
بدأت الحشرات تتساقط عنها، بعدما فقدت قدرتها على التمسك بجسدها أو على التحرك في الهواء. أدركت أن ميزتنا ستختفي قريبًا، فتقدمت نحوها وأنا أسحب سكيني. تفقدت وضع هوك وولف، فوجدته يتسلق مبنى على مسافة خلفي. هل كان يحاول الارتفاع فوق سحابة الظلام ليتمكن من رؤيتنا أو تحديد موقعه؟
كنت على بعد ثلاث خطوات من كريكيت عندما شعرت بأن الصوت انقطع، ثم عاد مجددًا لثانية واحدة. نبضة رادار أخرى.
«احذري!» صرخت، وأنا أعدّل اندفاعي وأسرع في التراجع. لكنني كنت بطيئة للغاية. كانت قد بدأت بالفعل تستدير لتضربني. أصاب مقبض أحد المنجلين جانب حلقي، بينما التف النصل نفسه خلف رقبتي ليوقف تراجعي. وقبل أن أتمكن من فعل أي شيء، جذبتني نحوها. تعثرت إلى الأمام، وعدّلت قبضتها لتلوّح بالمنجل الآخر وترفعه نحو جانب معدتي.
انحنيت إلى الأمام وسقطت على الأرض.
صرخ غرو بشيء ما، لكن كلماته لم تصل إليّ عبر الظلام.
أطلقت كريكيت نبضة رادار أخرى، ثم اندفعت نحو غرو. أصابته في ذراعه هذه المرة. ثم تراجعت، وبدأت بإصدار ذلك الصوت المستمر الذي يشوّه الحواس، لتعطّل حشراتي مرة أخرى.
رفع غرو مسدسه المستعار، وارتجفت ذراعه مع قوة الارتداد. لم تبدُ كريكيت مدركة لشيء بينما أطلق المسدس عدة طلقات متتالية، لكن أيًا كان ما تفعله بقدرتها، فقد كان يعبث بقدرة غرو على التصويب. لم تصب أي رصاصة هدفها. توقف عن إطلاق النار. إما أنه نفدت ذخيرته، رغم أن ذلك بدا مبكرًا جدًا، أو أنه أراد الحفاظ على ما تبقى لديه من طلقات.
نهضت على قدميّ، وشعرت بجانبي يحتج بألم شديد. لم يخترق النصل زيّي، لكن جانبي معدتي لم يكن مدرعًا، ولم يفعل القماش الكثير لتخفيف قوة الضربة، حتى وإن منعني من التعرض للقطع أو شق بطني. كانت كريكيت أكبر مني، وأقوى، وتعرف كيف تستخدم أسلحتها. لقد كانت الضربة مؤلمة.
عندما تأكدت من قدرتي على التحرك دون السقوط، اندفعت نحوها والسكين في يدي.
كنت آمل أن أتمكن، إذا تحركت بسرعة كافية، من مهاجمتها قبل أن تستخدم الرادار مرة أخرى. لكن الحظ لم يحالفني. كانت تتحرك بالفعل عندما أدركت أنها أطلقت نبضة صوتية أخرى. أخذت رؤوس المنجلين تندفع نحو جانب رأسي، حيث لم يكن قناعي يوفر سوى حماية جزئية. كان اندفاعي إلى الأمام أكبر من أن أتمكن من تفادي الشفرات القادمة.
سقطت نصف سقوط وانحنيت نصف انحناءة، وبدلًا من غرس سكيني في ظهرها كما كنت أنوي، انتهى بي الأمر إلى غرسه في جانب فخذها. يبدو أن التقنية التي تسمح لها بتفادي الرصاص لا تنفع عندما لا تستطيع الرؤية.
على الرغم من الألم الذي لا بد أنها شعرت به، لم تضيّع لحظة واحدة قبل رفع سلاحها للانتقام، والهوِيّ به نحو رأسي. لم أكن في وضع يسمح لي بالابتعاد عن طريقه.
أمسك غرو بمعصمها في منتصف الضربة، وجذبها بعيدًا عن توازنها قبل أن تتمكن من إكمال الهجوم.
تحركت بسلاسة رغم النصل المغروس في أعلى ساقها. عكست قبضتها على سلاحها بيدها الحرة، وأطلقت قدرتها على نحو متقطع لتُحدث ما افترضت أنه نبضة رادار أخرى، ثم استعدت لضرب غرو به.
أدرت السكين، وسحبته من ساقها بكلتا يديّ. أو بالأحرى، سحبت السكين عبر ساقها، وجررته أفقيًا خلال لحم فخذها باتجاه وركها، ثم أخرجته.
انهارت على الأرض، ووضع غرو يده على كتفي ليجذبني إلى الخلف بعيدًا عنها. استلقت كريكيت على الإسفلت، وضغطت يديها على جرحها.
«هل أنت بخير؟» سألني غرو، بينما أزال الظلام في نطاق قدم واحدة حولنا.
