وورم — الفصل البيني 8
كان كويل متمسكًا بشدة بفلسفة مفادها أن المرء لا يمكن أن يكون مفرطًا في الارتياب. فكل لحظة من كل يوم كانت بمثابة توازن دقيق، يتطلب توقع أي عدد من التهديدات الخفية، القادمة من جميع الاتجاهات الممكنة، سواء أكان يتحدث مع مرؤوسيه أم ينهض ببساطة لمواجهة يوم جديد.
في أحد الواقعين، كان مستقرًا بأمان في قاعدته تحت الأرض، مرتديًا زيه، وبينما يفصله عن العالم الخارجي ما لا يقل عن عشرين جنديًا مسلحًا، إضافة إلى عدة مجموعات من الأبواب المعدنية الثقيلة. كان قد أمضى ليلته في القراءة، ومتابعة الأخبار، ومراقبة أسهمه. لم يكن يعرف موقعه سوى العاملين لديه، وهم أشخاص يتقاضون أجورًا مرتفعة بما يكفي ليكون لدى «زملائهم» حافز لإيقافهم حتى لو امتلكوا سببًا لمهاجمته.
أما في الواقع الثاني، فكان يستيقظ في منزل عادي، متداعٍ بعض الشيء، في الطرف الجنوبي الغربي من المدينة. أعد فطوره وتناوله، ثم خرج مرتديًا رداء الحمام لالتقاط الصحيفة والبريد، وتوقف للحظة ليلوح لجيرانه وهم يقودون ابنتيهما الصغيرتين إلى الخارج. لم تتأثر أحياؤهم بالفيضانات بقدر ما تأثرت أحياء أخرى، لكن المدارس لم تكن قد عادت إلى العمل بعد، ولذلك كان الأبوان سيصطحبان ابنتيهما إلى مقر عملهما لفترة قصيرة.
عاد إلى الداخل، واستحم، ثم ارتدى قميصًا بأزرار وسروالًا كاكيًا وربطة عنق حريرية. ركب سيارته البريوس التي اشتراها قبل أربع سنوات، وانطلق نحو المدينة. استغرقت الرحلة التي كانت تستغرق عادة عشر دقائق ثلاثة أرباع الساعة، إذ اضطر إلى تغيير مساره لتجنب الطرق المدمرة والمباني المنهارة وأعمال إعادة الإعمار، كما اضطر إلى السير مع بقية السائقين وسط ازدحام مروري متواصل، منذ لحظة مغادرته الطريق المسدود الصغير الذي يقع فيه منزله.
وبحسب كل المظاهر، لم يكن سوى رجل عادي متجه إلى عمله. كانت هويته المزيفة مكتملة، بوظيفة حقيقية في شركة حقيقية، وسجلات تمتد لعشر سنوات في مجالات الصحة والضرائب وطب الأسنان ومدفوعات المنزل وغيرها.
كان الجندي الذي استقبله معروفًا بين الجنود بلقب «كريب». لم يكن أي قائد ليقبل بوجود هذا الرجل في فرقته؛ فميوله جعلته غير قابل للتوظيف في القطاع العام، وحقيقة أن كويل كان الشخص الوحيد القادر والراغب في منحه «المقابل» الذي يتوق إليه جعلت كريب مخلصًا له إلى أقصى درجة يمكن أن يبلغها إخلاص رجل.
كان لكل شخص نقطة ضعف، أو رذيلة، أو شيء يحتاج إليه على مستوى بدائي ويائس. وأحيانًا كان لا بد من خلق تلك الحاجة أو تغذيتها، حتى يصبح بالإمكان تقديم ما يشبعها لاحقًا، شيئًا فشيئًا. أولئك الذين تحركهم مثل هذه الأشياء، والذين يطفو توقهم إلى شيء ما على سطح نفوسهم، كانوا من الأشخاص المفضلين لدى كويل، ويأتي بعدهم مباشرة الأشخاص المفيدون له.
أما الذين يجمعون بين الفائدة واليأس من أجل شيء يستطيع كويل توفيره؟
حسنًا، هؤلاء كانوا المسافرين، وكريب، وغرو في هذا العالم.
أما بقية الناس، فكان المال كافيًا لإبقائهم تحت السيطرة.
