#وورم — الفصل البيني 7
«تحرّكي!» صاح الجندي باللغة التركية. وغرز فوهة بندقيته بقوة بين لوحي كتفها. كان أطول منها بمرتين، وأقوى منها بكثير، لذا لم يكن هناك مجال للقتال أو المقاومة، حتى لو لم يكن مسلحًا. تعثرت وهي تتقدم نحو الشجيرات والأشجار، وأخذت الأغصان تخدش ساعديها ووجهها.
خطوة أمام الأخرى، قالت هانا لنفسها. كانت قدماها ثقيلتين كأنهما كتل من الرصاص وهي تجرهما إلى الأمام. خدشت إبر الأشجار والشجيرات جلدها. حتى الأغصان الصغيرة كانت خشنة، تكاد تكون شائكة، فتعلق بفستانها وجواربها، وتخترق القماش لتخدش جلدها وتغرس نفسها في قدميها الحافيتين.
«أسرعي!» هددها الجندي. قال شيئًا آخر، أطول وأكثر تعقيدًا، لكن لغتها التركية لم تكن جيدة بما يكفي لفهمه. نظرت من فوق كتفها، فرأت الرجل الذي كان يقف خلفها في الطريق الذي جاءت منه. أوضح قصده تمامًا عندما لوّح ببندقيته نحو الأطفال الآخرين، الذين كانوا محاصرين وسط نحو ستة جنود آخرين. إذا لم تتحرك بسرعة أكبر، فسيدفع شخص آخر الثمن.
منحت السنوات السبع قريتها ثقة زائفة، وجعلت أهلها يعتقدون أنهم بعيدون بما يكفي، ومعزولون بما يكفي داخل الوادي والغابة، ليتمكنوا من النجاة من أسوأ المعارك في الحرب الدائرة. لكن ذلك الوهم تحطم قبل ساعات قليلة فقط.
كانت مختبئة في القبو المجاور لمنزلها. سمعت الصراخ وإطلاق النار. كان إطلاق نار كثيفًا أكثر مما ينبغي، بالنظر إلى قلة الأسلحة الصالحة للاستخدام التي امتلكها رجال ونساء قريتها. كانت البنادق والذخيرة باهظة الثمن عندما يعيش المرء على ما يزرعه في حديقته وما يستطيع اصطياده، كما أن الرحلة إلى أقرب مدينة لشراء مثل هذه الأشياء كانت خطيرة. أما ما امتلكوه فكان مجرد بقايا؛ حفنة من الأسلحة التي انتزعها مقاتلو حرب العصابات من أعدائهم وتركوها وراءهم، أو تبادلوها معهم مقابل المؤن والرعاية الطبية عندما كانوا يمرون بالقرية. أما الذين امتلكوا البنادق، فلم تكن لديهم المهارة أو التدريب اللازمان لاستخدامها. كان من المفترض أن يتولى المقاتلون الدفاع عنهم ضد أناس كهؤلاء، وأن يمنعوهم من الوصول إلى هذا الحد.
أسرعت لتخطو خطوة أخرى إلى الأمام، وانتفضت عندما انكسر غصن صغير تحت قدمها. تسربت من شفتيها أنّة خافتة.
عندما عثر جنود العدو عليها في القبو، وسحبوها لتضم إلى مجموعة تضم الأطفال التسعة الآخرين من قريتها، كانت تعرف أن والديها قد ماتا بالفعل أو أنهما يحتضران. وبينما كان الجنود يسوقونهم عبر القرية إلى الغابة، ظلت تحدق في الأرض، والدموع تنهمر على خديها، رافضة النظر إلى الدماء والجثث التي تناثرت في مسقط رأسها. أناس كانت تراهم كل يوم طوال حياتها.
راحت عيناها تمسحان أرض الغابة، لكنها لم تكن تعرف ما الذي ينبغي لها البحث عنه. كومة من التراب؟ خيط؟ رقعة كثيفة من إبر الصنوبر الجافة والبنية؟ خطت خطوة أخرى إلى الأمام وانتظرت وقوع الكارثة. وعندما لم يحدث شيء، تقدمت مجددًا ثم توقفت.
قبل وقت قصير فقط، شاهدت من بعيد كوفان، الفتى البدين الأكبر سنًا الذي اعتاد مناداتها بأسماء مهينة، وهو يتقدم إلى الأمام ثم تسقط ساقه داخل حفرة. صرخ، وعندما اندفعت هانا وبقية الأطفال نحوه لمحاولة إخراجه، لم يفعلوا سوى زيادة حدة صراخه وشدة تشنجاته. وبينما كان الجنود الأتراك يراقبونهم بصمت من خلفهم، استخدمت هانا والآخرون أيديهم لكشط التراب الصلب والصخري، كاشفين عن أوتاد خشبية مغروسة في جوانب الحفرة. كان كل وتد مغروسًا في الأرض بزاوية تجعله يشير إلى الأسفل، مع وجود بعضها في القاع لتخترق قدمه. كان الخشب مرنًا بما يكفي لينثني ويسمح لساقه بالسقوط عميقًا داخل الحفرة، لكن محاولات رفع كوفان لم تفعل سوى سحب ساقه وقدمه نحو الرؤوس الخشبية المدببة التي كانت تنتظره.