«أنا مصابة بكدمات، لكنني بخير. كان ينبغي أن أطرح عليك هذا السؤال. ما مدى سوء إصاباتك؟»
أزال الظلام المحيط بجسده، وفي العتمة رأيت كيف قطعت الشفرات سترته وقميصه الداخلي بدقة، تاركةً خطوطًا حمراء متقاطعة على صدره. وكانت هناك إصابة أكثر بشاعة على ذراعه اليمنى، امتدت من المرفق إلى المعصم. وكانت أكثر وضوحًا لأن الجرح وصل إلى طرف زيّه، تاركًا الكمّ يتدلى مرتخيًا حول مرفقه.
«يبدو الأمر أسوأ مما هو عليه. لقد قاتلت أشخاصًا مثلها من قبل، في حصص التدريب والمنازلات. كانت تستعرض قوتها بالضربات الأولى. جروح سطحية، هدفها إحداث الألم، لا تعطيل الخصم أو إلحاق ضرر حقيقي به.»
«هذا غباء»، تمتمت. «أنا سعيدة لأن الأمر كذلك، لكنه غباء.»
«ربما لم تفكر في الأمر. أراهن أنها تعلمت ذلك ودمجته في أسلوبها أثناء القتال أمام الجمهور.» نظر في اتجاه هوك وولف، ثم تكشّر من الألم عندما تسببت الحركة في شد الجرح على صدره. «علينا المغادرة.»
«أتفق معك.»
فتح غرو طريقًا في الظلام للمسعفة المزيفة. تحققنا من أنها لا تزال على قيد الحياة، ثم ساعدناها على السير بصعوبة نحو سيارة الإسعاف، وتوليت أنا معظم العمل الشاق هذه المرة. أسرعت لجلب بعض مستلزمات الإسعافات الأولية، ووضعت المراهم والحبوب والضمادات في حقيبة. انسحب جنديا كويل عائدين نحو حاجز الشرطة قبل أن أنتهي، وكان كل منهما يسند الآخر.
غمر غرو مساحة أكبر من المنطقة بالظلام، بينما جمعت معظم السرب حول نفسي. لم أترك سوى الحد الأدنى من الحشرات الضرورية للتنقل في العالم الأعمى الذي تخلقه قدرة غرو، وتلك التي احتجت إليها لتعقب وجود هوك وولف. كانت هناك حشرات أخرى لم أستطع استعادتها لأنها عالقة بلا حول ولا قوة داخل ذلك الطنين المستمر منخفض التردد الذي كانت كريكيت لا تزال تصدره، لكن ما بقي معي كان كافيًا للتعامل مع الوضع. أسرعنا بالابتعاد قبل أن يفكر هوك وولف في مهاجمة المكان الذي تحطمت فيه سيارة الإسعاف.
كنا قد ابتعدنا ما يقارب أربعة مربعات سكنية قبل أن يشعر غرو بأن الوقت أصبح آمنًا لإزالة الظلام المحيط بنا. كنت أعرف منطقيًا أننا أكثر أمانًا في الظلال، وأنها ستمنع معظم الكمائن، لكن جزءًا بدائيًا من نفسي كان سعيدًا بالعودة إلى الضوء والضجيج من جديد.
ألقيت نظرة قلقة أخرى على غرو بينما كنا نسير.
«يبدو أن دوري قد حان لأضع لك بعض الغرز. هل ستكون بخير؟»
«اللعنة.» لمس صدره برفق، دون أن يعطيني إجابة مباشرة. «ما قدرات كريكيت؟ ردود أفعال معززة، وماذا كان ذلك الذي قلتِه؟ رادار؟»
«ردود الأفعال المعززة تخمين أفضل مما كنت سأتوصل إليه. كانت تصدر نوعًا من الطنين منخفض التردد. كان ذلك مصدر تأثير التشوش والدوار. وربما كانت تستخدمه مثل تحديد الموقع بالصدى أو شيء من هذا القبيل.»
«في مثل هذه الأوقات، أستطيع القول إن وجود تاتلتيل في الفريق يستحق العناء. أكره ألا أعرف قدرات شخص ما.»
توقفنا عند كنيسة قديمة، وقد سُدّت النوافذ التي كان ينبغي أن تحتوي على زجاج ملوّن بألواح خشبية. كانت القمامة وأكثر من كيس نفايات نصف ممتلئ تشغل الأرض عند قاعدة المبنى. دخلنا معًا.
كان ريجنت جالسًا على حافة المنصة تحت المذبح. أما تاتلتيل فكانت جالسة على ظهر أحد المقاعد، وقد وضعت قدميها على المقعد نفسه. وكانت بيتش تتجول في مؤخرة الكنيسة، في أبعد نقطة عن الباب الأمامي، بينما تتحرك كلابها في الممرات بين المقاعد كظلال عملاقة. لولا الضوء المتسلل من بين الألواح الخشبية التي تسد النوافذ، لما كنت متأكدة من أنني سأتمكن من معرفة وجودها هناك.
