وورم — الفصل 7.11: الطنين
كان هيكل مبنى شاهق يلوح فوقنا. عوارض ودعامات متشابكة معًا لتشكّل ما سيصبح أحد الأبراج الشاهقة في بروكتون باي، بارتفاع عشرين طابقًا. وعند قاعدته امتد بحر من الحصى المسحوق، تتناثر فيه جرافات لا تُحصى، وآلات دقّ الركائز، ورافعات، وخلاطات، وآلات تسوية، كلها ساكنة وغارقة في الظلام. لم يكن هناك سوى أضواء المباني ومصابيح الشوارع المحيطة بالموقع.
أدخلت تاتلتيل المفتاح في القفل وفتحت لنا البوابة التي تحيط بموقع البناء. أبقت البوابة مفتوحة بينما دخل غرو وريجنت وبيتش وأنا، وتبعنا يهوذا وبروتوس. كان الكلبان قريبين من حجمهما الطبيعي، ولم يكن فيهما ما قد يثير القلق لو رآنا أحد من بعيد. وبعد أن دخلنا، أغلقت تاتلتيل البوابة ومدّت يدها عبر الفتحة لتعيد القفل إلى مكانه وتغلقه.
كان الحصى يسحق تحت أقدامنا بينما نتجه نحو البرج غير المكتمل. أشارت تاتلتيل إلى فتحة محاطة بحافة خرسانية. كانت على الفتحة نفسها لافتة تحذيرية صفراء كُتب عليها «تصريف المياه»، وتحتها صورتان لرجل يرتدي بدلة واقية من المواد الخطرة وآخر يرتدي قناعًا واقيًا من الغاز. عبثت تاتلتيل بحلقة المفاتيح حتى عثرت على المفتاح المناسب، ثم فتحت القفل ورفعت الغطاء. قادت درجات السلم إلى الأسفل، نحو ظلام يشبه كثيرًا ما قد تجده في مجرى لتصريف مياه الأمطار، بل وكانت رائحته تشبهه أيضًا.
كلما نزلنا، ازدادت الرائحة قوة. مررنا عبر باب ذي قضبان معدنية، ثم سرنا في ممر طويل. كانت الغرفة الواقعة في نهاية الممر صغيرة، وبها باب آخر وكاميرا مراقبة صغيرة في إحدى الزوايا. لم يكن للباب الذي واجهناه مقبض، ما أجبرنا على الانتظار. استغرق الأمر نحو عشرين ثانية قبل أن يفتح أحدهم الباب لنا. كان أحد رجال كويل.
لم تكن هناك أي رائحة في داخل الطابق السفلي العميق، على عكس الغرف السابقة. كان المكان يتألف من مستويين، بجدران من الخرسانة المصبوبة. أما المستوى العلوي الذي وقفنا عليه، فكان عبارة عن ممرات معدنية تمتد حول محيط الغرفة. امتلأ المستوى السفلي بالصناديق والعبوات، ورأيت نحو خمسة عشر من رجال كويل هناك، يجلسون على الصناديق أو يستندون إليها ويتحدثون فيما بينهم.
كان كل جندي يرتدي زيًا موحدًا متطابقًا: درجات من الرمادي وبعض الأسود، وسترات واقية صلبة ذات ياقات مرتفعة لحماية أعناقهم. لم يكن يرتدي أقنعة الوجه سوى عدد قليل منهم، وتمكنت من ملاحظة تنوع جنسياتهم في مجموعة كان معظم أفرادها من الرجال. وكان لكل جندي بندقية هجومية قريبة منه، معلقة على كتفه بحزام أو مستندة إلى جدار أو صندوق. وقد تناقضت الملحقات الفولاذية المصقولة المثبتة أسفل سبطانة كل بندقية مع اللون الداكن للمعدن الذي صُنعت منه بقية المعدات.