كانت تعرف أنها إحدى المصائد التي نصبها صيادو قريتها أو مقاتلو حرب العصابات الذين يدافعون عنها. كانت المصائد منتشرة في كل مكان، موزعة في أرجاء الغابة وحول القرية وبالقرب من الطرق وغيرها من المواقع المهمة. كانت قد سمعت أحد المقاتلين يشرح هذه المصيدة بالذات لوالدها. وقد قيل لها مرارًا وتكرارًا ألا تلعب في الغابة، ولهذا السبب تحديدًا، وأن عليها أن تصطحب شخصًا بالغًا ليرشدها إذا اضطرت إلى دخولها لأي سبب. لكنها لم تدرك حقيقة الأمر بالكامل إلا عندما رأت ما حدث لكوفان.
حاولوا طويلًا تحرير ساق الفتى بالحفر حولها، وهم يعلمون، كلما كشفوا المزيد من ساقه المثقوبة ورأوا الإصابات وكمية الدم، أنه لن يستطيع المشي لمسافة طويلة. كانوا يعرفون أن الأمر ميؤوس منه، لكن كوفان كان شخصًا درسوا معه في المدرسة. شخصًا اعتادوا رؤيته كل يوم.
أنهى أحد الجنود محاولاتهم برصاصة في رأس كوفان، ليصبح بذلك ثاني طفل يموت.
اختيرت هانا لتكون التالية.
لاختبار الطريق.
قبضت على مقدمة فستانها، وكوّرت القماش في يديها اللتين لا تزالان مغطاتين بالتراب والخدوش نتيجة محاولتها تحرير كوفان. خطوة أمام الأخرى. كانت كل حواسها متأهبة إلى أقصى حد. أصبحت شديدة الانتباه لحفيف التراب تحت قدميها، واحتكاك إبر الصنوبر بقماش فستانها. وكانت تشعر بحرارة الشمس تدفئ جلدها عندما تخطو إلى بقعة تتسلل إليها أشعة الضوء عبر أشجار الصنوبر.
رمشت بقوة لتزيل الدموع من عينيها. يا لها من غبية. كان عليها أن تتمكن من الرؤية. أي إشارة، مهما كانت صغيرة، قد تكشف لها وجود مصيدة. كان البكاء أسوأ شيء يمكنها فعله.
خطوة أمام الأخرى.
توقفت. رفضت قدماها التقدم أكثر. نظرت حولها وهي ترتجف.
كانت تعرف أنها ستموت إذا خطت خطوة أخرى.
لم يكن هناك أي منطق في ذلك، ولا سبب أو دليل. لم تكن هذه البقعة من الغابة مختلفة عن سواها. طبقة من إبر الصنوبر ذات اللون الأحمر البني تحت قدميها، وشجيرات وأشجار تحيط بها من كل جانب.
لكنها كانت تعرف.
سواء خطت إلى الأمام، أو إلى يمينها أو يسارها، فإنها ستقع في مصيدة. حفرة تشبه تلك التي ابتلعت كوفان، أو ربما عبوة متفجرة مثل تلك التي قتلت أشتي. على الأقل ماتت أشتي بسرعة.
ناداها الجندي الذي كان يراقبها من مسافة خلفها، مستخدمًا الكلمة المألوفة التي سمعتها مرارًا:
«تحرّكي!»
كانت تهديدًا وأمرًا في الوقت نفسه.
وقد غمرها الرعب، فأخذت هانا تنظر حولها بحثًا عن شيء يخبرها إلى أين تذهب وكيف تتحرك.
في تلك اللحظة، عرفت أنها لن تموت على الفور. لم تعد قادرة على المشي إلى الأمام؛ كان ذلك مستحيلًا جسديًا، وكأن قدميها تجذرتا في الأرض مثل الأشجار. سيجبرونها على مشاهدة تعذيب أحد الأطفال الآخرين حتى الموت. ثم سينتقلون إلى الطفل التالي، وربما إليها هي أيضًا، إلى أن يجدوا طفلًا آخر مستعدًا للعمل كطُعم وإزالة المصائد من طريقهم بأبسط طريقة ممكنة وأكثرها خطورة.
«تحرّ…»
رأت شيئًا هائلًا.
لم يكن ضخمًا بالمعنى الذي تكون به الأشجار أو حتى الجبال ضخمة. كان هائلًا بطريقة تتجاوز ما تستطيع رؤيته أو الشعور به أصلًا. كان الأمر أشبه برؤية شيء أكبر من الكوكب بأسره، بل أكثر من ذلك… هذا الشيء الذي كان أكبر من أن يُستوعب من الأساس، كان يمتد ويتشعب. لم تجد كلمة أفضل لوصف ما كانت تدركه. بدا الأمر كما لو كانت هناك صور منعكسة له، لكن كل صورة منها موجودة في المكان نفسه، وبعضها يتحرك بطرق مختلفة، وفي حالات نادرة جدًا، تتلامس إحدى الصور مع شيء لا تلامسه الصور الأخرى. كانت كل صورة من تلك الصور حقيقية وملموسة بقدر الأخريات. وهذا ما جعله ضخمًا بطريقة لا تستطيع وصفها حتى لو كانت عالمة أو فيلسوفة تبلغ من العمر مئة عام، وتملك إمكانية الوصول إلى أفضل المكتبات في العالم.
وكان حيًا. كائنًا حيًا.
عرفت، دون الحاجة إلى التفكير في الأمر، أن كل واحد من أصداء ذلك الكيان أو امتداداته كان جزءًا من كل مترابط، تمامًا كما كانت يدها أو أنفها جزءًا منها. كان كل امتداد شيئًا يدركه هذا الكائن الحي ويتحكم فيه ويحركه بقصد وهدف. وكأنه موجود ويمتد إلى تلك الذوات المحتملة كلها في آن واحد.