ظل كريب الشخص الوحيد الذي أتيحت له فرصة اكتشاف هوية كويل الحقيقية، دون قناعه، ولذلك كان شراء ولائه أمرًا يستحق العناء. انتظر الرجل في المقعد الأمامي للشاحنة البيضاء، وعيناه مثبتتان إلى الأمام، إلى أن سمع الطرقات الثلاث على الباب الخلفي للمركبة. ضغط زرًا، ففتح الباب ليسمح لكويل بالدخول.
وبمجرد أن أصبح في الجزء الخلفي من الشاحنة، حيث يحجبه حاجز بين المقاعد عن أنظار كريب، خلع كويل ملابسه وطيّها بعناية. ثم ارتدى زيه، جلده الثاني. كان هناك سحاب مخفي داخل صورة الأفعى البيضاء الطويلة التي تلتف صعودًا حول جسد الزي وصولًا إلى الرأس. أغلقه حول نفسه، ثم أدخل لسان السحاب المعدني تحت طية عند كاحله. كان نسيج الزي يسمح له بالرؤية والتنفس من خلاله، لكنه بدا للآخرين بلون أسود رمادي معتم، باستثناء أكثر ظروف الإضاءة سطوعًا.
كان يقضي وقتًا أقل فأقل بهويته المدنية في هذه الأيام، حتى إنه بدأ يفكر في التخلي عنها تمامًا. كان بإمكانه أن يكون كويل طوال الوقت، بمجرد اكتمال تجهيز القاعدة. لكن في الوقت الراهن، وطالما أنه لا يزال بحاجة إلى سرير ومكان يهرب فيه من ضجيج أعمال البناء، فقد ظلت تلك الحيلة ضرورية. جلس على الكرسي الوحيد في مؤخرة المركبة.
بالنسبة للمراقبين من الخارج، لم يكن كريب سوى عامل عادي يقود شاحنة كهربائيين إلى موقع بناء. كانت قاعدة كويل تحت الأرض تقع خارج حدود البحيرة الهائلة التي تشكلت في وسط المدينة مباشرة. ولو امتدت الفوهة أربعين أو خمسين قدمًا إضافية، لربما تجاوز الأمر مجرد تشقق الجدران الداخلية، ولخسر كويل أشهرًا بدلًا من أيام، ومئات الآلاف بدلًا من بضعة آلاف.
قاد كريب المركبة إلى الأسفل عبر المنحدر وصولًا إلى مرآب السيارات. وبقي هناك مع الشاحنة بينما غادر كويل.
دخل كويل من باب يقع في أكثر زوايا مرآب السيارات انخفاضًا وعزلة، فوصل إلى غرفة تضم نظامًا كهربائيًا خلف قفص معدني. فتح باب القفص ودخل، ثم مر خلف صندوق الكهرباء وعبر بابًا مخفيًا هناك، حتى وصل إلى باب الخزنة الثقيل الذي يشير إلى مدخل قاعدته تحت الأرض.
حتى بعد دخوله، ووجود موظفين اثنين في انتظاره للترحيب به، إلى جانب مجموعة من قادة فرقته الذين وقفوا مستعدين، ظل حذرًا.
في الواقع الآخر، نهض عن حاسوبه وانتقل إلى الغرفة المجاورة لغرفته. توقف عند المدخل، محدقًا في الفتاة الممددة على سريرها الصغير. كانت ترتدي الأبيض، ولا تتحرك إلا مع ارتفاع قفصها الصدري وانخفاضه، وعيناها مفتوحتان.
«صباح الخير يا حيواني الأليف. أنت تعرفين الأسئلة التي أطرحها عليك.»
«هل أصبح الصباح؟» سألت وهي ترفع رأسها. «أشعر وكأنني تناولت العشاء للتو. حلوى؟»
«لا يا صغيرتي. الوقت مبكر جدًا. والآن، أرجو أن تجيبي عن سؤالي.»
أجابت بتذمر: «احتمال وقوع أي مشكلات هنا خلال الساعة القادمة هو 0.252 بالمئة. واحتمال وقوع أي مشكلات قبل وقت الغداء هو 3.7441 بالمئة.»
«فتاة مطيعة.»