أومأ الرجل الذي فتح لنا الباب باتجاه الطريق الذي ينبغي أن نسلكه. اجتزنا الممر المعدني ومررنا بالمزيد من جنود كويل. رأيت فرقة مكوّنة من ستة رجال في الأسفل تستعد للانطلاق، يرتدون الأقنعة ويتفقدون بنادقهم. وبعد خمس ثوانٍ، مررنا بسيركوس على الممر، مرتدية زيًا ومكياجًا باللونين الأحمر والذهبي. لم تكن منتبهة إلينا أو إلى مرورنا؛ فقد كانت تستند إلى الجدار بجوار كومة من الصناديق الكرتونية، وتقف على مسافة حميمة من جندي شاب ذي شعر أحمر مقصوص قصيرًا وندبة قبيحة تمتد على أحد جانبي عنقه.
وجدنا كويل في نهاية الممر، يتحدث إلى أربعة أشخاص لم يكونوا جنودًا بالتأكيد. كان كل واحد منهم يرتدي بدلة رسمية، ولم يبدُ أي منهم من النوع الذي يحمل سلاحًا. كانت بينهم امرأة ممتلئة الجسد، ورجل لا بد أن عمره خمسون أو ستون عامًا، ورجل لم يتجاوز طوله أربعة أقدام، وامرأة شقراء بدت بالكاد قد تجاوزت سن الدراسة الثانوية.
قال كويل: «كراينستون، هل يمكنك إنجاز ذلك بحلول الغد؟»
أجابت المرأة الشقراء: «نعم، سيدي».
«جيد. بيرس، ماذا عن الجنود؟»
قال الرجل القصير: «الفرق فيش ونورا ويونغ ارتدت تجهيزاتها وأصبحت جاهزة للحصول على موافقتك».
«وماذا عن المجندين البدلاء؟»
ناول بيرس كويل مجموعة من الملفات: «وضعت علامات لاصقة على الملفات التي تخص أكثر المرشحين الواعدين. نحتاج إلى اثنين لتعويض جندي أُصيب مؤخرًا، وآخر قرر مغادرة المدينة».
وضع كويل الملفات تحت ذراعه: «جيد. دوشين، سأتحدث معك لاحقًا الليلة بشأن استعداداتنا. أما البقية، فسأراكم مساء الغد».
انصرف أصحاب البدلات، ومرّوا جميعًا تقريبًا بجانبنا متجهين في الاتجاه الذي جئنا منه عبر الممر المعدني. أما المرأة الممتلئة، فنزلت الدرج إلى المنطقة السفلية حيث الجنود، وسرعان ما تجمّع حولها أشخاص لا يرتدون الزي العسكري. كانوا يحملون ألواحًا لتدوين الملاحظات وعتلات حديدية. أكانوا طاقم البناء؟
قال كويل: «الأندرسايدرز، هل تعافيتم خلال الأسبوع الماضي؟»
أجاب غرو، وذراعاه معقودتان: «إلى حد ما».
«ممتاز. وما رأيكم؟» أشار بيده إلى المجمع الموجود تحت الأرض من حولنا.
قال غرو: «إنه مثير للإعجاب».
«بعد اكتمال التجهيزات، سيُستخدم جزء من هذا المكان قاعدةً لعمليات المسافرين، بينما سيُخصص باقي المكان ليكون نقطة تجمع لرجالي قبل انتشارهم في الميدان».
«حسنًا»، أجاب غرو.
«إذًا، كنت أتوقع أن أتلقى ردًا منكم عندما تشعرون بأنكم تعافيتم وأصبحتم مستعدين للعمل مجددًا، أو عندما تتخذون قرارًا بشأن عرضي. لكن لدي انطباع بأن هذا ليس سبب مجيئكم بالضبط».
قالت تاتلتيل: «لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو يا كويل».
كان من الصعب الجزم، لكنني اشتبهت في أن كلماتها أربكته قليلًا.
«همم. هل يمكنك التوضيح؟»
«نخرج من هذه المعارك في كل مرة بأعجوبة، وبالكاد ننجو. نحن لسنا مستعدين لمواجهة هذا القدر من الخطر. بعد أيام قليلة فقط من مساعدتنا في إسقاط عصابة ABB، في موقف واجه فيه اثنان من أفرادنا لونغ وأوني لي، وجدنا أنفسنا في مواجهة منظمة الحماة والحماة الصغار وإمبراطورية الثمانية والثمانين خلال ثمانٍ وأربعين ساعة. حتى بمساعدة رجالك وقدراتك، نحن لسنا أقوياء بما يكفي لمواجهة كل ذلك».