*إنه يحتضر*، فكرت.
كانت الأطراف الخارجية للكائن تتقشر وتتحطم إلى شظايا وهو يسبح في فراغ بلا هواء. لم يكن يتحرك بالمعنى المعتاد، بل كان يغير وضعه بانسيابية عبر الوجودات التي تحتضن أصداءه، فينكمش هنا وينتفخ هناك، ناقلًا نفسه بسرعة تتجاوز الضوء. وفي أعقابه، كانت القشور والشظايا تنفصل عنه كما تنفصل بذور الهندباء عن نبتة مستحيلة الضخامة في ريح مستمرة. بذور يفوق عددها كل ذرات التراب المنتشرة على الأرض بأسرها.
بدا أن إحدى تلك الشظايا تنمو، وتزداد حجمًا وضخامة، حتى أخذت تهيمن على وعيها، إلى أن لم يعد بإمكانها إدراك أي شيء سواها. كما لو أن القمر يسقط ويصطدم بالأرض. يسقط مباشرة فوقها.
«تحرّكي!» أنهى الجندي صرخته دون أن يفوته أي إيقاع.
تحركت هانا. كانت لا تزال في الغابة، ويداها تؤلمانهما بسبب الخدوش، وقدماها موجوعتان من المشي. كان قلبها يخفق بعنف، وكانت تتذوق الخوف في فمها كأنه مرارة القيء.
بدأت الذكرى تتلاشى بالفعل. هل حدث ذلك حقًا؟ مهما حاولت التمسك بها، كانت تفلت منها. كان الأمر أشبه بحلم يتسرب من الذاكرة عند الاستيقاظ، لكنه كان زلقًا إلى درجة أن فكرة أنها حلمت أصلًا بدأت تتراجع بسرعة من ذهنها.
صرخ الجندي بشيء معقد للغاية بحيث لم تستطع فهمه، وكان يوجه كلامه إلى رفاقه. تركت هانا بقايا الذكرى تنزلق بعيدًا عن انتباهها. كان هذا، هنا والآن، هو الأهم. إما أن تتقدم إلى الأمام وتموت، أو تقف مكتوفة الأيدي وتشاهد الآخرين يموتون بسبب جبنها. وبفضل مجرد أثر من فكرة أن شيئًا ما قد حدث، تحررت من شللها. ربما تستطيع التقدم.
رفعت قدمها…
ثم توقفت.
كان هناك شيء يقف في طريقها. كتلة ضبابية معلقة في الهواء عند مستوى صدرها، تتشقق وتتحول بعنف جنوني. أعادت قدمها إلى موضعها السابق، وحدقت في الوميض المتلألئ المتعدد الألوان، الأسود والأخضر.
لمسته، وشعرت بثقل يستقر في راحة يدها. انغلقت أصابعها حوله تلقائيًا، وشعرت بدفئه. كان إحساسه يشبه تقريبًا إحساس مداعبة كلب أليف وودود. فكرة غريبة، بالنظر إلى الشيء الذي وجدت نفسها تحدق فيه.
مسدس من الفولاذ الرمادي المصقول. بدا مألوفًا بطريقة ما. كان مطابقًا لأصغر المسدسات التي رأت مقاتلي حرب العصابات يحملونها.
*لا أستطيع استخدام هذا.*
كانت الفكرة باردة في ذهنها.
*إذا استخدمته، فسيقتلون الآخرين بمجرد أن أطلق النار.*
تلألأ المسدس، وتحول إلى تلك الكتلة الضبابية السوداء والخضراء، ثم استقر في شكل جديد. لقد رأت هذا أيضًا. كان أحد المقاتلين قد تحدث إلى هانا، وأراها مجلة أسلحة إنجليزية، محاولًا كسب ود أختها الكبرى. كان هذا السلاح يشبه المسدس الذي حملته للتو، لكن في مقدمته أنبوبًا معدنيًا يضاعف طول السلاح تقريبًا. كانت تعرف أن ذلك الأنبوب يجعل صوت إطلاق النار أخفت.
كان بقية الأطفال والجنود الآخرون بعيدين جدًا خلفها. لا يزال الأمر شبه مستحيل، لكن…
«تحرّكي!» صاح الجندي خلفها. «تحرّكي وإلا…»
استدارت بسرعة، ممسكة بالمسدس بكلتا يديها. استغرقت ثانية لتثبيت تصويبها، وكانت دهشة الجندي التركي كافية لمنحها الوقت اللازم للضغط على الزناد.
فتحت هانا عينيها فجأة.
*لهذا السبب لا أنام.*
لاحظت أنها لا تزال ترتدي زيّها، ثم نهضت من سريرها واتجهت إلى الحمام. على الأقل كانت قد تحلت بالحكمة الكافية لنزع وشاحها، حتى لا تختنق به أثناء راحتها.
كانت الوحيدة التي تتذكر. نسي الجميع ذلك الكائن الهائل الذي يستحيل تصوره، إن كانوا قد حظوا أصلًا بلمحة منه. لم تكن قادرة على التأكد. فأي شخص آخر رآه كان سينساه حتمًا قبل أن يتمكن من ترتيب أفكاره بما يكفي للحديث عنه. تمامًا كما كان من المفترض أن يحدث لها.
لكنها تذكرته.