وبذلك، ألغى ذلك العالم الذي أمضى فيه الليل مستيقظًا، يدرس الأخبار، ويتابع اتجاهات الأعمال الدولية، ويراقب تفاصيل أصغر العمليات التي تنفذها قواته؛ فقد كان يساعد على ضمان نجاح العمليات الكبرى باستخدام قدرته. تلاشى ذلك الواقع سريعًا، ولم يبقَ سوى العالم الذي نال فيه ليلة كاملة من النوم، وتناول فطورًا دسمًا، وقاد فيه إلى القاعدة برفقة كريب. لم يبقَ سوى الذكريات والمعرفة.
وبينما كان يقف أمام موظفيه وجنوده، قسّم الواقع مرة أخرى، تاركًا مجرد نبضة قلب واحدة تفصل بين محو وجود وخلق وجود آخر.
كثيرًا ما تساءل عما إذا كان يخلق تلك العوالم حقًا، أم أن الأمر لا يتجاوز كونه في إدراكه وحده، إذ يتنبأ بالمستقبل إلى الحد الذي تصبح فيه الأحداث مرتبطة بأفعاله. كان قد سأل تاتلتيل الخاصة به، لكنها لم تكن تملك إجابة.
كان يكره تلك اللحظات، قبل أن يحصل على حيوانه الأليف والضمانات التي توفرها له. كانت تلك الأوقات التي يكون فيها أكثر عرضة للخطر، عندما يكون قد بدأ للتو استخدامًا جديدًا لقدرته، وتكون نسخه من نفسه متقاربة للغاية. وكان هذا أمرًا لا مفر منه للأسف، ما لم يجد طريقة لتوسيع قدرته إلى عالم ثالث. ومع أنه كان يعرف أن احتمال وقوع خطر ضئيل للغاية، وأن حيوانه الأليف لا تستطيع الكذب عليه حتى لو أرادت ذلك، فإنه ظل يبذل الجهود لإبعاد العالمين عن بعضهما قدر الإمكان.
في الواقع الأول قال: «أيها القادة، تعالوا معي. إمبراطورية الثمانية والثمانين منقسمة، وسأوجهكم في سلسلة من الضربات لضمان إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بها قبل أن يتمكن الفصيلان من الاتحاد مجددًا.»
وفي الواقع الآخر قال: «أريد تفقد القاعدة. أيها القادة، عودوا إلى مواقعكم.»
انطلقت مجموعتان في اتجاهين منفصلين. سارت إحدى نسختيه مع الجنود نزولًا عبر الدرج المعدني إلى الطابق السفلي، بينما اتجهت الأخرى في الاتجاه المعاكس، عابرة الممر المعدني، والموظفان الاثنان يسرعان للحاق بخطواته الطويلة.
تفحص القاعدة وهي تتخذ شكلها تدريجيًا. كانت كميات هائلة من الصناديق والعبوات تُفرغ من محتوياتها، وأسرّة بطابقين للجنود المناوبين، وجناح طبي مجهز بالكامل، ومخزونات ومرافق للمطابخ، وأسلحة لا حصر لها. كان المكان يتشكل شيئًا فشيئًا، وبدأت التفاصيل الدقيقة تظهر في مواضع لم يكن فيها سابقًا سوى زوايا قائمة وأكوام مرتبة بعناية من الصناديق.
كان يملك الشركة التي بنت الملاجئ تحت الأرض في بروكتون باي والمدن المجاورة. وكان إخفاء تفاصيل قاعدته أثناء البناء مسألة تتعلق باعتراض المعلومات في الوقت والمكان المناسبين، والدفع من ماله الخاص بدلًا من أموال المدينة، والتحكم فيما يُبلّغ عنه ولمن. وقد أكدت له قدرات حيوانه الأليف أن أحدًا لن يلاحظ أي اختلاف في وقت قريب.
«غرفة المسافرين.» كان كلامه أقرب إلى التصريح منه إلى السؤال، لكنه تطلب إجابة.
تحدث رجل يرتدي سترة ونظارات صغيرة ذات إطار دائري، يُدعى السيد بيتر: «انتهينا منها. غرف فردية، وأثاث، ومطبخ، وخزائن ملابس. لا تزال هناك بعض التعديلات البسيطة اللازمة لجعلها أكثر ملاءمة لذوي الاحتياجات الخاصة، لكن بإمكانهم جميعًا الانتقال إليها اليوم.»
«وماذا عن منشأة الاحتواء؟» سأل، رغم أنه كان يعرف الإجابة بالفعل، من خلال المقاطعات التي تعرض لها أثناء قضائه الليل في المنشأة. فقد سمع ضجيج العمل قبل ساعات قليلة، وأُبلغ بوصول أشخاص إلى المكان.
