929. العبيد
لم يكن قرار القوات الغازية بمعاودة الهجوم نتيجةً لحدثٍ مُحدد، بل خيارًا حتميًا اتُّخذ بعد أن رأوا أن العقود التي قضوها في سلامٍ قد تجاوزت مستواهم السابق.
بعد كل شيء، مرّ أكثر من سبعين عامًا على نهاية الحرب. ذلك الوقت كافي لتربية ممارسين واعدين، من البشر إلى الأبطال!
حتى الوحوش القديمة تمكنت من التحسن في تلك الفترة بفضل الخبرة التي اكتسبتها في المعارك، ومناطق التدريب التي تم بناؤها في الأراضي الجديدة، واللوحة السماوية إذا بدت لديهم القدرة على استخدام الماء.
لم يتوقف العالم قط. يتقدم دائمًا مع الكائنات القوية التي تعيش فيه، ولم يكن من الغريب رؤية اتجاه إيجابي بعد الوصول إلى هذا الكم الهائل من الموارد.
بالطبع، لم تتحقق التحسينات فورًا. فقد أحرقت إمبراطورية شاندال ودمرت المباني التي بنتها في تلك المناطق، مما يعني أن القوات الغازية اضطرت إلى الاستثمار قبل أن تتمكن من جني الفوائد.
كما أن الاتجاه الإيجابي لم يكن يثير قلق الإمبراطورية لأن الغزاة حصروها في القارة.
ومع ذلك، فإن إجمالي عدد الممارسين زاد، وحتى أنهم تجاوزوا مستواهم السابق من حيث القوة.
لم يكن من الصعب تحديد أيّ منظمة تحسّنت أكثر خلال فترة السلام. من الصعب تجاهل محنة السماء عندما بدت جميع القوات الغازية تتشارك الحدود.
هذا لن يُقدم نظرة شاملة على نموهم، لأن المحن لم تُشر إلا إلى الممارسين الذين يقتربون من مراتب البطولة، وليس إلى أولئك الذين يتقدمون عبر المراحل. ومع ذلك، فقد كشفت عن أسس تلك المنظمات، مما قد يُؤدي إلى تخمينات شبه دقيقة حول تطورها.
برزت الخلية بفضل جنود شعب أودريا. تساقطت عواصف رعدية متتالية من السماء فوق أراضي الخلية، ولم تبدأ بالتباطؤ إلا مع اقتراب الحرب.
ثم بدا هناك الممارسون الآخرون الذين انضموا إلى الحرب والمواهب الواعدة الأخرى التي ظهرت في تلك السنوات.
ولم يشك المجلس وعائلة إلباس في أن الخلية بدت المستفيد الأكبر من الحرب.
تبعت عائلة إلباس عائلة الخلية من حيث عدد المحن. لم يكن عددهم قريبًا من عددهم، لكنهم كانوا كثيرين.
لكن كل من في تلك الأراضي الفانية لاحظ أن هناك شيئًا ما يجري تحت السطح لدى الملوك. بدأ كل شيء منذ إنشاء البوابة البعدية، واستمر عندما أجبروا النبلاء على الانضمام إلى رتبهم بوعودٍ لا تُصدق.
لم يجرؤ أحد على التقليل من شأنهم لمجرد أن عدد محنهم لم يتطابق مع الخلية.
وأما المجلس فكان أكثر غموضا.
بدت الطوائف سرية للغاية، ولم ترسل سوى ممثلين لها في المجلس. هذا يعني أنها قادرة على وضع سياسات مختلفة داخل نطاقاتها والتحكم في نموها كما تشاء.
وبعد ذلك، بدا هناك “الشيطان المدمر” والعمليات السرية التي يبدو أن أغلبية أعضاء المجلس يسمحون بها.
من بين القوات الغازية الثلاث، شهدت أمة بابرال أقل عدد من المحن السماوية في تلك الفترة السلمية، ولكن لم يجرؤ أحد على التقليل من شأنها أيضًا.
لم يكن نوح يعلم من صاحب فكرة استئناف الحرب أولاً، لكنه يعلم أن اجتماعات بدت قد عقدت بين كبار المسؤولين في كل منظمة بينما هو مشغول بمشاريعه.
في مرحلة ما، تلقى رسالة ذهنية من الشيخة جوليا، وأوقف تجاربه للانضمام إلى بقية القوات في الهجوم على القارة.