«غرو!» قفزت تاتلتيل من مقعدها. «ماذا حدث؟»
«صادفنا هوك وولف وستورمتايغر وكريكيت. هؤلاء الثلاثة يحبون تقطيع الناس»، قال غرو. «كنا محظوظين لأننا خرجنا من هناك بهذه السلامة النسبية.»
«اجلس»، أمرت غرو.
أصدر صوتًا خافتًا بين أسنانه وهو يخلع سترته، ثم وجّه انتباهه إلى قميصه الداخلي، الذي كان ملتصقًا بصدره بسبب الدم المتسرب من الجروح. وبدلًا من الاضطرار إلى خلع خوذته وسحب القماش فوق صدره وذراعه المصابين، مزّق قميصه عند مواضع القطع، ثم نزعه على شكل خرق ممزقة. جلس عاري الصدر، مع إبقاء خوذته على رأسه. بدأت أخرج الأدوات لتنظيف جروحه.
«هل واجهتم أي مشكلات؟» سأل غرو.
«ما يكفي لجعلنا نشعر ببعض التململ. أسقطت بيتش بعض البلطجية، لكنهم تفرقوا، ومن المحتمل أن يكون الخبر قد انتشر بأننا في المنطقة.»
«بيوريتي؟» سأل.
«إنها في الخارج»، أجاب ريجنت بأسلوبه المعتاد، الشارد واللامبالي. «رأينا الأضواء وسمعنا الضجيج بينما كانت تهدم المزيد من المباني. لقد ابتعدت عن هذه المنطقة قبل قليل.»
استدارت تاتلتيل نحوي.
«أعطيني هذا. سأتولى ذراعه.»
ناولتها محلول التنظيف وبعض المناديل المطهرة. سمعت غرو يتمتم:
«تبًا، آمل ألا تكون كريكيت من النوع الذي يضع السم على سلاحه.»
«لا تقل ذلك!» شهقت برعب.
«لا داعي للقلق، لا أنت ولا أنتِ»، قالت تاتلتيل بنبرة بدت عليها علامات الضجر. «قدرتي تؤكد أنه لا يوجد سم.»
أومأت، لكن نبضات قلبي كانت لا تزال أسرع من المعتاد بسبب ذلك الإنذار المفاجئ. وعندما رفعت رأسي عن كومة المستلزمات الطبية التي جلبتها من سيارة الإسعاف لأرى كيف تتعامل تاتلتيل مع ذراع غرو، وجدت واقي الجمجمة الخاص بغرو موجّهًا نحوي. هل كان ينظر إليّ؟ بماذا كان يفكر؟ وما التعبير الذي كان على وجهه؟
«أفكر في شنّ ضربات حرب عصابات»، قال غرو وهو يستدير نحو تاتلتيل. «لدينا الكلاب، ويمكننا استخدام قدرتها على الحركة لمضايقتهم، ومباغتة أي مجموعات تتجول في المنطقة، والقضاء عليها، ثم الاختفاء قبل وصول التعزيزات أو الأبطال.»
هزّت تاتلتيل رأسها.
«هناك مشكلة واحدة في ذلك.»
«وما هي؟»
أشارت إلى صدره.
«قد لا تكون مسمومًا، لكنك فقدت بعض الدم. وأراهن أن احتمال إغمائك كبير إذا بذلت مجهودًا شديدًا مثل ركوب الكلاب.»
«لا تراهن ضد تاتل»، تدخل ريجنت. «إنها تغش.»
قالت تاتلتيل: «علينا إنهاء هذا بسرعة. ليس فقط بسبب إصابات غرو، بل لأن بيوريتي ستدمر حيّنا قريبًا إن لم يوقفها أحد. علينا اتخاذ الإجراء الأكثر مباشرة الذي نستطيع القيام به.»
«الإجراء المباشر»، كررت كلامها. لم يعجبني وقع العبارة.
«سنذهب مباشرةً إلى بيوريتي.»
«تبًا لهذا»، هزّ غرو رأسه. «لا سبيل إلى ذلك.»
«بل هناك سبيل»، ردّت تاتلتيل. «لن يكون الأمر جميلًا، وهو محفوف بالمخاطر، لكنه أفضل رهان لدينا لإنهاء هذا، بطريقة أو بأخرى. المشكلة أننا بحاجة إلى التحرك بسرعة، وإلا ستضيع فرصتنا. سكيتر، من الأفضل أن نبدأ بوضع الغرز. سأشرح لك الأمر بينما نفعل ذلك.»
ابتلعت ريقي وأومأت، ثم أعدت انتباهي إلى حقيبة المستلزمات الطبية، وعثرت على الإبرة والخيط.
«كما قلتَ من قبل»، أخبرت غرو بصوت خافت، وأنا أسحب الإبرة المجهزة بالخيط من البكرة. «دعني أعتذر مقدمًا.»
«اللعنة»، تمتم.
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.