«وُضع باب الخزنة ليلة أمس فقط. كانت هي…» توقف السيد بيتر للحظة، ثم تابع: «مضطربة. اضطررنا إلى استدعاء تريكستر ليتحدث معها. إنه هنا الآن.»
«سأتحدث إليهم.»
«أمرك سيدي.»
لم يكن يحب التعامل مع الناس، وخصوصًا المرؤوسين المهمين مثل المسافرين أو الأندرسايدرز، دون امتلاك القدرة على إنشاء واقع أو محوه إذا لم تسر المناقشة كما يريد. أما هنا، فقد كان آمنًا. كانت نسخته الأخرى تصدر الأوامر بشأن تحركات القوات والأهداف التي ينبغي مهاجمتها والأشخاص الذين يجب الحذر منهم، مستفيدة من الليلة التي أمضاها في تتبع عمليات انتشار دوريات منظمة الحماة والحماة الصغار وأنماط تحركاتهم.
ترك السيد بيتر يتقدم الطريق وهما يتجهان إلى شقق المسافرين. كان الرجل صغير الحجم، متواضع المظهر، وعاديًا. عمل ممرضًا مسجلًا، وامتلك سجلًا مثاليًا امتد لثماني سنوات في رعاية طفلين يعانيان من أمراض خطيرة والاعتناء بهما. ثم اكتشف أن زوجته خانته، وحاول الطلاق منها. لكن المرأة قررت أن ذلك غير مقبول بالنسبة إليها، فشرعت في تدمير حياته، وأفسدت مسيرته المهنية وصداقاته وعلاقاته العائلية وكل شيء آخر، ووجهت إليه اتهامات وزرعت أدلة تتعلق بأسوأ أنواع الجرائم. تلك الأنواع من الاتهامات والشكوك التي كان على المربّي الذكر أن يحذر منها دائمًا.
كان السيد بيتر واحدًا من أولئك الأشخاص الذين يجمعون بين الفائدة والشراء بأشياء أقوى من المال. كان سيضمن راحة المسافرين وتوفير كل ما يحتاجون إليه. وعلى وجه التحديد، كان سيعتني بدينا، ويتأكد من أن جميع الجرعات نظيفة وتُعطى على النحو الصحيح، وأن الفتاة تحظى بأفضل حالة صحية ممكنة.
لم يكن كل ما طلبه في المقابل سوى اختفاء زوجته، وقد سُوّيت الفوضى والمشكلات التي تسببت بها المرأة بهدوء بعد وفاتها. انتقل من رجل محطم إلى شخص لا يتزعزع في أداء واجباته، إلى درجة جعلت حتى كويل يتوقف للتفكير.
طرق السيد بيتر الباب وانتظر. مرّت قرابة دقيقة قبل أن يُفتح.
وقف تريكستر عند المدخل، دون قناع. كانت بشرته داكنة بطريقة تجعل تحديد أصوله العرقية أمرًا ملتبسًا؛ إذ كان من الممكن أن يكون فتى قوقازيًا داكن البشرة، أو مختلط العرق، أو من الشرق الأوسط، أو من الهند الشرقية. كان شعره الداكن طويلًا يصل إلى كتفيه، كما أن أنفه المعقوف وخط شعره المتراجع عند الصدغين منحاه مظهرًا صارمًا إلى حد ما. أما عيناه، اللتان كانتا حادتين عادة، فقد بدتا مثقلتين بالنعاس.
«هل أنت سادي إلى هذه الدرجة حقًا يا سيد بيتر؟ أتفهم إحضاري إلى هنا في الخامسة صباحًا إذا كانت نويل بحاجة إليّ، لكن أن توقظني بعد ثلاث ساعات فقط؟»
لم يرد «المربّي»، بل تنحى جانبًا ليمنح تريكستر رؤية أفضل لكويل. أمال تريكستر جسده خارج المدخل ليتفحص صاحب عمله من رأسه إلى قدميه، ثم أزال بظفر إبهامه شيئًا من زاوية عينه.
«تبًا. حسنًا.»
أجاب كويل: «شكرًا لك. أود التحدث إلى صديقتك في الطابق السفلي. لقد أظهرت التجارب السابقة أن الأمر يسير على أفضل نحو عندما تتولى أنت دور الوسيط.»