قال كويل: «فهمت». استدار نحو القسم السفلي من الطابق، ونظر إلى رجاله. وضع يديه على الدرابزين، ثم سأل: «هل تنهين اتفاقنا إذًا؟»
هزت تاتلتيل رأسها: «نفضّل ألّا نفعل، لكن الأمر يعتمد على ما سنتفق عليه هنا والآن، في هذا الاجتماع. ناقشنا الأمر طوال الأسبوع الماضي، وسأكون صريحة. الشخص الوحيد الذي لم يكن متحمسًا لقبول عرضك غيّر رأيه، لكن بقية أفراد الفريق أصبح لديهم الآن تحفظات جدية. والأمر لا يتعلق بسلامتنا وحدها».
أومأ كويل. «حسنًا، دعوني أبدأ بالقول إنني سعيد بسماع أن رأيك قد تغيّر يا بيتش. هل يمكنني أن أسأل ما الذي دفعك إلى ذلك؟»
رمقت بيتش تاتلتيل بنظرة منزعجة، ومن الواضح أنها لم تكن راضية عن معرفة كويل بمفاوضاتنا. ومع ذلك، أجابته:
«قررت أن الحصول على مساعدة بشأن كلابي قد لا يكون سيئًا إلى هذا الحد. ما زلت أعتقد أنك تتفوه بالهراء، لكن كما أرى الأمر، يمكنك أن تتفوه بما تشاء منه، ما دمت سأحصل على ما أريده».
تنهد كويل قليلًا: «أظن أنني سأقبل بما أستطيع الحصول عليه. وهذا يقودني إلى موضوع نقاشنا. هل سأكون محقًا إذا افترضت أن التحفظات التي ذكرتها تاتلتيل تتعلق بي وبالطريقة التي أدير بها الأمور؟»
أومأ كل من غرو وأنا.
«وأنتِ أيضًا من بين هؤلاء الذين لديهم شكوك يا تاتلتيل؟»
قالت: «آسفة. لقد عملت معك مدة طويلة، وأعرف ما يمكنك فعله، بل إنني أحبك وأحترمك. وأقدّر ما تسعى إلى تحقيقه. لكن خطوتك الأخيرة كانت كارثية من نواحٍ كثيرة».
أقرّ كويل: «نعم. أنتِ محقة. لقد كانت مناورة مفرطة في القوة. استخدمتُ سلاحًا نوويًا تكتيكيًا حين كان بإمكاني الاكتفاء بقاذفة صواريخ، فتعرضت أطراف لا تستحق الأذى للضرر لمجرد قربها من الأهداف الحقيقية».
قالت تاتلتيل: «نحن، وعائلات أعضاء إمبراطورية الثمانية والثمانين الذين كشفت هوياتهم».
أومأ كويل: «إذًا، لدينا نقطتان أساسيتان علينا مناقشتهما: الإهمال الظاهر في المناورة التي استهدفت بها إمبراطورية الثمانية والثمانين، والمخاطر التي واجهتها مجموعتكم في الميدان. ومع ذلك، إذا عولجت هاتان المسألتان بطريقة ترضيكم، فهل سأكون محقًا في افتراض أنكم مستعدون لقبول عرضي؟»
نظرت تاتلتيل إلى كل واحد منا، بمن فيهم أنا، ثم قالت لكويل: «ربما».
«جيد. ما رأيكم أن نتمشى؟ سأكون أكثر قدرة على الإجابة عن مخاوفكم الثانية عندما نصل إلى الجانب الآخر من هذا المجمع».
ابتعد عن الدرابزين ومدّ يده داعيًا إيانا إلى مرافقته. سار ويداه متشابكتان خلف ظهره، وقادنا حول نهاية الغرفة إلى الممر المقابل لذلك الذي سلكناه للوصول إليه.