لمست سكين القتال المغمدة عند وركها، وكأنها تذكّر نفسها بوجودها. كانت لديها شكوك بشأن هبتها: لقد أخذت قواها جزءًا من نفسيتها ومنحته شكلًا ملموسًا. أكثر أجزائها غضبًا، وأكثرها طفولية، والأجزاء التي تحلم، وتلك التي تنسى. كانت تتخيل أن السكين عند وركها تنام نيابة عنها وتحلم نيابة عنها. فقد أمضت ما يقارب سنة كاملة في بعض الأحيان دون أن تحتاج إلى التوقف وإسناد رأسها إلى وسادة.
عندما كانت تغمض عينيها وتسمح لنفسها بالاستسلام للنوم، كان ذلك لأنها تشعر أن هذا أمر ينبغي لها فعله، لا لأنها مضطرة إليه. وحتى حينها، لم تكن تحلم أبدًا. بدلًا من ذلك، كانت ذاكرتها تعيد عرض الأحداث الماضية بتفاصيل كاملة. وبمحض مصادفة من القدر، كان هذا يعني أنها تتذكر الكيان، وتتذكر نسيانها له، مهما بدا ذلك متناقضًا.
ولن تتحدث عنه لأي شخص أبدًا.
لقد قتلت الجنود الذين احتجزوا أطفال قريتها الآخرين رهائن. بعد قتل الأول، تظاهرت بالخوف، وادعت أن مقاتلي حرب العصابات موجودون في الغابة. ثم انتظرت حتى انشغلوا بمراقبة الغابة، وأمطرت بقية الرجال بالرصاص باستخدام بندقية هجومية. لم تشعر حتى بالسوء حيال ذلك، كما أنها لم تفقد الكثير من النوم بسبب إصابة أحد الأطفال، بهار، برصاصة خلال الاشتباك.
كانت تندم على الوفيات، وهذا أمر لا يحتاج إلى قول، لكنها لم تشعر بالذنب حيال ما فعلته. فمن أصل الأطفال العشرة، تمكن سبعة من العودة، بفضلها وبفضل هبتها. عادوا إلى قريتهم، وأبعدوا الجثث عن الأنظار، وفعلوا ما استطاعوا للحفاظ على مؤنهم إلى أن يمر مقاتلو حرب العصابات من جديد.
أجبرت هانا الآخرين على أن يقسموا لها ألا يتحدثوا عن هبتها. كانت تعلم أن مقاتلي حرب العصابات سيجندونها ويستغلونها لو عرفوا بها. ومهما كانت هذه القوة التي حصلت عليها، فإنها لم تشعر بأنها مُنحت لها من أجل ذلك.
عندما عاد المقاتلون، رأوا حالة الأطفال وقرروا إجلاءهم. أخذوهم إلى مدينة، وهناك تكفل رجل بإرسال هانا والآخرين إلى المملكة المتحدة، حيث كان العديد من اللاجئين الآخرين يتوجهون. فُرّق الأطفال، وأُرسل كل واحد منهم على حدة إلى دور الأيتام ومؤسسات رعاية الأطفال الآخرين الذين يعانون من مشكلات. جاء دور هانا متأخرًا، وكانت تقريبًا الأخيرة، فأخذوها لتركب طائرة أخرى متجهة إلى منزلها الجديد.
وهناك واجهت مشكلة.
كانت قد عبرت المدخل المقوس، الذي ستعرف لاحقًا أنه جهاز كشف المعادن، فانطلق إنذار. عثر الحراس على السلاح الذي لم تستطع إسقاطه أو تركه وراءها، واقتادوا هانا إلى مكان آخر. استجوبوها وطرحوا عليها أسئلة كثيرة. ثم أخذوها إلى الحمام، وفتشوها عندما عادت إلى غرفة الاستجواب، فعثروا على المسدس نفسه الذي انتزعوه منها قبل نصف ساعة فقط.
بعد ذلك، حدث كل شيء بسرعة كبيرة. كان الشخص الذي أنقذها أمريكيًا يرتدي زيًا عسكريًا. أخذها إلى أمريكا، وتأكد من إلحاقها بإحدى العائلات هناك. وعندما تأسست الفرق الثلاث الأولى للحماة الصغار، جرى تجنيدها. كانت بالكاد تعرف مئة كلمة من اللغة الإنجليزية، إلى جانب الأرقام والحروف الأبجدية، عندما خرجت لأول مرة مرتدية زيّها.
انحنت هانا فوق المغسلة وغسلت وجهها. وجدت فرشاة أسنان ونظفت أسنانها، ثم استخدمت خيط تنظيف الأسنان، وبعد ذلك كشطت لسانها. كان من السهل جدًا نسيان هذه الأشياء في غياب إيقاع النوم الذي يقسم الأيام إلى فترات. من الأفضل أن تفعلها أكثر مما ينبغي قليلًا على أن تنساها. تمضمضت بغسول الفم، ثم كشرت لتتفحص عمل طبيب الأسنان الذي غطّى أسنانها بتيجان. أسنان مثالية الشكل وبيضاء. لم تكن أسنانها حقًا.
وجد سلاحها طريقه إلى يدها في وقت ما بعد أن وضعت غسول الفم جانبًا. كان مسدسًا لا يختلف كثيرًا عن الشكل الأول الذي اتخذه لها. أدارت إصبعها داخل واقي الزناد ولفّت المسدس حوله عدة مرات، ثم أعادته إلى جرابه وهي تغادر الحمام.
توجهت إلى النافذة وحدقت في المدينة الواقعة على الجانب الآخر من المياه. كانت الألوان تتغير بصورة طفيفة في الضوء المنكسر عبر مجال القوة الخاص بمقر منظمة الحماة، فتبدو المناظر مشبعة بالألوان على نحو مبالغ فيه، مثل شاشة تلفاز أُسيء ضبط إعدادات صورتها.
