المنصة التي تُعيِّن الجنرالات!
منذ أن وقّع “لين جيوفِنج” على هذه القطعة الغامضة، بقيت هادئةً بشكل غريب. ورغم أنها أظهرت أداءً لافتًا في بعض المواجهات، إلا أن هيبتها الجبّارة لم تكن متوافقة مع بساطتها الظاهرة.
لم يلحظ “لين جيوفِنج” ذلك سابقًا.
لكن حين واجه تهديد التشكيلة الكبرى لعكس الحياة في سلسلة جبال “الكسر الغربي” بصحراء الغرب، وكانت قوّة التشكيلة على وشك أن تبتلعه، تحرّكت منصة تعيين الجنرالات من تلقاء نفسها، لتقف في وجه هذا الخطر العاصف.
في تلك اللحظة، أدرك “لين جيوفِنج” أن هذه القطعة تخفي في أعماقها طاقة طاغية لا حدود لها. لكنه لم يكن قادرًا على تحريكها.
ربما لأنه لا يزال ضعيفًا، أو أن سيطرته لم تكتمل. فهذه الطاقة لم تكن تستجيب إلا عند تعرضه لخطر هائل.
ولأجل ذلك، ظل “لين جيوفِنج” يخفي منصة تعيين الجنرالات طوال الوقت، يواصل استفزاز متسامية الحرب، حتى ضربت بكلّ قواها. وعندها فقط، استدعاها.
وانفجر التأثير فورًا.
دفعةٌ طاقيةٌ مروّعة انبعثت من المنصة، فاهتزّ الفراغ من حولها وارتجّ الكون نفسه. واندفعت الهالة الخفية إلى السطح كبركان انفجر من تحت جليد.
في لحظة، طارت متسامية الحرب التي لطالما بدا أنها لا تُقهر.
ارتجف جسدها في الهواء، عاجزةً عن الوقوف. وبصقت دمًا داكنًا بغزارة، تناثرت قطراته مثل نيازك سقطت من فم الجحيم. ثم حدّقت بالمنصة بدهشةٍ مذهولة، وفقدت رباطة جأشها لأول مرة.
«ما هذا بحق الجحيم؟!» صرخت، وهي ترتجف من الغضب. كان شعرها الأسود يتطاير في الهواء كلهيب مظلم، وعيناها تشتعلان جنونًا.
حتى عندما خُدعت من قِبل عرق المتسامي وسُجِنت في الماضي، لم تتعرض لمثل هذه الضربة القاسية.
رغم أن قوتها قد خبت كثيرًا بعد أكثر من عشرين ألف عام من الختم، إلا أن هذا لم يبرر ما حدث لها.
أن تُضرب هكذا، وبهذه الطريقة… بواسطة كنزٍ مجهول؟!
لكن منصة تعيين الجنرالات لم تتوقف. بل تابعت انفجارها الطاقي، تشقّ الفضاء، وتخترق الفوضى، وتهاجم المتسامون من كل الجهات.
تغير وجهها، وصرخت بغضب، مستخدمةً أقوى تعاويذها. فمزّقت العالم الثالث محاولةً الهروب.
«أوقفيها!» صرخ “لين جيوفِنج”، فاستجابت المنصة له مباشرةً.
وخرجت منها ست كلماتٍ قديمة، مكتوبةٍ بلغةٍ لم يعرفها “لين جيوفِنج”.
كلماتٌ تحمل هيبة الزمن القديم، تشعّ ببساطةٍ خالدة، وطاقة لا تُقاس.
تجمّعت تلك الكلمات في السماء، وامتصّت من حولها قوة الفراغ، وشكّلت سجنًا صغيرًا، كعالمٍ مستقل، ينبض بطاقةٍ خالدة.
دوّى صوتُ ارتطامٍ عظيم.
فقد اصطدمت متسامية الحرب بهذا الحاجز الجديد. قضم الغضب شفتيها الحمراء، واشتعلت عيناها بالحنق.
«أتظنون أن هذه القطعة التافهة ستمنعني؟» قالتها بغيظٍ يشقّ الصمت.
«لمَ لا تحاولين الهرب إذًا؟» قال “لين جيوفِنج” بسخرية، وهو يمسح الدم عن شفتيه.
«وإن لم أستطع، سأقتلك أولًا!» ردّت المتسامية، وهاجمته بلا تردد.
التفّت هالتها حولها، وبلحظة استعادت كامل قواها. فأصلحت جراحها السرية بتقنيةٍ عليا، ثم وجّهت لكمةً قاصمة نحوه.
دويٌّ مرعب!
انهار الفراغ من حولهما، وتفتحت فيه شقوقٌ سوداء متوالية، تتوسّع وتتقلص كأنها جراحٌ لا تندمل.
مع كلّ لكمةٍ منها، كانت النجوم تهتز. وكأنها في ذروة مجدها من زمن محاكم الخلود.