قال كويل: «أولًا، أعتقد أن الاعتذار واجب. إن قلقكم بشأن الطريقة التي كشفت بها هويات أعضاء الإمبراطورية مبرر تمامًا. في الحقيقة، كانت تلك خطة قد بدأت العمل عليها قبل أن أعرف بوجودكم أصلًا، أيها الأندرسايدرز. كانت محاولاتي الأولى لكشف الهويات السرية لأعدائي بطيئة النتائج، وكثيرًا ما كان رجالي الذين استأجرتهم يقضون أسابيع في التحقيق، ليكتشفوا في النهاية أنهم كانوا يطاردون هدفًا خاطئًا.
«على مدى أربع سنوات تقريبًا، استثمرت المال والوقت في احتمال العثور على نقطة ضعف أعدائي: حياتهم المدنية، والوجوه المختبئة خلف الأقنعة. ولسنوات، خاب أملي. في أيامي الأولى، كان لدي مال أقل لأهدره، ولم تكن سيطرتي على قدرتي الخاصة بالمستوى الذي بلغته اليوم، وكانت إخفاقاتي في هذه الجوانب مكلفة.
«ومع بدء ثروتي في التراكم، أصبح الأمر أسهل. تمكنت من توظيف محققين أفضل، ودفع المال للأشخاص المناسبين كي يفصحوا عن المعلومات ويفتحوا سجلات المحاكم المغلقة. بدأت القطع تتجمع في مكانها. وبانضمام تاتلتيل إلى فريقي، تمكنت من تجنب عدد من المطاردات العقيمة. ومع ذلك، ظل الأمر بطيئًا، وكان معدل تبدّل أعضاء إمبراطورية الثمانية والثمانين محبطًا، خصوصًا أنني كنت أهدف إلى تكوين صورة كاملة، دون أن يبقى أي عضو من إمبراطورية كايزر مجهول الهوية. ولم تكن جهودي مع الأبطال المحليين أفضل حالًا، وإن كانت لأسباب مختلفة.
«لفترة من الزمن، وباستثناء المدفوعات المنتظمة وبعض التوجيهات، كان اهتمامي منصبًا على أمور أخرى. ولم أتلقَّ اتصالًا من المحققين إلا قبل أسبوعين، حين أخبروني أنهم حصلوا على ما أريده بشأن إمبراطورية الثمانية والثمانين. وبما أن كل ذلك اكتمل في وقت لم يبقَ فيه أمامي سوى الإمبراطورية كواحدة من العقبات القليلة، فقد بدا الأمر وكأنه مصادفة سعيدة. فانتهزت الفرصة فورًا».
قال غرو مخاطبًا ظهر كويل: «ونسيت أمرنا. وكيف سيبدو ذلك من وجهة نظرنا».
أدار كويل رأسه: «نعم. أعترف أنني لست فخورًا بإخفاقي في رؤية الصورة الأكبر، وأؤكد لكم أنني لن أكرر هذا الخطأ».
قال ريجنت، للمرة الأولى منذ وصولنا: «أهذا كل شيء؟ تقول: أنا آسف، وعلينا ببساطة أن نقبل ذلك؟»
توقف كويل، واضطررنا إلى التوقف حتى لا نصطدم به. ثم قال:
«إذا قبلتم عرضي، فلن أضع أي خطة بهذا الحجم دون استشارتكم أولًا، أنتم والمسافرون والأشرار المستقلون الذين يعملون لدي. آمل أن تتمكنوا من تنبيهي إلى أي عيوب أو عواقب غير مقصودة قد تتضمنها خططي».
فك غرو ذراعيه وقال: «لا أستطيع الجزم. ربما».
قلت: «تعجبني الفكرة، لكن دون إساءة، لست متأكدًا من أنني أثق بك إلى هذا الحد. ولا تقل إن تاتلتيل ستكتشف الأمر وتخبرنا إذا خالفت القواعد وحاولت تمرير شيء من وراء ظهورنا. فهي ليست معصومة من الخطأ. آسف يا تاتل».
هزت تاتلتيل كتفيها.
قال كويل: «سأترك لكم الوقت للتفكير في الأمر. لا يوجد تصرف أو لفتة يمكنني القيام بها لتكسبوا ثقتي دفعة واحدة. كل ما يمكنني فعله هو العمل معكم، والحرص على ألّا أمنحكم سببًا إضافيًا لعدم الثقة بي».