حتى لو لم تكن تحلم أبدًا، فإن أمريكا ظلت تتمتع بطابع سريالي يشبه عالم الأحلام. كانت بعيدة للغاية عن المكان الذي جاءت منه، ومختلفة عنه تمامًا. لم تكن هناك حرب هنا، ليس حقًا، ومع ذلك استطاع الناس هنا إيجاد الكثير من الأمور التي يتذمرون منها. رجال يرتدون البدلات، ومشكلات عاطفية، والرعاية الطبية، وعدم امتلاك أحدث هاتف بشاشة تعمل باللمس. كانت تلك الشكاوى غالبًا ما تُقال بانفعال وحماسة يفوقان ما استخدمه أي شخص في قريتها للتعبير عن الحزن على موت أحبائه أو الإبادة المنهجية لشعبهم. وعندما تسمع شكاوى أصدقائها وزملائها في العمل، كانت تكتفي بالإيماء وتقديم كلمات المواساة اللازمة.
الأضواء الساطعة، ووسائل الراحة، وعدم الحاجة إلى أي شيء، وأجهزة التلفاز، والسيارات الرياضية، والأسنان المغطاة بالتيجان، والشوكولاتة… والقائمة تطول. لقد استغرق الأمر الجزء الأكبر من عقد كامل حتى بدأت تعتاد على كل ذلك، وكانت الأمور تتغير بسرعة كبيرة لدرجة أنها كلما ظنت أنها بدأت تستوعب شيئًا، ظهر شيء جديد، شيء يُفترض بها أن تعرفه أو تفهمه.
لم تعترض عندما طلب منها والداها بالتبني أن تبدأ بكتابة اسمها بالتهجئة الأمريكية الأكثر شيوعًا: «هانا» بدلًا من «هانا» بتهجئته الأصلية. وافقت ووقّعت الأوراق عندما أخذا اسم العائلة الذي منحه إياها والداها واستبدلاه باسمهما. كانت أمورًا بسيطة، تافهة مقارنة بما رأته وفعلته. لم تكن تستحق الشكوى. كان الجميع يثنون عليها بسبب انضباطها في المدرسة والتدريب. لم تستسلم قط، ولم تنسحب أبدًا. ولماذا تفعل ذلك؟ لم يكن هذا شيئًا يُذكر مقارنة بتلك الساعات التي قضتها في تلك الغابة.
كان من الصعب تصديق أن أحداث حلمها وقعت قبل ستة وعشرين عامًا فقط.
لم تشعر يومًا بأنها حقيقية تمامًا. أكثر من مرة، سمحت لنفسها بأن تبدأ في تصديق أنها ماتت، وأنها خطت تلك الخطوة إلى الأمام ولم تخرج من الغابة أبدًا. ارتكبت أخطاء عندما سمحت لنفسها بالتفكير بهذه الطريقة، وعرّضت نفسها لخطر كبير خلال سنواتها الأولى بصفتها بطلة. أما الآن، فعندما تجد نفسها تنزلق إلى تلك الحالة الذهنية، تحاول غالبًا النوم. كانت ذكرياتها أثناء النوم مثالية، لا تشوبها شائبة، وتكاد تكون أكثر واقعية من الحياة نفسها، ولهذا السبب لم تكن تفعل ذلك كثيرًا. ويا للمفارقة، بالنظر إلى مدى ضرورة ذلك في كثير من الأحيان لإبقائها متصلة بالواقع.
لقد تعلمت أن تحب هذا البلد. أحبته حقًا، لما يمثله من قيم ومبادئ. واضطرت إلى النضال كي يُسمح لها بارتداء العلم ضمن زيّها. لم تكن أمريكا مثالية، لكن لا شيء تمسّه أيدي البشر يمكن أن يكون مثاليًا. كان هناك الطمع والفساد والأنانية والتفاهة والكراهية. لكن كانت هناك أشياء جيدة أيضًا. الحريات، والأفكار، والخيارات، والأمل، وإمكانية أن يصبح أي شخص أي شيء هنا، إذا كان مستعدًا لبذل الجهد من أجل ذلك.
ومع تقبلها لبلدها الجديد، سمحت لنفسها بتكوين صداقات، والدخول في علاقات عاطفية، والتقرب من والديها وكنيستهما. وبحلول الوقت الذي بدأت فيه الدراسة الجامعية، كانت لكنتها قد اختفت تقريبًا، وأصبحت تعرف ما يكفي لتتظاهر على الأقل بأنها تفهم ما يتحدث عنه الآخرون عندما يتطرقون إلى الثقافة الشعبية والموسيقى والتلفاز.
كانت تعرف أن الناس يصدرون الأحكام على الآخرين، ولذلك لن تتحدث أبدًا عما رأته في تلك اللحظة التي نالت فيها هبتها.
حتى بين المؤمنين الآخرين، ستواجه الشك والازدراء لو قالت إنها رأت الله، أو أحد ملائكته المحاربين، كما هم موجودون خارج نطاق الفهم البشري. وأنه منحها هذه القدرة كي تنقذ نفسها. سيقدم آخرون تفسيرات مختلفة، وسيجادلون بأنه منح مثل هذه الهبات لأشخاص أشرار أيضًا، وسيشيرون إلى التفسير العلمي للأمر.