«لست متأكدًا من أنها فكرة جيدة.»
«سايرني. هل تريدني أن أنتظر حتى تغسل وجهك؟ أو ترتدي ملابسك؟»
«إذا كنا سنذهب لمجرد التحدث إليها، ولم يكن لديك شيء آخر تريدني أن أفعله، فربما سأعود مباشرة إلى السرير بعد ذلك.»
«كما تشاء.»
ارتدى تريكستر رداء حمام أسود، وشد الحزام حول خصره، ثم خرج إلى الممر المعدني.
«هل هناك شيء واحد على الأقل يمكنني إخبارها به؟ شيء يمنحها بعض الأمل؟» سأل تريكستر.
«لا شيء مؤكد. كنت أنوي إدخال تاتلتيل من الأندرسايدرز في هذه المسألة، وسؤالها عن رأيها. هذا إذا لم تكن لديها فكرة مسبقة عما يحدث. وفي كل الأحوال، قد تكشف مواهبها بعض التفاصيل التي فاتتنا.»
«كنت أنوي؟ أفهم من كلامك أنها لم تعد قادرة على ذلك الآن، بسبب ما حدث في المستشفى؟»
«شيء من هذا القبيل. لقد أبلغتني بوجود صعوبات حاليًا داخل مجموعتها، وطلبت مني ألا أشتتها أو أكلفها بأي مهام حتى تُحسم الأمور «في هذا الاتجاه أو ذاك». تلك كانت كلماتها.»
«هذا ليس بالضبط ما سيمنح نويل الأمل.»
«لا. ليس كذلك.»
تابعا السير عبر الممر، ثم نزلا الدرج. كان باب خزنة بعرض عشرين قدمًا مثبتًا في الجدار الخرساني. بدا مهيبًا فوقهما، إذ بلغ ارتفاعه ثلاثة أضعاف ارتفاع كويل نفسه.
تنحى كويل جانبًا، وأشار إلى الشاشة الصغيرة ولوحة المفاتيح الواقعتين على يسار الباب.
ضغط تريكستر زرًا في لوحة المفاتيح. «نويل؟ هل أنت هناك؟»
ومضت الشاشة، ثم ظهر وجه فتاة احتل معظم مساحتها. كان شعرها البني دهنيًا يحيط بوجهها، وتحت عينيها هالات داكنة. تحركت عيناها وهي تنظر إلى الشاشة من جهتها، لكنها لم تجب.
«مرحبًا»، قال تريكستر.
«مرحبًا.» كان صوتها خشنًا ومتهالكًا، كما لو أنها صرخت حتى تمزق حنجرتها.
«كويل يريد التحدث إليك.»
ساد الصمت للحظة.
«حسنًا.»
تقدم كويل حتى ظهر في الكاميرا إلى جانب تريكستر.
«نويل. أنا آسف لأن أعمال البناء أزعجتك. لم يكن ينبغي لنا القيام بذلك في وقت متأخر من الليل.»
اتهمته نويل: «لقد حبستني هنا.»
قال كويل: «من أجل سلامتك وسلامتنا.»
أخبرها تريكستر: «لقد وافقتِ على هذا. تحدثنا في الأمر. أنت من طلب منا فعل ذلك.»
«أعلم. أنا… لم أظن أن الأمر سيكون خانقًا إلى هذا الحد. أو موحشًا. أقسم أنني بدأت أشعر بجنون العزلة، ولم تمر سوى بضع ساعات.»
فتح تريكستر فمه، ثم أغلقه. وعندما وجد الكلمات أخيرًا، قال: «يمكنك الاتصال بي في أي وقت.»
«إلا عندما تكون في مهمة.»
«يمكنك التحدث إلى أوليفر حينها، أو إلى السيد بيتر.»
«أوليفر لا يزال مشغولًا بالتحدث معكم يا رفاق، والسيد بيتر يثير اشمئزازي.»
رفع كويل حاجبًا خلف قناعه، وألقى نظرة على السيد بيتر. لم يُبدِ الرجل أي رد فعل.
وتجنب تريكستر، بدبلوماسية، التعليق على وجود السيد بيتر بالقرب منهما. وقال بهدوء: «نحن نعمل على إيجاد حل.»