أجبته بلا التزام: «حسنًا».
«والآن، بقيت لدينا مسألة أخيرة علينا معالجتها: مخاوفكم بشأن سلامتكم. أود أن أريكم أنكم في أيدٍ أمينة، وأنا مستعد للكشف عن أحد أسلحتي السرية».
توقف أمام باب. كان هناك جندي يقف بالقرب منه ويدخن سيجارة.
أمر كويل: «أحضرها».
أومأ الجندي، وسحق السيجارة على الجدار، ثم وضع عقبها في جيبه ودخل عبر الباب.
اقترب كويل من الجدار حيث أطفأ الجندي سيجارته، واستخدم إبهامه لمسح البقعة السوداء عنه. ثم قال لنا:
«لو أخبرتكم أنني أعرف مكان اختباء كايزر بعيدًا عن أعين الأبطال، برفقة حراسه الشخصيين وربما عدد قليل من مساعديه، وأنني أريد منكم القضاء عليهم في كمين ليلي، فهل سيكون ذلك مثالًا على نوع المواقف التي تقلقون من مواجهتها؟»
أجابت تاتلتيل: «نعم. حتى مع قدرتك…»
قاطعها كويل مكملًا: «لديكم مخاوفكم، نعم. اعذروني إن لم أتوسع في الحديث عن قدراتي، أو أسمح لتاتلتيل بفعل ذلك. نحن… آه، ها هي ذي».
خرج الجندي من الباب مصطحبًا فتاة.
كان عمرها نحو اثني عشر عامًا، وتحيط بعينيها هالات داكنة، أما شعرها البني الداكن المستقيم فكان بحاجة إلى قص. كانت ترتدي قميصًا أبيض بأكمام طويلة، وبنطال بيجامة أبيض، ونعالًا بيضاء. لم تنظر إلى عيني أي شخص، بل ظلت تحدق في الأرض. كانت يدها اليمنى تقبض على مرفقها الأيسر، بينما تنقر أصابع يدها اليسرى إيقاعًا غير منتظم على فخذها.
انحنى كويل وأبعد الشعر عن وجه الفتاة. نظرت إليه، ثم أشاحت بوجهها.
قال كويل بلطف: «أحتاج إلى بعض الأرقام».
«أريد الحلوى».
«حسنًا. ستحصلين على الحلوى بعد ستة أسئلة».
«ثلاثة». ازدادت انفعالًا، واستدارت كما لو أنها ستغادر، ثم عادت واستدارت نحوه. وبدأت تتحرك بتوتر أكبر.
«خمسة أسئلة. هل هذا عادل؟»
استدار كويل وجلس على الممر المعدني بجانب المكان الذي وقفت فيه الفتاة.
«حسنًا. خمسة».
«أريد من هؤلاء الأشخاص…» أشار كويل إلينا، «…أن يذهبوا لمحاربة كايزر، غدًا في الحادية عشرة ليلًا. هل تتذكرينهم؟ الأندرسايدرز. وهل تتذكرين كايزر؟ من الصور التي عرضتها عليك؟»
«نعم. سألتني هذا من قبل».
«صحيح. لكنني أريد من الأندرسايدرز أن يسمعوا إجابتك. أعطيني رقمًا. كيف سيكون أداؤهم دون مساعدتي؟»
«احتمال عودة الجميع بنسبة ستة وأربعين فاصلة ستة اثنين ثلاثة خمسة أربعة بالمئة. واحتمال عودة بعضهم فقط بنسبة ثلاثة وثلاثين فاصلة سبعة سبعة تسعة صفر واحد بالمئة. هذا سؤال واحد».
توقف كويل قليلًا ليتيح لنا استيعاب كلامها، ثم نظر إلينا وقال:
«إنها تحسب الاحتمالات. نعتقد أنها تفعل ذلك من خلال رؤية جميع النتائج المحتملة لحدث ما خلال جزء من الثانية. تصنّف قدرتها هذه النتائج وتساعدها على تحديد احتمال وقوع حدث معين. الأمر ليس سهلًا عليها، وأحاول ألّا أرهق قدراتها، لكن يمكنكم بالتأكيد إدراك مدى قيمة هذا الأمر».