ربما كان جزء صغير منها يشك في أن هؤلاء الأشخاص الافتراضيين على حق. ومع ذلك، كانت تفضل إيمانها على العيش في حالة من عدم اليقين. لم تكن فكرة أن هذا الكائن الذي رأته ربما لا يكون كيانًا خيّرًا يراقب البشرية، بل قد يكون شريرًا، أو الأسوأ من ذلك، أنه موجود دون أن يدرك تأثيره على البشر أصلًا… كفيلًا بين حشرات؟ لم تكن فكرة مريحة.
ألقت نظرة على الساعة؛ السادسة والنصف صباحًا. أرخَت وشاحها المطبوع بالعلم حول عنقها وأسفل وجهها، ثم غادرت غرفتها. تحولت الطاقة إلى بندقية هجومية تتدلى بجانبها، وتضرب وركها بإيقاع مطمئن مع كل خطوة تخطوها. صعدت مجموعة من الدرجات، ثم سارت حتى نهاية أحد الممرات.
سمعت صوت رجل وصوت امرأة. توقفت عند باب مفتوح وطرقت عليه.
«نعم؟» نادى آرمزماستر.
«هل أقاطعكما؟»
«لا. تفضلي بالدخول»، أجاب.
دخلت الغرفة. كانت تقع في مكان ما بين ورشة عمل ومكتب. وقف زيّان احتياطيان على أحد جانبي الغرفة، ولكل منهما اختلافات وظيفية طفيفة. وُضعت مجموعة من المطارد على حامل خلف مكتب آرمزماستر، وكان أحدها محطمًا إلى قطع. كان أحد المواضع على الحامل فارغًا؛ فالمطرد الذي أمام آرمزماستر كان يشغل مكانه.
«لقد أرهقت نفسك بالعمل ونسيت النوم مجددًا يا كولين؟» سألت هانا، رغم أن الإجابة كانت واضحة.
قطب حاجبيه، ومد يده نحو حاسوبه وضغط زرًا. رأى الوقت وتمتم:
«تبًا».
«صباح الخير، آنسة ميليشيا»، جاء صوت امرأة من الحاسوب.
رمشت هانا بدهشة.
«دراغون. آسفة، لم أدرك أنك موجودة. صباح الخير».
«أنت مستيقظة مبكرًا»، علّقت دراغون. «وبحسب ما أراه على الإنترنت، فقد كنت خارجًا حتى وقت متأخر أيضًا. هل تواجهين صعوبة في النوم؟»
«أنا لا أنام»، اعترفت هانا. «ليس حقًا، منذ حصولي على قواي».
«حقًا؟ أنا أيضًا».
اتكأ كولين إلى الخلف وفرك عينيه بكعبي يديه.
«كنت سأعطي قدمي اليسرى مقابل هذه الميزة الصغيرة».
أومأت هانا. أهناك آخرون مثلها؟ سألت شاشة الحاسوب:
«هل تتذكرين؟»
«عذرًا؟ لا أفهم ما تقصدين»، أجابت دراغون.
«لا شيء».
لو كانت دراغون تتذكر، لكانت هانا تعرف أن إجابة ذلك السؤال ستكون مختلفة. كانت دراغون أذكى من أن تفوتها الصلة بين الأمرين.
قال كولين: «كنا نتحدث عن العمل». وأشار إلى المطرد الذي أمامه. «أؤجل إنجاز مهامي بالانشغال بأمور المخترعين الخارقين. أعتقد أن مشروع الليلة كان ناجحًا».
«حقًا؟»
وقف آرمزماستر، وأمسك المطرد بيد واحدة. ضغط زرًا على المقبض، فصار النصل ضبابيًا. ومن دون أن يلوح بالسلاح حتى، ترك طرفه العلوي الأثقل يسقط على مجسم معدني فارغ من الفولاذ المقاوم للصدأ، كان من الممكن أن يحمل زيًا احتياطيًا من درعه. تناثر الغبار في المكان الذي لامس فيه النصل المجسم، ثم اخترقه دون أي مقاومة. وسقطت قطع المجسم على الأرض بصوت متصادم.
«مذهل»، أخبرته.
ضغط زرًا آخر، فتبدد الضباب المحيط بالنصل في دخان بلون الفولاذ، ولم يبقَ سوى رأس الفأس العادي في الطرف العلوي من السلاح.
«المشكلات الوحيدة هي أنه عرضة للتأثر بمجالات القوة والنار وأشكال الطاقة الشديدة الأخرى، كما أن الآلية تشغل مساحة كبيرة جدًا في الجزء العلوي. حتى مع قوتي، فهذا يعني على الأرجح أنني سأضطر إلى الاستغناء عن بعض المعدات التي اعتدت استخدامها».
«أنا واثقة أنك ستجد حلًا»، قالت له هانا.
ثم وضعت يديها على وركيها، متظاهرة بالصرامة.
«والآن، كفى تشتيتًا لانتباهي. ما العمل الذي تماطل في إنجازه؟»
مرر كولين إحدى يديه على شعره البني القصير المقصوص، ثم تنهد.
«صحيح. لكِ الحق نفسه الذي أملكه في اتخاذ القرار بشأن هذا الأمر».
عاد إلى مكتبه، وجلس مترهلًا على كرسيه. أزاح مفكًا وزوجًا من الكماشات من زاوية المكتب بقدمه، ثم رفع ساقيه ووضع إحداهما فوق الأخرى عند الكاحل. ومد يده في الاتجاه المعاكس، والتقط كومة من الملفات، ثم ألقاها على المكتب.