«أنتم تعملون على ذلك منذ شهر كامل!» بدأت تصرخ، وهو ما زاد من خشونة صوتها، «أصلحوا هذا! أصلحوني! أنتم من فعل هذا بي يا كراوس!»
تحدث كويل بصوت متحكم فيه: «نويل، تريكستر ليس المسؤول. في أقرب فرصة ممكنة، سأدعو موظفة لديّ للتحدث معك ومع بقية المسافرين. ستوفر قدرتها بعض الإشارات التي قد تساعدنا. كما أنني تواصلت مع رئيس قسم دراسات الباراإنسان في جامعة كورنيل. إنه خبير في هذا المجال.»
دوّى صراخها عبر نظام الاتصال الداخلي: «هذا ليس سوى المزيد من الفحص والتجريب والنظريات! لقد وعدتنا بأنك ستصلحني!»
وبالتزامن مع كلماتها، ارتطم شيء بباب الخزنة بقوة هزت العظام. وقف جميع الجنود تقريبًا في الطابق السفلي أو استداروا لمواجهة الباب، وأيديهم على أسلحتهم. وتساقط الغبار من الفواصل التي تلتقي عندها الجدران الخرسانية بالسقف.
مزعج. لم يكن هناك ما يمكن استخلاصه من هذه المحادثة بعد الآن. لكنه عرف على الأقل الشيء الوحيد الذي أراد التأكد منه: حالتها تزداد سوءًا.
استخدم قدرته، فألغى الواقع الذي كانت فيه الفتاة الهائجة، واختار بدلًا منه الواقع الذي كان يتحدث فيه إلى جنوده.
«…الأندرسايدرز منشغلون بأمور أخرى، لذا ستتلقون الدعم بصورة غير مباشرة من المسافرين. أيها القائد هيروكس؟ كم من الوقت تحتاج فرقتك لتكون جاهزة؟»
«نحن مستعدون للتحرك في أي لحظة.»
قال كويل: «جيد. كونوا على أهبة الاستعداد، سأعطيكم الأوامر خلال أقل من ساعة.»
«أمرك سيدي.»
استدار كويل وغادر، تاركًا القادة لمهامهم المحددة. ألقى نظرة على السيد بيتر.
«غرف المسافرين جاهزة بالكامل، على حد علمي؟»
«نعم. لقد ثبتنا الباب الثقيل في منتصف الليل. كانت نويل مضطربة بما يكفي لدرجة اضطررنا معها إلى استدعاء تريكستر لتهدئتها.»
«فهمت.»
«لا يزال هنا، إن أردت التحدث إليه.»
«دع الفتى يرتاح. لا بد أنه متعب.»
«نعم سيدي.»
«تأكد من حصول الفتاة على حصة مضاعفة هذا الصباح.»
«التكاليف…»
«هذا شأني. بما أن نومها قد اضطرب، فمن المرجح أن تكون… متقلبة المزاج. فلنحرص على ألا تجد الكثير مما تشتكي منه. وأنت يا سيد بيتر؟» توقف للحظة، «تحدث مع دوشين بشأن أعمال البناء فور وصولها. أريد تعزيز ذلك الباب في الطابق السفلي. مدّ الجدران إلى الداخل، وأضف بابًا ثانيًا إن اضطررت إلى ذلك. حدد موعد أعمال البناء في منتصف النهار، حتى لا نقاطع نومها مرة أخرى، لكنني أريد إنجاز الأمر في أقرب وقت ممكن.»
أومأ الرجل برأسه، وفهم على نحو صحيح أن الحديث انتهى، ثم أسرع مبتعدًا.
لم يبقَ معه سوى مساعده الآخر الذي كان يتبعه. كرانستون.
«هل هناك شيء عاجل؟»
«لا سيدي. لا تزال الشركات التي اشتريتها تعاني في أعقاب الكارثة، لكننا تلقينا تعويضات التأمين…»
«جيد. سنناقش الأمر لاحقًا.»
«نعم سيدي.» ثم أسرع كرانستون مبتعدًا.
عاد كويل إلى الطرف الأبعد من المجمع عن المدخل، ودخل جناحه الخاص. توقف أمام حاسوبه ليتفقد رسائله الإلكترونية وآخر الأخبار. لم يكن هناك شيء مهم.
قسّم الواقع. في أحدهما، بقي أمام حاسوبه. وفي الآخر، دخل الغرفة المخصصة لحيوانه الأليف.