ضَمَمْتُ ذراعيّ إلى جسدي. وعندما نظرت إلى الفتاة، وجدتها تنظر إليّ. فأشحت بنظري.
«هل يمكنني الحصول على الحلوى الآن؟»
بدأت تقضم ظفر إبهامها. وعندما نظرت إلى يدها الأخرى، رأيت أن أظافرها مقضومة حتى أقرب نقطة ممكنة من الجلد.
أبعد كويل يدها عن فمها وقال: «أربعة أسئلة أخرى يا صغيرتي، ثم الحلوى. أخبريني بالأرقام المتعلقة بالموقف نفسه، لكن إذا أرسلت المسافرين بدلًا منهم».
«احتمال عودتهم جميعًا بنسبة ستين فاصلة اثنين واحد صفر صفر تسعة بالمئة. واحتمال عودتهم بنسبة أربعة وأربعين فاصلة واحد سبعة أربعة ثلاثة بالمئة، لكن مع إصابة شخص ما أو مقتله».
«فتاة جيدة». استدار نحونا وقال: «المسافرون أقوياء، لذا من المنطقي أن تكون فرصهم أعلى. لكنني وجدت أن مجموعتكم تستفيد أكثر من استخدام قدرتي. صغيرتي، أخبريني بالأرقام المتعلقة بالسيناريو نفسه، لكل من المسافرين والأندرسايدرز، لكن لنفترض أنني ساعدتهم بطريقتي المعتادة».
«هذا سؤالان. فريقان، سؤالان. لا غش. أصاب بصداع سيئ جدًا عندما أحاول استخراج أرقام كثيرة».
«حسنًا. أجيبي عن هذين السؤالين، ثم يبقى سؤال واحد قبل أن تحصلي على الحلوى. أريد فقط معرفة احتمالات عودة الفريقين سالمين».
أومأت الفتاة بسرعة وحماس مبالغ فيهما قليلًا.
«لدى هؤلاء الأشخاص فرصة بنسبة اثنين وثلاثين فاصلة صفر صفر خمسة ثمانية ثلاثة بالمئة للعودة دون أن يموت أحد أو يُصاب بجروح خطيرة إذا ساعدتهم. أما المسافرون فلديهم فرصة بنسبة واحد وأربعين فاصلة…»
«لا، توقفي». أوقفها كويل. «هذا لا يعقل. لقد أعطيتني أرقامًا مختلفة من قبل. هذه الأرقام أقل من احتمالات نجاحهم إذا لم أساعدهم».
«هذه هي الأرقام الموجودة في رأسي».
«الأرقام خاطئة يا صغيرتي».
هزت رأسها ورفعت صوتها في نوبة غضب مفاجئة على نحو مدهش:
«لا! إنها صحيحة! أنت فقط لا تريد أن تعطيني الحلوى!»
وضع كويل يده على كتفها. حاولت الابتعاد، لكنه أمسك بها بقوة. واضطر إلى رفع صوته كي يُسمع فوق صرخاتها، وهزّها قليلًا ليتأكد من أنها تصغي إليه:
«السؤال الأخير، وبعده ستحصلين على الحلوى، أعدك».
بدأت تهدأ، وعندما تحدث كويل مجددًا، كان أكثر هدوءًا، وعاد إلى أسلوبه المعتاد والمعقول:
«أعطيني الرقم مرة أخرى، إذا أرسلت الأندرسايدرز لمحاربة كايزر دون أن أقدم لهم مساعدتي. ما النسبة المئوية لاحتمال عودتهم سالمين؟»
«اثنا عشر فاصلة ثلاثة واحد ثلاثة ثلاثة بالمئة…»
نهض كويل بسرعة. واستدار نحو الجندي الواقف بالقرب منه وقال:
«أعطها ما تريده».
قاد الجندي الفتاة عائدة عبر الباب.