«قررت بيغوت اتخاذ إجراءات ردًا على الأحداث الأخيرة. ستُعاد هيكلة كل من الحماة الصغار ومنظمة الحماة».
تجهمت هانا.
«إلى أي مدى سيكون الأمر سيئًا؟»
هز كولين كتفيه وقال:
«بالنسبة إلى الحماة الصغار، سنفقد إيجيس. تريد بيغوت وهيئة الاستجابة للباراإنسان أن تريا كيف سيكون أداؤه في قيادة فريق مختلف، ووالدا الفتى موافقان على ذلك. سيبقى ضمن الحماة الصغار لفترة أطول قليلًا، حتى يبدو أصغر سنًا مما هو عليه».
«يا للخسارة. ومن سيحل محله؟»
«إنها عملية تبادل. سنحصل على ويلد من فريق بوسطن».
«لا أعرفه»، اعترفت هانا.
تدخل صوت دراغون من الحاسوب:
«إنه فتى جيد، وسجله ممتاز. بيولوجيته حديدية، ويمتص المعادن عبر جلده. قوي ومتين، ودرجاته مرتفعة في جميع المواد، كما حقق نتائج ممتازة في محاكاة التكتيكات. محبوب، ويُظهر فحص الإنترنت أن ردود الفعل تجاهه أعلى من المتوسط، وهذا أمر مثير للإعجاب بالنظر إلى أنه أحد حالات القضية 53».
«لديه الوشم؟» سألت هانا.
«العلامة محفورة بالنار في كعب قدمه، وليست وشمًا، لكن نعم».
أومأت هانا.
«ماذا أيضًا؟»
قطب كولين حاجبيه.
«من المفترض أن نختار شخصين آخرين من فريق الحماة الصغار لدينا لنقلهما إلى أحد الفرق الرئيسية الأخرى القريبة. لقد استقررت على كيد وين، لكنني لم أحسم أمر الشخص الآخر».
«براويت؟»
«إنه جديد جدًا. ربما أستطيع إقناع بيغوت بذلك، لكنني أظن أنها سترى أن التخلي عن عضو جديد لدينا سيبدو سيئًا».
«هممم. لن يكون من الممكن نقل غالانت إلى بوسطن. هناك الكثير من التعقيدات اللوجستية».
نظرت هانا إلى الحاسوب. لم يكن بإمكانها قول المزيد.
قال آرمزماستر: «يمكنك التحدث بحرية. دراغون إما قرأت السجل المعني بالفعل، أو أنها تقرؤه الآن بينما نتحدث».
أجابت دراغون:
«لدى غالانت مسؤوليات محلية، ومن المتوقع أن يبدأ بالمساعدة في إدارة مشروع والده التجاري المحلي. آنسة ميليشيا محقة، فهو جزء راسخ من المجتمع المحلي. كما أن حبيبته موجودة هنا».
أومأت هانا.
«سيكون من المؤلم التخلي عن فيستا أو كلوكبلوكر. إنهما أقوى عناصرنا، وهما بطلا المدينة المحليان بعد الدور الذي لعباه في حادثة القنبلة. ماذا عن شادو ستوكر؟»
هز كولين رأسه.
«ستكون هناك مشكلات أكبر بكثير في تسليم شخص مثل شادو ستوكر إلى فريق آخر مقارنة بالتخلي عن عضو جديد مثل براويت. لديها مشكلات انضباطية».
«ما زالت؟» سألت.
أومأ آرمزماستر.
قطبت هانا حاجبيها.
«حسنًا. إليك ما ينبغي أن تفعله. اقترح شادو ستوكر وكيد وين. وإذا رفضت بيغوت شادو ستوكر، وهو أمر محتمل، فعليك أن تجادل بأن شادو ستوكر قد تحتاج إلى تغيير البيئة المحيطة بها. عندها سيكون من الأصعب على بيغوت رفض براويت بعد ذلك مباشرة، أليس كذلك؟»
فرك كولين ذقنه، حيث كان لحيته تتبع حواف فكه، ثم أومأ.
«إذا لم توافق على التخلي عن أي منهما، وعليك حقًا أن تكون حازمًا في هذا الشأن، فيمكنك عرض كلوكبلوكر. فهو سيتخرج هذا الصيف على أي حال، وأعتقد أن لديه ما يكفي من الأصدقاء والعلاقات هنا ليطلب العودة إلى بروكتون باي والانضمام إلى منظمة الحماة عندما يبلغ الثامنة عشرة. سيكون ذلك أفضل سيناريو بالنسبة إلينا، وليس الأمر وكأن بوسطن أو نيويورك بحاجة إلى المزيد من أصحاب القوى الخارقة».
تنهد كولين.
«أنت أفضل مني في هذه الأمور، ولم أكن يومًا بمثل براعتك».
لم تعرف هانا كيف ترد. كان لدى كولين نقاط قوته، لكنه كان محقًا.
واصل حديثه:
«تهانينا».
التقط الملف الثاني ومده إليها.
«ماذا؟»
أخذته وفتحته.
«هناك تغيير يخص فريقنا أيضًا، وفقًا لقرار بيغوت وبقية المسؤولين عن الإشراف. لقد تمت ترقيتك. خلال الأسبوعين المقبلين، سيُنقل هذا المبنى وهذا الفريق إلى قيادتك».
وقفت في مكانها تقلب أوراق الملف، مذهولة.
«إلى أين ستذهب؟»
«شيكاغو».
انفرجت شفتا هانا عن ابتسامة.
«شيكاغو! هذا رائع! مدينة أكبر، وفريق أكبر! إلى أين سينتقل ميردين؟»
«سيبقى في شيكاغو».