«صباح الخير يا صغيرتي.»
تأوهت وهي تنهض جالسة: «هل أصبح الصباح؟ ظننت أنني انتهيت للتو من العشاء. حلوى؟»
«أنت تعرفين أسئلتي الصباحية.»
كان يعرف الأرقام بالفعل؛ فقد لاحظ أنها لم تتغير إلا قليلًا بينما كانت تسردها. لكنه لو ألغى دائمًا الواقع الذي يسألها فيه عن احتمال وقوع أي خطر في الصباح، ولم يسألها مرة أخرى لأن ذلك سيكون تكرارًا لا فائدة منه، فلن تتذكر هي السؤال أبدًا. حتى عقل مثل عقلها له حدوده وقيوده.
«ما احتمال نجاح خطتي الكبرى، مع تجاهل أي استخدام لقدراتي؟»
«اثنان وسبعون فاصلة اثنان صفر صفر اثنان واحد بالمئة.»
رقم مُرضٍ. وكان بإمكانه رفعه خلال الأيام والأشهر المقبلة باستخدام قدرته. ومن المثير للاهتمام أن النسبة كانت أفضل مما كانت عليه قبل هجوم ليفياثان.
«ما احتمال حل المشكلات المتعلقة بالأندرسايدرز؟»
«لا أفهم.»
قطّب حاجبيه. قيد آخر. كان عليها أن تكون قادرة على تخيل المشاهد حتى تتمكن من الإجابة.
«ما احتمال أن يظل الأندرسايدرز يعملون تحت إمرتي عند النقطة الزمنية التي تنجح فيها خطتي أو تفشل؟ إلى منزلة عشرية واحدة؟»
«خمسة وستون فاصلة ستة. لكن أفراد الأندرسايدرز ليسوا جميعًا المجموعة نفسها.»
«حقًا؟» حك ذقنه. «ما احتمال نجاح خطتي مع المجموعة الجديدة مقارنة بالمجموعة القديمة؟»
«لا أفهم. بدأ رأسي يؤلمني.»
«سؤال أو سؤالان إضافيان فقط يا صغيرتي. إذا تغيرت المجموعة، فهل يصبح نجاح خطتي أكثر احتمالًا؟ إلى منزلة عشرية واحدة.»
«نعم. من أربعة فاصلة ثلاثة إلى أحد عشر بالمئة، اعتمادًا على من سيأتي ومن سيرحل.»
«سؤال أخير. ما احتمال أن أجد علاجًا لوضع المسافرين؟ إلى منزلة عشرية واحدة؟»
«تسعة فاصلة خمسة. حلوى؟»
كانت النسبة أقل بسبع نقاط مئوية كاملة مما كانت عليه قبل هجوم نهاية العالم. هل مات شخص مهم أو غادر المدينة؟ أم أن نظريته التي ظل يتبناها صحيحة؟ هل كان هناك سبب لمجيء ليفياثان إلى هنا، يتجاوز مجرد فرصة مهاجمة مدينة كانت تعاني أصلًا من الحصار؟
كان من الصعب تجاهل حقيقة أن ليفياثان، منذ لحظة وصوله، أخذ يقترب تدريجيًا من هذا الموقع، حيث كانت الفتاة موجودة بالفعل. حتى المسافرون لاحظوا ذلك، واتصلوا به وهم قلقون.
ربما كان عليه أن يسأل تاتلتيل عن الأمر عندما يقدمها إلى نويل.
«الأمر سيئ. أن أرغب في الحلوى بهذا القدر، وأن أعرف أنني سأرغب فيها، وأن أراها كما أراها. يتراكم ذلك بداخلي.»
أقل بسبع نقاط مئوية. عند أي نقطة يصبح كسب ولائهم غير مستحق للموارد التي يستثمرها؟
«معرفتي بأنني سأمرض إن لم أحصل عليها، وقدرتي على رؤية ذلك، ورؤية ما سيحدث عندما أمرض، ومع اقتراب اللحظة ترتفع النسب، فيصبح الأمر أكثر واقعية. أستطيع تصور صورة واضحة إلى درجة تجعل الأمر أشبه بالمرض الحقيقي تقريبًا. حتى لو كان الاحتمال تسعة فاصلة اثنين فقط…»
قاطعها كويل: «ستحصلين على بعض منها لتساعدك على الصمود بعد قليل يا صغيرتي.» قال ذلك بأكثر نبرة مطمئنة استطاع التظاهر بها. كان من المستحيل إخفاء كل انزعاجه من مقاطعته لأفكاره، لكنها كانت منشغلة بما تعانيه إلى درجة يُرجح أنها لم تلاحظ.