تمتم كويل لنفسه: «هناك أمر شاذ يحدث هنا. لا يمكن للأرقام أن تنحرف بهذا القدر وفي وقت قصير كهذا. انخفاض بأكثر من ثلاثين بالمئة…»
قالت تاتلتيل: «كويل؟» وبدا وجهها شاحبًا بعض الشيء.
«تاتلتيل، هل تعرفين لماذا قد تتغير الأرقام؟ هل تخبرك قدرتك بأي شيء؟»
هزت رأسها وبدأت تتحدث، لكن أحدهم قاطعها.
«انصرفوا»، أمرها، وأمرنا جميعًا. «سأتصل بكم لاحقًا، وسنكمل هذا النقاش حينها».
«لكن…»
قال مشددًا على الكلمة: «أرجوكم، اخرجوا بأنفسكم. هذا الوضع، أيًا كان ما يحدث، يتطلب اهتمامي».
أومأت تاتلتيل. وتوجهنا معًا عبر الممر نحو الباب الذي دخلنا منه. وكنا قد قطعنا نصف الطريق صعودًا على الدرج المؤدي إلى الفتحة حين قال ريجنت:
«حسنًا، كان ذلك غريبًا بشكل لا يُصدق».
أجبته بصوت منخفض: «ليست الكلمة التي كنت سأستخدمها لوصفه».
«ما قصتها؟ هل هي مثل لابيرينث؟ هل عبثت قدراتها بعقلها؟»
نظرت إلى الآخرين، ثم استدرت نحوه. لم أستطع منع نبرة من السمّ من التسلل إلى صوتي وأنا أسأله:
«هل أنت غبي إلى هذه الدرجة؟»
«ماذا؟ قالت إنها تصاب بالصداع، وكويل قال إن استخدام قدرتها أمر شاق عليها. ليس من المستبعد أن تكون هناك مشكلة نفسية، خصوصًا بالنظر إلى تصرفاتها».
قلت: «الحلوى التي كانت تطلبها كانت تعبيرًا ملطفًا عن المخدرات». وجعلني نطق ذلك بصوت مسموع أشعر بأن الأمر أصبح أكثر واقعية بطريقة ما. ضممت ذراعيّ بقوة أكبر إلى جسدي. «إنه يبقيها تحت تأثير المخدرات حتى تطيعه وتعطيه أرقامه».
«لا أظن…»
«اصمت». قاطعت ريجنت. «فقط اصمت. أنا… لا أستطيع الجدال معك بشأن هذا. أرجوك».
توقف عن الكلام. نظرت إلى الآخرين. كان غرو يعقد ذراعيه ويقف ساكنًا تمامًا. أما بيتش، فكانت تحمل تعبير الغضب المعتاد على وجهها. وبدا وجه تاتلتيل شاحبًا، حتى في ضوء المصباح الوحيد الذي ينير الدرج. ولم تكن تجرؤ على النظر في عينيّ.
قلت لريجنت: «كنت ستعرف لو كنت تشاهد الأخبار، أو تقرأ الصحف. أكره أن أضطر إلى شرح هذا، بينما لا أريد حتى التفكير فيه. إنها الطفلة المفقودة. هل تتذكر عملية السطو على البنك؟ وكيف لم نكن حتى في الصفحة الأولى من الأخبار لأن تنبيهًا عاجلًا عن اختفاء طفلة استحوذ على الاهتمام؟ كانت هي. دينا ألكوت».
كان الاشمئزاز والغضب يتصاعدان في صدري وحلقي إلى درجة جعلتني أرغب في التقيؤ أو تحطيم شيء في مكاني. وكان جزء من تلك المشاعر، بل الكثير منها، موجهًا إلى نفسي. نظرت إلى تاتلتيل وقلت:
«أخبريني أنني مخطئة. أرجوكِ».
أشاحت بنظرها عني، وكان ذلك جوابًا كافيًا.
سألت ريجنت: «هل فهمت الآن؟ كانت عملية السطو على البنك مجرد وسيلة لإلهاء الأبطال المحليين، حتى يضمن كويل نجاحه في اختطاف الطفلة. لقد شاركنا في ذلك. نحن من ساعد على حدوثه».
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.