هزت هانا رأسها.
«لكن…»
ثم خفت صوتها وتوقفت.
كان التعبير القاسي على وجه كولين كافيًا لتفسير الأمر.
«أنا آسفة جدًا»، قالت.
«إنها السياسة»، قال كولين وهو يتكئ إلى الخلف. «أنا بارع في هذا العمل. أفضل من معظم الناس، إذا سمحتِ لي بالتفاخر قليلًا. كل ما أقدمه إلى الطاولة حصلت عليه بجهد شاق. لكن عندما يتعلق الأمر بمصافحة الأيدي، وإدارة الناس، والتعامل مع البيروقراطية… فأنا لست جيدًا في ذلك، ولن أكون كذلك أبدًا. وبسبب هذا، ستتم إقالتي من منصبي، ويمكنني على الأرجح أن أنسى تولي قيادة أي فريق آخر في المستقبل».
«أنا آسفة. أعرف كم كنت تتمنى…»
«لا بأس»، قال، لكن قصر نبرته وحدتها أوضحا أن الأمر لم يكن كذلك.
استدار ولمس لوحة المفاتيح. وفي ظلام الغرفة، انعكس الضوء الأزرق للشاشة على وجهه للحظة وجيزة. وانعقد حاجباه.
«دراغون. أتذكرين ذلك البرنامج الذي أعطيتِني إياه، الذي يتنبأ بأنماط تهديدات الفئة S؟ لقد أجريت عليه بعض التعديلات لأرى إن كنت أستطيع التقاط أي مؤشرات مهمة. أشغّل الآن اثنتي عشرة نسخة منه بالتوازي. أطلقت على إحداها اسم HS203. أريدك أن تنظري إلى هذا تحديدًا. لقد وضعته خلف إجراءات أمنية مشددة، لكن إذا انتظرتِ ثانية فسوف…»
«أنا أنظر إليه بالفعل»، قاطعته دراغون. «أرى ما فعلته. ربطت بياناتي بالتغيرات الجوية. أعتقد أنني بدأت أرى الأمر».
دارت هانا حول المكتب وانحنت فوق كتف كولين لتتمكن من رؤية الشاشة. كانت خريطة الساحل الشرقي مغطاة بسحابة متعددة الألوان تشبه قوس قزح.
«هذا لا يعني لي شيئًا».
شرح كولين، وكان صوته مشدودًا:
«لا يوجد شيء عشوائي تمامًا. يمكن العثور على نمط في أي مجموعة بيانات في نهاية المطاف، إذا بحثت بعمق كافٍ. بدأت دراغون العمل على نظام إنذار مبكر لنهايات العالم، لنرى إن كان بإمكاننا توقع المكان الذي ستضرب فيه المرة القادمة والاستعداد إلى حد ما. نعرف أن هناك بعض القواعد التي تتبعها، رغم أننا لا نعرف السبب. تأتي واحدة تلو الأخرى، تفصل بين هجماتها أشهر، ونادرًا ما تضرب المنطقة نفسها مرتين خلال فترة قصيرة. نعرف أنها تنجذب إلى المناطق التي تدرك وجود نقاط ضعف فيها، حيث تعتقد أنها تستطيع إحداث أكبر قدر من الضرر. المفاعلات النووية، وسجن القفص الطائر، والأماكن التي تعرضت مؤخرًا لكوارث طبيعية…»
نقر بالفأرة، فاقتربت الصورة من جزء من الساحل.
«…أو مناطق الصراع المستمر»، أكملت هانا عنه، واتسعت عيناها. «عصابة ABB، وإمبراطورية الثمانية والثمانين، والقتال الدائر هنا؟ إنها قادمة إلى هنا؟ الآن؟»
لم يكن لدى كولين جواب لها.
«دراغون؟ تقع بروكتون باي ضمن المنطقة التي يتنبأ بها النموذج، والمدينة مدرجة ضمن المواقع التي تحصل على تقييم مرتفع بما يكفي على مقياس الحساسية أو التغطية الإعلامية السلبية. أضيفي إلى ذلك بياناتي، والارتباطات بين التحولات المفاجئة في درجات الحرارة والضغط الجوي و…»
«البيانات موثوقة».
لم يحمل صوت دراغون، الذي عُدّل إلكترونيًا لإخفاء أكثر التفاصيل كشفًا عن هويتها، أي أثر للشك.
«موثوقة بما يكفي لطلب المساعدة؟»
«بما يكفي».
تحرك كولين بسرعة، واستدار بكرسيه ليصل إلى لوحة تحكم صغيرة. فتح غطاءً زجاجيًا وقلب مفتاحًا. وعلى الفور، بدأت صفارات الإنذار الجوية تطلق عويلها المشؤوم.
«دراغون، سأتواصل مع بيغوت وفرق منظمة الحماة. تولي أنتِ الاتصال بكل الآخرين الذين يهمنا أمرهم. أنت تعرفين من نحتاج إليهم أكثر من غيرهم».
«أنا أفعل ذلك بالفعل».
التفت نحو هانا، والتقت عيناهما للحظة قصيرة. كان هناك الكثير مما قيل بينهما في تلك اللحظة، ولم تكن متأكدة من أنها تحب ما رأته في عينيه.
بصيص من الأمل؟
«آنسة ميليشيا. جَنّدي الأبطال المحليين. ونحتاج إلى مكان نجتمع فيه».
ابتلعت مخاوفها.
«أمرك سيدي!»
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.