جلس نوح متربعًا في السماء فوق الساحل الغربي للقارة العجوز. وقف الشيخ أوستن، والشيخة جوليا، والشيخة إنغريد في الهواء بجانبه، ونظروا إلى القوات البشرية المنتشرة على الأرض.
كبار أفراد عائلة إلباس والمجلس في مجموعات منفصلة على مسافة منهم. وكان تركيزهم منصبًّا على الميدان أيضًا.
بدا هناك جيش كبير مكون من الممارسين البشر يتجمع بالقرب من البحر، وكان العديد منهم لا يزالون في عملية النزول من السفن التي ملأت تلك المنطقة من الساحل الغربي.
بدت المناطق المحيطة بمنطقة نفوذ الإمبراطورية في معظمها أراضٍ قاحلة مليئة بالعبيد، خالية من أي قيمة حقيقية. لم يُكلف ممارسو الإمبراطورية الأبطال أنفسهم عناء الدفاع عنها، لذا أصبح دور نوح والآخرين الآن الإشراف على المعركة.
بالطبع، بدا هناك حدٌّ لمدى اهتمام تلك الكائنات بالمعارك على هذا المستوى. بل بدا هناك احتمالٌ كبيرٌ ألا تستخدم الإمبراطورية تشكيلاتٍ ثمينة للدفاع عن تلك الأراضي.
بدت تلك الأراضي مفيدة للإمبراطورية فقط كمصدر لـ “فوستوم ” وهي المادة التي استخدمها معظم مواطنيها في طرق تغذية أجسامهم.
مع ذلك، انخفض عدد سكانها بعد الحرب، وبدت على وشك مواجهة المزيد من الخسائر. وكان فقدان معسكرات التعدين آخر مشاكلها.
نشرت الإمبراطورية عددًا من العبيد لمواجهة الجيش الضخم. وملأ صوت رنين السلاسل على أعناقهم ساحة المعركة بأكملها وهم يتحركون لمواجهة أعدائهم.
بدت تعابير العبيد خاوية. خمّن نوح أنهم لم يكونوا على دراية بالوضع من حولهم، بناءً على ما يعرفه عن سلاسل الإمبراطورية المنقوشة.
“ستكون هذه مذبحة ” علقت الشيخة إنغريد وهي تراقب الجيشين يقتربان من بعضهما البعض.
لم يعلق الشيوخ الآخرون على كلامها، وأدرك نوح أنها على حق أيضًا. لم يكن من المجدي حتى تخمين نتيجة تلك المعركة. بدا من الواضح أن الإمبراطورية بدت تهدف فقط إلى إضعاف القوات الغازية بتلك الموجة من العبيد.
لقد جرت المعركة كما تنبأت الشيخة إنغريد.
نشرت جحافل الممارسين البشر من القوات الغازية تشكيلات قتالية فعّالة وازنت بين هجومهم ودفاعهم. لكن العبيد انقضّوا بتهور، غير مكترثين بأنهم يركضون نحو موت محقق.
استمر هجومهم حتى لو ارتدت بعض الهجمات أو بتر أحد أطرافهم. بدا أن كل ما يشغل بالهم هو الوصول إلى جيش العدو.
أدى هذا التكتيك في النهاية إلى خسائر في رتب الغزاة. صمد الغزاة أمام هذا الحشد المتهور لفترة قبل أن يقرروا التحول إلى تشكيل قتالي أكثر دفاعية.
هاجم العبيد على أي حال، حتى عندما رأوا الغزاة يستدرجونهم بفخاخ ذكية أو إلى مناطق خالية يملؤونها بالهجمات. لم يكن همهم سوى إيذاء أعدائهم.
انهمرت أنهار من الدماء على تلك الأرض الرملية. احمرّت الأرض وتحولت إلى طين مع تراكم الجثث على سطحها.
مشهدًا فظيعًا، خاصةً من موقع نوح. مع ذلك، فقد لعب دوره بالفعل بين هؤلاء الممارسين البشر، ونجا.
“تبدو صراعات النمل بلا معنى في نظر التنين ” فكّر نوح بينما يجول بعقله في عالم القوانين. “لكن السيف لا نوع له ولا حدود. كل ما يعرفه هو أنه يجب أن يقطع ليتقدم.”