“لين جيوفِنج” لم يتراجع.
تنفّس بعمق، والتأم جسده المتضرر، وعاد ذراعه المكسور إلى حالته. استلهم من آلاف الطرق العظمى، وتسلّح بها جميعًا وهو يقف على المنصة، يردّ الهجمات بصلابة.
حول جسده، انبسط بحرٌ من النجوم.
نجومٌ تتهاطل كالسيوف، تشكّل نطاقًا سماويًا واسعًا، يشعّ كالشمس.
كلّ نجمٍ حمل في طياته قانونًا من قوانين الوجود.
بوووم!
تقدّم “لين جيوفِنج” بلكمةٍ جبّارة، تزامنت معها انفجار النجوم من حوله. وانطلقت موجاتٌ من النور تتدفق كالمحيط.
في لحظة، بدا وكأنه متسامي النجوم.
لكن رغم ذلك، ما زال أضعف منها.
فهي، ورغم ضعفها الحالي، كانت تلامس مستوى ملوك الخلود. بينما هو، لا يزال في عالم الخلود، متقنًا لثلاثة آلاف قانون، لكنه عاجز عن التغلب عليها.
ومع تواصل المعركة، بدأت منصة تعيين الجنرالات تسهم أكثر في الضغط عليها.
كانت تحاول حبسها داخل هذا العالم الصغير.
وتجاوب “لين جيوفِنج”، فأطلق أقوى طاقاته، ورفرفت قوانينه فوق بحار النجوم.
«أجبرتموني على هذا… أنتم تستحقون الموت!» قالت متسامية الحرب، وتحولت طاقتها فجأة.
توغّلت في قلب الكون، وبدأت ترسم كلماتٍ قديمة، غير مألوفة حتى عند “لين جيوفِنج” الذي درس آلاف الأسفار.
كلّ كلمةٍ منها كانت أقوى من السيف، تُحدث صدًى عنيفًا حين تصطدم بكلمات المنصة.
مع ظهور الكلمة الثالثة، بدأ السجن يهتز، وكاد أن ينكسر.
لكن المنصة قاومت، زرعت كلماتها الستّ في الفراغ، فصمدت.
تقدّم “لين جيوفِنج” بلكمة، فردّت عليه بضربةٍ اجتثّته من الوجود.
انفجار هائل.
تطايرت النجوم، وتحطّم الزمن للحظات. وسقط جسده إلى الأرض، ثم عاد إلى الحياة مستخدمًا تقنية «رؤية الخلود في دوامة التناسخ».
وبينما وقف لاهثًا، رأى متسامية الحرب تجلس القرفصاء وسط السجن، ترسم رموزًا لا تشبه أيّ قانون يعرفه.
كان ما تفعله… فوق إدراكه.
«هذا الطريق أقوى من كلّ قوانيني…» تمتم.
ثم ظهرت الكلمات الأخرى تباعًا، حتى امتلأ الفضاء بالكلمات الغامضة.
بوووم!
مزّقت السجن بقوة، لكن جراحها كانت قاتلة.
وقبل أن تغادر، رمقته بنظرةٍ حاقدة.
«أيها الإمبراطور جيوفِنج… سنلتقي مجددًا!» ثم شقّت الزمن، واختفت.
هدأ كلّ شيء.
المنصة لم تستطع إيقافها.
لكنها تركتها تنزف بشدة، وهذا يمنح البشر هدنة مؤقتة.
تنهّد “لين جيوفِنج” بشدّة، جسده متهالك، لكنه انتصر. أو بالأحرى، نجا.
ثم ظهرت أمامه رسالة:
«هزمتَ متسامية الحرب. هل ترغب في التوقيع؟»
«نعم!»
«توقيع ناجح. حصلتَ على الكلمات الاثني عشر القديمة.»
رفع حاجبيه بدهشة، فالمكافأة هذه المرة… غامضة.
«ما فائدتها؟» تساءل.
«أصل الكلمات الاثني عشر يحتاج إلى الاستكشاف.»
ضحك بمرارة.
لكنّه احتفظ بها، وعاد إلى الأرض.
•
«هل أنت بخير؟» سألته “الآنسة هونغ” بقلق.
«نجوت، لكنّها هربت… سيكون هناك تبعات لذلك.» أجابها، وهو يتنهّد.
سألها عن الآخرين… عن “التنين الأبيض”.
صمتت.
ثم أخبرته أن التنين الأبيض… أحرق حياته، ليكسب له الوقت.
ارتجف قلبه، وهو ينظر نحو القرية التي اختفت تحت يد متسامية الحرب.
وقف وسط البحيرة، وحدّق بصمت.
•
«لقد أدّوا واجبهم، والباقي عليك…» قالت له “هونغ”.
شدّ قبضته، وقال بثبات:
«سأجدها. وسأنهي كلّ شيء.»

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!