كانت خطته تنجح، وإن كانت قد تأخرت قليلًا بسبب الظروف الأخيرة. الأعداء المحتملون منقسمون أو تقلصت أعدادهم، والمدينة أصبحت أكثر عرضة للاستيلاء عليها. كان النصر قريبًا إلى درجة أنه يستطيع تذوقه.
ربما يستحق الأمر احتفالًا. كان لكويل هو الآخر رذائله الخاصة. ولم يكن من العدل أن يطلب من نفسه أكثر من ذلك، وهو يمتلك الموهبة الفريدة التي لديه.
لقد كانت تلك الموهبة باهظة الثمن بلا شك. حتى مع قدرته على التلاعب بالأسواق بطريقة لا يستطيع العرافون والمتنبئون بالمستقبل اكتشافها، استغرق الأمر سنوات حتى يسدد ثمنها. كان ذلك مسعى محبطًا ومثيرًا للجنون، خاصة أنه كان قد بدأ بالفعل التفكير في الخطط التي يريد تنفيذها، لكنه اضطر إلى تأجيلها. وحتى الآن، لا يزال مدينًا بخدمة، تصل مدتها إلى أسبوع كامل من العمل. ولم يكن متأكدًا مما إذا كان قويًا وآمنًا بما يكفي للرد عليهم إذا طالبوه بثمن باهظ للغاية، أو بوقت طويل أكثر مما ينبغي في لحظة حاسمة من خطته.
ألغى الواقع الذي كان يقف فيه بجانب سرير حيوانه الأليف، ليجد نفسه لا يزال أمام الحاسوب. من الأفضل أن يترك العالم الذي لم تكن فيه صغيرته متعبة إلى هذا الحد، تحسبًا لرغبته في طرح المزيد من الأسئلة عليها ذلك الصباح.
لم تكن العوالم التي يخلقها حقيقية. لم تكن أكثر من أحلام شديدة الوضوح والدقة. أن يستمتع بعالم منفصل بالكامل، خالٍ من أي عواقب تتجاوز تلك التي يريدها بنفسه؟ سيكون من غير المعقول ألا يستغل مثل هذه الفرصة. أي شخص سيفعل ذلك لو أتيحت له الإمكانية.
كانت هذه التسلية تحافظ على اتزانه وهدوئه التام. وكان بحاجة إلى ذلك، بعد الانزعاج الذي سببه له التعامل مع فتاة المسافرين.
ضغط زرًا في هاتفه.
«السيد بيتر؟ إلى مكتبي.»
جاءه الرد: «نعم سيدي.»
كان على وشك تحقيق أهدافه. سيكون من المأساوي والمضحك أن يصل إلى هذه المرحلة، ثم تخذله قدرته، فيختار الواقع الخطأ عن طريق الخطأ، أو تُقتل نسخته الأخرى مصادفة أو بفعل متعمد، فيُجبر على التعايش مع تبعات تلك التسلية العابرة. في الوقت الراهن، لن يلمس حيوانه الأليف، ولا أيًا من مرؤوسيه أصحاب القدرات. ليس وهو قريب إلى هذا الحد.
أدى الضغط على ما بدا أنه جزء من صورة خلفية سطح المكتب إلى انفتاح الدرج السفلي في مكتبه.
دخل السيد بيتر الغرفة.
«سيدي؟»
في أحد الواقعين قال: «حيواني الأليف بحاجة إلى «حلوى»، جرعة منخفضة من فضلك.»
وفي الواقع الآخر، ضغط مرة أخرى على زر الفأرة، فأغلق الأبواب عن بُعد. استدار السيد بيتر مذعورًا، وجرب فتح الباب.
في الوقت الحالي، وحتى مع وجود ضمانة العوالم الأخرى، لن يفعل شيئًا لا يستطيع تبريره إذا اضطر إلى ذلك. لن يتسلى مع أي شخص لا يمكنه استبداله.
السيد بيتر؟ قابل للاستبدال.
ففي النهاية، لا يوجد شيء اسمه الإفراط في الارتياب.
Pegasus 🪽
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.